الفصل 9 | من 25 فصل

رواية سرداب غوانتام الفصل التاسع 9 - بقلم نور

المشاهدات
18
كلمة
4,495
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

انت عاوزني أنا اللي أدوق؟ نظر فرناس إلى لينا من تحول وجهها وخوفها. قال: اختاري من يجب أن يتذوق. تعلق عيناها به وقلبها يهدأ. قال: إن كنتِ قلتي كلام كهذا لا شك بأن هناك سبب. قال داغر: تشكين بأحد، المخاطرة لن تكون على حياة الملك. صمتت لتمرر أنظارها على الخادمين وتدقق بهم، ولا تعلم سبب ترددها. كان مطأطئين رؤوسهم، لا ترى أي تعبيراتهم، لكنها خائفة أن يكون يقينها صحيح ويتسمم شخص بريء لمجرد تذوق طعام ملك.

إنها تعتبرهم الاثنان بشر. لا تريد أن تحمل إثم. أشارت على أحدهم بإصبع السبابة وقالت: أنت.. تذوق ذاك الطعام. رفع وجهه من إشارتها عليه، وتوجهت أنظار الجميع عليه. تعجب فرناس من اختيارها بتلك الثقة، لكن لا يعلم دقات قلبها الخائفة. قال داغر بجدية: لماذا تقف في مكانك، ألم تسمع؟ قال الخادم: لكننا تذوقنا الطعام جيداً. قالت لينا: عرفنا، ابدأ من جديد. كان واقفاً في مكانه متلعثم اللسان وقال: حاشا أن تمد يدي في طعام الملك.

قال فرناس: تذوقه. نظروا إليه وكان يده تخلو الدماء منها. قال: مولاي هذه إهانة لحضرتك. قاطعه فرناس بحدة وقال: الآن. ارتجف من صوته وهو ينظر إلى جميع الأوجه التي تثقبه بأعينها. تقدم ناحية الطعام، وكان لينا تتابع حركته وعرق جبهته. توقف فجأة ليظهر الارتباك على وجهه. قالت صفية: لماذا توقفت؟ لم يجاوب وكأن خرس فجأة. قال: لا أستطيع. بلع الجميع به وقد ثبتت مخاوفهم. هنالك من أمسكه بقوة وجعله يجس على رقبتيه من قوة قبضته على كتفه،

وكان داغر الذي قال بغضب: للأكل رغم عنك. أمسك الطعام بقبضته وسرعان ما دفعه داخل فمه والخادم يحاول الفلات من قبضته، فضغط على رقبته التي كادت أن تنكسر واملأ فمه بالطعام بغضب شديد ليتركه يسعل من الطعام الذي وقف في حلقه. كان يمضغ رغماً عنه بسبب قبضة داغر. وكانت لينا ترى قسوته، لكن تشاهد الخادم الذي ابتلع ما في فمه ورفع وجهه لهم دون أي تعبيرات أخرى غير السلامة الجدية.

التفت داغر إلى فرناس من عدم حدوث شيء، وكان هو ممتثل الهدوء. ليلقي نظرة إلى لينا. لم تفهمها، لك توحي بالضيق، رغم أنها كانت مصدومة ومحرجة كفاية من نظراتهم التي تتوجه عليها. كانوا يعلنون أنفسهم بشدة على ما فعلته من تهورها. قالت صفية: مولاي، أخبرتك نحن نتأكد من سلامة طعامك جيداً. قالت لينا بحرج: اعتذر، أنا فقط كنت لا أريد أن يصيبك أذى.

سمعوا صوت شهيق مرتفع، وكان من الخادم الذي لا يزال جالس على الأرض، ووجدوا وجهه محمر ونقور زرقاء تحيط جلده. كان يأخذ شهيق بصوت مرتفع وزفير بصعوبة تظهر من حركات صدره. تعجب فرناس كثيراً ويرى محاولته على الثبات، لكن تحوله يظهر أمام الجميع. يضع يده على عنقه ويشق ملابسه وشده بقوة وهو يرتعش جسدياً. انصدم الجميع ونظروا إلى الطعام بشدة من وجود خطأ ما به. كانت لينا تتراجع للوراء وتشعر بالحزن لا السعادة. إنها كانت محقة.

ليتها لم تطلب ذلك منه. هناك رجل يموت من ورائها. يتعذب وهي تشاهد. لقد قتلته بدون ذنب، فقط لأنه يؤدي وظيفته. إنها ظالمة، ظالمة بشدة، بل قاتلة. قالت صفية بصدمة: الحكيم. قال داغر: كلا. نظرت له، ليرمقها نظرة أمر فخفضت رأسها بطاعة. كان الخادم يصارع الموت. وقف فرناس أمامه وقال: إن كان لك يد تحدث. قال الخادم: أنقذني يا مولاي. قال فرناس: سأحضر لك الحكيمة إن قلت الحقيقة.

كان ينتفض وهو يعافر، والآخر بارد وهو ينظر إليه من معافرته غير مبالي به. قال الخادم: من؟ قال فرناس: أنا بريء، بريء صدقني. لم يرد عليه، ابتعد عنه. طالعته لينا من عدم اهتمامه به. قالت: يجب أن ننقذه. رفع الخادم وجهه إليها يأخذ أنفاسه بصعوبة، لكن عينه كانت مليئة بالغضب. قال: أيتها اللعينة. سريعاً ما انقض عليها وأوقعها أرضاً وهو يطبق بيده على عنقها بقوة وأعينه حمراء ينطلق الشر منها.

قال: إنك السبب أيتها الحقيرة، كان سيموت بصمت. ضغط بقوة وقال: سأقتلك.. سآخذك معي. شعرت بالاختناق. ركض الحارسان يبعدوه عنها، لكنه مشبث برقبتها وكأنه متعهد على قتلها حتماً. هناك من أمسك أصابعه وقام بثنيها فصرخ من كسر أصابعه. كان فرناس الذي دفعه بقوة بعيداً عنها بكل سهولة ورفعه بيده واحدة معلقاً على قبضته وقدماه محلقة في الهواء. كان يختنق من عنقه ومن السم الذي انتشر في دمائه وأصبح لونه غريباً كالمعتاد.

قال فرناس: أشفق عليك، لذلك سأنهي عذابك. وفي لحظة أخرج خنجراً من تحت قميصه الفضفاض وقام بغرزه في أيسر صدره. ارتعش جسده بقوة وكانت آخر رعشة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. قال ببرود: خائن. كانت أعينها متسرعة بشدة وتنظر إلى الخادم بصدمة وإلى فرناس بالتحديد. تركه من بين يديه ليقع أرضاً الدماء تسيل منه، وهناك لعاب لمادة بيضاء اللون تملأ فجوة فمه أثر التسمم. تقدم داغر من فرناس وقال: هل أكلت شيئاً؟ قال فرناس: لا.

قال داغر: جيد، سأرسل الحكيم الملكي للاطمئنان عليك. قال فرناس: أنا بخير يا داغر. قالها فرناس وكأنه يطمئنه عليه. أومأ له بتفهم. أشار للحارسان وقال: خذوا هذا الخائن من هنا. حملوا ذلك الجسد الذي لا تدب الروح فيه وغادروا فوراً. كانت صفية تحني رأسها وقالت: مولاي اعتذر، إنه جزء من عملي ولقد قصرت فيه. قال داغر: إن كان الملك قد تسمم، هل تقصيرك كان سيعيده؟ قالت صفية: أقبل بأي عقاب من حضرتكم. قال فرناس: المكان تفوح منه القذارة.

نظرت له، أعطاها إشارة بعينه فاطمأن قلبها وقالت سريعاً: سأرسل الخدم فوراً لتنظيف المكان. نظرت إلى لينا التي كانت واقفة في مكانها. قالت لينا: هيا. قال فرناس: دعها. نظرت لينا إليه، قال بتفسير: أريدها. قالت لينا: أمرك. غادرت الجناح وبقي داغر. نظر إلى الطعام وقال: الخادم لم يكن سوى وسيلة توصيل. قال فرناس: أعلم. نظر إلى لينا ولم تفهم نظراته. قال: هناك من دفعه تجاهك، ويعرف جيداً أن أكلت كنت ستكون مكانه.

قالت لينا: هل تشير إلي؟ قال فرناس: لا يوجد غير ثلاثتنا. كادت أن تتحدث لكن فرناس نظر لها فسكتت بضيق. عاد بنظره إلى داغر وقال: تحقق من الأمر، أرسل استدعاء إلى بردله. قال داغر: هل تشك في أحد؟ قال فرناس: سأعرف الفاعل إن كان شك أم يقيناً. أومأ له بتفهم وقال: انتبه على نفسك يا أخي. ربت على كتفه لينحني إليه احتراماً لمكانته وأنه الملك. برغم أنهم إخوة لكن يظل عز بينهم. غادر الجناح ولم يبق سواهم ليرى نظراتها التي تثقبه.

قالت لينا: لماذا فعلت هذا، لماذا قتلته؟ قال فرناس: كان رحمة له من هذا العذاب. قالت لينا: وهل طعنه ليس عذاب؟ كان سيموت في الحالتين. قال فرناس: لو رأيت عينه وهو يرجوني بعينيه على فعل هذا لما سألت، سيظل يتعذب إلى أن يموت.. كان ذلك رحمة مني برغم خيانته. صمتت وهي تتذكر شكله. انقض عليها بعدما أشفق عليه ليثبت أنه كان له يد في الأمر. قالت لينا: كيف كان لديك علم بما سيحدث؟ قاطعها وهو يقول ذلك لتنظر إليه والكلام يقف في حلقها.

رفع عينيه إليه وقال: كيف تعرفين؟ تلعثمت في كلامها وقالت: لم أكن أعرف. عادت وهي تقول: أقصد أني كنت أعرف، سمعت من أحاديث وجئت لأخبرك. تنهد تنهيدة عميقة قال: أخبرتك أن الكذب يكلف المرء الكثير يا لينا. ارتبكت من معرفته. تقدم منها وقال: من من سمعتي؟ قالت لينا: أشخاص لا أعرفهم. قال فرناس: إن جعلتك ترين كل من يتنفس داخل هذا القصر، ولم تخرجي لي أحد منهم ستتعاقبين. إنه يعرف بالفعل أنها لن ترمي تهمة على أحد ظلماً لتخلص نفسها.

نظرت إليه من عينيه التي تباشر عينيها وقال: أم أنك من وراء ما حدث وتحاولين كسب ثقتي؟ شعرت بالضيق منه قالت: هذا تفكيرك بي، أنك تظلمني للمرة الثانية. أردفت بسخرية قائلة: بربك هل هكذا تشكرني على إنقاذك؟ تقدم منها ليصبح بضع بوصات بينهم وقال: أمرك يوحي بالشك. ابتسمت وقالت: ماذا، هل تظنني جاسوسة؟ قال فرناس: الظنون جميعها تتجمع نحوك. من أين عرفت بأمر الطعام، أجيب. قالت لينا: لن أخبرك لأنك تسخر مني.

قال فرناس: لينفعك الصمت لاحقاً. قالت لينا: هل تهددني؟ قال فرناس: أريد معرفة من تكونين يا لينا بالضبط. قالت لينا: أخبرتك ولم أكذب عليك لحد الآن، أن... لم تكمل كلامها واستوقفها وخزة في القلب. مالت عليه لتجد يد تمتد نحوها وتمسك بها. أغمضت عينيها لتشعر بألم في رأسها قوي ودقات القلب تتسارع. ظهرت أطياف أمامها للجناح التي تقف فيه الآن. كان الخادمان والذي قتل يقف بجانب فرناس وينظر إليه بتمعن وهو يأكل.

ما الذي يحدث.. ما هذا المشهد.. رأته يأكل لتنصدم. هل أكل من هذا الطعام؟ انفتح الباب بقوة ليصرخ رجل ذو عضلات كثيرة وشعر كثيف وحاد الوجه: مولاي لا تأكل من هذا الأكل. فتحت عينيها على مصراعيها وهي رأت كابوساً للتو. كان صدرها يعلو ويهبط. نظرت إليه وهي تستند إليه، أعدلها وهو يبتعد عنها. قال فرناس: أنتِ بخير. كانت في صدمة غير مستوعبة لما رأت. هذا الرجل وما هذا المشهد الغريب. قالت لينا: هل أكلت من هذا الطعام؟

توقف فرناس حين قالت ذلك وهي تحدق به في صدمة. قالت: كيف تقف لحد الآن على قدميك، كيف أنت لا تزال حياً؟ نظر لها فدق قلبها. قالت: من تكون؟ قال فرناس: تريدين أن تعرفي؟ أومأت له إيجاباً قال: لست بشرياً. نظرت له بشدة قالت: ألست بشرياً بحق؟ قال فرناس: ماذا أبدو في رأيك؟ صمتت وهي تنظر إليه وإلى عينيه. قالت: معاك حق جمالك غير طبيعي. نظر له فرناس. قالت: ما تسخرش مني وقول، هل أكلت أم لا؟ قال فرناس: إن كنت حياً فكيف لأكون أكلت؟

سكتت وهي تؤمئ بتفهم. لعلها.. صدر صوت ألم منها. وضعت يدها على قلبها فإذا بالألم يزداد وتشعر بأن قلبها يغرز به سكاكين حامية وتمزقه شيئاً فشيئاً. قالت لينا: ماذا بك؟ كانت تتألم، لتجس أرضاً من ألم رأسها قوي تريد الضرب عليها لتتوقف. وكأن بعوضة تأكل في جمجمتها كما في قصة الملك نمرود. قالت لينا: ألم.. ألم شديد يخترقني. أمسكها فتشبثت في يده وهي تضغط عليها. قال فرناس: لتجلسي.

لم تستطع الرد أو التعليق، كان تركيزها على الألم الذي لا يتوقف. يا الله ما هذا... لا أحتمل ذاك الألم. أوقفه أرجوك. توقف الألم وهو يقل تدريجياً، شيئاً فشيئاً وهي في مكانها بلا حراك. وما إن اختفى الألم بدأت تتنهد بعمق مرتاحة لتفتح عينيها. قالت لينا: هقولك أنا عرفت أن الأكل مسموم إزاي. تنهدت وهي تنظر له وتكمل: ظهرت لي نبوءة هنا. أشارت على عقلها. تعجب فرناس لكنه يهتم بما تقوله.

قال: لقد رأيت مشهداً يوحي بذلك والطعام متوجه إليك، أدركت أن هنالك خطر عليك ويجب أن أنقذك. قالت لينا: هل كنتِ تركضين هاربة بسبب ذلك؟ أومأت له. قال فرناس بتساؤل: وكيف عرفتي أن ذلك الخادم على علاقة بالأمر؟ قالت لينا: لا أعلم. تعجب فرناس. قالت لينا: صدقني لا أعلم، رأيت تعبيراته وكنت خائفة أن أكون قد ظلمته. قال فرناس: كيف يحدث لكِ هذا؟ قالت لينا: له علاقة بك، كما أخبرتك سابقاً هناك عجائب كثيرة تحدث لي هنا.

قال فرناس: من يتعجب أنا. قالت لينا: ألا تزال لا تصدقني، اكتشفت كذبتك علي لماذا لا تكتشف أن صادقة في كلامي أيضاً؟ قال فرناس: لكنني لم أكذبك قبلاً. نظرت إليه بشدة وقالت: أمال مين اللي قالي إني سخرية ومجرد نكتة عشان تضحكني. رفع حاجبه من لكنتها. لتضم حاجبيها وقالت: متبصليش كده بعينك الحلوين دول، لماذا قلت لي ذلك في هذا اليوم وجرجتني بكلامك، أتتعلم أني شعرت بانكسار في كبريائي لدرجة أني كدت أبكي؟ قال فرناس: لاحظت ذلك.

طالعته بضيق قبل أن ينظر لها قائلاً: تعمدت هذا. احمر وجهها بضيق وقالت: لماذا، تستمع بكسري؟ قال فرناس: أردت إغضابك، أردت رؤية السيء منك وما خلف هذا القناع إن كان زائفاً. نظر لها وأشار على أيسر صدرها وقال: إنك نقية القلب وهذا ما جعلني أن أنفي أي شيء ضدك. زال غضبها منها من كلامه ودقات قلبها فقط من تسمعها وكأنها فرحت بما يقوله عنها. قالت لينا: أتتعني أنك لم تقصد ما قلته، تصدقني؟

قال فرناس: لو لم أصدقك لما كنتِ واقفة أمامي. قالت لينا: ماذا تعني؟ اقترب منها وهو يقف أمامها وقال: أشكرك. تعلق عيناها به. قاطعهم فتح الباب ليدخل الحارس منحني الرأس وقال: مولاي، حضرت الوزير في الخارج ينتظر أمراً للدخول. قال فرناس: أدخله. ليومئ إليه وجهه أنظاره إليها وقال: غادري الآن. قالت لينا: بس. صمتت وذهبت وكأنها تأجل حديثهم لاحقاً لخلق مقابلة ثانية. خرجت من عنده لتجد من يدخل خلفها.

التفتت إليه لترى هذان الكتفان الأشعة بكتفي غوريلا والشعر الكثيف. لكن فور أن التف وهو يتحدث مع فرناس، اتصدمت صدمة كبيرة من رؤية وجهه. شعرت بسخونة قوية تنبعث منها وسريان دمائها بسرعة كبيرة وكأنها تغلي. لم تعد تشعر بجسدها والرؤية تتلاشى لتختفي فوراً. أتت صفية ومعها الخدم قالت للحارس: أين هي؟ أشار لها وهو يلتفت لكن توقف باستغراب وقال: كانت هنا، للتو قد خرجت. قالت صفية: ماذا تعني؟

سمعت صوت من داخل الجناح فأشارت للخدم ودخلت لتنحني إلى فرناس والاخر الذي يقف معه. قالت صفية: هل تسمح لهم بتنظيف هذه الفوضى؟ أومأ إليها ونظر إلى الوزير وقال: تعال يا بردله. قال داغر: أمرك. ذهب معه وقفا في الشرفة الكبيرة. استند فرناس على السور وقال: هناك دخيل. نظر له واردف بجدية: أريد أعين متيقظة، إن كانوا استطاعوا الوصول إلينا فسوف يصلون إلى من في القصر.

قال بردله: إنك أكبر هدف للأعداء، لا تقلق على الحاشية، إنك المقصود. لكن... صمت بردله قليلاً ثم نظر له وقال: هل تشك بأحد؟ قال فرناس: ماذا تقصد؟ قال بردله: من فعل هذا شخص داخل القصر، سلط الخادم وسيسلط غيره. قال فرناس: إن كان ذلك صحيح فهو سينكشف قريباً. التفت وهو يقول: لا أريد ما حدث أن يتكرر. قال بردله: لن يحدث، أعدك إن أمسكت الفاعل وأجعلته يندم أشد الندم، كان هذا تقصير منى، اعتذر.

قال فرناس: أتيت ركضاً فور أن عرفت لكن يبدو أني أتيت متأخراً. قال بردله: سعدت أنك بخير. قال فرناس: ماذا تقصد أنك تعرف؟ قال بردله: مخزون الغذاء أثناء تداوله رأيت قنينة صغيرة تقع من أحد العاملين سألته عنها أخبرني عنه دواء وصفه له طبيب، حين تفحصت القطرة التي سالت منه، طلبت الطبيب لفحصها أخبرني أنه سم. لينكشف أمره أمامي، لكن حين أخذت منه القنينة كانت نصفها فارغ وهناك من استخدمها. ضغطت عليه بقوة فأفشى ما في جعبته.

قال فرناس: ماذا قال لك؟ قال بردله: إنه لم يكن سوى رسول إلى أحد طباخين القصر، خشيت عليك حضرتك وكان شكي في محله. قال فرناس: أين هو؟ قال بردله: أمرت بسجنه. قاطعهم صوت طرقات وكان داغر الذي أتى واستأذن بالدخول. أشار له فرناس تقدم منه وقال: أخي، أراك تتساهل فيما حدث. قال داغر: ماذا تقصد؟ قال فرناس: كدت تقتل، لم نحصل على إجابة لنعرف من تجرأ على فعل هذا. قال داغر: ماذا تريد أن تقول؟ قال فرناس: تلك الفتاة. وكان يقصد لينا.

أردف: أمرها يثير الشكوك. قال فرناس: ليست هي. تعجب داغر منه. لكن تدخل بردله وقال: سمعت أن فتاة تدخلت ومنعت ما يحدث، لكن من أين عرفت بهذا؟ قال داغر: لم نستجوبها بعد. نظر بردله إلى فرناس قليلاً ثم قال: هل تسمح لي بطرح بعض الأسئلة عليها؟ نظر إليهما من إصرارهم نادى صفية الذي أتت فوراً واستدعاها في الحال. وحين عاد إليه وملامحها يملأها القلق. نظر فرناس إليها وقال: أين هي؟ قالت صفية: لا أعلم. قال داغر: كيف لا تعلمين؟

قالت صفية: لم أجدها، أخبرتني الصفوتان خاصتها أنها لم تعد بل لم يراها أحد في ممر واحد حتى منذ ركضها. قال بردله: كيف هذا، هل انشقت الأرض وابتعلتها.. لنرسل جنوداً للبحث عنها. كان فرناس صامتاً غير مندهش مثلهم. قال: لقد عادت إذن. فهو تلقى خبر اختفائها لمرتين وتلك الثالثة. قال داغر: هربت، كان يجب يا أخي ألا تدعها تذهب، نها موضع اتهام كبير. قال فرناس: أخبرتك، ليست هي. تعجب أكثر منه.

وقال: لما كل هذه الثقة بها، إنها أول مرة أراها وأعلم أنها ضيفتك لا تختص بالجوارى حتى بل لها غرفة خاصة. قال بردله: مولاي، هل تعرفها؟ قال فرناس: ليس جيداً. قال بردله: أعذرني لكن هل تعرف شيئاً لا نعرفه نحن، أوافق حضرت الأمير داغر على ما يقوله.. اختفاؤها يعني أنها هربت، أي لها يد بالأمر، بل هي سبب كبير بما حدث. قال داغر: أخي، حياتك ثمينة للغاية، إن تهاونت معها سيلحق بك الأذى. ربت على كتفه أخيراً ويطمئنه بعينيه.

وقال: لا تخف على أخي، لا أموت قبل مماتك. صمت وقد أثار عاطفته وضع يده فوق يداه. عاد فرناس بنظاره إلى بردله وقال: إنها لم تفعل ذلك، وحين أقول إنها لم تفعل فهذا بصيغة التأكيد. لذلك نظر إليهم وأكمل: دعوكم منها وركزوا على العدو الحقيقي. أومأ إليه بردله وقال: لطالما كانت ثقتك هي الصواب، أنت تعلم أكثر منا لذلك.. أمرك ينفذ. قال ذلك وهو ينحني ليغادر.

عقد ذراعيه خلف ظهره ليلتفت إلى السماء التي بدأت في الانشقاق بنور الصباح ويتذكر كلامها التي قالته قبل مغادرتها من جناحه. "أنا متعلقة بك، أنت السبب في وجودي هنا وخلف عودتي في كل مرة." "لينا، إنك الموسومة." داخل الغرفة جالسة على سريرها وهي تستوعب عودتها. وقعت عيناها على ذلك الكتاب الملقى على الأرض، إنها داخل غرفتها وها هو الكتاب المشعوذ ذلك. التقطته وهي تقلب فيه وكأنما تحاول تقرأ ما كتب على غلافه لكن دون جدوى.

تلك اللغة ليست كلغة الذي تتحدث بها هناك حتى، إنها حروف خاصة. فتح الباب وكان حسام الذي طل من رأسه فور رؤيتها. أقترب منها وقال: أنتِ كويسة، حد أذاكي هناك؟ لقد كان قلق عليها. لكنها قالت: المرة دي كانت أفضل من أي مرة روحت فيها، متقلقش محصليش حاجة زي كل مرة. نظر إلى ملابسها بشدة وذلك الفستان. قال: أي إلى أنتِ لبساه ده؟ ضحكت وقالت: أي رايك، شبه أمير زي ما كانت تيته تقولي. قال حسام: أي إلى حصل معاكي، وعملوا إيه في الحكم؟

قالت لينا: مكنش في حكم أصلاً، الملك محكمش عليا بالإعدام بسبب الجندي كنت خايفة مش أكتر. قال حسام: ورجعتي إزاي؟ قالت لينا: مش عارفه، مع إن في الوقت ده كنا بنتكلم وبحاول أفهم إلى حصلي، ممكن الحدث إني أنقذته. طالعها باستغراب. قالت لينا: كانو هيغتالوه وأنا منعت ده يحصل، متسألنيش إزاي عشان معرفش حاجة. قال حسام: أي إلى بيحصلك يا لينا؟ قالت لينا: مفيش فايدة، كل شوية لما أكتشف حاجة يظهر الأغرب منه.

تذكرت رؤياها التي راودتها قبل رجوعها. قالت لينا: بقيت أشوف المستقبل ولا إيه؟ قال حسام: استغفر الله. قالت لينا: مقصدش بس ده إلى حصلي، أنا مستغربة جداً، حتى شوفت شخص في عقلي وقبل أما أرجع بالظبط كان داخل الجناح عنده. أما كعدتش فاهمه حاجة ولا إلى شوفته ده إيه بس إلى فهمته. نظرت إلى الكتاب وقالت: أنا هناك بسبب فرناس. قال حسام: الملك؟ أومأت له إيجاباً. قاطعهما رنين جرس الباب. تعجبت

ونظرت إلى أخيها الذي قال: أنتِ بيتي بره عند صحبتك ولسا جايه، لو ماما أو بابا سألوكي. قالت لينا: أنت فهمتهم كده، أكيد اتضايقوا لأنك عارف بابا مش بيحبني أبأت عند حد. قال حسام: كنت مضطر. ذهب. أوقفته لتسأله كم غابت هي وحين أجابها تعجبت كثيراً. لقد أخبرها (منذ البارحة) ليوم واحد فقط كانت غائبة عن هنا. كيف.. لقد عاشت هناك أسبوع كاملاً يأكلها الملل، تتذكر ذلك جيداً.

كيف الوقت هنا سريع هكذا، بل كيف هناك بطيء لدرجة أنه لا يحتسب. خلعت الفستان ووضعته في خزينتها لتخرج في استقبال والدتها وقد كانت عائدة من التسوق. حملت معها الأغراض. قالت والدتها: موحشتكيش يا ماما؟ قالت هاجر: كنتِ فين؟ قالت لينا: كنت بايته عند صحبتي، عندنا برزنتيشن للجامعة وكنا بنعمله سوى. قالت هاجر: المفروض كنتِ تديني خبر لوالدك قبلها. قالت لينا: معلش منا قولت لـ حسام يعرفك. ولم ترد عليها.

لكن رمقتها نظرة لم تفهم معناها وكأنها لا تصدقها ولا تصدق أخاها. ذهبت وتركتها لتنظر إلى حسام الذي رفع كتفيه وقال: نفس ردها لما قولتلها. أنا همشي عشان اتأخرت على شغلي. قالت لينا: استني، وصلني الجامعة. قال حسام: هتروحي النهارده؟ قالت لينا: بسرعة عشان متأخرش أكتر من كده، أعمال السنة بتروح عليا. أشار إليها كي تسرع. حقت به سريعاً ليوصلها بسيارته إلى باب الجامعة. مودعاً إياها وقال: لو في حاجة اتصلي بيا. قالت لينا: حاضر.

ذهبت وحين رأت يوسف امتعض وجهها بشدة وكأنها تريد أن تضربه بقوة من تذكر قفل المدرج عليها. نظر إليها بحنق متبادل. لتراهم يضحكون. مهلاً هل يسخرون منها. طالعتها يارا بقرف. تضايقت أكثر. معقول هل يقول عليها شيئاً سيئاً. لا كده كتير. كانت ستذهب متوجهة إليهم وجدت يد تمسكها وتسحبها بقوة. وكان معتز الذي قال: بطلي سرعةك دي اللي هتخليكي تتفصلي قريب. قالت لينا: أنت مش شايف تصرفاتهم؟

قال معتز: مم امتى وانتي بتتضايقي كده، اتعودت أشوفك مبتهمتيش. قالت لينا: دول بيزيدو فيها، أنا كنت بحاول أمشي أموري بس باين إنها مبقتش يارا بس. قالتها وهى تنظر إلى يوسف بكره. سحبها. نظرت له بشدة قالت: أنت سحبتني على فين؟ فلتت يدها وقالت: ممكن تفهمني في إيه؟ قال معتز: عايزة تندمي يوسف على قفل المدرج عليكِ؟ اتسعت عيناها وقالت: أنت كنت عارف؟ صمت. اقتربت منه بضيق وقالت: كنت عارف وسبتني جوه، ثانية أنت اللي فتحت؟

قال معتز: قولتلك مش أنا، ومش يوم لما أكذب أكذب عشانك يا لينا. أنا راجعت الكاميرات لما سألتك ومقولتليش وكنت عارف إنك بتخبي، شوفي يوسف وهو بيدخل ويقفل المدرج. قالت لينا: رضيت فضولك وعرفت أنا مضايقة ليه؟ قال معتز: أها. ضايقت منه. قالت لينا: تمام، شوفت مين اللي فتح الباب.. لو مش أنت كان مين؟ صمت قليلاً ولم تفهم صمته. حيث تنهد وقال: مكنش في حد. قالت لينا باستغراب: إزاي؟ قال معتز: الباب يا إما اتفتح من جوه أو...

محدش فتحه أصلاً. نظر إليها وقال: مكنش في حد يا لينا عند الباب، مكنش في غيرك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...