دخل إلى البيت ثم صعد مسرعًا إلى غرفته لكنه لم يجدها، فبحث عنها في جميع أنحاء البيت حتى وقف أمام إحدى الغرف وكانت مغلقة من الداخل. هتف عمار برجاء: -ملك أنا عارف إنك هنا، أرجوكي افتحي. هفهمك كل حاجة عايزة تفهميها. فمسحت ملك دموعها ثم قررت أن تفتح الباب. اقتربت منه ثم قامت بفتحه، وأعطته ظهرها. فدخل عمار وأمسك بيديها وجعلها تجلس على الأريكة وجلس بجانبها. ثم قام بقص عليها جميع ما حدث. أنهى حديثه بأسف:
-طنط نبيلة اتوفت، و مها خسرت ابنها. ولما فاقت وعرفت الخبر مستحملتش. مش عايز أكمل لوحدي معاها، مش عاوزها تفهم غلط أكتر من كده، محتاج مساعدتك. أغلقت ملك عينيها. رغم حزنها على ما مرت به مها، لكنها لم تستطع التحكم في الغضب تجاه زوجها: -جاي تطلب مساعدتي دلوقتي؟ كنت فين من الأول وأنت رايح تتجوزها عليا؟ ها، كنت فين يا عمار؟ فوقف أمامها وهتف بنبرة يسودها الندم:
-أنا عارف إني غلطت لما فكرت كده، بس قلبي مكنش ممكن يقدر ينفذ القرار ده. فأجابت ملك من بين بكائها: -كفاية إن عقلك فكر فيه. فشدد عمار على يدها وهو يأخذها بين أحضانه: -وعمر قلبي ما يقدر ينفذه. بعدت ملك يديها عنه: -تقدر تطلع بره على ما أغير هدومي. ومتفتكرش إن الموضوع اتقفل على كده.
فنظر لها عمار بنظر أسف. تنهيدة حارة خرجت منه بصوت عالٍ، ثم نظر إليها مرة أخيرة. عندما رأى أنها مصممة على قرارها، قرر الخروج والتحدث في هذا الأمر في وقت لاحق. في الوقت الحالي، يجب أن يذهب معها مسرعًا إلى المستشفى. *** ألقت تمارا الورق أمام خالتها ثم تحدثت بانهيار: -قولولي إن الكلام ده كذب؟ فأمسكها ياسر لكي تهدأ قليلاً، فخالتها مريضة ولن تستطيع تحمل غضب تمارا: -تمارا اهدي، مش كده؟ فابتعدت عنه تمارا في غضب:
-سيبني، ردي عليا. طارق كان ابنك صح؟ أتت صوت من خلفهم: -ما تردي، قولي لها إن طارق كان ابني. التفت الجميع إلى الباب، فكان سالم من أجاب على هذا السؤال. هتفت ساجدة بهمس: -سالم! فتقدم سالم نحو ساجدة ووقف أمامها في غضب: -خبيتي عني ابني طول السنين دي؟ خليتيه يعيش مع أب تاني؟ أنا مش متخيل قدرتي تعملي كده إزاي؟ فتحدثت ساجدة دفاعًا عن نفسها: -ابنك إيه اللي جاي تدور عليه بعد السنين دي كلها؟ ابنك اللي سبته وسبت مراتك وطلقتها؟
جالك قلب ترميني من حياتي عادي جدًا؟ جاي بعد السنين دي كلها تسأل عليه؟ فصاح سالم بنبرة يسودها الغضب والحزن: -أنا اللي خرجتك من حياتي، أنا اللي سبتك في نص الطريق. أنتي السبب في كل ده. لو كنا سافرنا مع بعض ورجعنا بعد ما تخلفي، وقتها أبويا ممكن يتقبل إننا اتجوزنا. إنما أنتي بكل سهولة رفضتي إنك تسافري معايا. فأشارت ساجدة إلى نفسها بحيرة: -أنا اللي رفضت؟ أنا؟
مش أنت اللي يومها بعتلي وقولتلي إنك مش هتقدر تسافر معايا ومش هتقدر تزعل والدك؟ فهتف سالم بعدما حل وجهه الدهشة: -أنا يومها روحت هناك واستنيتك، ومحمود جه واداني جواب منك وأنتي قولتيلي إنك مش هتقدري تسافري وطلبتي الطلاق مني. توقف لثوانٍ وهو يشير بإصبعه على نفسه ويهتف بنبرة يسودها الصدق:
-وأنا رفضت وبعتلك معاه وقولتلك إني هسافر فترة وراجع، وقتها ممكن تكوني غيرتي رأيك. وبعدها بتلت شهور محمود بعتلي وقالي إن الولد مات وإنك مصرة على الطلاق. طلبت منه أقابلك بس أنتي رفضتي. جلست ساجدة على المقعد في صدمة فكل هذا لم يحدث: -يعني إيه؟ يعني مش أنت اللي سبتني وهربت؟ يعني مش أنت اللي طلبت الطلاق؟ رفعت ساجدة رأسها إلى سالم وهي تحاول أخذ أنفاسها: -يعني محمود خدعنا طول السنين دي؟ ابني مات وهو زعلان بسببي؟
شعرت ساجدة بصعوبة في التنفس وثقل جفنيها. حاولت الثبات لكنها ذهبت إلى عالم آخر. *** كان يجلس على المقعد أمام المدفأة وبين يديه كوب من القهوة. وما حدث بالأمس يعود أمام أنظاره. بعد ما أودعت تمارا لمار، ظلت لبعض الوقت تفكر في حديث لمار. فجاءت بخاطرها فكرة وأسرعت في تنفيذها. دقت على يونس واتفقت معه على مكان لكي تراه. وبالفعل أتى يونس إلى المكان في الزمان المحدد بينهما. جلست تمارا أمامه في توتر وحاولت
استجماع قوتها لكي تتحدث: -آسفة إني جبتك من غير معاد، بس في موضوع مهم حابة أتكلم معاك فيه. فأجاب يونس بهدوء: -ما حصلش حاجة، المهم موضوع إيه؟ خير. ففركت تمارا يديها بتوتر: -النهاردة حد قالي "متضيعيش وقتك ولا مستقبلك وابصي وراكي كتير". وأنا قولتلك قبل كده ربنا بيحطنا في مواقف وابتلاءات عشان بيحبنا، وده بيزيد من قوة إيماننا. فهز يونس رأسه بتأكيد. فأكملت تمارا وهي تحاول عدم النظر إلى يونس لكي لا تشعر بالخجل:
-طارق كان بنسبالي الحياة. عمره في يوم قدر يخسر مكانته في قلبي. كان صعب عليا أتقبل فكرة إنه مبقاش موجود. يعني إيه مبقاش موجود؟ يعني لما الدنيا تزعلني هجري على مين؟ يعني لما أغلط مين هيصلح لي غلطي؟ مين هيهتم بالحاجة اللي بحبها؟ صمتت لثوانٍ ثم أكملت محاولة أن تشرح ما كتمته وتعانيه بداخلها منذ سنوات:
-كل الأسئلة دي كانت بتدور في دماغي طول السنين دي. لحد من فترة قدرت ألاقي إجابة. يمكن بعد موته كان جوايا خوف، بس مؤخرًا بدأت أطمئن. طول السنين دي كنت بحاول أستوعب إنه مات لحد ما تقبلت الفكرة. عمر حبي لطارق ما يقل، رغم إن قلبي بدأ يطمئن لغيره ويحب غيره.
قالت تمارا آخر جملتها وهي تنظر إلى عيني يونس مباشرةً. فهم يونس معنى كلامها جيدًا، الذي جعله سعيدًا وحزينًا في آن واحد. سعيدًا لشعورها بنفس المشاعر التي يكنها إليها، لكنه حزينًا بما سوف يخبرها به. أكملت تمارا بخجل: -الشخص ده كان أنت. أنا مش مستنية منك إجابة. أنا... قاطعها يونس بحزن: -تمارا، أنا هتجوز نيرة كمان أسبوع. أنهى جملته محاولًا كتم ألمه، خصوصًا بعد نظرتها التي رآها الآن. رفعت تمارا رأسها بصدمة. سرعان ما
أدركتها فوقفت لكي تغادر: -أنا آسفة لو سببت لك مشكلة. ربنا يسعدك. عن إذنك. فحاول يونس منعها من المغادرة لكنه لم يستطع. فاق يونس من شروده عندما وضعت نيرة أمامه علبة صغيرة الحجم. فنظر إليها في استفهام فتحدثت: -ده الدوا اللي مصطفى اديهولي. ده بيبدأ بهلوسة وتعب وسخونية، وواحدة واحدة بينتشر في الجسم ويموت. فنظر إلى علبة الدواء بشرود. فقاطعته نيرة بنبرة يسودها التساؤل: -مش شاكك فيا؟ يعني غريبة، مصدق كلامي؟
فوقف يونس أمام المدفأة وهو يضع يديه في جيب بنطاله: -مفيش بينا حاجة اسمها ثقة. بس متنسيش إنك ركبتي الكاميرا قبل ما تتكلموا، يعني عارف كل حاجة. *** وقف الجميع عندما خرج الطبيب. تحدث سالم بخوف: -طمني يا دكتور؟ فتحدث الطبيب بعملية: -قولت قبل كده، الانفعال غلط عليها. فقاطعته تمارا ببكاء: -يعني هي مش كويسة؟ فحاول الطبيب أن يبث إليها الطمأنينة: -اطمني، هتبقى أحسن. عن إذنكم. تحدثت فاطمة بهجوم: -قولي، عايز مننا إيه؟
جاي بعد السنين دي كلها ليه؟ اختي كانت هتضيع مننا تاني. كفاية زمان كانت بتضيع بسببك. لم ينطق سالم بحرف. حاولت تمارا إبعاد والدتها عنه: -حمزة خد عمو من هنا دلوقتي وهنبقي نتكلم بعدين. فتفهم حمزة حديثها، وفي الحقيقة رأى أن هذا أنسب شيء يجب أن يفعله: -يلا يا سالم خلينا نمشي. فذهب معه سالم إلى الأسفل. وقف حمزة أمام السيارة ثم نظر إلى مبنى المستشفى، ثم إلى عمه: -سالم، ارجع أنت مع السواق. هشوف حاجة وهرجع وراك على طول. ***
جلس عمار أمامها وجلست ملك بجانبه. وكانت مها تتوسط الفراش تنظر إلى الفراغ بصمت: -مينفعش اللي أنتِ فيه ده يا مها، لازم تفوقي. ممكن تكوني خسرتي الجنين عشان مكنش بطريقة ترضي ربنا، وطنط ده كان عمرها. ربنا دلوقتي بيديك فرصة تصلحي كل حاجة قبل معادك. فكري في كلامي. دلوقتي لازم أمشي عشان الدفنة. نظر عمار إلى زوجته التي بدورها وقفت هي الأخرى وجلست بجانب مها. ثم خرج عمار. كان الطبيب على وشك الدخول فسأله عمار باستفهام:
-طمني يا دكتور، الحالة اللي هي فيها دي هتفضل كتير؟ فأجاب الطبيب بنبرة يسودها الأسف: -اطمن، ده رد فعل طبيعي. إحنا هنخليها تتابع مع طبيب نفسي وبإذن الله هترجع تتكلم تاني. غادر الطبيب. فكان عمار على وشك مغادرة مبنى المستشفى لكنه قابل شقيقه وهو يدلف. فسأله حمزة بتعجب من وجوده: -عمار، بتعمل إيه هنا؟ وبقالك يومين مختفي فين؟ فقص عليه عمار ما حدث مسرعًا محاولًا أن يختصر عليه. فتغ حمزة بنبرة يسودها الغضب واللوم:
-كل ده يحصل ومتعرفنيش؟ فتحدث عمار بنبرة يسودها التعب والإرهاق الذين كانا ظاهرين على ملامح وجهه بوضوح: -أهو اللي حصل. مكنتش عارف أتصرف إزاي. المهم، قولي أنت بتعمل إيه هنا، شغل ولا إيه؟ فتحرك حمزة وهو يتحدث: -لا، ده موضوع كبير. نحضر الجنازة ونقعد وهحكيلك كل حاجة. ***
على الجانب الآخر، في المساء، كان أتى معاد الحفل. كانت تقف لمار بفستانها الأحمر الهادئ الذي يخطف الأنظار، وبجانبها يقف مراد صديق أنس. كان الغل والغيظ هي الحالة المسيطرة عليها، بينما مراد كان ينظر إليها تارة وإلى أنس تارة أخرى. فتحدث بنبرة يودها التلاعب: -للدرجادي بتحبيه؟ فانتبهت لمار إلى حديثه: -أحب مين؟ أنس! فوضع مراد يديه في جيب بنطاله بثقة:
-عايزة تفهميني إن عينك اللي متشالتش من عليه من ساعة ما الحفلة بدأت وهو راح وقف مع أسيل دا مش حب؟ ولا عايزة تفهميني إنك بتحاولي تكتمي غضبك وغيرتك بضغطك على إيدك لحد ما احمرت من كتر الضغط إن ده برضه مش حب. خبأت لمار يديها خلف ظهرها بارتباك ثم هتفت بنبرة يسودها الكذب: -لا أبدًا، أنا بس متضايقة علشان المفروض إني خطيبته والكل عارف ده وهو سايبني من أول الحفلة. فابتسم مراد على كذبها الواضح ثم هتف بنبرة يسردها الجدية:
-عارفة، ممكن تكون علاقتكم بدأت غلط وده اللي مخليكي زعلانة شوية، بس لو ده مكنش حصل، ممكن وقتها أنس مكنش اتحرك ولا اعترف بحبه ليكي. فنظرت له لمار بصدمة من حديثه. فأكمل حديثه موضحًا: -متبصليش كده. ممكن أنس مقلهاش صريحة، بس تصرفاته كلها بتقول إنه بيحبك. يعني مثلًا، هو حاليًا بيطلع نار وهاين يجي يقتلني. الحيوان بيغير عليكي مني.
فنظرت لمار إلى أنس فقابلتها نظراته الغاضبة. فلم تبعد أنظارها عنه، ولكنها أمسكت بيد مراد فتحرك أنس نحوهم مسرعًا. فتحدث مراد بصدمة عندما أمسكت بكفه: -إنتي بتعملي إيه؟ فتحدثت لمار بنبرة يسودها التلاعب: -بثبت لنفسي حاجة. يلا نرقص. لم تكمل حديثها عندما أمسك أنس بيديها وأبعدها عن صديقه: -لمار، فيه إيه؟ فتحدثت لمار ببرائة مصطنعة: -أبدًا، حابة أرقص فقولت لمراد يجي يرقص معايا. فتحدث أنس بعصبية خفيفة:
-عايزة ترقصي يبقى تعرفيني وترقصي معايا. فأكملت لمار حديثها: -وأنت مكنتش موجود طول الوقت واقف مع الملزقة اللي هناك دي. سريعًا ما أدرك أنس غيرتها: -قصدك أسيل؟ عمومًا، أنا جيت أهو، يلا نرقص. فرفعت لمار كتفيها بلا مبالاة: -لا، خلاص مش عايزة أرقص. فنظر لها أنس بتلاعب: -خلاص، يبقى أروح أرقص مع أسيل طالما أنتِ مش عايزة. فتحدثت لمار مسرعة: -مين دي اللي مش عايزة؟ أصلًا الأغنية دي بحبها. يلا نرقص.
ثم قامت بشده، فتبعها أنس وهو يغمز صديقه. فضرب مراد كفًا على كف باعتراض. *** -باشا، اتأكدنا من كل حاجة. أتت صوته من الخلف، فالتفت مصطفى بالمقعد: -وصلت لإيه؟ فأكمل الرجل حديثه ملقيًا على سمعه ما وصل إليه: -اتأكدنا إن الطيارة وصلت لندن وحاليًا هي موجودة معاه في بيته. فتحدث مصطفى بأمر: -خلى الرجالة بتوعنا اللي هناك ميشيلوش عنيهم من عليهم. طمني، الشحنة هتوصل إمتى؟ فأجاب الرجل:
-يومين بالكتير وهتوصل، بس فيه مشكلة. عرفنا إن يونس لغى كل التوكيلات الشحن معاد حمزة. فنظر مصطفى بشرود: -طيب، روح أنت وأنا هتصرف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!