أزاحت الممرضة الستائر عن النافذة ثم استدارت إلى يونس الذي كان يجلس على المقعد، فهو ما زال مستيقظًا. التفتت إليه الممرضة وهتفت سائلة بنبرة هادئة: -تحب حضرتك تفطر هنا ولا هتفطر تحت؟ نظر يونس عبر النافذة إلى السماء: -ممكن تخرجيلِي أكلي بره على ما دكتورة تمارا تيجي؟ فأجابت الممرضة بطاعة: -طبعًا. بعد ساعة، كان قد أتم يونس إفطاره. نظر إلى ساعته فوجد أن تمارا قد تأخرت عن موعدها، فقام بالنداء إلى الممرضة.
تحدث يونس بنبرة يسودها القلق، فهو يعلم أنها منضبطة في مواعيدها: -رنّي على الدكتورة شوفيها اتأخرتْ لِيه. أخرجت الممرضة الهاتف ثم قامت بالاتصال بتمارا، لكن لم تجب. فحاولت الممرضة مرة أخرى، فلم تجب أيضًا. فنظرت إلى يونس بيأس: -برن عليها لكن مش بترد، تحب حضرتك أرن عليها في المستشفى؟ فأجاب يونس مسرعًا: -شوفيها. فطلبت الممرضة المستشفى ثم رجعت إلى يونس وأخبرته بما علمت به: -طلبتهُم يا بشمهندس وقالولي إنها أجازة النهارده.
نظر يونس لها، وعلامات التعجب قد ارتسمت على وجهه: -أجازة! فقاطعهما حمزة وهو يجلس أمام يونس: -مين اللي أجازة؟ فأجاب يونس قائلاً: -تمارا، لما اتأخرت حاولتْ أكلمها بس مردتش، فكلمنا المستشفى قالوا إنها أجازة، ودي حاجة غريبة. تمارا عمرها ما اتأخرتْ عن التجمع بتاع نهاية الأسبوع. فأشار حمزة إلى الممرضة لكي تغادر: -لا أطمن، طبيعي في اليوم دا تقدر تاخد أجازة. فنظر له يونس باستفهام: -مش فاهم، يوم إيه؟ فاعتدل حمزة في
جلسته ثم شرح ليونس السبب: -النهارده 19 في الشهر. كل سنة في نفس اليوم بتاخد أجازة اليوم دا. فعقد يونس حاجبيه بتفكير: -ليه!؟ فنظر له حمزة بنظرة مطولة، فالشك قد ترسب إليه: -جوزها مات زي النهارده. وبعدين مش ملاحظ إنك مهتم أوي بتمارا وبتسأل عنها كتير الفترة الأخيرة؟ فأجاب يونس متهربًا من نظرات حمزة: -أولاً هو مش جوزها، هو كان خطيبها. ثانيًا مش مهتم ولا حاجة، هي بقت صديقة ليا.
حاول حمزة كتم ضحكاته من الغيرة الواضحة من حديث ابن عمه، ثم وقف لكي يغادر: -هعمل نفسي مصدقك، هلحق أنا الاجتماع. فأوقفه يونس بتردد: -حمزة، هطلب منك طلب قبل ما تمشي. *** بعد مدة من الوقت، داخل إحدى المكاتب الخاصة بشركة المنياوي، كان سالم يجلس على المقعد وأمامه إحدى الملفات، ينظر لها بشرود. قطع شروده دخول حمزة. فتحدث حمزة بمزاح: -لا دا أنت حالتك حالة يا سالم باشا، بقالك أكتر من أسبوع ماسك الملف دا.
ثم شد حمزة الملف، فحاول سالم مسرعًا أخذ الملف لكنه لم يلحق. فتطلع حمزة إلى الملف بدهشة عندما رأى صورتها، ثم رفع نظارته ونقلها إلى عمه: -ملف عن تمارا؟ طب ليه؟ فهتف سالم بنبرة يسودها التهرب: -عادي يعني، مش دي الدكتورة النفسية بتاعة يونس؟ وطبيعي إن أعرفَ كل حاجة عنها، خصوصًا إن يونس مقرب منها أوي. بعدين سيبك من كل دا، خلينا في الاجتماع. فعاد التوتر يتسرب إلى حمزة مرة أخرى:
-ربنا يستر من بنت أخوك لما تعرف المصيبة اللي مخبينها عليها. عمار هيرجع أمتىَ ينجدني منها. فأجاب سالم وهو يجمع متعلقاته: -طب قدامي عشان زمان فضل وصل. *** تحدث فادي بصوت عالٍ بعض الشيء: -إزاي يعني مضيت على عقد جديد؟ فوقفت لمار بغضب: -بعيدًا عن صوت حضرتك العالي، أنا ممضتش عقد، دا إعلان وعادي جدًا أعمله، ومعتقدش في بند في الاتفاق يمنعني أعمل إعلان. قاطعهما دخول فريد، يتبعه أنس الذي دلف ثم وقف بجانب لمار مباشرةً،
ثم وجه حديثه إليها: -حد دايقك بحاجة؟ فأجابت لمار بدهشة من وجوده في المكتب، فهي لم يطل غيابها بالداخل كثيرًا: -لا أبدًا. فنظر أنس إلى فادي بجمود: -عمتاً، هو محدش يقدر أبداً. فابتعد فادي عن مكتبه متجهاً إلى أنس، فتدخل فريد مسرعًا منعًا من وقوع اصطدام بينهم: -أنت إيه اللي دخلك هنا؟ فهتف أنس بنبرة يسودها الغرور: -أنس المنياوي يدخل المكان اللي هو عايزه. فنظر له فادي بغضب ثم تحدث قائلاً:
-ما هو أنس المنياوي ما بيلاقيشْ غير اللي يخصني وياخده مني، مش كده بردو ولا إيه؟ كاد أنس أن يجيب، ولكن قاطعته لمار هاتفه بنبرة يسودها الغضب، فهي لم تستطع التحكم بعد جملته، فكشفت عن مخلبها: -أنا مش حاجة تخصك ولا حاجة شارياها بفلوسك عشان أنس ياخدها منك، ومن النهارده، ياريت كل العقود اللي بينا تتفسخ، أنا ميشرفنيش أتعامل مع واحد زيك أسلوبه همجي. فأجاب فادي بنبرة يسودها السخرية: -ياريت متنسيش الشرط الجزائي للي يفسخ العقود.
فأمسك أنس بيد لمار ثم هتف بثقة: -هاخدهمْ على الجزمة. ثم أخذها وغادر. حاول فادي التهجم على أنس، فمنعه فريد. فصرخ به فريد: -كفاية بقي يا فادي، مش كده؟ فقام فادي بإبعاد فريد عنه: -أنت إزاي تدخل البني آدم دا هنا؟ فأجاب فريد بصوت عالٍ نسبيًا: -أنا مدخلتهوش، تقريبًا كان مع لمار لما أنت كلمتها، ولما لمار اتأخرت مقدرتش أمنعه إنه يدخل. *** نظرت ليلى إلى المحامي بصدمة، ووقف فضل بعصبية: -اللي أنا سمعته دا صح!؟ فجذبه
سالم لكي يجلس مرة أخرى: -اقعد بس يا فضل واسمع الكلام. فتحدث المحامي بتهذيب: -يا أستاذ فضل، دي شركات يونس المنياوي، وهو الوحيد اللي مسؤول عن مين يبقى الوكيل له في كل حاجة هنا. والأوراق قدامي بتقول إن حمزة فضل المنياوي، وليلى خالد المنياوي هما اللي مسؤولينْ عن كل حاجة هنا. فتحدثت ليلى محاولة السيطرة على صدمتها: -يعني مش عمار زي ما عرفتوني. وبعدين إزاي يونس يعمل حاجة زي دي؟ إيه دخل الدكتور حمزة في شغلنا؟ فأجاب
حمزة بنبرة يسودها السخرية: -واضح إن البشمهندسة ليلى ناسيه إني اشتغلتْ هنا لفترة كبيرة، وطول السنين اللي فاتت كنت متابع الشغل مع عمار ويونس. فتدخل فضل بالحديث: -إزاي يونس يعتمد عليهم؟ المفروض حد كبير هو اللي يمسكها. فأجاب سالم بجدية، محاولًا منع طمع أخيه، فهو يعلم جيدًا بما هو يطمع: -دي شركته، ويعمل اللي هو عايزه فيها. فهتف فضل بعصبية لم يستطع التحكم فيها: -مش دي شركة المنياوي بردو، وابني شغال فيها.
فنظره له حمزة بسخرية، فهتف سالم منهيًا للحديث: -دا زمان كنا نقدر نقول شركة عيلة المنياوي، بس لولا يونس وبشركتهُ اللي كانت لسه صغيرة أنقذك من كل الديون، اللي وصلت الشركة إنها تتقفل. صمت لثوانٍ، ثم أكمل حديثه موضحًا: -يعني من الآخر، دي شركة يونس خالد المنياوي، بس بردو يونس معملش كده وقال دي شركتي لوحدي. يونس حط عشرة من أسهم الشركة باسم عمار وحمزة، والباقي أخده هو وإخواته.
نظر له فضل بغضب، ولم يستطع أن يجيب عليه، فللأسف لم يكذب شقيقه بحرف، ثم غادر. فالتفت سالم للمحامي: -سوري يا متر، ممكن تتفضل معايا للمكتب نشوف باقي الأوراق. بقيت ليلى تنظر إلى حمزة بغضب، فتحدث حمزة بمشاغبة: -إيه؟ خايفة لتكوني بتعكي الدنيا في الشغل؟ أنا أعرف زي زمان. فوقفت ليلى وهي تمسك الملف بيديها: -تصدق، أنا اكتشفت إن في غيابي إن دمك بقى خفيف. استني يا سالم عشان الجو هنا بقى خفة أوي. ***
بإحدى الأماكن التي تتوسط أطراف المدينة، وقفت سيارته ثم ترجل منها. مسح المكان بعينه ثم اتجه إليها عندما رآها تجلس على إحدى المقاعد. فاقترب منها ثم جلس بجانبها. فالتفتت على أثر جلوسه، ثم نظرت إليه بصدمة وتهجب من وجوده: -يونس!! أنت جيت هنا إزاي؟ أنت كويس مش كده؟ نظر لها يونس لبعض الوقت ثم هتف بخفوت: -متقلقيش، أنا كويس. استنيتكْ كتير زي ما وعدتيني. فهتفت تمارا بنبرة يسودها الدهشة: -فتقومْ تجيلي؟ فأجاب
يونس وهو على نفس حالته: -لو مجتيش أجيلك أنا. لا تعلم تمارا ما هو هذا الشعور الذي سكن قلبها لثوانٍ، فبلعت ريقها بتوتر محاولة الهروب من نظراته: -بس محدش يعرف المكان دا غيري أنا. فأكمل يونس حديثها: -وخطيبك. عمتاً، عرفته بطريقتي. نظر إلى المبنى الذي يسكن خلفهم ثم تحدث بتساؤل: -دا بيته؟ فنظرت تمارا إلى البيت ثم تحدثت:
-الأول كنا عايشين في إسكندرية، ولما عمو وبابا قرروا أنهم يجوا القاهرة، طارق وخالتي جم معانا. كان والد طارق متوفي، وعرفت المكان دا عن طريق طارق، كنا لما حد فينا يزعل يجي هنا لحد ما طارق قرر يشتري البيت دا يبقى لينا لوحدنا. بعدت تمارا أنظارها عن البيت، فتساءل يونس بجمود: -كنتي بتحبيه أوي كده؟ فشبكت تمارا كفوف يديها ببعض بتوتر من سؤاله:
-طارق كان بالنسبالي كل حاجة، خصوصًا بعد ما بابا اتوفى. كان أب وأخ وحبيب وكان صديقي، وكان ونعم الصديق الوفي. سافر يوميها من غير ما أعرف، كلمني لما وصل، وأنا عملت فيها زعلانة منه. سابلي رسالة يراضيني فيها، وسمعتها ونمت وصحيت على أكبر كابوس، إنه معدش موجود وسطنا. أخذت نفس ثم أكملت:
-محسيتش بحاجة غير بعدها بأسبوع، صحيت لقيت نفسي في مستشفىَ وحالتي كانت متدهورة وكنت فاقدة أعصابي. فضلت لفترة حوالي شهرين في المستشفىَ، في وسط التحاليل اللي كانت بتتعمل لي، الدكاترة اكتشفوا حاجة… فتساءل يونس بنبرة يسودها القلق: -إيه؟ فنظرت له تمارا لثوانٍ ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة: -طلع عندي لوكيميا. فأجاب يونس بصدمة: -إيه!؟ فابتسمت تمارا:
-الناس كلها المرض بيجيلها وكانت بتخاف من الموت، وأنا جالي، كنت فرحانة بيه، كنت حاسة إن ربنا بيقولي أيام وهجمعكوا ببعض تاني. بس دا معجبش والدتي وأهلي. مسحت باناملها دمعة قد انزلقت على خديها:
-وبعد فترة، لما فقت نفسيًا وقدرت أقابل ناس، جالي صديق لطارق كان سايبلي معاه جواب، اللي عرفته منه إن طارق كان عارف إنه في خطر وإنه ممكن يجراله حاجة في السفرية دي، كان بيطلب مني أكملْ حياتي لو جراله حاجة، كان عايزني أحقق كل حلم حلمناه مع بعض. وقفت من مجلسها ثم أعطت له ظهرها. أغمضت عينيها لثوانٍ تمنع شهقاتها، ثم فتحت عينيها وحاولت التحدث:
-طول عمري بشوف إن الوجع والكسرة ممكن يتحولوا لطاقة وقوة تزقنا لقدام، بس المرة دي لقيت نفسي بغرقْ، بغرق وبصراحة مش عارفة إيه هو الحل، مرمية في نص البحر لوحدي، يا هستسلم يا هعافر، واعافر وفي الأخر هموت، ماهو مفيش أي طوق نجاة، واللي كان بينجدني مبقاش موجود، وبقى مطلوب مني أحارب لوحدي. مسح دمعة قد نزلت من مقلتيه عندما شعر بالوجع والمعاناة التي مرت به، ثم وقف من جلستها بجانبها محاولًا مواساتها:
-هقولكْ كلمة حد عزيز عليا قالهالي، ربنا بيحطنا في مواقف وظروف عشان عالم إننا قدها، وبيشوف صبرنا أد إيه، وأنتي كنت قدها وعديتي منها. فانشقت شفتي تمارا عن ابتسامة عندما علمت هوية هذا الشخص العزيز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!