قرر علي الذهاب إلى البستان بني عامر فطلب من شيخ حرب جملا ومعه ما يلزم. قال الشيخ: "البستان على مسافة يومين، إن لم تكن واثقا من نفسك لا تذهب". قال علي: "سيكون الله معي، أعد ما طلبته منك ولا تنس أن تضع سلاحا". في الغد نهض علي مبكرا فوجد أحد العبيد في انتظاره مع الجمل. قال له العبد: "لقد طلب مني سيدي مرافقتك، فأنا أعرف الصحراء جيدا وأحسن الرمي بالنبال". قال علي: "لا مانع لدي، وأطلب منك فقط طاعة أوامري".
أومأ العبد بالقبول. في الطريق لم يكن هناك ماء، فقد دفن الجن كل الآبار. سأل العبد: "ماذا حصل ليعاقب الجن أهالي هذه البرية؟ أجاب العبد: "لقد نشب قتال بين قبيلة من الجن المسلمين وقبيلة من كفار الجن الذين حلوا هنا، وانتصر الكفار بفضل السحر. وانحاز الإنس للجن المسلم، ولما هزموا لم يترك سحرة الجن أي مناسبة للتنكيل بهم، سواء أن كان لسبب أو دونه". ظهر الاهتمام على وجه علي وسأله: "وما هو سبب قدوم هؤلاء؟
فمنذ أيام سليمان كان لكل قبيلة من الجن أرضها". قال العبد: "يقال أن هناك كنوزا كثيرة في هذه البرية مدفونة في الرمال، دون شك جائوا وراء الذهب". قال علي: "هل حكاية الكنوز صحيحة أم من خيال القصاص؟ رد العبد: "قبل أن يأتي الجن إلى هنا، عثر البدو على كنز عندما كانوا يحفرون بئرا. والآن من المحال أن نحفر، ويقال أن من يحاول أن يفعل ذلك تفتك به العقارب السامة".
كان علي يتعجب لسماع هذه الحكايات. وفكر أن هؤلاء القوم من الجن يسكنون الحفر العميقة والمغاور، لهذا السبب كان سحرتهم يجتمعون في الآبار المهجورة. سأل علي: "هل هناك مغاور وأنفاق في هذه البرية؟ نظر إليه العبد بدهشة وقال: "كيف عرفت؟ هناك تلة صخرية مرتفعة مليئة بالأنفاق العميقة التي تنزل إلى باطن الأرض، وماءها أحسن المياه، لكن الآن لا يذهب إليها أحد". أحس علي بالرضى عن استنتاجه وقال: "لماذا؟
قال العبد: "لقد سكنتها الأرواح الشريرة". في اليوم الثاني وصلا إلى بستان بني عامر. قال العبد: "سأبقى هنا مع البعير، هذا المكان يشعرني بالرهبة". أجاب علي: "لا عليك، انتظرني ساعة، إن لم آت إليك خذ البعير وإرحل بسرعة". أخذ علي سيفه وتعوذ، ثم اقترب من حافة البستان.
كانت الأرض جافة مشققة والأشجار ميتة، لا أثر هنا للحياة، حتى العصافير. واصل التقدم لكنه وقف وقد أصابه الخوف، شاهد هياكل عظمية مازالت بملابسها وهي تتأرجح بين الأشجار، وسمع أصواتا كأنها نواح نساء. لكنه تجلد ومشى خطوات أخرى، وإذا به يشاهد فتيات جميلات يدعونه للجلوس معهن، وأحس بشيء يجذبه إليهن. عندما
اقترب منهن أخذ سيفه وقال: "بسم الله". وضرب أولهن، فإذا بجمجمة نخرة تسقط أمامه وتحولت الفتاة إلى عظام بالية. وكلما ضرب واحدة أصبحت عظاما. قال في نفسه: "لقد سحر الجن عيوني، ولا أعرف إن سأرى حقيقة أم وهما". عندما وصل إلى العين سمع شخصا يناديه باسمه. لقد تذكر هذا الصوت، لم يسمعه منذ سنوات. وقال: "أبي هل هذا أنت؟ هل عدت أخيرا؟
لقد كان أبوه وعمه يعملان في حراسة القوافل من قطاع الطريق، وفي أحد الأيام رحلا ولم يسمع أحد بخبر عنهما. لكن علي تذكر السحر، أحس برغبة في ضم والده، قد يكون حقيقة. سأله: "هل تتذكر أختي الصغيرة؟ أجابه: "نعم أتذكرها". وهنا أخذ سيفه وقال له: "لست أبي، فليس لي أخوات". وضرب رقبته، فسقط عظاما مثل الجواري. فكر علي في أمر هذا السحر الغريب.
ثم قال فجأة: "الأمر واضح، يأخذ الأموات مظهر الذي تهواه نفسك من أهل أو حبيب، لكن بمجرد لمسهم يتبخر لحمك وجلدك وتصبح مثلهم عظاما نخرة". نظر حوله، كان هناك العشرات من عظام العرب والروم، عرفهم من ملابسهم وهيئتهم. "لا بد أن ينتهي كل هذا السوء". عندما أخذ الورقة المكتوب عليها خواتيم سورة البقرة، أقبل غراب وأخذها منه وطار. صرخ علي: "فبدونها لا يستطيع عمل شيئ". لكنه سمع صوت سهم ينطلق وراءه ويصيب الغراب الذي سقط.
التفت علي بدهشة وراءه، فإذا به يشاهد العبد. أسرع إليه وربت على كتفيه وقال له: "لماذا لم تسمع كلامي؟ أجاب: "مهمتي هي أن تعود حيا. نائلة خطيبتك هي من أرسلتني ووعدت أن تعتقني إن أحسنت عملي".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!