خرج حمزة من غرفة العناية. أزاح الكمامة عن وجهه ثم وجه حديثه إلى عمار الذي كان ينتظر خروج أخيه على نار ليطمئن على ابن عمه. هتف حمزة، وآثار الإرهاق واضحة على وجهه: -مضطرين نسيبه هنا للصبح. فسأل عمار بنبرة يسودها الخوف: -سبب التعب ده إيه؟ فنظر له حمزة بحيرة، فهو يعلم مدى تحفظ يونس بعدم علم أحد بمرضه: -احم.. لوكيميا. سند عمار بصدمة على الحائط: -إيه؟! .. لا مش اللي سمعته، يونس مش تعبان مش كده؟ جذبه حمزة إلى أحضانه:
-لازم نقوي عشان نقدر نقف جنبه، يونس رافض العلاج. فابتعد عمار عن حمزة وقام بمسح وجهه بكفيه: -لازم يتعالج، لازم نشوف حل. وضع حمزة يديه على كتف عمار يحاول أن يبث إليه الطمأنينة: -اهدى، قدامي فرصة ممكن نقدر نقنعه بالعلاج. ثم نظر إلى الهاتف المتواجد في يدي عمار وهتف متسائلاً: -ده بتاع يونس مش كده؟ فنظر عمار إلى يديه بشرود: -كان في إيديه لما دخلت ولقيته واقع على الأرض. فهتف حمزة بتعجب: -متعرفش إيه اللي وصله إنه يتعب كده؟
فأجاب عمار بحيرة: -معرفش. *** في صباح اليوم التالي، خرجت تمارا من الحمام الخاص بغرفتها بعدما ارتدت ملابسها لكي تتجه إلى العمل. نظرت إلى لمار التي كانت تنام بمنتصف الفراش بخبث، ثم اتجهت نحو كوب الماء الموضوع فوق المنضدة، وقامت بإلقاء محتواه على وجه لمار وهي تكتم ضحكتها. صرخت لمار وهي تقفز من على الفراش وتهتف: -بغرق، بغرق. سريعاً استوعبت لمار الموقف واتجهت نحو تمارا بغضب وهي تضربها بالوسادة وتصيح
بنبرة يسودها الغضب والغيظ: -في حد عاقل يصحى حد كده؟! تمارا وهي تحاول إبعادها: -مش أنا عملتها يبقى فيه، وبعدين كفاية إني استحملتك وأنت نايمة جنبي طول الليل. توقفت لمار عن الضرب وهتفت بنبرة يسودها الثقة: -والله أنا أنام في المكان اللي يريحني. نظرت تمارا إلى ساعة يدها: -والله كان نفسي أكمل خناقتنا بس عندي شغل ومستقبل بيضيع.
خرجت تمارا إلى الخارج وتبعتها لمار. ألقوا التحية على الجميع، ثم اتجهت تمارا إلى تقبيل وجه والدتها وخالتها. هتفت فاطمة بنبرة يسودها التذمر: -حلو أوي الفطار اللي على الواقف ده. فجلست تمارا وهي تبتسم: -أهو قعدت يا ست طمطم. فنظرت فاطمة إلى ساجدة ثم إلى لمار بخوف وتوتر من مواجهة تمارا. ثم تحدثت تمارا بعدما شعرت بنظراتهم إلى بعض: -هو واضح إن فيه حاجة عاوزين تقولوهالي مش كده؟ وضعت فاطمة كوب القهوة ثم تحدثت بتوتر:
-أصل عمك عزمي اتصل امبارح وكان بيقولي. توقفت فاطمة عن الحديث بتوتر، فهزت تمارا رأسها بمعني أن تكمل حديثها، فتحدثت فاطمة بنبرة يسودها القلق: -بيقول يعني فيه عريس. صمت المكان لبعض الوقت، نظر الجميع إلى ملامح تمارا بقلق من ردة فعلها. نظرت تمارا لهم بغموض ثم وقفت من مجلسها: -أنا هعتبر نفسي مسمعتش أي حاجة، عن إذنكم عندي شغل. ثم غادرت. فجلست لمار بجانب زوجة عمها بحزن: -متزعليش نفسك يا طنط، بكرة تعقل وتعرف مصلحتها. وضعت
ساجدة يديها على يد أختها: -متقلقيش يا فاطمة، أنا هتكلم معاها. تحدثت فاطمة بحزن: -أنا مش عاوزة غير مصلحتها، هو يعني طارق مكنش ابني اللي مجبتهوش. أنا بموت وأنا شايفاها بتضيع عمرها كده. فدعت ساجدة بشرود: -إن شاء الله يرزقها بواحد ينسيها حزنها. *** بداخل المستشفى التي يمكث بها يونس، لكن بدور آخر. بإحدى الغرف كانت بسمة تعد حقيبتها للمغادرة وتساعدها إحدى الممرضات. تفتت الممرضة قائلة: -ابقي عدي علينا كل فترة متنسناش.
فتحدثت بسمة بابتسامة: -هو أنا أقدر أنساكم، وبعدين متقلقيش هاجي جلسة آخر الأسبوع. قاطعهم دخول تمارا وهي تتحدث بحزن مصطنع: -واضح إن فيه ناس كانت هتمشي من غير ما تستناني؟ فاتجهت إليها بسمة: -هو أنا أقدر، ربنا عالم إني بعتبرك أختي الصغيرة. فاحتضنتها تمارا بحب: -هستناكي آخر الأسبوع، ولو احتاجتي أي حاجة أوعي تترددي إنك تجيلي. فأجابت بسمة بحب: -هجبلك منه وأجيلك، لازم أوريهالك. ادعيلي أبوها يرضي يسبهالي. فوضعت تمارا
يديها على كتف بسمة بدعم: -هيسبهالك إن شاء الله، ولو مسبهاش يبقى كده هو قفل كل الطرق، والخطوة الأخيرة نتجه للمحكمة. خلي أملك في ربنا كبير. فأجابت بسمة بدعاء: -يارب، أنا رامية اتكالي عليه. انشقت شفتا تمارا عن ابتسامة: -وهو عمره ما يخذلك. *** وصلت تمارا إلى مكتب حمزة. دقت الباب فسمعته يأذن لها بالدخول. تمارا ببسمة: -صباح الخير يا دكتور. عرفت إن حضرتك عاوزني. فأشار لها حمزة إلى المقعد:
-اتفضلي، في الحقيقة إن يونس هنا ودي فرصة إنك تتكلمي معاه. فوقفت تمارا بحماس: -بجد؟ طب كويس، ممكن حضرتك توديني ليه؟ فوقف حمزة أيضاً: -ثواني أشوفه فاق ولا لا. فعقدت تمارا حاجبيها: -هو تعب؟ فهز حمزة رأسه: -امبارح اتعرض لحالة إغماء. تمارا بتساؤل: -سببها؟ عقد حمزة حاجبيه بتفكير: -في الحقيقة مكنش فيه فقر دم، وهو مش بياخد علاج ممكن يخليه يشعر بإرهاق. فأكملت تمارا حديثه:
-يبقى حاجة من الاتنين، توتر وضغط عصبي أو إرهاق وقلة نوم. فهز حمزة رأسه بتأييد لحديثها: -فعلاً. على الجانب الآخر، بداخل إحدى الغرف، كان يمكث علي الفراش. رمش بعينيه عدة مرات ثم نظر حوله بإستغراب. حاول أن يعلم أين هو. سريعاً تذكر ما حدث أمس عندما بُعثت إليه هذه الرسالة وهو لم يستطع كتم غضبه. تطلع إلى الباب عندما رأى حمزة يدلف وبجانبه امرأة لا يعلم هويتها. بينما أسرع إليه حمزة عندما رآه مستيقظاً: -يونس!
حمدالله على السلامة. اعتدل يونس في جلسته وهو يشعر ببعض الإرهاق والتعب: -أنا إيه اللي جابني هنا؟ ساعده حمزة على الجلوس: -عمار جابك هنا امبارح. دلك يونس رأسه ثم وقف: -طيب ممكن تجبلي هدومي عشان أخرج. فنظر حمزة إلى تمارا بحيرة: -احم.. أحب أعرفك يا يونس، دكتورة تمارا. لم تنتظر تمارا رده، إنما رحبت به: -أهلاً يا بشمهندس، سمعت كتير عنك من دكتور حمزة. عقد يونس حاجبيه بشك: -أهلاً يا دكتورة. نظرت تمارا إلى حمزة بتشجيع:
-دكتور حمزة عرفني عن حالتك وإنك لسه في المرحلة الأولى. نظر يونس بغضب إلى حمزة، فتحدث حمزة مبرراً موقفه وخوفه عليه: -مقدرتش أقف مكتوف وأنا شايفك بتضيع نفسك، لازم تقبل العلاج. يونس بغضب: -وأنت عارف إني أخدت قراري. تدخلت تمارا بالحديث: -حضرتك تقدر تقولي سبب رفضك للعلاج إيه؟ حاول يونس ألا يفقد أعصابه: -وأنا من حقي إني مردش على السؤال. نظرت له تمارا لثواني ثم ردت وهي تنظر إلى عينيه مباشرةً: -عشان جبان.
ضم يونس كف يديه بغضب يحاول أن يكتم غضبه، ونظر لها حمزة بدهشة لجرأتها. تحدث يونس بغضب وصوتاً عالي: -تقدري تقوليلي تعرفي إيه انتي عن وجع المرض ده ولا تقدري تقوليلي إحساس اللي أنا حاسه من فكرة إن أخد كيماوي، مش هقولك شكلي اللي هيتغير ولا حياتي اللي هتقف. ياريت متكلميش في حاجة أنتي متعرفيهاش ولا حسيتي بيها. حاول حمزة التدخل في الحديث فقاطعته تمارا عندما أشارت له بعدم التدخل: -أنت صح، أنا معرفش حاجة. ثم أشارت
بيدها إلى يونس وتحدثت: -ممكن تغير هدومك وتيجي معايا لثواني؟ فنظر لها يونس وحمزة بحيرة، فتحدثت تمارا بتشجيع: -مش هاخد من وقتك كتير. خرجت، فساعد حمزة يونس في تبديل ملابسه، ثم اتبعه تمارا. *** بإحدى الأحياء الشعبية، توقفت سيارة التاكسي أمام إحدى المباني وخرجت بسمة منها بعدما دفعت الأجرة، ثم اتجهت نحو المبنى. صعدت إلى الدور الثاني ثم دقت الباب فسمعت صوت أحداً يأتي من الداخل. تحدثت بسمة عندما رأت امرأة فتحت الباب:
-أكرم موجود؟ تحدثت سمية بصوت عالي: -خير، مش كنا خلصنا منك؟ فردت بسمة بغضب: -أنا كلامي مش معاكي، أنا كلامي مع اللي لمك من الشوارع واتجوزك. عاوزة بنتي. خرج أكرم عندما سمع صوتها: -خير يا بسمة، إيه اللي رجعك هنا تاني؟ تحدثت بسمة بغضب: -عاوزة بنتي يا أكرم اللي انت حارمني منها. فرد أكرم بصوتاً عالي: -عاوزاني أديهالك عشان تعديها.
خرجت الصغيرة عندما سمعت صوت والدتها فاحتضنتها بسمة سريعاً، فحاول أكرم أن يزيح الصغيرة من أحضانها. وبالفعل استطاع أخذها. تحدث أكرم وهو يغلق الباب: -غوري من هنا، مش عاوزين نشوف خلقتك تاني. دقت بسمة الباب بقوة وهي تبكي: -حسبي الله ونعم الوكيل فيك، حرام عليك عاوزة بنتي. لكن لم يفد صراخها أو بكائها الذي اجتمع عليه بعض المارين. *** على الجانب الآخر، وقفت تمارا أمام إحدى الغرف. نظرت عبر زجاج الغرفة ثم تحدثت
بصرامة وهي تنظر إلى يونس: -دي حياة عندها أربع سنين مولودة بالمرض، أربع سنين بتحارب، بتاخد جلسات وعمليات وبتتعمل. طفلة عندها أربع سنين عندها الشجاعة والصبر أكتر منك. ربنا لو مش عالم إنك مش قد الحمل ده مكنش أدهولك. لكل داء دواء. أنت مش حر نفسك يا بشمهندس. صمت يونس ولم يستطع الرد عليها، بل غادر المكان. حاول عمار الذي وصل متأخراً أن يلحقه فأوقفاته تمارا قائلة: -سيبه يا بشمهندس. نظر لها عمار ثم تحدث عندما تذكرها:
-مش أنتي قريبة لمار الشافعي!؟ فعقد حمزة حاجبيه بتعجب: -أنتم تعرفوا بعض؟ فأجاب عمار موضحاً: -في الحقيقة قابلت الدكتورة امبارح في الافتتاح. المهم دلوقتي نلحق يونس. فتحدثت تمارا بجدية: -الأحسن إنكم تسيبوه لوحده دلوقتي. وضع حمزة يديه على كتف عمار: -متقلقش، الحراسة تحت زمانهم راحوا وراه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!