كما تريد يا أخي، أمرك مطاع، سنحميها حتى عودتها. لكن إن ظهرت "رزان" أخرى، إن ارتكبت جرماً، ماذا ستفعل؟ تحولت ملامحه وكأنما يتخيل ما سيحدث، ليقول بكل جدية: سأقتلها. لقد طاردها أبي لأكثر من ثلاثين عاماً، لم يكن ليقدر على قوتها. تألم أن تحررت، فهي لا تقهر. ما دمت على قيد الحياة فأستطيع إيقافها. نظر له مردفاً: إنني من أقدر على ذلك، فلا تقلق. أومأ له بتفهم وقال: تمتلك خبرة أكثر مني، لذلك لن أتدخل. لكن تذكر أنني حذرتك.
لماذا لم تنم بعد؟ ابتسم وقال: كنت في طريقي للنوم، لكن تذكرت أن لدينا مبارزة. هل المبارزة تصبح في جوف الليل؟ ستكون أكثر إثارة، ما رأيك يا أخي؟ ابتسم بهدوء ليضع يده على كتفه وكأنما يحتضنه بعينيه. قال: لتنم جيداً ونتبارز في الصباح. أمرك مولاي.
صافحه مربتاً على ظهره، ليلقي نظرة أخيرة على القاعة وغادر. ليبق "فرناس" بمفرده. عاد إلى المكان الذي كان واقفاً فيه معها، ليضع يده عند أحد النقوش التي تبدو كرمز. أدار أحد أصابعه وكأنما يرسمها من جديد. توقف لبضع ثوانٍ ناظراً للأمام، فتحولت إحدى عينيه كالسيف الحاد. استطيع تمييزك جيداً، لقد عدتِ. كانت نائمة بهدوء تام، حيث كانت "نائله" و"بشرى" تنظران إليها خائفتين من إحداث أي صوت يوقظها. قالت "بشرى":
المساء اقترب في الحلول. قالت "نائله": هل سهرت البارحة؟ كانت السيدة "صفية" جعلتها تنام رغماً عنها. لعلها ذهبت إلى الملك، إن كان أمراً خاصاً به فبتأكيد السيدة لن تستطيع فتح فاها. أحسدها على المكانة التي ارتقت إليها. نظرت "نائله" متعجبة وأردفت: هل تبتسم وهي نائمة؟ قالت "بشرى": لعلها تحلم بمولاي. كتمت ضحكتها. نظرت إليها الأخرى نظرة حادة، فسكتت الاثنتان عن الحديث. كانت "لينا" تغط في النوم. استيقظي، حياتك في خطر.
ضاقت حاجبيها لتفتح عينيها من ذلك الصوت الذي تردد في أذنيها. التفتت حولها، لم تجد سوى رفيقيها الذان ينظران إليها باستغراب. وقفت مبتعدة عن السرير. هل دخل أحد هنا غيركم؟ لا سيدتي. من إذن قال ذلك لي؟ قال ماذا؟! خاصة أن تكون سمعتهم وتسببت في استيقاظها، لكن التفت وتوجهت إلى الباب. إلى أين؟
خرجت دون أن ترد على أحد منهم. تبعها الاثنان، لكن توقفت "بشرى". صرخت بفزع، وحين التفتت "لينا" انصدمت من رؤية ثعبان مخيف، كبير الهيئة. تراجعت للخلف بقلق وكأنه ينظر إليها هي بالتحديد.
سار سريعاً تجاهها كالصاعقة، فوقف الحارسان متدخلين، شاقينه إلى نصفين بسيفهما الحاد. لكنه نفث سمومه في وجههم فتشققت الملابس وكأنما فتات نيران. تراجعت "لينا" للخلف لتجد من يقف أمامها رامياً غباراً بنياً على الثعبان. فوقف في مكانه وتشقق جلده بمنظر بشع وكأنه يذاب أرضاً. بينما كان رفيقاها خائفين ومنشغلين بما يحدث، وجدت الآخر يسحبها من بينهم. نظرت إليه، التف وكان ذلك العجوز. قالت: أنت جيت إزاي؟
إنك بطيئة الفهم. أنت الذي حذرتني من الثعبان وأنا نائمة. كان زمانك ميتة من دقائق. مظنش. نظرت لها قالت بثقة: الملك قال إنه هيحميني. هيلجأ للعقاقير بس مش هيخلف وعده ويسبني أموت. قال ساخراً: علاقتكم اتطورت يا "لينا". صمتت بحرج ليكمل وهو ينظر أمامه: سم الأفعى دي قادر يقتلك معاك، مع اختلاف الوقت. لم تفهم ما قاله. إيه اللي رشيته ده؟ ملكِيش دعوه. التعبان ساح قدام عيني واتنين حراس كانو هيموتو بسببه، ده لو ممتوش.
اتصدمت ونظرت خلفها متذكرة بسم في وجوههم. قالت: ماتوا؟! نظرت إليه وهو يركض. قالت: إحنا رايحين فين؟ مش هسمح لك تبقي في القصر. اتصدمت وقالت: إيه؟! طب إيه؟ حذرتك قبل كده. رجعتي تعبثي في الكتاب بجهلك. لقد ظنته تناسى. قالت: أنا مش عايزة أخرج، أنا هنا كويسة. أفلتت يدها بضيق وقالت: قلتلك ليه. نظر لها من نبرتها. قالت: إزاي هتخرجني وأنا لازم أكون معاه عشان أدون. لو قولتلك إني بنفيكِ من المهمة. اتصدمت قالت: يعني إيه؟
يعني تقدري ترجعي عالمك بدون رجوع. هلم تسعد هذه المرة، لكن قالت بضيق: وده عشان منفذتش اللي بتقوله. أنا كده بكافئك، إلا لو كنتي شايفاه عقاب عشان هتبعدي. وأنا مصرة أكمل. ليه؟ صمتت من سؤاله ثم تنهدت وقالت: عشان أنا مش لعبة تنهيها وقت ما أنت عايز. أنتِ بترتكبي أخطاء شنيعة، بتتدخلي في اللي ميخصكيش ليه؟ ده كله عشان أنقذته؟
عشان مسمعتيش تحذيري ليكي وعملتي اللي في دماغك. حط نفسك مكاني، بلاش دي. لو شايفة واحد حياته في خطر مش لازم أحذره حتى؟ وهو التحذير بقى إنك تقفي قدام الخطر عشانه. خجلت، لكن قالت بجدية: ما كانش ينفع أسيبه يقتله. أنا مش قولتلك متتدخليش. مقدرتش أشوفه بيموت ومعملش حاجة. ما كانش هيحصله حاجة. انتي فاكرة إن "فرناس" ممكن يموت بالطريقة دي زي أي إنسان عادي. استوقفتها جملته وطالعت بتعجب. قالت: بس هو كان هيموت.
خلي الأحداث تمشي زي ما هي ومتغيرهاش، فهمتي؟ أنا عايزة أفهم حاجة، مش ده الملك اللي أنا مبعوته هنا عشانه؟ آه. وعايزني أشوفهم هيقتلوه وأتفرج؟ صاح في وجهها غاضباً وقال: محدش يقدر يقتله يا غبية. افهمي ده كويس. حتى الأكل المسموم هو كان كل منه أصلاً. قالت وتعبيراتها تملأها الصدمة: إنت بتقول إيه؟ إزاي؟! هو محصلوش حاجة، كان كويس. عشان مش سم زي ده يأثر فيه. لو مسموم فهو من سم الثعبان اللي شوفتيه، وده محدش يقدر يجيبه.
شعرت بتزاحم عقلها. قالت: أنا مش فاهمة حاجة. اعملي المطلوب منك يا "لينا"، متتدخليش في أي حاجة. التفت محذراً إياها: واوعك تحبيه. نظر إليها مكملاً: أنا بحذرك، مع إني شايف إن تحذيري جه متأخر. ابتلعت كلامها بتوتر ولم تعلم ما تقوله. وإنت بتحذرني من كده ليه؟ عشان إنتي مينفعش تحبيه. انتوا الاتنين مختلفين عن بعض تماماً، مينفعش ده يحصل بأي شكل. إنتي متعرفيش حقيقته لسه. إيه هي حقيقته اللي إنت بتتكلم عنه؟
أمسك كتفها جامد فتألمت من قبضته ونظرته الجادة لها ليقول: بنبهك يا "لينا"، متعمليش أي حركة سذاجة تاني. حتى لو شفتيه بيموت، لو بيرمي نفسه في النار متتدخليش. سمعتي؟ إزاي عايزني مدخلش؟ أشوفهم بيقتلوه وأسكت؟ وبتقول محدش يقدر يقتله، تقصد إيه بكلامك؟ إني أقلق عليه ولا أسيبه للخطر؟ فهمتي. كان ينظر إليها ونظرته توحي بقلة الحيلة. حيث قال: وقعتي في حبه. ارتبطت أكثر وقالت: مفيش حاجة من دي حصلت. أتمنى تكوني صادقة. اطمئني.
ابتعد عنها فتحسست كتفها من يده القاسية لتنظر إلى هيئته. قالت: إزاي مسن وصحتك أكتر مني؟ إنت كل مرة بتختلف عن أول مرة شوفتك فيها. عجوز، كهل، ضعيف. التفت تاركاً إياها. أوقفته. وقالت: "رزان". توقف حين قالت ذلك. نظرت إليه. قالت ساخرة: كنت واثقة إنك تعرفها ولك معرفة كاملة عن اللعنة اللي أنا فيها. بتقول عن وسام شرفك لعنة؟! التفت لينظر إليها جدياً. قال: من أين علمتِ بأمرها؟
من الملك اللي بتحذرني من إنقاذه، ذاته اللي بيحميني وبيجيبلي معلومات أكتر منك. أشارت على جبهتها وقالت: ممكن تعرفني إيه اللي فيا ده، وليه واحدة ساحرة زي دي سحرها يجي فيا أنا؟ "رزان" كانت زيك يا "لينا". انقطع صوتها لوهلة من نظراته إليها. لتسمع صوتاً من الحراس خلفها. التفت ثم عادت بنظره إليه وقالت: أنا هرجع إمتى؟ لي كل الأحداث اللي بتحصل دي ولسا هنا؟ مش هترجعي. نظرت له بشدة. سمعت صوت "بشرى" خلفها. سيدتي.
اقتربا منها بقلق لتجده قد رحل من أمامها. التفتت إليهم بضيق، فقد قاطعوا حديثهم. قالت: ما الأمر؟ إنتِ بخير؟ أجل. ذهبت لتجد حراساً يحملون الآخرين الذان كانا مصابين وتظهر على بشرتهم بقع حمراء جعلتها تقشعر جسدياً. وجدت "صفية" تمسك يدها وترفع أكمام فستانها. قالت "لينا": ماذا تفعلين؟ هل حدث إلي شيء؟ لا، ماذا حل بالحراس؟ ماتوا أثر سم الأفعى.
شعرت بالحزن. إنها من تسببت في مقتل شخصين حاولوا حمايتها دون ارتكاب ذنب. أتت هذه الأفعى تترصدها هي. لماذا لم يمت أحد ليس له دخل بها؟ أتت امرأتان ليمسكاها وأشارت "صفية" لهم. قالت: إلى الحجر، وأيضاً الصفوتان يجب أن يخضعا لفحص. قالت "لينا": ما الذي يحدث؟ أخبرتك لم يصبني شيء. إنه فحص طبي لسلامتك. إن كنت تخشين أن يتأذى أحد إن كان داء، هذا عملي. تضايقت، لكن ذهبت معهم بصمت ولم تعلق.
داخل زنزانة كان الجندي عارياً الجسد، ممتلئاً بعلامات أثر الضرب والتعذيب له، ينزف من جروحه ولا أحد مهتم به. فتح الباب لينظر إلى ذلك الصوت الذي نبع أخيراً من تلك الظلمة الحالكة. ليجده واقفاً يعقبه بعينيه. قال: ألم تستطع تأدية مهمة كهذه؟ قال وصدره يصعد ويهبط: اعتذر، لكن لو تصدت هذه الفتاة لسهم لاخترقتهم سوياً. حرصت على دفعه بقوة رجلين، صدقني. انحنى أمامه ليمسك وجهه بقوة فتألم من عظامه المفتتة. لا فائدة منك.
صدقني، فعلت كل ما طلبته مني. لم يمت بعد، هل هذا خطئي إذاً لاختيارك؟ سامحني، كان خطئي. أعطني فرصة لإصلاح ما ارتكبت. فرصة القدر تطلب. أخرج خنجراً لينظر إلى الجندي بخوف. داخل مقر المجلس كان قد انتهى اجتماع الرؤساء وتنفرد القاعة وهو جالس على كرسيه الذي يعلو الجميع، واضعاً يده خلف ذقنه. نظر "داغر" إليه. قال: فيما تفكر؟ ألم يتحدث بعد؟ علم مقصده ونفى برأسه. قال: يلتزم الصمت. أرى أنه لا يبتلى في حياته، لذلك لا قيمة لبقائه.
لعلكم لم تفعلوا ما يلزم. سيموت في الحالتين، فقد شاهد أمر "لينا". نظر إليه وقال: هل أنت مهتم لأمرها؟ كثيراً. أريد معرفة ارتباطها بي... وعن أي سبب قد جاءت. صمت. فتح الباب ليدخل "بردله" منحنيًا باحترام. قال: مولاي. طلبتني. أين كنت؟ أتفحص معدات الجيش. أومأ له بتفهم. وقف ليغادر. تبعه "داغر"، لكن وجدته توقف عند "بردله" ناظراً إلى يده. قال: كيف جرحت؟ كانت على يده آثار دماء. أخرج ممحاة وقال: السيوف كانت أشد حِدة هذه المرة.
قال "داغر": هل تجرب المعدات على نفسك؟ لا يوجد أشد صلابة من جسدي، وهذه أفضل طريقة لأطمئن إن خضنا حرباً أن نكون الطرف الرابح كالعادة. صمت "فرناس" مؤمئاً بتفهم ثم غادر ليتعبه أخيه و"بردله" الذي قال: جلالة الملك، هناك ما يجب أن أخبرك به. لتؤجله الآن.
أومأ مطاعاً، توجه عبر ممرات الباطنة الكبتعده عن أجواء القصر ناحية السجون. تقدم "داغر" ليشير إلى الحارس الذي انحنى فور رؤية "فرناس" وفتح الباب ليدخل إلى ذلك المهارات على الأرض كالجثث. تعجب. اقترب منه. قال: هي ما تُقال؟ قال "داغر": لقد حرصت على إبقائه حياً. أخرج سيفه من غمده ليصطك بالأرض مصدراً صوتاً جعله يتحرك ليثبت أنه لا يزال حياً، لكن لم يعد يقدر على النهوض. قال: جلالتك بذاتك هنا. للخائنين أهميتهم.
وضع سيفه عند رقبته ليجعله يعتدل متراجعاً للخلف من حدته ويجلس أمامه. قال "فرناس": عائلتك في انتظار عطلتك، ألا تنوي العودة؟ تبدلت ملامحه لسماع ذلك. قال: هل تلعب حرباً نفسية؟ أعدك بأن أعود إن أخبرتني من خلفك. لن يحدث. تضيع وقتك مولاي، لن أفيدك في شيء. صمت ناظراً إليه ليسقط بتفهم أرضاً. فانطلق صرخة مداوية هزت الأركان من ذلك السيف العالق في فخذه، والآخر يضغط عليه بهدوء مخيف. قال:
للصبر حدود، وإن تحررت حدودي بمثابة تحرر شيطان بأكمله. صرخ متألماً وهو يلهث بأنفاسه. قال: اقتلني، لكن لن أفعلها. لم يرسلني أحد، أنا من أردت قتلك. أردت فعل ذلك لإرضاء أعدائنا، لقد دفعوا لي الكثير. إن كنت تصر على عدم البوح، لماذا تركت إثم الكذب؟ نظر إليه. وقف. قال: ستموت، لا تقلق.
نظر "داغر" و"بردله" إليه ليسحب "فرناس" سيفه. انتفض الآخر معه. التفت معلناً انتهاء الحديث والجندي يثقبه بعينيه. ليدخل يده أسفل بنطاله وينقض عليه، لكنه سرعان ما دفعه بقوة لصقه في الحائط. أخرج "بردله" سيفه. اعتدل الجندي بتألم ليجد من يمسكه من عنقه رافعاً إياه في الهواء وقد ضاقت عيناه. وقال: كنوا مخطئين، الخائن لا يؤتمن.
ابتسم الجندي والدماء تسيل من فمه ليكشف عن خنجره ويدخله في جسده. انصدم الجميع ونظروا إليه بصدمة، لكنه لم يتأذى حيث كان "داغر" قد أمسك يده بقوة وجرح كفّيه الاثنتين. نظر الجندي إليه بصدمة كبيرة من تصديه. دفع "داغر" "فرناس" بعيداً ليترك الخنجر أخيراً متألماً. اعتدل "فرناس" لينظر إليه وحين اقترب منه انقض عليه الجندي. قال "داغر": احترس.
أمسك يده وقام بكسرها أثر انثناء عظامه، فصرخ بقوة ليخرج سيفه، وبضربة واحدة فصل رأسه عن جسده وتناثرت الدماء على وجهه ذو ملامح غاضبة وقد كسر هدوئه لأول مرة. تركه أرضاً. التفت وكان "بردله" يرى "داغر" الذي كانت يده تنزف. قال "فرناس" بقلق: أنت بخير؟ بخير. صاح بانفعال: أرسلوا الحكيم. ذهب الحراس فوراً سماع أمره. أمسك يده ليخلع وشاحه، يلفه حول كفيه بضيق. لماذا تدخلت؟ كاد أن يقتلك. وأنا لم أقتل، لكنك تسببت لي بالخسائر.
لا تقلق يا أخي، مجرد جرح. جعله يقف على قدميه. قال: لا تخلع الوشاح عن يديك، لا تهدر دمائك أكثر من ذلك. غادر إلى جناحه ليحضر الحكيم وقام بمعالجة جرحه معطياً إياه كيسًا من الأعشاب الذي كاد أن يعترض لولا عيني أخيه الصارمة. أتى "بردله" قال: اهتممت بالأمر مولاي. كيف وصل خنجر إليه؟ قال ذلك بغضب. صمت بحرج، لكن تحدث "داغر": لعله خطئي. نظروا إليه. قال:
لمسه جيداً، يبدو أنه كان يخفيه أسفل بنطاله كل ذلك الوقت ينتظر مقابلتك ليقتلك مجددا. اخفض رأسه متأسفاً. صمت "فرناس" ربت عليه بتنهيدة ثم نظر إلى الحكيم وقال: اهتموا بها. أومأ الحكيم بإنحناء. ذهب ليغادر من جناحه. لحق به "بردله" قال: مولاي. ما الأمر؟ أخبرتني إن كان هناك شيء بخصوص تلك الفتاة. ما بها؟ إنها تحت الحجر. نظر إليه باستغراب. قال: هل هي مريضة؟ لا، لقد قتل الحارسان اليوم لوجود أفعى كبرى في غرفتها. هل أصابها شيء؟
لا أعلم بالتحديد، لكن عرفت أن المصابين كان الحارسان. لماذا لم يخبرني أحد في وقتها؟ جلالتك كنت في اجتماع، حاولت إخبارك لكنك قلت لاحقاً، لذلك لم أشأ إزعاجك. تنهد بضيق وذهب ليتبعه الآخر. وصل إلى مكانها كان على الباب حراس انحنوا لرؤيته. افتحوا الباب. لكن مولاي. نظر إليه بخوف. تدخلت "صفية" قالت: جلالة الملك، خيراً. أين هي؟ بالداخل. وقفت أمامه معترضة طريقه. قالت: إنها بخير مولاي، صدقني. لماذا هي في الداخل إذا؟
لسلامتك، إنها كثيرة الاحتكاك بك لهذا نتأكد من سلامتها. افسح. قال ذلك بصيغة الأمر. تدخل "بردله" وقال: لا نريد تعريضك للخطر، لعل الأمر معدٍ. توقف ونظر إليها. قال: كيف دخلت أفعى إلى غرفتها؟ قالت "صفية": لا أعلم، صدقني مولاي. القصر يخلو من تلك الكائنات، حتى البعوضة لا تعبث في الجوار. أريد تفسيراً إذا. صمتت بحرج. اقترب منها وقال: اعرفي ما حدث بالتحديد. سيتحاسب الخدم على تقصير كهذا. حارسان قد ماتا وليس حيوانات.
انحنت له معتذرة. لم يرد عليها لينظر إلى الحراس الذان أفسحوا له. دخل إلى الغرفة وجد امرأة مكفهرة الوجه. تفاجأت لرؤيته وانحنت، لكنه تخطاها ليرى التي تجلس على السرير. وقف بقربها كانت تحرك أصابعها بضيق. سأفضل هكذا كثيراً؟ لاحظت ذلك الظل. التفت لتجده بجانبها. تفاجأت. نظرت إلى المرأة التي لم تصدر صوتاً. قال "فرناس": إنتِ بخير؟ خائفين عليك مني. كيف دخلت؟ لا أحد يستطيع منعي. جلس بجانبها. اعتدلت لتصبح مقابلة له وقالت:
هل جئت لتطمئن علي؟ ألا يبدو كذلك؟ أخفت ابتسامتها، لكن فرحت داخلها. قال "فرناس": تأذيتي؟ لا، راح الحارسان كبش فداء. أيضاً احتجز "نائله" و"بشرى" لأنهما كانا قريبين. عيسى قد ركضت بعيداً. هل سم أفعى أصبح معدياً؟ سأخبرهم بإخراجك. شكراً، لعل ما ظهر على الحارسان هو ما جعلهم يخافون. نظرت إليه لتوضح ما رأته عن أجسادها المحببة وكأن أصابعها داء خبيث. ليقلب كلامه داخل رأسها صامتاً. قال: كم استغرق موتهم؟ تعجبت من سؤاله، لكن قالت:
لا أدري، لعلها أربعة ثوانٍ، أو خمس... لم تتخطى ذلك. تنهدت ثم نظرت إليه. قالت: فيما تفكر؟ لماذا لم تعودي إلى الآن؟ هي تريدني أن أعود. أتساءل عن سبب عدم عودتك، ظهرت كثيراً من الأحداث. لماذا لم تبعثيني إلى عالمك إلى الآن؟ لا أعلم أيضاً. أخشى أن تكون دراستي قد بدأت وتناقصت درجاتي بسبب أعمال السنة. لا أعلم نتايجي في نصف العام حتى... أتمنى أن تكون تحصيلاً جيداً... صمتت حين وجدته في عالم آخر غير مركز معها، فشعرت بالحرج.
قالت: أعتذر، حاكيت لك قصة حياتي. لم يرد عليها. تضايقت. نظرت إليه. قالت: هل تسمعني حتى؟ مال عليها برأسه مستنداً على كتفها فتوقفت مبحلقة فيه بشدة. تسارعت دقات قلبها من اقترابه وكأنما وحشاً يطاردها فتركض خوفاً. نظرت إليه، وضعت يدها عند صدره لتبعده. فصدر صوت تألم منه. فأبعدت يدها باستغراب. قالت: أنت بخير؟ لا تتحدثي. تعجبت، لكن حين اعتدلت بحرج لتبعده عنها، استوقفها ذلك اللون الأحمر على يدها لتنظر له بصدمة. قالت:
ما هذا، دماء؟! لمست كتفه. أمسك يدها ليرفع عينيه إليها مشيراً بإصبعه بالصمت. توترت. أومأت له بتفهم. قال بصوت منخفض: ضعي يدك حول كتفي. ماذا؟! افعلي ما أقول. رفعت ذراعيها بحرج شديد، خاشية من لمسة تجعلها في الهواء وكأنها تعانقه ودقات قلبها ترتفع وكأنه سيخرج من مكانه. تنظر إلى الركن متفادية النظر إليه. قال "فرناس": أخبريها أن تخرج من هنا.
تعجبت. نظرت إلى المرأة التي كانت مخفضة الرأس. نظرت إليهما لتتفاجأ وشعرت بالحرج الشديد. خجلت "لينا" من نظراتها. قالت: هل يمكنك أن تخرجني؟ نظرت إلى "فرناس" لتعلم أنها لن تأخذ الأمر إلا منه. قال: غادري. أومأت بطاعة ونظرت إليهما ثم خرجت. رأت "بردله" واقفاً مع "صفيه" التي قالت: لماذا خرجتِ؟ طلب مولاي مني تركهم بمفردي. صمتت بقلق ونظر "بردله" إلى الباب ثم غادر. أدركت "لينا" أنهم بمفردهم. نظرت إليه. قالت: ماذا أفعل ثانياً؟
ابتعد عنها فأعادت ذراعيها إلى مكانها وقد تخدرا ألماً. قالت: هل تريد إخباري شيئاً؟ أين المعدات الطبية اللذان استخدماها معك؟ تعجبت. قالت: فحصوني فقط، لكن رأيت معدات... أحضريها. قال ذلك مقاطعاً كلامها. تعجبت. وقفت لتحضر ما رأته من ذلك الصندوق بجانب الغرفة. وحين التفت وجدته يخلع ملابسه. انصدمت. قالت: ماذا تفعل؟ اتسعت عيناها حين رأت صدره العاري ينتصفه جرحاً ينزف بغزارة. فوقع ما كانت تحمله شاهقة بصدمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!