الفصل 10 | من 25 فصل

رواية سرداب غوانتام الفصل العاشر 10 - بقلم نور

المشاهدات
18
كلمة
4,145
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

انت سحبتني. انفلتت يدها وقالت: ممكن تفهمني في ايه؟ عايزة تندمي يوسف على قفل المدرج عليكي. اتسعت عيناها وقالت: انت كنت عارف؟ صمت. اقتربت منه بضيق وقالت: كنت عارف وسيبتني جوه. ثانية، انت اللي فتحت؟ قلتلك مش أنا. ومش يوم لما أكذب، أكذب عشانك يا لينا. أنا راجعت الكاميرات لما سألتك ومقولتليش وكنت عارف إنك بتخبي. شوفي يوسف وهو بيدخل ويقفل المدرج. رضيت فضولك وعرفت أنا مضايقة ليه. اها، ضايقت منه.

قالت: تمام. شفت مين اللي فتح الباب؟ لو مش أنت كان مين؟ صمت قليلاً ولم تفهم صمته. تنهد وقال: مكنش في حد. قالت باستغراب: إزاي؟ الباب يا إما اتفتح من جوه أو... محدش فتحه أصلاً. نظر إليها وقال: مكنش في حد يا لينا عند الباب. مكنش في غيركم قبل ما آجي. تعجب كثيراً، فهي لم تلمسه ولا يوسف الخبيث الذي لم يفتح له. معتز، لقد جعلتني في حيرة فوق حياتي المزدادة يومياً. لاحظت نظراته إليها. قال: لسه مش عايزة تقوليلي إيه بيحصل معاكي؟

أنت مهتم ليه؟ قلتلك، موضوع شخصي. شخصي إيه اللي بينا؟ أنت فعلاً كنت تقصد إيه، إنك مهتم بيا؟ ابتسم. تفاجأت كثيراً. تقدم ووقف أمامها وقال: هتفهمي بعدين. خلينا في دلوقتي. اللي هو إيه؟ لو خليتك تندمي على اللي عمله، هتعرفيني حكايتك. مفيش حكاية أصلاً. كانت هتمشي. مسك إيدها وقال: يوم ما خرجتي من المدرج، لبسك، وأخوكي اللي كان قلقان عليكي.. اتصال الأمن مكنش من فراغ. كنت بتعمل كده ليه؟ مش بتساعدني صح؟ ضاقَت

عيناه وقال: لو مكنتش بساعدك، أنتِ هتساعدي مين. أنا كنت قلقان عليكي. اختفاكِ الصبح وظهورك بالليل رجعني عشرين سنة لورا. ألقت عليه نظرات، فهي لم تفهم كلمة واحدة مما قاله. مسح وجهه وهو يقول: قلتي إيه يا لينا؟ دكتور معتز، أنت عايز إيه بالظبط؟ خلينا نعمل صفقة. عبارة عن إيه؟ هندملك أي حد بيضايقك هنا في الجامعة. وفئة المتنمرين ضدك كتروا. قصدك يارا وصاحبها ويوسف وصحابه؟ عارفة كويس إنهم ولاد رؤساء الجامعة. وهتوقفهم إزاي بقى؟

ده يرجعلي. في المقابل، تحكيلي على اللي بيحصل معاكي. سكتت من اهتمامه المستغرب. لكن وجود شخص كمعتز معها واستشارته فيما يحدث لها هو أكبر مساعدة لها. أنها لن تضر بـ ... وسيساعدها أيضاً في جامعتها لعدم التعرض لمضايقات. قالت لينا: عايز تعرف إيه؟ العالم اللي اتكلمتي عليه. ابتسمت. قالت: غريب أمرك يا دكتور إنك مأخدتوش هزار. بس فعلاً كلامي كان حقيقة. أنا بتنقل لعالم تاني مختلف عن هنا تماماً. سكتت. تعجب. قال: كملي.

عقدت ذراعيها وقالت: هحكيلك لما تاخدلي حقي زي ما قلتلي. هنشوف هتعمل إيه. ابتسم. لم تفهم ابتسامته. لكن اقترب منها ولم يعد هناك مسافة بينهم. قال: لسه متعرفنيش، بس ردي هيوصلك قريب. هستنى. سمعت صوت من بعيد يناديها. لترى سهيلة صديقتها تشير إليها. لكن حين رأت معتز، حمحمت باحترام له. قالت: إزيك حضرتك يا دكتور؟ أومأ إليها بمبادله. ثم نظر إلى لينا وغادر. ولا تزال سهيلة تنظر لهما.

قالت: علاقتكم فعلاً اتحسنت عن الأول بكتير. الكل بقى بيحسبكم متصاحبين. نظرت إليها بحدة: بتقولي إيه؟ خافت منها وقالت: مبقولش. كويس إنك عرفتي تتأقلمي معاه. اه جداً. أنتِ كنتي بتعملي إيه هنا؟ لسه مخلصة محاضرة. بحسبك اتغيبتي. أكيد اتغيبت في أول محاضرة. هلحق التانية. أومات لها بتفهم وهي تضم حاجبيها مستنكرة: لينا. همهمت بمعنى نعم. لتكمل سهيلة: في واحد بيبص عليكي من ساعة تقريباً.

التفتت لترى باستغراب. أشارت لها لتجده يقف بعيداً ينظر إليها متهجماً. كان ذلك العجوز الذي لاول مرة تراه غاضباً هكذا والشر ينطلق من عينيه. نتقابل بعد الجامعة. قالتها وهي تتجه إليه. وكلما اقتربت منه شعرت بالخوف ولا تعلم سره. هل هو غضبه الذي يبدو مخيفاً أم أنها ارتكبت خطأ باتفاقها مع معتز؟ لا شك أنه أتى ليصيح في وجهها. قالت لينا: قليل لما بتقابلني هنا. مش في غوانتانامو؟ إيه اللي عملتيه ده؟

عارفة إني غلطت، بس هو كان مصر يعرف. صاح به بغضب: دخلتي لي ومنعتيه يا... تعجبت بل انصدمت أنه يتحدث عن فرناس. قالت: قصدك الأكل المسموم؟ إزاي تعملي كده وتعبثي في أحداث الكتاب؟ مش فاهمة. أنت مضايق عشان أنقذته؟ كانت مصدومة بحق. وقالت: مش ده الملك اللي بيخليني أرجع وهو نفسه اللي أنا هناك عشانه، مش كده؟ ولا أنا فهمت غلط؟

أنتِ فعلاً هناك بسببه، بس ده مش معناه إنك هناك تشيله من الخطر. إنوي مجرد عين.. عينك زي القلم بتكتب كل اللي بتشوفه في الكتاب وتدوّنيه. أشار عليها وقال: أنتِ مدونة مش محاربة. سمعتي؟ أنت بتقول إيه. أنا مش فاهمة حاجة. غلطتي يا لينا. غلطتي أوي. عملت إيه؟ كنت عايزني أسيبه يتسمم؟ مك didn't ده هيحصل. وزيرة اكتشفت كل حاجة قبلك وكان هينقذه. بس أنتِ غيرتي الأحداث لمجرد إنني بتخيليه. سكتت وهي تتذكر ذلك المشهد الذي

رأته لشخص يقتحم الجناح: مولاي، لا تأكل الطعام المسمم. قالت لينا: قصدك إيه؟ طب ليه في رؤية جتلي بأني أنقذه؟ رؤية إيه؟ شوفت الأكل وهو بيتقدم له. ليه شوفت الحاجات دي ومشاهد لسه بتحصل ومشاهد كانت هتحصل زي وزير، بس بعد ما أدخلتي. ده كان الكتاب يا غبية. قولتلك مدفون في عقلك الباطن الأحداث. ولما أدخلتي خلاكي تشوفي الحدث اللي غيرتيه بنفسك. صمتت بضيق من نفسها.

لكن نظرت له وقالت: أنا مكنتش أعرف. بدل ما أنت مضايق، المفروض تعرفني كل حاجة بدل ما أنا زي التايهة. مش لازم تعرفي يا لينا. عايزني أفضل كده على طول؟ لا عارفة أنت مين ولا الكتاب اللي النار مش بتأثر فيه وكأنه بسبع أرواح. ولا الأرض والعالم الغريب ده بروح له. اقترب منها وقال بهدوء: فيه حاجات هتندمي لو عرفتيها. تعجبت من نبرته. نظر لها وقال: أوقات بيكون الجهل أفضل. حتى أنا.. اجهليني أفضل يا لينا. أنت مين؟ ولي رميتني هناك؟

أنتِ المختارة. مش أنا اللي بدخلك. ده خارج عن إيدي. والمفروض أفضل أتنقل كده كتير؟ مهمتك مش هتطول. قربت تخلص. تعمقت في كلامه وقالت باهتمام: قصدك إيه قربت تخلص؟ مش هروح هناك تاني؟ شايفك زعلانة إنك مش هتشوفيه. زادت ضربات قلبها ارتباكاً وقالت: لا طبعاً. لكن مجرد سؤال. متعمليش حاجة غبية تاني. قال ذلك بحدة. وضع يده على جبهتها وهو يغمض عينه. تعجبت منه. بس حست بسخونة قوية. بعدته عنها وهي تحسسها. قالت: إيه ده؟

حاولي تقللي استخدامك ليها. هي إيه؟ لسه مأثرتش فيكي ذاتك. تعجبت من كلامه الغير مفهوم. ذهب. قالت بصوت مرتفع: قصدك إيه؟ مش كل مرة تمشي. ذهبت إليه لتوقفه. هبت ريح ليتلاشى معها. توقفت قدماها وهي تحدق في الفراغ بشدة. التفتت حولها بخوف.. هل اختفى؟! في اليوم التالي كانت جالسة أمام ذلك الكتاب الموضوع على المنضدة وبينها وهي تدرس. تلقي أنظارها عليه من حين لآخر.

تنهدت بضيق وهي تمسك رأسها: لو بقيت أفكر كده كتير مش هعرف أحل الامتحان اللي بعد بكرة. قاطعها رنين هاتفها. وكانت صديقتها. جاوبت وهي تقول: في إيه يا سهيلة؟ حليتي الشيت اللي الدكتور بعته؟ محلتش حاجة ولا عارفة أحل. سبيني أذاكر. قفلت معها. فهي تشعر بالضيق لأنها لأول مرة لا تدرس وتضيع وقتها بسبب ذلك الكتاب اللعين. سندت رأسها وهي تفكر: متى ستعود مجدداً؟! بل قالت وهي شاردة الذهن... كيف هو الآن وماذا يفعل؟

داخل الجامعة كانت تجلس على كرسي يبعد عن الآخر بمسافة لا تقل عن المتر. حيث كانت اللجنة مشددة. لا يوجد صوت سوى صوت نقل الأوراق بين صفحاتها. كانت لينا متوترة وهي تلعن معتز داخلها على ذلك الامتحان الذي وضعه: أمال لو كنت هتساعدني بحق وحقيقي، كنت كملت جميلك وهات امتحان عدل أو حذرني.

لكنه لم يعدها بذلك. بل أخبرها أنه لن يجعلها تتعرض للمضايقات. ويبدو أنه ليس من الرجال الذين يقولون كلاماً بغير مقدرتها. لكنه لا يفعل شيئاً لأجلها أيضاً. بل وضع امتحان يصعب عليها وكأنه لا يتنازل عن مهنته القديرة. وحدت بعدما انتهيت لتجد يارا تتحدث بثقة مع أصدقائها عن سهولة الامتحان. تعجبت كثيراً. أتت سهيلة ورأتها واقفة هكذا لتعلم على ماذا تنظر. وقالت: زي عادتها بتنجح بتقدير امتياز. قالت لينا: ومين هيخليها تجيب أقل؟

العميد بيعمل شغل جامد. تلاقي بيجبلها الامتحان. مش بعيد. ضحك الاثنان. نظرت يارا إليهم من ضحكاتهم. قالت: بيضحكوا على إيه دول؟ أكيد غيرانين. كانت متضايقة. ذهبت إليهم وهي تقول بابتسامة: ما تضحكيني معاكي يا لينا. نظروا إليها. ابتسمت وهي ترد عليها: حاجة متخصكيش. فعلاً، أكيد مش هيخصني حاجة تبعك لأنها هتكون قليلة أوي. ضحك الجميع وتضايقت لينا كثيراً. قالت: إنني قليلة من غير حاجة يا يارا. ضحكت. قالت: أنتِ عارفة بتكلمي مين؟

أكيد مش العميد. بابي. طالعهم الجميع من سخريتها. قربت يارا منها وهي تبتسم بشر. نكزتها في رأسها بقوة. انصدم الجميع: شكلك عايزة تتحطي في القائمة السوداء. استجمعت لينا قبضتها وهي تشعر بالغضب الشديد على امتداد يدها. قالت: فكراني زي اللي بيسكتولك؟ أنتِ كده فعلاً. حبيبتي، أنتِ عارفة الكل هنا بيشوفك مجنونة، كتبك وانطوائك.. "Baby you are crazy".

ضحك الجميع. لتنظر إليهم بغضب وتشعر بشر يجتاحها. بل غضب لم تشعر به. نظرت سهيلة إليها بقلق. قالت: يلا نمشي. فلتت يدها بقوة. قالت: لينا. انتفضت رمال من على الأرض وامتلأت الأجواء بالتربة، ليسعل الجميع وهناك من يتألم من عينيه. واختفى صوت الضحكات. وضعت يارا يدها على عينها بتألم وصرخت بغضب: أنتِ مجنونة.

نظرت سهيلة إلى لينا وهي تبعد الغبار لكي تستطيع رؤيتها وهي تسعل. لتجدها تبرز سن القلم وتثقبه بها. اتسعت عيناها بصدمة. لكن كان هناك حائل بينهما. لقد كان معتز يمسك بيدها وينظر إليها بشدة وإلى القلم. نظرت لينا إليه لتهدأ ثورتها وتنظر إلى يدها. انتشل منها القلم وتوقفت الرمال وعاد الهواء نظيفاً. قالت يارا بغضب وهي تنظف ثيابها: أنا هوريكي. اقتربت منها لتجد معتز ينظر إليها.

قال: يارا، مش شايفة إن تنمسك لازم تمارسيها برا الجامعة. ابتسمت وقالت: أنا متمرستش على حد يا دكتور. ثم إشمعنى لينا اللي أنت مهتم إذا كنت بدايتها ولا لا. أعتقد بردو حذرت يوسف قبل كده. نظرت له وقالت: هي حبيبتك. أعتقد الارتباط بطالبة هيخليك تتعرض للمساءلة القانونية. نظر الجميع إليهم. وتلفتت لينا حول تلك الأعين. ابتسم معتز وقال ببرود: وأنتِ عارفة يا طالبة كلامك ده هيخليكي تتفصلي من الجامعة.

توقفت لوهلة وهي تبتسم ساخرة. ألا يعرف من تكون هي ومن يكون والدها؟ نظرت إلى لينا باستهزاء وذهبت ليتبعها أصدقاؤها. ألقى معتز نظرة على الجميع فذهبوا. عاد بنظره إليها وهي لا تزال غاضبة. أمسكها من ساعدها وقال: امشي. ذهبت معه وهي تحدق فيه وفي يدها. قالت: أنت رايح فين؟ انفلتت يدها جامد. وقالت: في إيه؟ رفع القلم في وجهها وقال: إيه ده؟ نظرت له وتذكرت كيف كان في يدها. قال معتز: اتجننتي يا لينا؟ ضايقتني. ضايقتك؟

أنتِ عارفة كنتي هتعملي إيه. كنتي هتبقي في الأحداث سجل جرائم العنف. عايزة تقدري مستقبلك؟ أنت مشوفتش كانت بتقولي إيه. ومدت يدها. وده ردك؟ ترتكبي جريمة وتضيعي أنتِ. اتعودت عليكي ذكية. سكتت قليلاً وهي مرتبكة. قالت: معرفش إزاي فكرت كده. تعجبت منها. تنهدت بضيق. قالت: صدقني معرفش إزاي ولا إمتى مسكته حتى. لقيتك في وشي والقلم في إيدي. معرفش كنت هعمل إيه. صمت وهو متضايق منها. وضع القلم في حقيبتها.

قال: خلي بالك من تصرفاتك بعد كده. لتجده يمسح بيده على شعرها. نظرت له وكانت ممتلئة بالتراب بما حدث. وفوجئ تراب الأرض عليهم. نفضت ثيابها. قالت: العاصفة كانت لصالحي. إزاي عاصفة في مكان واحد؟ بستعجبت منه. لكن حين نظرت له ويده الذي يمسد على رأسها. نظر إليها وتوقف عما كان يفعله. ابتعدت عنه وقالت: شكراً. ذهبت لكن توقفت وقالت: ياريت متنساش اللي قلته لي. مش عايزة أنا أقتلها زي ما كنت هعمل.

غادرت وتركته واقفاً. اعتدل بحرج وهو يخفض يده. كانت لينا جالسة وهي تأكل مع عائلتها وهي تتمتم ببعض الكلمات المتضايقة وهي تعلن يارا وعائلته ينظرون إليها بشدة على تحريك شفاها. عقدت حواجبها. إنهم لأول مرة يرونها بهذا الغضب. قال غسان: في حاجة يا لينا؟ توقفت فجأة ورفعت وجهها لتراهم ينظرون إليها. قالت: لا مفيش. قال حسام: أنتِ بتتخانقي مع دبان وشك؟ نظرت له بضيق من سخريته. قالت والدتهم: خلاص كلو.

وقف حسام وقال: أنا همشي. خارج مع إيه النهارده. قالت لينا: أحسن أستريح من كلامك بليل معاها شوية. ضربها على قدماها بقدمه. نظرت له بضيق. طالعهم والدهم فاعتدلوا وغادر. ذهبت أيضاً هي لتكمل دراستها لعلها تتناسى ما حدث. دخلت لغرفتها تتحدث إلى الكتاب. أليس هذا صديقها؟ لِمَا يورطها إذن؟ أنها الآن تطالبه أن يتحرك. تريد الذهاب إلى ذلك الملك. تذكرت هذا العجوز الذي لا تعرف حتى اسمه

وضيق منه لأنها أنقذته: واحدة شافت حد بيتأذى وملك مسؤول عن شعب كامل، تشيله يموت؟ لا ومضايق أوي. وأنا أعرف منين إن فيه حد هينقذه بدالي؟ أنا معرفتش غير لما أدخلت. تنهدت. لأنها لا تعلم متى سيخبرها عن حقيقتها. لكن تعلم أن فرناس يمتلك إجوبتها أو ستجد ما تريده معه. ما الرابط الذي بينها وبينه لتكون هناك من أجله؟

إنها "مدونة". هكذا لقبها العجوز. أدركت الآن أنها الكلام الذي يدون ما يراه داخل هذا الكتاب. لكن لا تعلم كيف وأين ما تدونه وماذا تدون حتى. "شايفك زعلانة إنك مش هتشوفيه".

لتكن صريحة فور انتهاء مهمتها تعني بأنها لن تعود إلى هناك. لن تراه. فرناس. ذلك الملك الذي لا تعلم عنه شيء. لكن خوفها الذي دفعها إلى الجنون واقتحام جناحه لتحذيره يجعلها مكشوفة أمام الكل. تظن له المشاعر. لكن بسبب الاختلافات الكبيرة الذي بينهم. هذا لا يصلح لذلك تسميه إعجاب. ومن لا يراه لا يعجب به. بتلك الملامح العربية والشعر الأسود كسماء في ليلها يجعله، يجعله مميز عن أي أحد.

في أحد الأمسيات كانت جالسة في غرفة المعيشة. أتى أخوها مع كوبين من القهوة وأعطاها واحداً. أخذته شاكرة: بتفكر في إيه؟ قالها سألها إياها عن شرودها: غوانتانامو. بحسبك قلقانة من امتحاناتك مع إن دي مش عادتك. صمتت وكأنها اعتادت على مشكلات الجامعة التي تلاحقها. لكن آخر مرة لم تكن عادية. لا تزال تفكر في تحولها. قالت بتنهيدة: مفيش حاجة بفكر فيها أكتر من الأرض العجيبة دي. متعرفيش طريقة أدخل بيها لهناك. ضحكت. وقالت: ليه؟

كلامي حمستك لهناك. عايز أكون جنبك وأشوف الدنيا هناك عاملة إزاي. ولو حد قرب منك. أكمل بشر: أقتله. ابتسم. لطالما كان أخوها سندا لها. تتذكر في طفولتها حين كان يضايقها أولاد أقاربها كان يضربهم من أجلها حتى أصبحت مخاوفهم. قالت لينا: هسأل العجوز ده لو ينفع. مش هماني أبداً. لو في طريقة دخل جوه عقلك وأشوف اللي شوفتيه. ابتسمت. لكن تحولت ابتسامتها إلى شرود مباغت. حيث خطرت لها فكرة. فكرة غريبة لا تعلم من

أين لتأتي لها بهذه الفكرة: هخليك تشوفها يا حسام. وماما وبابا. ممكن الكل. ضحك. وقال: إزاي ده؟ قصة. إيه؟ غادرت الجلسة متجاهلة إياه. إنها تود كتابة قصة مصورة لذلك العالم. الكتاب يدون الأحداث وهي ستدون مغامرتها وما تراه. إن كانو مهامها ستنتهي لتخلد في ذكرياتها. جلست على المكتب تخرج دفتر رسم كبير. جاء أخوها. نظر إليها بتمعن واستغراب: بتعملي إيه؟ أخرجت أقلامها، وهي تحضرها أمامها. هوايته التي تمتاز فيها. الرسم.

قالت لينا: هعمل قصة، عشان تشوفوا اللي أنا بشوفه هناك. أكملت بثقة: أقدر أوريكم كل الشخصيات. الشوارع، الأكل، العربات اللي بيجرها الحصان، الجنود، المملكة، القصر، غوانتانامو كلها. ده ينفع؟ ليه لا. خليك ثواني. جلس على الكرسي ينظر إليها وهي تحرك يديها وتقلب الورقة. مر بعض الوقت وقد شعر بالملل. وقف وقال: لما تخلصي وريني. انتهت ورفعت الورقة عالية. قالت: خلصت.

ألقى نظرة ليرى أناس يرتدون ملابس غريبة ونساء يلتففن حول أجسادهم ملابس خاصة. الرجال يقفون بين بضائعهم والفاكهة والخضروات تملأ المكان وهناك الكثير يتبضع. قال باستدراك: ده سوق. أومأت له. قالت: أيوه. هناك بيلبسوا كده إلا في المناسبات. لبسهم بيكون غريب من نوعه بس مميز. زي يوم الغيام. إيه يوم الغيام ده؟ ابتسمت. وقالت: هتعرف بعدين. ماشي. بس اركن ده لما تخلصي امتحاناتك. بقول كده بردو. أوقات بخاف الكتاب يسحبني لهناك وأنا بحل.

مبروك عليكي إعادة السنة. نظرت له بحنق. غادر لتبقى بمفردها. تركت الرسمة ودخلت في فراشها تستلقي استعداداً للنوم. مرت لياليها تحت أضواء الدراسة تتجاهل أي سخرية من فرد في الجامعة. ولم يعد أحد يضايقها حتى بالنظرات. وهذا ما أراحها بعض الشيء. وقد ظنت سوف تصبح حديث الجامعة. كانت أثناء دراستها تنظر إلى الكتاب. لماذا لم يهتز بعد؟

لقد أطال هذه المرة أم أنها تتخيل لأنها تتشوق للعودة. إنها من تريد أن تعود بالفعل. لعلها تكسر سر آخر. انتهت الامتحانات وعادت إلى عطلة جلوسها في غرفتها. كانت قد اعتادت الرسم أو القراءة لترسل ما تخيله. كانت تحتسي كوب الشاي في غرفتها. ترتدي بيجامتها وترفع شعرها لأعلى ومبعثر على وجهها بعشوائية وتضع الفرشاة على أذنيه. تدندن وهي تقرأ لتشرب آخر شفة. ومسحت فمها حين ابتعلت الشوائب. قال: الشاي خلص. أروح أعمل واحد كمان.

وقفت لتغادر. لكن توقفت حين شعرت بأن قدماها تصلبت فجأة. حاولت التحرك لكن لم تستطع وشعرت ببرودة قوية في الغرفة: إيه اللي بيحصل؟

نظرت إلى المدفأة التي لا تشعر بدفئتها. التفتت إلى الكتاب الذي علاه عنوان لكل ما يحدث. وجدته يصدر ضوء. تعجب كثيراً. لكن كان يزداد بالتوهج. ثم سمعت صوت ذلك اللحن. ذلك اللحن الحزين الذي بدأ في التوضيح للغاية. لتسمع صوت بكاء، صوت نحيب وصوت انكسار. هناك صرخات تسمعها تخرج من ذلك الكتاب وتصب في أذنيها.

وضعت يدها على أذنها وقلبها ينبض بقوة. ازداد الصوت لترى أطياف تخرج من الكتاب. ارتاعت وتحاول الرجوع لكن قدماها متوقفة. وكأنه ملتصقة بالأرض. نظرت إلى ملابسها. انصدمت.. مهلاً، مهلاً، ليس أنا. أحاطت بها حتى لم تعد ترى غرفتها وشعرت بجاذبية قوية تطيح بها. وقعت أرضاً وشعرت باصطدام جسدها بالأرض فتألمت. اعتدلت من على تلك الأرضية وهي تتحسس يديها. لكن حين رأت ذلك المكان الذي هي فيه. بل ذلك الوجه الذي وقعت عيناها عليه. إنه فرناس.

نزلت بعينيها لتجد تلك الكتل العضلية المجرمة وذلك الصدر العادي ذو الكتفين العريضين. احمر وجهها وكان معه حاشيته يساعدوه في ارتداء ملابسه. وضعت يدها على عينيها وقالت: استنى. التفت إليها فوراً ورفع الحارسان سيفهما فوراً. لكن فور أن رآها فرناس تعجب كثيراً وجعلهم يخفضون أسلحتهم. قلقلت حين سمعت صوت نصال سيوفهم. قالت: معرفش إزاي جيت هنا. صدقني لم أكن أعرف أن آتي في هذه الساعة. تقدم منها قال: لقد عدتي إذاً.

فتحت عينيها لتقع على عينيه الرمادية فدق قلبها وهي تنظر إليه. قالت: ده شيء جيد؟ إلى حد ما، أجل. هل كنت تنتظرني؟ صمت قليلاً. ثم قال: لنقل هذا. لم ننتهي من كلامنا بعد. فرحت أول الجملة. ياريتها لم يكملها. بس لما بصت على صدره العادي أمامها احمر وجهها: أنت لسه ملبستش. اقتربت منه ينظر إلى حركة جفنها. توترت من عينه. قالت: فرناس. ترتجفين. ازداد نبضات قلبها وحست بانجذاب نحوه و...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...