دق جرس البيت فهتفت ساجدة لفاطمة لكي تفتح الباب. فصاحت فاطمة بصوت عالٍ عندما لم يتوقف الرنين: -أيوه جايه. فتحت فاطمة باب المنزل ثم تغيرت ملامح وجهها إلى الشحوب، فهي لا تصدق أنها تراه يقف أمامها. بلعت ريقها في توتر ثم نظرت إلى الداخل بترقب، ثم عادت أنظارها إليه وتحدثت بهمس: -أنت بتعمل إيه هنا؟ إيه اللي رجعك بعد السنين دي كلها؟ فخفض أنظاره ثم هتف بخفوت: -كان لازم آجي. قاطع حديثها ساجدة التي كانت تقف خلفها وتهتف:
-مين اللي على الباب؟ ولكن لم تكمل حديثها من الصدمة، قامت بغلق عينيها ثم فتحتها مرة أخرى، فهي لا تصدق أنه هو الذي يقف أمامها بعد كل هذه السنوات. سريعا ما تجمعت الدموع في عينيها وهتفت بصدمة: -سالم؟! ولكن لم تكمل جملتها وهي تشعر نفسها تدخل في دوار يأخذها إلى عالم آخر. فأسرع سالم نحوها عندما رآها تغيب عن الوعي وقام بحملها إلى الداخل. ***
أوقف سيارته أمام النيل ثم نزل واتبعته لمار. أغمض عينيه وأخذ شهيقًا ثم أخرجه محاولًا الهدوء، بينما لمار التزمت الصمت ولم تتحدث. فتح عينيه ثم تحدث وكانت ملامح الجمود مرسومة على وجهه: -أنا آسف. فظلت لمار على حالتها، لم تنظر له: -على إيه؟ فتنهد أنس بصوت عالٍ وأجاب قائلًا: -مكنش ينفع أتدخل في شغلك إنتي وفادي. يمكن تعارفنا مكنش كويس، بس دلوقتي في بينا شغل وأنا مقدرتش أقف بره وأشوفك في موقف زي ده. فالتفتت له لمار
ثم ضيقت عينيها بتساؤل: -يعني لو مكنش في بينا شغل أو تعارف مكنتش هتدخل؟ فنظر لها أنس بتوتر: -لا أكيد كنت هتدخل، ولو أي حد في مكانك كنت هتدخل. عمومًا متقلقيش، أنا مستعد أدفع الشرط الجزائي. فهتفت لمار منهية الحديث: -ده كان اختياري ولازم أدفع تمنه. ممكن تروحني؟ فحاول أنس الاعتراض لكن أوقفته لمار بإشارة من يديها. محاولة منه إنهاء الحديث، فأشار أنس إلى السيارة باستسلام: -طبعًا اتفضلي. ***
حاولت فتح عينيها، فساعدتها فاطمة على الجلوس. ثم أعطت لها كوبًا من الماء. فأخذته ساجدة ثم ارتشفَت منه القليل وأعطت الكوب مرة أخرى إلى شقيقتها. نظرت فاطمة إلى ساجدة ثم إلى سالم بحيرة، فشعرت أنها يجب عليها أن تتركهم بمفردهم بعد هذه السنوات: -طيب أنا هسيبكوا لوحدكوا ولو احتاجتوا حاجة أنا بره. لم يجِب عليها أحد منهم، فغادرت في صمت. انتظر سالم مغادرتها ثم هتف بنبرة يسودها القلق: -أنتي كويسة؟
تساندت ساجدة على ثم وقفت محاولة التحكم في الدوار الذي تملكها في أثر وقوفها مرة واحدة. وأعطت له ظهرها وهي تهتف سائلة عن سبب وجوده بعد هذا الغياب: -إيه اللي رجعك يا سالم؟ فوقف سالم خلفها: -أنا مرجعتش غير لما لقيتكوا رجعتوا. فلتفتت له ساجدة ثم ضيقت عينيها بعدم فهم: -رجعتوا، هما مين اللي رجعوا؟ فأشار سالم إليها: -أنتي ودكتورة تمارا. بنت أختك عايزة إيه من ابن أخويا؟ فأجابت ساجدة باندفاع: -ابن أخوك مين؟
إحنا منعرفش حاجة عنك ولا عن أهلك من سنين. فعقد سالم حاجبيه: -إزاي والشغل اللي بين شركة الشافعي وبين ابن أخويا، ووقوف تمارا جنب يونس في تعبه؟ عايزة تفهميني إن كل ده صدفة مش أكتر؟ فاختفت ساجدة بنبرة يسودها الصدق، فهي لا تعلم عن عمل عم تمارا ولا عن عملها: -في الحقيقة أنا معنديش علم بحالات تمارا ومليش إني أتدخل. وشغل الشركة ده بيزنس يا سالم بيه. ثم أكملت حديثها بنبرة يسودها السخرية:
-فاكر نفسك لسه فاكرينك لدرجة إننا عاوزين ننتقم منك؟ فقاطعها سالم بتحذير: -ساجدة حاسبي على كلامك. أكيد مفكرتش إنك عاوزة تنتقمي ولا ده تفكيري. وإذا كنا هنشوف مين غلط في التاني زمان، فبلاش نفتح في القديم.
فلم تستطع ساجدة البقاء على الهدوء الذي من الصعب أن تخرج عنه والجميع يعلم عنها بذلك، ولكن معه فهو الوحيد الذي يستطيع أن يخرجها عن الهالة التي تقوم برسمها لنفسها. فهتف بصوت عالٍ نسبيًا قد وصل إلى أذن فاطمة التي كانت تتابع الحديث في الخفاء، فهي لم تستطع التغلب على فضولها وأيضًا خوفها على شقيقتها: -قصدك إيه إن أنا اللي كنت غلطانة؟ قصدك إني بعت! فنظر سالم إلى عينيها: -مش ده اللي حصل. مين اللي باع ومين اللي استنى؟ فعقدت
ساجدة حاجبيها بعدم فهم: -قصدك إيه؟ فأبعد سالم وجهه إلى الجانب الآخر: -أنتي فاهمة كويس. فأعادت ساجدة وجهها إليه: -كلامك فيه تلميح لحاجة؟ مترميش كلمتين زي زمان وتهرب؟ فابتعد سالم عنها: -أنتي عارفة كويس معنى كلامي. متخرجنيش عن سبب ظهوري النهاردة. لو حسيت ولو ثانية إن تمارا ممكن تأذي ابن أخويا، هضطر أتدخل.
ثم تركها وغادر، لكن بقيت ساجدة واقفة في مكانها. ثم اتجهت نحو صورة ابنها وقامت باحتضانها، ولم تعطي لسؤال فاطمة التي دخلت عند مغادرة سالم أي اهتمام. *** رست السيارة أمام مبنى المستشفى، فالتفتت تمارا إلى يونس وهي ترسم على شفتيها ابتسامة شكر: -شكرًا لوجودك جنبي النهارده. فنظر لها يونس بنظرة يوجد بها لمعة لم تغب عن تمارا: -مفيش شكر بين الصحاب ولا إيه؟ فنظرت تمارا إلى الأسفل بخجل:
-معاك حق، بس مكنش ينفع تخرج خصوصًا إن ده يعتبر أول مرة تخرج بره البيت بعد ما خرجت من المستشفى. فابتسم يونس محاولًا أن يبسط الأمر: -متكبريش الموضوع أوي كده، أنا مخرجتش لوحدي، السواق معايا. وبعدين العيب عليكي إنتي اللي وعدتيني إننا نقعد مع بعض عشان نبدأ علاج طبيعي. فأجابت تمارا بتوضيح: -وأنا مش بوعد ومبوفيش بوعدي. أول معاد ليك مع الدكتورة بكرة الصبح هتجيلك. فهتف يونس بتساؤل: -مش هتيجي معاها؟
فنظرت له تمارا بتوتر وحيرة ثم هتفت محاولة إبعاد أنظارها عن مرمى عينيه: -لو عاوزني أجي معاها أجي؟ فأجاب يونس بتساؤل: -لو مش هتعبك؟ ففتحت تمارا باب السيارة وهي تهتف: -يبقى هسهر أخلص الحالات اللي في إيدي وأجيلك. يلا سلام ولما تروح كلمني؟ فنظر لها يونس من نافذة السيارة: -لما تطلعي مكتبك كلميني. *** في الصباح الباكر، أمسك حمزة بيد ابنته ثم نزل إلى الأسفل. فكان الجميع يجتمع بغرفة الطعام، بينما ركضت الصغيرة إلى خالد بفرحة
عندما رأته يتراس الطاولة: -جدو صباح الخير. فأمسك بها خالد ثم وضعها أجلسها على رجله ثم قبل خدها: -قلبي جدو من جوه صباح الورد والياسمين، وأنا أقول ماله اليوم حلو كده ليه. نظرت ليلي إلى حمزة ثم إلى الصغيرة، ثم أخذت أغراضها لكي ترحل، لكن قاطعها دخول عمار وملك، فنظر لهم الجميع بدهشة من رجوعهم السريع. فكان أنس أول من فاق من دهشته: -عمار ملك، إنتوا رجعتوا بدري ليه؟ فاحتضن عمار زوجته وهو يهتف بنبرة يسودها المرح:
-وأنا اللي قولت زماننا وحشناكوا؟ فتحدث سالم بجدية مصطنعة: -ولا عاوزين نشوف خلقتك أصلاً. فضحك حمزة ثم تحدث بمزاح: -واضح إن أبو السوالم شايل منك. فتجاهل سالم حديث حمزة ووجه حديثه إلى ملك: -حمدالله على السلامة يا حبيبتي، واقفة عندك ليه؟ تعالي أقعدي، زمانكم مفطرتوش. فابتعد عمار عن زوجته وهتف محاولًا التبرير، فشقيقه قد أخبره بعلم الجميع بمرض يونس وأنهم قد علموا أنه كان لديه خبر: -على فكرة بقى ملك كانت عارفة زينا بالظبط.
فتدخل يونس بالحديث محاولًا أن يبرر لهم: -متزعلش منهم يا سالم، هما كانوا بينفذوا كلامي. فاقترب عمار منه ثم احتضنه: -حبيبي يا سلوم متزعلش، وبعدين ده أنا بردو عريس. فختف سالم بنبرة يسودها السخرية: -عريس الغفلة. *** بمنتصف النهار، أخرجت تمارا مفتاح سيارتها وهي تتحدث عبر الهاتف، ثم فتحت الباب الخلفي ووضعت بعض الأشياء على المقعد الخلفي. هتفت بامتنان: -شكرًا يا عادل، معلش تعبتك معايا. فأجاب عادل من الجانب الآخر:
-مفيش تعب ولا حاجة. المهم ده يقدر يفيده ويجيب معاه نتيجة. فهتفت تمارا بنبرة يسودها الثقة: -أكيد وأنا ثقة في اختيارك. فشكرها عادل ثم هتفت متسائلة: -قدامك قد إيه وتوصلي؟ فنظرت تمارا إلى ساعة يديها: -حوالي نص ساعة على ما أجيب يونس. أول ما أقرب أوصل هرن عليكوا تجهزوا كل حاجة. *** على الجانب الآخر، كان يجلس يونس أمام نافذة غرفته وبيديه إحدى الكتب السياسية. قاطع قراءته أثر صوت فنح الباب. فالتفت إلى الباب ثم تغيرت
معالم وجهه إلى الدهشة: -نيرة إنتي بتعملي إيه هنا؟ فنظرت نيرة إليه نظرة يسودها التلاعب: -مش هتقولي أدخل؟ فأجاب يونس بنبرة ساخرة: -ما إنتي دخلتي خلاص، خير؟ فجلست نيرة على المقعد المقابل لمقعده ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى: -جايه أشوف ابن عمي وخطيبِي وأطمنْ عليه. ضحكة خرجت من فم يونس لم يستطع السيطرة عليها: -هه خطيبك؟ طب ابن عمك وماشي، إنما واضح إنك ناسيه إننا سبنا بعض من شهور.
أثناء هذا الحديث، وقد وصلت تمارا بالأسفل، دخلت بعدما فتحتها لها الخادمة ثم هتفت متسائلة عن مكان وجوده: -أمال بشمهندس يونس فين؟ فأجابت الخادمة وهي تشير إلى غرفة يونس: -في أوضته يا دكتورة، قاعد مستنيكي. فنظرت تمارا إلى الحقيبة التي بيديها ببسمة وهي تتجه إلى غرفته. وقفت أمام باب الغرفة عندما سمعت صوت فتاة بالداخل وهي تهتف: -اسمها سبتني يا يونس، قرار أنت أخدته لوحدك واختفيت. ثم وقفت نيرة عن مقعدها ثم اقتربت
يونس ووضعت يديها على خده: -أرجع يا يونس، أنا لسه بحبك. أنا عارفة إني كنت غبية بس عرفت غلطي. عقابك طول أوي المرة دي. بالخارج، مسحت تمارا بأنامِلها دمعة قد ذرفت من عينيها ثم ضغطت على قبضتيها محاولة السيطرة على النار الذي تشعر به بداخل صدرها. ثم تماسكت وحاولت رسم ابتسامة على وجهها. ثم دقت الباب لمي يشعروا بوجودها. فالتفت يونس ونيرة إليها. فوقف يونس سريعًا وأبعد يدي نيرة عنه ووجه وهتف بنبرة يسودها الارتباك لم تخفِ
عن نيرة: -تمارا! فتحدثت تمارا وهي تبتسم بتصنع: -واضح إني جيت في وقت غلط؟ فمسح يونس على شعرهِ بارتباك: -لا أبداً، أنا كنت مستنيكي. فتدخلت نيرة في الحديث: -مش تعرفني يا يونس؟ فأجاب يونس: -أحم، دي دكتورة تمارا، ودي نيرة بنت عمي. فهزت تمارا رأسها لها: -طيب خلينا نمشي عشان نلحق مشوارنا؟ فتساءلت نيرة بغيره: -أنتم خارجين مع بعض؟ فأجاب يونس بحدية: -دكتورة تمارا واخداني مشوار. فاقتربت نيرة ثم أمسكت بيديه:
-طيب حلو، خدوني معاكوا ولا الدكتورة عندها مانع؟ فحاولت تمارا أن تبتسم: -ولا مانع ولا حاجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!