ضربات قلب مسرعة، خوف، توتر، صدمة، صمت يخيم المكان. أقترب عمار فرجعت ملك خطوة إلى الخلف وهي تهتف بنبرة يسودها الصدمة والانهيار: -قولي إن اللي سمعته دا غلط، قولي إنك مخونتنيش؟ فأجاب عمار بنبرة يسودها الصدق: -والله أبداً، وعد هفهمك كل حاجة بس ألحقها. فتحدثت ملك بصوت عالي: -لو خرجت هترجع مش هتلاقيني. فأمسك عمار يديها في حيرة لن يستطع أن يتكررها ولن يستطع أن يغادر ويخلف كلمات زوجته:
-إفهميني، لازم ألحقها. مامتها في المستشفى وأنتِ سمعتي بودكْ، خليكي في بيتك وأنا هرجع وأفهمك كل حاجة. فألتفتتْ ملك إلى الجهة الأخرى باعتراض ولم تنظر له، فغادر عمار مسرعاً وهو يشعر بالقلق. *** أمام بيت عزيز المنياوي كانت تمارا تودع لمار. وضعت لمار الحقيبة بجانبها ثم ألتفتت إلى تمارا وهي تتحدث: -بس أنا شايفة بعدك عن يونس تصرف مش كويس، ومفيش سبب إنك تقطعي معاه طول الفترة دي، غير سبب واحد وهو إنك خايفة؟ فرهتف
تمارا بنبرة يسودها التهرب: -هخاف من إيه؟ يونس مكنش أكتر من حالة والعلاقة اتطورت وبقينا أصحاب. فضمت لمار يديها أمام صدرها وهتفت بجدية: -كدابة، تمارا أفتحي قلبك للدنيا تاني، كفاية قفل لحد كده. طارق يستاهل إنك تزعلي عليه بس هو دلوقتي عند ربنا وربنا يعلم إزاي أنتِ بتحبيه، بس هو خلاص معدش موجود. لازم تكملي حياتك ومتقفيش على كده. فنظرت تمارا إلى ما خلف لمار: -ربنا يسهل، أخلعْ أنا بقى قبل ما المعركة تبدأ.
فلم تفهم لمار معنى كلمات تمارا، فأشارت تمارا إلى ما خلفها. فالتفتتْ لمار وصدمت عندما رأت أنس يأتي نحوهم، شعرت بالتوتر. وقف أنس ثم ألقى التحية: -صباح الخير يا دكتورة، أخبارك إيه؟ فابتسمت تمارا: -صباح النور، أنا الحمد لله، هستأذنكوا بقى عشان متأخرة. نظرت لها لمار بغيظ. فنظرت لها تمارا وهي تحاول أن تكتم ضحكتها ثم ركبت سيارتها وغادرت تاركة لمار بمفردها مع أنس تلقي بعقابها. ألتفت أنس إلى لمار ثم وضع كفه في جيب
بنطاله وهو يهتف بتساؤل: -مش عيب لما تسافري من غير ما تعرفي خطيبك وجوزك المستقبلي؟ فأجابت لمار بنبرة تحاول أن تتصنع فيها البرود لكن بداخلها تشعر بالقلق والتوتر، فهي تعلم جيداً أنها أخطأت لكن لن تتنازل له وتعترف بخطئها: -والله أنا متعودتش أستأذن من حد، وبعدين عندي شغل، عندك اعتراض؟ فأقتربْ أنس فابتعدت لمار بحذر. فأشار أنس بصعوبة بأمر: -يبقى تتعودي، عشان مبحبش مراتي تروح في حتة من غير ما أعرف. دي شنطتك مش كده؟
فنظرت لمار إلى الحقيبة بعدم فهم من سؤاله: -أيوه، ليه؟ فحمل أنس الحقيبة فحدثت لمار مسرعة: -أنتَ واخدها ورايح فين؟ فتحدث أنس بتعجب مصطنع: -الله، بشيلك الشنطة عشان أحطها في العربية. يلا بسرعة بقى عشان منتأخرش في الطريق. نظرت له لمار بصدمة من جملته. فهو من الواضح أنه سوف يقوم بإيصالها. ثم تبعته مسرعة عندما رأته يهتف بصوت عالي باسمها. *** كان يركض بين طرقات المستشفى أسرع نحوها عندما رأها تجلس على المقعد وتبكي. فتحدث
وهو يلهث من بين أنفاسه: -إيه اللي حصل؟ فوقفت مها ثم أسرعت نحوه وارتمت في حضنه: -الحقني يا عمار، ماما بتموت، أنا السبب، أنا السبب. فأبعدها عمار عنه ثم ساعدها في الجلوس على المقعد. حاول عمار التحكم في قلقه والسؤال عما حدث: -إيه اللي وصلها كده، فهميني؟ فحاولت مها التحدث من بين بكائها: -معرفش، عرفت منين إنك متجوز واتخانقت معايا.
وبعدين قالتلي: "دا خاين وهيتجوز عليا مراته، إزاي تسمحي لنفسك تتجوزيه". مقدرتش أسكت أكتر من كده وعرفتها الحقيقة كلها. وبعدها لقيتها وقعت مني في الأرض. مسح عمار على وجهه في صمت، فلم يستطع التحدث. فهو لم يصل إلى ذلك الخائن الذي تركها وسط الطريق بمفردها. قاطع شرودهم عندما رأوا الطبيب يخرج من الغرفة. فتحدث الطبيب بعملية: -للأسف الحالة صعبة واضطرينا ننقلها العناية المركزة. فتحدثت مها بنبرة يسودها الهلوسة والبكاء:
-أنا السبب، ماما حصلها كده بسببي. فحاول عمار تهدئتها لكنها ذهبت إلى عالم آخر مغيبة عن ما يحدث حولها. *** وقف يونس فنظرت له نيرة باستغراب. فهتف بلهجة يسودها الأمر ولم تستطع نيرة الرفض، ففضولها قد غلبها: -قومي نروح مشوار الأول. فتبعته نيرة دون أن تسأله. استقل يونس سيارته وجلست نيرة بجانبه. كان الصمت يحل على المكان لحين توقف يونس أمام إحدى العمارات. فنظرت نيرة باستغراب: -إحنا رايحين فين؟ فتح يونس باب السيارة
وامرها بلهجة صارمة: -انزلي، وهتفهمي كل حاجة فوق. فتدرجتْ نيرة من السيارة وتبعتْ يونس ثم صعدوا بالمصعد ووقف في الطابق الرابع، ثم دخل إلى إحدى المنازل. وقفت نيرة في حيرة من وجودهم هنا بهذا المكان. ألتفت لها يونس بعدما أغلق الباب وتحدث بجدية: -كنتي مستنية تسمعي مني كلمة: "يلا نرجع لبعض"، مش كده؟ فأجابت نيرة بعدم فهم والقلق يتسرب إلى جسدها: -مشْ فاهمة؟ فضحك يونس بسخرية:
-فكراني لسه يونس بتاع زمان اللي ميعرفش حاجة. يونس اللي كان بيبقى شايف خيانتك وساكت. فتحدثت نيرة بصدمة: -أنت بتقول ايه! فأشار لها يونس بالصمت: -أنتِ اخرسي خالص، معملتيش حساب للدم اللي بينا وجاية تضربيني في ضهري. أخرج هاتفه ثم فتحه على بعض الصور: -إيه؟ مش دي صورك مع الخاين التاني، أعز صديق ليا؟ اتفقتوا هتقتلوني إزاي؟ ولا لسه؟ فحاولت نيرة السيطرة على دموعها وشرح له الوضع وهي تهتف بنبرة يسودها الكذب:
-محصلش والله، أنا اتغيرت وكنت هسيب أي اتفاق بينا بس هو بيهددني. فختف يونس بصوت عالي فهو لا يصدق، فهي مازالت تكذب بعدما علم كل شيء: -وقبل كده ها، واتفاقك ومقابلاتك ليه وأنتِ مخطوبة ليا؟ فأجابت نيرة من بين بكائها: -ندمانة والله العظيم، أنا مش وحشة يا يونس. كل ذنبي إن مطلوب مني حاجة مليش دخل فيها. أب مزرعش في بنته غير الحقد والكره والتكبر. أب بيبص دايماً لحاجة مش من حقه، وبيحاول يثبتلي بكل الطرق إن دا حقنا. فوضع
يونس يديه في جيب بنطاله: -لو ندمانة بجد يبقى تسمعي كلامي في اللي هقولك عليه. فتحدثت نيرة بلهفة كأن حديثه كطوق نجاة لها: -هعملك كل اللي أنت عايزه. فعقد حاجبيه ثم سألها: -قوليلي الأول مصطفى ماسك عليكي إيه بالظبط؟ نظرت نيرة إلى الأرض بخجل. فتحدث يونس بغضب: -واضح إنك نسيتي إنتي من عيلة مين بالظبط. وقبل العيلة نسيت إن في حاجة اسمها حلال وحرام. *** تحدثت لمار بملل: -كان ممكن نسافر بالطيارة وكان زمانا وصلنا أسرع من كده؟
فأجاب أنس بنبرة يسودها البرود: -مبحبش السفر بالطيارة كتير، عندك سناكس ورا عشان لو مفطرتيش. فنظرت لمار إلى المقعد الخلفي ثم نظرت أمامها مرة أخرى: -مش جعانة. فأجاب أنس بعدم اهتمام: -أنتي حرة، أفتحي لي حاجة أشربها أنا. فنظرت له لمار بغيظ، ثم فتحت له إحدى المشروبات: -أتفضل، ولا تحب أشربك بالمرة؟ فأجاب أنس بنبرة يسودها الاستفزاز: -مش بسوق، وبعدين يعني أنتي زوجتي المستقبلية مش حد غريب. فتحدثت لمار باستهزاء:
-أحلامك كتير، ممكن توقف العربية وتشرب نفسك. فمدت لمار يديها بالمشروب فأخذه منها خوفاً من أي تهور قد تفعله. *** خرج الطبيب من غرفة مها فتحدث عمار بقلق: -طمني يا دكتُور عليها؟ فتحدث الطبيب بحزن: -للأسف الجنين في مرحلة الخطر، لازم نعمل لها عملية إجهاض. حضرتك جوزها. فأجاب عمار بشرود: -لا، آه جوزها. فتحدث الطبيب بعملية: -طيب حضرتك في ورق لازم تمضي عليه عشان نقدر نعمل العملية.
فهز عمار رأسه بحزن ثم ذهب مع الطبيب لكي يمضي على الأوراق المطلوبة. *** دق حمزة مكتب ليلي فأذنت له ليلي بالدخول. ارتسمت على شفتي ليلي ابتسامة صغيرة عندما رأته يدخل. جلس حمزة على المقعد أمامها ثم هتف متسائلاً: -هقاطعك عن حاجة؟ فأجابت ليلي بالنفي: -لا أبداً، في حاجة؟ فوضع حمزة هاتفه أمامها: -بصراحة عاوز منك مساعدة، كنت بقدم لمرام في مدرسة جديدة وقدامي مدرستين ومش عارف أختار بينهم.
فمدت ليلي يديها تلتقط منه الهاتف ثم نظرت إلى المدرستين وهتفت سائلة بتفكير: -أشمعنى المدرستين ألماني؟ فأجاب حمزة وهو يلعب بقلمه: -ممكن عشان عارف الدنيا ماشية فيه إزاي. متنسيش إني كنت بذاكرلك رغم إني كنت فرنسي وأنتي ألماني.
فتذكرت ليلي هذه الفترة من طفولتها عندما تركتهم والدتها وغادرت إلى عالم آخر. كان حمزة هو من يهتم بها، ويعتني بدراستها. فوالدها كان حزيناً على فقدانه لزوجته وشقيقها كان في عالم آخر، فوالدته كانت بمثابة عالمه كله وعانى الكثير بعدها. فاقت من شرودها ثم اختارت واحدة من المدرستين: -دي أحلى، خصوصاً تركيزهم في اللغة عالي. فأجاب حمزة بنبرة يسودها التوتر: -بس متنسيش إن في امتحان للأم والأب وطبيعي هعوز أراجع؟
هتفت ليلي بنبرة يسودها الدعم وبث الطمأنينة: -متقلقش، أنا معاك. فوقف حمزة ثم فتح الباب لكنه التفت مرة أخرى قبل أن يغادر ونادى لها. فرفعت ليلي رأسها له ونظرت له باستفهام. فتحدث حمزة بنبرة يسودها الحب: -شكراً إنك معايا. فشعرت ليلي بشيء يغزو قلبها فاخفضت رأسها في خجل. فابتسم حمزة ثم غادر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!