تجيب الصندوق بس وقف. اتصدمت لما لقيته بيطلع هدومه وبقا عارى الصدر. "إنت بتعمل إيه؟ بصتله. اتصدمت لما لقت جرح. وقع اللي في إيدها. بصلها من الصوت. جريت عليه. "ما هذا؟ كيف حدث لك؟ "اخفضي صوتك." "ألا يعلم أحد؟ ألن تتعالج من قبل حكيم؟ "ليس خطيرا." "ما الذي تقوله؟ إنك تنزف." "هل تعرفينني أكثر من نفسي؟ صمتت حين قال ذلك بجدية وهو ينظر إليها. ثم قال: "أحضري ما طلبته منك." "يجب أن يراك الطبيب." بدأ الضيق على وجهه. ثم قال:
"لن يصيبني شيء." "لكن هذا جرح، لما تثق في ذاتك بينما أنت تنزف؟ "ليس وقت غرورك." "سأخبرهم أن يحضروا لي طبيب." وقفت. لمسك يده يوقفها. قال: "إن كنت أريد ذلك لفعلت. تناسيت أن الجرح بذهابي لك. لم تكوني لتعرفي أمره أيضًا." صمتت وكأنه يخبّرها ألا تجعله يندم لأنه أتى إليها. "ألا تريد أحدًا أن يعرف عن هذا؟
أشار على الصندوق. تنهدت منه وذهبت لتحضر ما يريده وتضعه أمامه. وجدت يفتح زجاجة ويغرق بها. حسدته لترى احتراق الجرح وعرفت أنه مطهر. كانت تنظر إليه من ما يفعله وكأنه يمتلك مئة ذراع. لا يشعر، لا يتألم، لا يبدو عليه الضعف. نظرت إلى ظهره وكتفيه العريضة لتجد علامات. "من أين هذه العلامات؟ "تدريب." "ملوك؟ تدريب قاسٍ إذا. ظننتها حياة رفاهية." "الرفاهية التي تعيشينها أنتِ يا لينا." نظرت له. ليقول وهو يكمل تضميد جرحه:
"كونك عادية، هذه رفاهية بحد ذاته." لم تفهم مغزى كلامه. لكن ماذا يقصد بالعادية؟ هل ينعت نفسه بالمميز وهي فتاة يوجد فيرها الكثير؟ لماذا لا تفهم كلامه عن ذاته وكأنه هناك عائق يمنعها من فهمه. "تحتاج مساعدة؟ "فقط اجلسي." تنهدت منه وجلست تنظر إليه وتشعر بالحزن. "كيف حدث هذا؟ لم يرد. تضايقت وقالت: "أجبني على الأقل. تظل تتباهى بنفسك وأنك لا تُقتل بسهولة. انظر ماذا حل بك." "حدث هذا بسبب داغر." صدمت. "هل هو من فعل بك ذلك؟
نظر إليها من ما قالته. تعجبت. "هل قلت شيئًا خاطئًا؟ "لا تتحدثين بالهراء." "أخبرني إذا." عرف أنه لا مجال في النقاش معها. فأخبرها بما حدث. لتنظر إليه باهتمام. "هل قتلته؟ طالعها ببرود. "ليتني فعلتها سابقًا." "من أجلك أم من أجل شقيقك؟ "لو لم يتأذَّ داغر، لم تلهِني وارخِ دفاعي." اقتربت وهي تنظر في عينيه. "هل تتأذى بتأذي أخاك؟ "إن أصابه قرح، ذات القرح يصيبني."
رأت حبه الشديد له. وكيف أخاه الآخر يحبه. فلقد تصدى للجندي قبل أن يقتله. لكن يبدو حب فرناس له غير عادي. إنهم غير شقيقين، لكن يبدوان أكثر من الأشقاء. كان بردلة لا يزال واقفًا أمام الباب. تنظر صفية إلى الممر. "هل كان يجب أن تتركيه؟ "كان أمرًا." صمتت باحترام له. "فقط قلقة على جلالته." رأى من بعيد داغر برفقة حارسين ويده مضمدة. "عرفت ما حدث. أين مولاي؟
أشار بردلة إليه. نظر إليهم ودخل. اتسعت عيناه حين رآه عاريًا والأخرى مستلقية وقريبان من بعضهم. خرج فورًا مقفل الباب خلفه. نظروا إليه من معالم وجهه الذي تحول. ذهب دون أن يتفوه بكلمة. ليتبعه حراسه. كانت لينا مستلقية تنظر إليه وهو يضع يده على السرير بجانبها. يعلو بجسده بعيدًا عنها. ويبدو أنه يتألم من وضعته. "لقد رحل." التفت حين رأى الباب قد قفل. ابتعدت عنها. اعتدلت وهي تجلس كما كانت. "هل كان يستحق الأمر هذا العناء؟
أخذ الضمادة ليلفها حول جسده المفتول بالعضلات. كانت تتحاشى النظر إليه خجلاً. تردد داخلها بغض البصر قدر الإمكان. "دعينا أساعدك." قالتها وهي تقترب منه. أخذته من يده لتسمع في تضميد جرحه. "لماذا تخفي الأمر؟ "اكتشفت أن عدوي قريب مني." "ماذا يعني هذا؟
"لا تدعي ثغرة يتسلون منها إليك. إن عرف أحد أني جرحت من قبل جندي، ستكون نقطة ضدي. تريد جعلهم يظلون يرونك في قوتك. لم يصيبك أذى برغم محاولاتهم. هذا الجرح ليس شيئًا لي، لكن بالنسبة لهم الكثير. لا أريد أن يعرف أحد وإن كان داغر." "أنا أعرف الآن. كنت مضطرة." تضايقت منه. "لماذا جئت إذا قبل أن تداوي جرحك؟ قبل أن يظهر؟ "كنت قلقًا عليكِ." دق قلبها وعادت بالجلوس بجانبه وهي تنظر إليه. خجلت من نظرته. أعطته قميصه.
"ارتدي ملابسك. هيا." أخذه منها ليعيد ستر جسده. وبعدما انتهى من هندامه جيدًا. التفت ليغادر. أوقفها. وقالت: "كن حذرًا في المرة القادمة." أومأ إليها. ذهب. وقبل أن يخرج التقت عيناه. ليقول: "شكرًا لكِ." احمرت وجنتاها. ليختفي أمام ناظريها. وضعت يدها عن أيسر قلبها الذي يتواثب قلقًا عليه وفرحًا من شكره الأخير. "أوعي تقعي في حبه يا لينا. مينفعش ده يحصل لأي سبب كان."
تذكرت تحذير العجوز إليها. فتنهدت بقلة حيلة من مشاعرها التي باتت في الظهور أكثر عن ذي قبل. لم يعد مجرد إعجاب بشكله الذي افتتنها. إنها مشاعر أعمق بكثير. فتح الباب. دخلت صفية. لأشير إليها. وقفت. "سأرحل." "إنها الأوامر." عرفت أن فرناس من أخبرها بذلك. عادت إلى غرفتها لتجد رفيقيها ينتظرونها. تفاجأت. "هل حدث لكما شيء؟ "لا سيدتي. تأكدوا من سلامتنا لذلك قد عدنا لخدمتك." "لستما خادمين. اعتبركما أصدقائي."
قالتها ببساطة. لينظرون إليها وهي تجلس على السرير. نظرت إلى يدها لوهلة. استلقت على ظهرها لتغمض عينيها بتعب. تاتي مشهد أمام عينيها حين أطلقت السكين نحوه. ليصبح كالريح التي انتقلت في الميكرو ثانية. وقفت بانزعاج. "كفاية أفكار بقى. عايزة عقلي يهدى لمرة واحدة." نظروا إليها باستغراب من تحدثها مع نفسها. وكانت غاضبة. تلك الأصوات العالية داخل رأسها بدأت تجعلها تشعر بالتعب. سندت يديها. "كيف فعلت ذلك؟
وكأن عقلها يستوعب حينما تكون مبتعدة عنه. يعيد لها الأحداث باستنتاج. حركته كانت أشبه بالاختفاء. لتجده خلفها. وحين هاجمته خفية من جانبه. أوقف السكين وكأنما بعوضة تعبث جواره. تذكرت حينما رأت مشهد له وهو يأكل من الطعام المسمم. وتلقت صدمة. حيث سألت بخوف: "هل أكلت من الطعام؟ "كيف آكل وأنا لا أزال حيًا؟
كانت إجابة منطقية. لكن العجوز أخبرتها قد أكل بالفعل. لقد أكد على ما رأته بكلامه. كذب فرناس. بل أخفى شيئًا لا يريدها أن تعرفه. لعله لا يبدو كما يظهر له. تريد ذلك العجوز. كيف تجده الآن؟ أين تبحث عنه؟ وكيف؟ لا تعلم. سمعت صوت من النافذة. التفت إليها. وحين اقتربت بخوف. راته في وجهها. انتفضت فزعة. وقبل أن تصرخ أشار إليها. هدأت. وقالت: "أنت ترعبني." "اصرفيهما." التفتت إليهم. "أريد البقاء بمفردي." ذهبوا. لتعود إليه.
"أنت بترعبني. اسمع ندائي. إزاي بتيجي في أي مكان زي ما أنت عايز؟ "اختلافي عنك زي اختلاف السما عن الأرض يا لينا." "شكرًا. لو ما أنقذتنيش الصبح كان زماني ميتة." "رديلي معروفى." "إزاي؟! "متعمليش حاجة غبية." تنهدت منه. وقالت: "أنت بس لو تفهمني أنا بعمل إيه." "فهمتك. متدخليش وبرغم كده ادخلتي. انتوا جنس آدم بتحرككم مشاعركم من غير تفكير." قالت ساخرة: "وأنت من جنس إبليس مثلا؟! نظر إليها حين قالت ذلك. لم تفهم نظرته. "مين رزان؟
"شوفتيها يا لينا؟ معقول مش فكراها؟ تعجبت منه. اقترب منها. حط إيدها على جبهتها. "أي تاني؟ "هخليكي تشوفيها." "خلاص مش عايزة." توقفت حين شعرت بسخونة قوية تحتلها. لتغوص داخل رأسها وترى ذات وجه الفتاة التي رأته في النهر. إنها من تقابلها في أحلامها. اتسعت عيناها لتتنهد بتعب مستندة على الحائط وتتعرق بإرهاق. "أنت عملت إيه؟ "شوفتيها؟ "دي رزان الساحرة." "رزان مكنتش ساحرة يا لينا. هما لقبوها كده عشان القدرة اللي منحوها لها."
نظرت له. وقالت: "قصدك إيه؟ يعني إيه منحوها لها؟ مين أنتم؟ "اسألي فرناس. هو مين." "علاقته إيه؟ "متنسيش إنك هنا عشانه." "بس لو رزان مش ساحرة، لى بيقولوا عليها كده؟ هي وحشة ولا طيبة؟ صمت. تعجبت صمته. "أنت تعرفها؟ "أكتر من أي حد." "هي مين؟ "اختيار غلط." "يعني إيه؟ "متكونيش زيها. عشان كده امشي على منهاجك وبس. ضلال الطريق هنا زي جحيم الآخرة." اختفى أمام عينيها. لتتصنم ملتفة حولها بخوف. "بدأ الموضوع يخوف؟
كانت ستدخل لولا رؤيته واقفًا في شرفته يمسك يمامة بيضاء مربتًا بأنامله على رأسها. وكأنما يعجبها الأمر. ليضع بين قدماها شيئًا. فعرفت أنها رسول بينه وبين شخص آخر. ظلت تتابعه بعينيها. لتجده يدفعها لتحلق في السماء. تشبه شهابًا بين سواد الليل. بزخ نهار الصباح. ألقت عليه نظرة. لكن لم تجده مكانه. علمت أنه قد دخل. يبدو هذا الشخص لا يحب رؤية الشروق.
مر أسبوع كامل عليها. الروتين المتكرر. لا يوجد أي حدث. فقط رغبتها التي تتزايد في عودتها. كانت جالسة في الغرفة لا تفعل شيئًا. تتذكر ذلك العجوز عن ذكر عدم عودتها. معقول هل كان جديًا؟
آخر مقابلة لهم جعلتها في حيرة أكثر. تناثرت جميع شتت أفكارها. لا تقدر على الهدوء من بعد معرفة أن تلك الفتاة التي كانت تراه تحمل ذات الرمز إنها رزان. الذي جميع غوانتاما تكرهها وتلعنها بالساحرة التي أرهقت الكثير من الأرواح. هل هذه معلومة خاطئة أم صحيحة؟ تريد المعرفة بشدة. أيضًا فرناس التي لم تعد تعلم حقيقته. لكن تتذكر ما أخبرها: "لست بشريًا." كان ذلك مزحة. لماذا تتذكره الآن؟ تعبت. وكأنها تريد إرضاء أسئلتها بأي قدر كان.
"يارب." نظر إليها رفيقيها من تنهيدتها العميقة وكلامها مع نفسها الذي اعتادوا رؤيته. نظرت لينا إليهم. وقالت: "هل بإمكاني سؤالكم عن شيء؟ أومأ إليها بتأكيد. صمتت قليلاً. لماذا؟ وكأنها أرادت سؤالهم عنه. لكن اتجه محور سؤالها. "النهر." قالوا متسائلين: "أي نهر؟ "ذلك النهر. عند الضفة. لماذا تنتظرون أمطار لري أرضكم الجافة بينما تمتلكون نهرًا عذبًا كهذا؟ امتلأت وجوههم بالاستغراب. ينظران إلى بعضهم. "عن ماذا تتحدث؟ "لا أعلم."
قالت لينا: "لا تمتلكون سوى نهر واحد؟ "يدعى النهر الأسود عزيزتي." "أحل هذا هو. لكنه ليس أسود. وهل رأيته حتى؟ أجل. نظروا إليها بشدة. "لم يكن أسود. لم أر في صفائه قط. كدت أشرب منه لولا سيدة قامت بتحذيري." قالت بشرى: "هل تأذيتِ سيدتي؟ "لقد أنقذتكِ من غدره. يجب أن تشكرها." قالت لينا: "لماذا تلقبونه بالأسود؟ ما قصته؟
"في القديم هاج ذلك النهر وابتلع غوانتاما. ليغرق ما فيها حيًا أو ميتًا. أتت فترة دونت في التاريخ عن يوم الغيام. لم نكن نحتفل فيه يومًا. بل كنا نخشى اقترابه بسبب الأمطار التي تهدم بيوتًا وتغرقنا بفيضانها. كان الكثير يموت عطشًا أما غرقًا. لم يكن هناك سلام هنا حتى تم حفر الآبار من ملكنا. لتبتلع الحفر جميع المياه كي لا يصيبنا مكروه. منها استفدنا شرابًا ولم نغرق بسبب سقوط الأمطار لأسبوع كامل."
صمتت لينا. لا تعلم كم عانى ذلك الشعب ليصبحوا مستقرين الآن. بل يتمتعون بالخيرات عن بقية البلدان. التفتت إليهم. وقالت: "لم تجاوبي. لماذا تلقبون النهر بالأسود؟ هل لأنه تسبب في موت الكثير أم أنكم ترون لونه أسود؟ كانت تنظر إليهم باهتمام منتظرة إجابتهم. قالت بشرى بتساؤل: "هل لونه غريب عندك؟ "إنه أسود اللون ومخيف لحد البشاعة." تعجبت كثيرًا وجلست بضيق. قائلة: "لكن كيف، كيف ترونه هكذا؟
عدنا. هل امتلكت أعينكم غريبة مثل تلك القدرة؟ يا الله ما كل تلك العجائب الذي لديكم." "الله." قالتها نائلة بنبرة أشبه بالفحيح المتسائل. التفتت إليهم من نظراتهم في آنٍ واحد. يثقبوها بدهشة مزدوجة. وكأنما رآتها من قبل تشبه نظرات غابينه حين رأتها تردد بالدعاء في محنتها. قالت لينا: "ما الأمر؟ "بماذا تقولين؟ "أدعو." "لمن تدعين؟ "لله." صمتت مجددًا. عقدت ذراعيها. وقالت: "لماذا تنظرون لي هكذا؟ "من أنتِ؟
تعجبت من سؤالها وتغير نبرتها. لتكرر عليها سؤالًا آخر ناظرة إليها من أسألها إلى أعلاها: "من تعبدين؟ انصدمت من سؤالها. "وهل يوجد عبادة سوى عبادة الله الأعلى؟ "أجل." "لقد صاعقة! وقالت: "هل تمزحين معي؟ "ماذا؟ هل تعبدون الأصنام؟ "لسنا سخفاء لنفعل ذلك." "كلامك هو السخيف يا نائلة. عن أي عبادة تتحدثين؟ "الوثنية." اتسعت عيناها. وقالت: "عباد الشيطان؟ "تقديس النفس عزيزتي." "لا أفهم كيف تقديس النفس هذا؟
"هل يوجد أفضل من الإيمان بذاتك؟ "ما تتحدثين عنه ليس عبادة وإنما ثقة نكتسبها عبر خبراتنا. جميعنا نقدس أنفسنا. شعب غوانتاما يعبد نفسه. لا يعبد غير ذلك." وقفت بصدمة. لتقل بحدة: "ما الذي تهذين به؟ أجننتِ؟ تعبدون أنفسكم؟ نظرت إلى بشرى بذهول. "أنتِ معهم؟ كيف لكم أن تكونون كذلك؟ قالت نائلة: "أليس أفضل أن نعبد إلهًا لا نراه ولا لدينا معرفة من يكون وقوته الإلهية إن كان إلهًا بحق. ولعل لا يوجد إله وكلها أضغاث حمقاء."
"من خلقك إذن؟ نظرت إليها حين قالت ذلك بهدوء مكملة: "هل خلقتِ نفسك؟ إن كنتِ تظنين نفسك إلهًا ذاتك، اخلقي لكِ أي شيء الآن وأعدك بأن أصدقك." قالت بضيق: "نحن نتجنا عن تطورات الطبيعة. لا تتساهلي. حتى الطبيعة لم تخلق من عدم." اقتربت منه وهي تقول بهدوء: "أنتم لا حول لكم ولا قوة. كائن بشري ضعيف أمام الخالق الذي فوق السماوات السبع. ظننتكم كالجاهلية تلجأون إلى الأصنام." "نحن لسنا أغبياء لنعبد حجرًا سخيفًا."
"أنتم أغبياء لعبادتكم لأنفسكم. عالم سخيف. ما تفعلونه كفر. كفر." "إن كان إلهك موجود، لماذا لا يعاقبنا على كلامنا هذا؟ ها أنا أنكر بوجوده." شعرت بالحنق. ناظرة إليها. "استغفري ربك يا نائلة. اللعنة عليكم." "لعل الأحمق هنا أنتِ." غضبت كثيرًا وصاحت بها: "للخارج. لا أريد رؤيتكم." قالت نائلة: "لا أود أذيتك يا لينا. أنتِ من أحسنتِ معاملتنا في القصر. كنت أشعر بغرابتك لذلك أود تحذيرك. لا تعلمي أحدًا عما قلتيه لي."
أدارت وجهها بنفور منها. خرجا وتركاها بمفردها مصدومة من النقاش الذي خاصته والحق بها لأكبر صدمة. هل أرسلت إلى شعب كافر؟ هل هؤلاء يقدسون أنفسهم حقًا؟ أي نوع من الجنون هذا؟ إنسان يعبد نفسه؟ يا للسخرية. لقد تفوقوا على الجاهلية. لكن نفوا فكرة الأصنام لغباء من يعبدوها. لكن يؤمنون بعبادة النفس. يمتلكون عقلًا للتمييز. لكن يستحيلون وجود الإله. استغفرت داخلها بضيق وهي تجلس. تذكرت فرناس خلسة. لتنصدم. "معقول هو كمان زيه؟
شعرت بالاشمئزاز من وجودها الآن هنا. تريد الخروج من هنا. تريد العودة إلى وطنها. فتح الباب. حاضرين الطعام إليها. أوقفتهم قبل دخولهم. "اخرجوا من هنا." نظر إليها متعجبين. "لن آكل من طعامكم. عودوا." أتيا رفيقها وطالعوها باستغراب. "لماذا جئتم؟ "لينا، ماذا دهاكي؟ "اقطعي حديثك معي من اليوم." "ماذا؟! "سمعتِ ما قلته جيدًا." صمتت. ثم نظرت إلى الخدم. غادروا الغرفة وقفل الباب عليهم. "لماذا أنتِ متضايقة؟
"لأني قلت لكِ حقيقة التي لا تودين تصديقها." قالت بغضب: "حقيقة إيه؟ "أنتِ مجنونة. جميعكم مجانين. تعبدون أنفسكم." "النفس تستطيع فعل الكثير. لسنا بحاجة لإله." "اصمتي بكلامك الحقير هذا. أنكِ تتنفسين من الهواء الذي خلقه الله لبقائنا على قيد الحياة." "ولما لا يظهر لنا؟ "أنتِ مجنونة. هناك الكثير أمامك لترين كم أنعم عليك من النعم." "هراء. أنتِ شيطانة." قالت ذلك بضيق. فغضبت نائلة. "لا تجعليني أؤذيكِ."
"أنتِ أيتها الضعيفة تؤذينني؟! "أنا أقوى منكِ بكثير. سمعتي؟ "سأجعلكِ تقتنعين أننا لسنا ضعفاء. نحن أجناس النار. وأنتِ الضعيفة والبلهاء من بين الجميع." غضبت لينا وتقدمت منها لتقف أمامها مباشرة. وتقول: "لا يعلو صوتك فوق صوتي. لستِ سوى تابعة لي." إنها أول مرة تذكرها بمكانتها. وهي التي أخبرتهم أنها ليست سيدة عليهم. نظرت إليهما. وقالت:
"أنتم قوم زرعت في أنفسكم الغرور لحد التقديس. وليس بكم أي شيء مميز. نحن نعبد أنفسنا لأن لا يوجد إله. نحن قوم أقوياء نستطيع فعل الكثير. تعالي بأن تكوني منا وترين أن كلامي صحيح." "اصمتي. أنا لست مثلكم. أنا أعلم ديني ونفسي جيدًا. اخرجي. لا أريد رؤيتك." قالتها بصيغة الأمر. لكنها توقفت. ناظرة إليها. "لتذكري كلامي جيدًا. ستندمين على تقليلك مني." غضبت لينا وصاحت بها: "للخارج."
غادروا لتبقى بمفردها تلعنها داخلها. لماذا أرسلت لهنا؟ لماذا؟ وغابينه. أهي أيضًا تعبد نفسها؟ من هؤلاء بحق الجحيم. كانت تجلس في المساء. تاهت الغرفة ذهابًا وإيابًا. إلى متى ستبقى؟ لا تطيق. تشعر بالاختناق الشديد. طرق الباب. "لا أريد أحد." "إنها أنا بشرى." "لا أريد أنتِ أيضًا." لكن فتح الباب. فتضايقت. وقالت: "ألم أمنعك من الدخول؟ "أود الحديث معكِ." "وأنا لا أريد. اذهبي. لا تصبي سمومك في أذناي كتلك الأفعى."
التفتت قاطعة الحديث. لكنها قالت: "لن أفعل ذلك. أريدك أن أطلعك على سر." "توقفي." توقفت باستغراب. التفت إليها. وقالت: "وما هذا السر الذي تخفضين صوتك هكذا من أجله؟ "ترين النهر صافيًا وعذبًا." "تعجبت. قالت: أجل." "إنني أراه كذلك أيضًا." انصدمت. لتؤوم إليك بتأكيد. "لماذا إذا تصفونه بالأسود؟ "لأن ليس الجميع يستطيع يراه كما نراه نحن." "ماذا تقصدين؟
"أننا فقط من نستطيع رؤيته كذلك. ما دمنا نعبد الله نرى صفاء النهر. ومن يعبد غيره يلعن برؤية أكبر نعمة. أسوم." انصدمت لينا. وطالعتها بشدة. أومأت إليها إيجابًا. وقالت: "أنا لا أقدس نفسي مثلهم. إنني أعبد الخالق." "ولماذا كنتِ صامتة كل ذلك؟ لماذا لم تقفي في وجهها؟ "خشيت الأذى." "ماذا تقصدين؟ "ألم تسمعي ما قالته عن الوثنية؟ "سمعت. إنها تلقب علاقتك بعبادة أخرى." "على هذه الأرض كان الإنس والجن يعيشون سويًا."
توقفت لوهلة. ونظرت إليها بشدة. أومأت إيجابًا. وقالت: "لم يكن أحد يستطيع معرفة حقيقته البشرية إلا من خلال قدرات الآخر. يتفوقون علينا قدرة. سابقًا." "ماذا تقصدين بسابقًا؟
"بدأت الجن تتعالى على الإنس وشقت حياتهم الطبيعية إلى غير وفاق. استعان البشر بالتعاويذ ليتمكنوا من تسخير أحدهم لخدمتهم. فغضب جنس النار على تلك الإهانة. وأصبحت حرب طائفية بينهم. لكن لم يفوز الجن لاستطاعة البشر على التسلط عليهم واستخدام قوتهم ضدهم هم. ليعلم أن لا يوجد قوة أكبر من قواهم بعد تفوقهم على النار." "هل لهذا يقدسون أنفسهم؟ "لعله أكبر سبب في ذلك." "ماذا حدث للجن؟ هل ما أراهم إذ من الحمل أنهم ليسوا بشرًا؟
"كلا. الملك رسلان منع إهدار الأرواح." "من يكون؟ "جد الملك فرناس. منع استمرار تسخير الجن وعقد اتفاقية شملت خروجهم من غوانتاما إلى الأبد. لكنهم اشترطوا قتل كل من وقف في وجوههم. وإلا سيعلنون حربًا دموية." "ثم ماذا حدث؟ "تم إعدامهم في الساحة. لم يكن ليُرفض ويُخاطر بآلاف الأرواح. لأنهم سيكونو المتنصرين فيها. بعض الجن صعب تسخيرهم لقوتهم العالية. وهؤلاء كانو معهم. لذلك الخسارة كانت قريبة."
"تلك الأرض مليئة بكل ما هو عجيب. حتى تاريخكم يشمل العجائب. إنس وجن معًا على أرض واحدة كشعب واحد." عادت بنظراتها إليها متسائلة: "لماذا خشيتِ من نائلة؟ "يبدو أنها تتواعد لكِ بالأذى." "إنها ضعيفة." "يبدو أنكِ لم تفهمي كلامي. هنا يمارسون السحر الأسود بكل أنواعه. إنها هواية لديهم. كلما زادت قدرتهم بذلك العلم زاد غرورهم وتقديس أنفسهم." "بماذا بالشياطين والجان والذي يقومون بتحضيرها؟ "أجل. يظنون أن تلك قوة بأيديهم هم. حمقى."
"لكن كيف استنتجتِ العبادة بالنهر؟ "لم أستنتج. إنني أظن هذا منذ سماع حديثك. ويبدو أنها الحقيقة." تنهدت مكملة: "عندما كنت أراه يثير جنوني من شمله وتناقض بين تحذير الناس عنه من شكله المخيف. لدرجة أني شعرت بأني مسحورة لألقي نفسي داخله. والناس يرون حقيقته الكاملة لتأخذ حذارهم منه. لم أدري أنني من أرى بالبصيرة الحقيقة. كنت أخاف الشرب منه. ولحد الآن إن يكن ذلك تخيل. وفور اقترابي سينفث سمومه في وجهي."
صمتت لينا من سماع كلامها إليه باهتمام شديد. "إذا النهر وحده من يحدد حقيقة الشخص الذي أمامك. ومادمنا نراه كذلك فتلك هي الحقيقة. النهر عذب." ابتسمت قائلة: "إذا بإمكاني الشرب منه دون خوف." "لا أعلم يا بشرى." "فيما تفكرين سيدتي؟ لم ترد عليها. ناظرة إليها قليلاً. ثم وقفت. "هل أحضر لكِ الطعام؟ يجب أن تأكلي." "لا أريد." غادرت من الباب. تعجبت. "إلى أين؟ "يجب أن أتأكد من شيء."
سارت تسلك طريقها التي تعرفه جيدًا. وقد حذرها داغر منه سابقًا في السير من هنا. وصلت إلى مكان لقاعة كبيرة مغلقة بإحكام. والحراس واقفين عندها. ينظرون إليها متعجبين. "الملك فرناس بالداخل." "إنه في اجتماع مع الوزراء. غادري." "أريده في أمر مهم." "ممنوع. ستتعرضين للعقاب إن لم تغادري من هنا. وجودك بحد ذاته ممنوع." "متى سيخرج إذا؟ "لا أعلم سيدتي. انتظري في جناح جلالته."
عادت بنظراتها إلى القاعة. ثم ذهبت بيأس. تتذكر كيف غضب حين اقتحمت مكان التدريب المكتظ بالرجال. ولك تكن امرأة غيرها لتدخل هناك. لكنها كانت مضطرة. بقيت عند جناحه تنتظره. وسمح الحارس لها بالدخول لانتظاره في الداخل. بقيت تنظر إلى أغراضه. لا تريد العبث بها أو حتى لمسها. فتح الباب. التفت لتجده هو. ناظرًا إليها بهدوء. اقترب منها. "هل أتيتِ إلى المجلس؟ صمتت بتنهيدة. ثم قالت: "لكني غادرت."
"لا تفعلي ذلك مجددًا. للقصر حدوده يا لينا. فلا تخربيها." "لكني ذهبت." "أتحدث عن ذهابك إلى هناك." "لا تظنني سأضطر لهذا مجددًا. بما أنك قد جئت. أريد أن أطلب منك طلبًا." "اسمعك." "لن ترفضه." "إن كان باستطاعتي فعله. لنرى ما لديك." "أريد الخروج وذهاب لمكان ما." "لا أسجنك. تستطيعين الذهاب وقتما أردتي. سأعطيهم سماح بذلك." التفتت. أوقفته. وقالت: "لكني أريدك معي." توقف لوهلة. ثم قال: "هل تريدينني أن أذهب معك؟! "أجل." "لماذا؟
"ستعلم حين نصل." عقد ذراعيه خلف ظهره باستغراب من طلبها. قال: "يجب أن تخبريني بالمكان. لا أستطيع التجوال." "كنت تسير في السوق متخفيًا." "هذا أحد مراقبتي كمل لمعرفة حال شعبي. لتتخفى كما تفعل إذا. لكن لن تراقب أحد." نظرت إليه مردفة: "لن نطيل. بضع دقائق. هل بإمكانك فعل ذلك لي؟
صمت. ولم تعلم معنى هذا الصمت. لكن أعطاها موافقته. لتكن مقابلتهم في الحديقة الخلفية. بعد تبديل ملابسها وارتداء رداء عنابى اللون. ذات قلنسوة تغطي رأسها. واقفة تنتظر. ليظهر أمامها بذات الرداء الأسود يخفيه عن أي أحد آخر. لكنه ملك يستحق التخفي. لماذا طلب منها ارتداء ذلك الرداء فوق ثيابها؟ إنها ليست ملكه. فمن مَن تخاف؟ كانوا واقفين أمام بوابة القصر من الخلف. والعربات في انتظارهم مع حراسته المشددة. منحنين إليه. التفت إليها.
ثم قال: "هل يمكنني أن أعلم إلى أين سنذهب؟ "ستعلم كل شيء حين نصل مولاي." نظر إليها من تلقيبها له لاول مرة. بينما تتحاشي النظر خوفًا من الوقوع في سحر عينيه. أم خوفًا من ظنونها التي تريد نفيها. "فرناس. ستعلم حقيقتك الآن. غرابتك حول ذاتك وغرور. هل هذا نوع من عبادة النفس؟ أنت منهم أم لا؟ أتمنى أن أكون مخطئة. لاول مرة أريد أن أخيب ظنونى من أجلك. لا أريد كرهك والابتعاد عنك. لا أريد ذلك حقًا."
كانت داخل العربة التي تجرها الأحصنة. تنتظر المواجهة الذي تخشاها وتنتظرها بفراغ الصبر. إنها مشاعر متناقضة. لكن لا بأس بها. لطالما التناقض يلاحقها منذ أن عرفته. لكن إن كان كما تخاف هي. هل سيعاقبها؟
إنه ملك تلك الأرض الذي يستضيفها فيها. هي ليست سوى ضيفة. تربطهم وصال لا يعرفوها. لكنها لا تمتلك عليه حكمًا قط. لا هو ولا شعبه. وما يفعله الناس هنا. ليكن كذلك يا لينا. المعرفة والصمت هما الوسيلة لإنهاء تلك المهمة الثقيلة على قلبه. توقفت العربات. ترجلت هي. وكانت تبعد عن النهر أمتار. التفت إليه وهو يترجل متعجبًا إلى أين أحضرتهم هي. أشارت له باتباعها. لتقترب من النهر. ليعرف أنه مقصدها من البداية.
كان الحراس معطين ظهورهم إليهم يحرسون المكان. وهي لا تزال تقترب من النهر. حتى وقفت عند حافته. التفت لتجده توقف على بعد أمتار. محتفظًا بحاجزه. "هل أخبرتيني ماذا نفعل هنا؟ "لتقترب من النهر." نظر إلى النهر. ثم إليها. وقال: "تحدثي يا لينا. ولا تروغي." صمتت وقلبها ينبض باستدراك. لتقول: "هل أنت خائف من الاقتراب؟ ابتسمت بحسرة داخلها. "لماذا تشعرني بالقلق من أفعالك؟ تعجبت منها. "لينا. ماذا ترين ذلك النهر؟
أشارت بإصبع السبابة أمامها. لكنه لم يأخذ وقتًا مستغربًا. حيث قال: "ماذا ترين أنتِ؟ نبرة غير اكتراثه. وكأنه ظن سؤالها كنوع من أنواع العبث. وكأنما الاعتيادي هو الأسوأ الذي دن أنها تراه مثله. لكنه مخطئ. تلك المرة. لقد كشف ورقه قبلي سؤالها. هو أيضًا يراه كذلك. شعرت بحرقة طفيفة في عينيها. وقالت: "هل تراه أسود؟ هل يبدو لك كذلك أم... "أم ماذا؟ استعادت رباط جأشها. وقالت: "أجبني أرجوك." "أراه كما يراه الجميع."
تحجبت عيناها بشيء من الدمع الخفيف الممتزج بالحسرة. توقعت شيئًا غير ذلك. إنها ذكية. عاقلة. لماذا تكون مثلهم؟ عادت بنظراتها إلى النهر صافي اللون. تطبع صورة السماء مزرقشة بالغيوم عليه. عادت للخلف بضع خطوات. ثم قالت: "لنذهب. لا يوجد داعٍ لبقائنا." أوقفها. حين قال: "أنتِ بخير." لم ترد عليه. مبتعدة. أوقفها ممسكًا بيدها. "ماذا بك؟ "لا شيء. اتركني." "هل جئتِ بي هنا لتسأليني عن عبادتي؟
توقفت بصدمة. رفعت وجهها إليه بشدة. تركه. ليقوى بهدوء. "أراه كما تريه يا لينا." "ماذا أراه أنا؟ أريد أن أعرف منك." اقترب من النهر مباشرة. ليقول: "نهر عذب." زال ضيقها إلى دهشة أملأت وجهها. "بشرى من أخبرتك أم نائلة؟ تريد أن توقع بي الآن." "لماذا لا أوقع بك؟ هل أخبرك أحد أن عبادتك امتلكها؟ هنا حياتك الشخصية ليست لأحد غيرك." نظرت إليه لوهلة. "إذا، أنت تعبد الله. لا تقدس نفسك."
"لا يوجد إله غيره لا أعبده. أثق أن هذا الكون لم يخلق عبثًا." تبدلت مشاعرها المضطربة إلى شيء من الطمأنينة. لكن ندرت إليه بحدة. واقفة أمامها بقرب أكثر. "أت تقول الحقيقة؟ ابتعد عنها مقتربًا من النهر. منحنيًا عنده. ليدخل يده محملًا ماء بين يديه شاربًا منه. اندهشت. أنها لم تقدر على الشرب منه. قال فرناس ينفض يديه: "أنا لا أكذب. لا أحتاج للكذب يا لينا." صمتت. لكن ظهرت ابتسامة من صدق كلامه الذي يدخل في عقلها دومًا لمصداقيته.
"لست منهم إذا." "لست كذلك." خانتها سعادتها وتبدلت مشاعرها في لحظة. لحدوث ما أرادته. خشيت كثيرًا أن يكون مقصد العجوز بشأن اختلافه عنها بذلك. قاطعها اقتراب أنامله من وجنتيها. فدق قلبها بسرعة كبيرة. نظرت إليه. "لماذا شعرت وكأنك كنت ستبكين؟ حين وقعت العين بالعين. شعرت وكأنها تطفو داخل عينيه. كشعور الغريق يناجي بمساعدته. عادت للخلف مبتعدة. ليعتدل في وقفته. ملقي نظرات عليها. ثم قال: "لنذهب."
أومأت له. التفت إلى النهر بابتسامة خفيفة. ثم تبعته متوجهين إلى العربات الذي ابتعدت عنها. لكن صدر صفير قوي في أذنيها. جعلها تتوقف من شدته. وتطبق يدها على أذنيها. لكن دون توقف. ثقل جسدها على ساقيها. وكأنما تحمل أضعاف أوزانها على كاهلها. شهقت حين شعرت بضيق عنقها. وكأن هنالك من يعتصره خنقها. حين سمع صوتها. التفت إليها. ليجدها كالذي تتحول أمامه. "ما الأمر؟
لم ترد عليه. غير قادرة على النطق أو الصراخ حتى. هناك من يكتفها. تلمس عنقها. وكأنها تزيل من يخنقها. بينما تعبث في الفراغ من عدم وجود شيء. وقف بقرب منها. لتجس أرضًا أمام قدميه. في محاولة منها لأخذ أنفاسها سريعًا. "لينا. ما بك؟
قال ذلك في محاولة لتفهم تعبيراتها المختلفة واصفرار وجهها. أمسك يديها. ليخفض رأسه. لكن رأت تلك الشفاه التي تتحرك متمتمة بعض الكلمات. لم تكن قادرة على سماع ما يقوله. ولا فهم تلك حركة عذه الشفاه. لم تكن تستطع رؤية وجهه سوى شفاه.
رفع يده عند عنقها. لتجده يمسح للأعلى. فالتقطت أنفاسها. باستعادة جسدها أخيرًا إليها. اختفى ثقل جسدها. الاختناق. وضيق صدرها. إنها تتحرك الآن بحركات صدرها المرتفعة والمنخفضة بتعب شديد. تسربت بضع حبيبات العرق على جبهتها. وتشعر بإرهاق أكثر عن ذي قبل. نظرت إليه. وكأن قد رفع وجهه إليها. قالت لينا بصوت ضعيف: "ما كان هذا؟ "أنتِ بخير؟
نفيت له بتعب ظاهر. اقترب منها. ليمد يديه نحوها ليحملها على ذراعيه. لمقدرتها على عدم الوقوف أو المشي حتى. ولا تعلم من متى له أن يعرف. استسلمت وغفت. ملقية رأسها على صدره الصلب. توقف. ليلقي نظرة عليها. من اقترابها منه. ثم ذهب. انحنى الحراس فورًا لرؤيته. وخافوا أن يكون ملكهم أصابه مكروه. لكنه قال: "إلى القصر." ركب العربة وذهبا. إلى واجهتهم. حين وصلا. نظر إليها سائلاً: "تستطيعين السير؟
أومأت له. لتقف. لكن عادت إلى مكانها ثانيًا. حملها ثانيًا على ذراعيه. لينظر إليه الحراس. فتح الباب ليدخل للداخل. ويقفل. ثابت. معطيًا أمرًا بإغلاق البوابة ثانيًا خلفهم. كانت متعبه بين ذراعيه. لكن قالت: "أنزلني." "لا تستطيعين الوقوف حتى." "أنا بخير صدقني." "لا تعلمين بعد ما بك."
صمتت. بينما يسير بها بين الممر. إذا مر بجوار قاعة الجواري. الذي دلفت رؤسهم فورًا. حين سمعوا صيحة الحارس بوجود الملك. فاسرعوا جميعهم ليروه خلسة. لكن صدموا من مشهده. وهو يحمل لينا على ذراعيه. أتت صفية. وقالت بحدة: "ماذا تفعلون؟
لكن انصدمت من ما راته. حتى اختفى عن ناظريهم. لتعلم هم هماتهم التي استطاعت لينا سماعها. والذي برغم ضعفها تريد الوقوف على قدميها. رغم عنها للابتعاد عنه. ليست مبتهجة كما يظنون هؤلاء. لا يعلمون ما بها. وصل فرناس إلى جناحه. ليفتح الحارسان ويدلف بها. ليقول الباب. سار تجاه ذلك السرير المبتعد لوضعها فوقه برفق. قالت لينا: "لما أحضرتني لهنا؟ "ماذا فعلتي يا لينا؟ لم تفهم. ليقول بتكرار: "ماذا فعلتي ليحدث بك ذلك؟ "عن ماذا تتحدث؟
أنا لا أفهم ما تقوله." صمتت. لتشعر بتخشب من جديد. وكأن هنالك من يحاوكها بيده. ضاغطًا على فمها. مانعًا إياها فرصة لتتكلم. تقيدت بقوة أكبر من ذي قبل. ليصدر صوت فحيح صب في كلتا أذنيها. ليقشعر بدنها خوفًا. انتفضت حين تحررت فجأة. لتتحسس جسدها. قائلة: "ماذا يحدث لي؟ "اهدئي." احمرت عيناها. وكأنها على وشك البكاء. "هل سمعت ذلك أيضًا؟ "تلك الغرائب لن تحدث إلا معك." "عن ماذا تتحدث؟ لقد صدر ما صوت مخيف." نظرت له مكملة:
"وكأن هنالك من يتحكم بي. صدقني. أشعر وكأن هناك أحد يجلس على كتفي. إنه يمنعني من التحدث. أنت تفهم ما أقوله. يجب أن تفهم. صدق ما أقوله أرجوك." "أصدقك." قال ذلك. فتعلق عيناها به. "حقًا؟ "هناك من يقيم لك سحرًا." نظرت له بصدمة. ليكمل: "إنه يبعث إليك الآن. لا يزال يمارسه دون توقف. سترين ما يخيفك أكثر من هذا. لذلك." "لذلك ماذا؟ "تحلي بالقوة." "أتخبرني أن هناك من يمارس السحر علي. وتريدني أن أكون قوية؟
"لا أريدك. بل أعلم أنكِ قوية." صمتت حين قال ذلك. ابتلعت غصتها الخائفة. "أنا تحت تأثير سحر إذا. هناك من هؤلاء الناس يريد أذيتي." "لن يحدث لكِ شيء." "كيف لك أن تكون واثقًا هكذا؟ "لأنكِ تضعين يدكِ في ماء بارد. ما حدث لكِ يغضبني. ويصعب إغضابي. لكن هناك من فعل." لم تفهم ما يقوله. لكن قالت: "أريد العودة لعالمي. أريد أن أعود." أمسكت يده بترجٍ. وقالت: "افعل أي حدث. إنني آتي لهنا من أجلك. افعل أي شيء لأعود لمنزلي."
"هل تثقين أن عودتك لهناك ستكون في صالحك؟ لم تفهم. ليكن موضحًا: "تثقين أن السحر سيزول لمجرد عودتك؟ صمتت بقلق. فهي لا تثق في ذلك بتاتًا. لقد كانت تتوجع بجروحها وتؤلمه ذات الألم. هنا إن ماتت ستموت هناك أيضًا. بي لن تتود. حياتها واحدة. قالت لينا: "ماذا أفعل؟ "أحضرتك هنا لتكوني بجانبي." لم تفهم. لكن نظر. وقال بتأكيد: "ما دمتِ بجانبي لن يستطيع أحد مسك بأي أذى. وإن كان جن." "كيف لك أن تقول ذلك؟
"لا أقول سوى الحقيقة. لكن إن افتعلت حدث جعلكِ تعودين. سترسلين وأنتِ مسحورة. مع اختلاف ممارسة الساحر عليكِ وأنتِ مبتعدة عنه. غير قادرة للوصول إليه. ستصيرين كالجسد الميت بلا حراك. سترين. وتسمعين. وتدخلين في دوامات الجنون والسحر الذي يتسلط عليكي." "ماذا أفعل؟ أريد العودة. ماذا عساك لتفعل أنت؟ أنا هناك مثل هنا. سيؤذوكِ بسببى. لا تغتر بذاتك. كيف لا يقتربون مني وأنت معي؟! رفع عينيه إليها. وقال بصوت لم تعهده: "لأنني منهم."
ابتلعت كلامها العالق في حلقها. لتلتفت إليه من ما قاله. ودق قلبها من عينيه الذي زادت حدة. "ماذا قلت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!