كنت بهزر مالك بتهزرى !! ايوه اكيد، عالم تانى. قال... خدت الموضوع جد لي. كان صامتا بينما هي تضحك على تصديقه لها: بتهزرى ولا بتقولى الحقيقه؟ توقفت عن الضحك عندما سمعت كلماته ونبرته الجدية لتجد أعينه تثقبها. انكمشت منه، هل حقا ما قاله؟ هل يظن أن كلامها حقيقيا؟ هل لديه ذرة صدق من كلامها ووجوب تصديقه؟ حقيقه ازاى يعني.. انت مقتنع باللي قلته؟ لي لا؟ بدهشة: حضرتك دكتور جامعة، مثقف ومتعلم.. بعيدًا عن الوهم، ازاي سمعتلي؟
قصدك إنك كنتي بتكذبي؟ أنا قولتلك بهزر. يعني بتكذبي. تضايقت وقالت: أنا مش بكذب وبقول الحقيقة و... صمتت وهي تنظر إليه. تنهدت قالت: اللي تشوفه. طب ممكن تقولي الحقيقة لو كان دا مجرد هزار؟ مهتم بالموضوع؟ جدا، سامعك يا لينا. صمتت وهي متعجبة لكن متوترة ايضا. تمسكت ظهراها وفركتهم بارتباك ومن ما هي وضعت نفسها به. سمعت صوت رنين هاتفها، أسرعت وردت وكأنها طوق نجاة لها: أنا لازم أمشي.. عن إذنك. أوصلك؟ لا ملوش لزوم.
أخذت حقيبتي لأغادر. توقفت، وعندما التفت إليه قبل: معرفتش أشكرك على امبارح "حسام" قالي على عملته. نظر لي وكأنه لم يتوقع شكري. قال: ده واجبي، معملتش حاجة. شكرا تاني. قلتها بابتسامة وغادرت. وكان "معتز" ينظر إليها وهي توقف سيارة أجرة وتركبها وتغادر عن ناظريه، لكنه لا يزال يتخيل طيفها أمامه وكلامها الذي لن ولن ينساه: لينا.
عادت إلى منزلها وهي تجفف شعرها بعدما بدلت ملابسها. انتبهت لشيء على المنضدة. كان الكتاب الذي لم يكن معها بل كان مع أبيها. كيف يقفز إليها وكأن لا يوجد حاجز يمنعه. كأنه به عفريت يعبث به. تذكرت كلام العجوز بشأنه. هل هو حي بالفعل؟
ما أمرك أيها الكتاب وما خلفك من أسرار تدفنها في أعماقك. أشعر بأنك شخصًا تأتي وتذهب كيفما تشاء. لماذا تلحق بي وأنا لا أريدك. لماذا ترسلني لهناك رغمًا عني. لماذا أشعر بالمسؤولية تجاهك وأنني لا أريد أن يحدث لك شيء أو تمس بأذى. لكنك أيضًا تؤذيني. لا ترسلني لهناك ولن أفعل لك شيئًا. لتعود لأدراجك وتدعني في سبيلي. وقفت بقرب منه وهي تتأمله. فتح الباب كان "حسام" الذي كان قلقًا لكن اطمأن فور رؤيتي.
كويس إنك هنا. الكتاب مش لاقيه. بحسبك روحتِ تاني هناك. ابتسمت بسخرية وأشارت له على المنضدة. تعجبت حين رأه. وقف مذهولا: إزاي بيحصل كل ده؟ معرفش بجد. هو في إيه؟ بيتكلم عن إيه أقصد. مفهوش حاجة. إزاي، انتي مفتحتوش قبل كده؟ لأ. يبقى نفتحه ونشوف اللي فيه. سار أخيها تجاهه لكنها أوقفاته قائلة: لما حاولت أفتحه شرارة غريبة لمست إيدي ومنعتني. سيبه. ممكن ميحصلش معايا أنا كده. وتخيل مش أكتر. استنى.
ذهب إلى الكتاب. أمسكه. نظرت إليه بخوف. فتح القفل ومد أصابعه وفتح الغلاف. نظرت له بشدة لما سيحدث. فوجئت عندما وجدت لا حدث. أثرها، الكتاب لم يفتح لكنه يمسكه ولم يبعد يده لملامسة أي كهرباء يد. بل يحاول فتحه والكتاب لا يتحرك. حتى غلافه وكأنه قطعة واحدة مجمدة ثابتة لا تتحرك من مكانها. قالت "لينا": في إيه؟ مش راضي يتفتح. إزاي؟ معرفش. هو ده كتاب أصلًا؟ ده ملزوق كأنه قطعة واحدة. مستحيل. يوم المكتبة اتفتح قدام عيني.
مد الكتاب إليها. أخذته بتردد وهي تتنهد. فلا شيء سوف يحدث لها. حاولت فتحه لكن سرعان ما صرخت. وقع من يدها وهي تمسك أناملها بوجع. قال "حسام": إيه اللي حصل؟ نار، في لهب كان هيحرق إيدي. تذكرت تلك الشرارة الكهربائية التي لامست أصابعها للمرة الثانية. شعرت وكأن أعصابها تلفت. وجدت أخيها يمسكه وهو يقلبه بين يديه. قالت بتعجب: انت إزاي كنت بتحاول تفتحه ومحستش بحاجة؟ عشان مفيش حاجة حصلتلي. بس انتي. انتي كنتي هتفتحي.
نظرت إليه باستغراب. أكمل: الغلاف اتحرك ولو بسيط جدًا بس شوفته اتحرك. إيه اللي حصل؟ قولتلك فيه حاجة غريبة، كأنه بيمنعني. نظروا إلى الكتاب بشدة والتساؤلات تكاثرت حوله. وجدته يأخذه ويغادر. قالت: انت هتعمل إيه؟ هخلص منه. اندهشت، معقول سيحرقه الآن؟ نظرت للكتاب بخوف وكأنها تشعر بأنه أمانة. أمانة في عنقها لا يجب أن تفعل به ذلك. لعل هناك سبب كبير خلف كل ما يحدث لها. غابينة، صديقتها الوفية، ألن تراها مجددًا.
ركضت خلفه وهي تلحقه. توقفه. لقد حسمت الأمر. لا أريد أن تتخلص منه. تريد إجابة على أسئلتها أولًا. وجدته في الحديقة الخلفية بمنزله وهو يضع الكتاب على الأرض وفي يده عود كبريت. "حسام" لا استنى. نظر لي. اقتربت منه وقلت: سيبه متحرقهوش. بتقولي إيه يا "لينا". أنا عايزاه. ده مسؤوليتي، أمانة عندي. ولم تعلن من أين نطقت تلك الكلمات. مسؤوليتي وأمانة. وكأن هناك من يتحدث بدلا منها. وكأنها من يجعلها توقفه ويتحكم بها.
قال باستغراب: ولو خدك لهناك تاني، أو روحتِ هتعملي إيه هناك؟ قدر في يوم مرجعيتيش هتكوني مستريحة لما ده يحصل. صمتت وشعرت بالخوف من كلماته. قالت: متخافش مش هيحصلي حاجة. وأنا مش هستنى لما يحصل. اشتعل الكبريت. رماه أرضًا. اتصدمت. ركضت إلى الكتاب لكنه منعني. قال: "لينا" جرالك إيه؟ رأت النيران تشتعل عليه وتأكله أكلًا. حاولت الابتعاد لكنه تصدى إليها كي لا تتأذى. قالت: لااا. الكتاب. بس خلاص كل حاجة هترجع زي الأول.
دمعت عيناها بغضب. قالت: قولتلك لأ. لي عملت كده؟ لي؟ اهدئ. أنا خايف عليكي. وده مجرد كتاب. نسيتي معاناتك بسببه. انتي بتتكلمي كأنك واحدة تانية. لأ. هو مش أي كتاب. ونا جزء منه. ابعد عني.
حاولت الإفلات منه لكنه منعها وربت عليها. ولا تعلم من أين لها لتقاومه وتريد إنقاذه وهي ترى النار تحيط به وتحوله إلى رماد. شعور بشيء غريب وكأنها خائنة. أجل، خائنة. خانت أمانة سلمت لها. ما تلك الأمانة وما الشعور الواجب بتلك المسؤولية. ما ذلك الضيق والغضب من أخيها. لقد فعل ما كانت تريده. لماذا تحولت هكذا الآن؟ لما الغضب؟ لقد انتهى الأمر. انتهت غوانتام وغابينة والعبودية. لم يعد هناك. الملك "فرناس". دخلا إلى المنزل.
أتت والدتهم متسائلة: فيه إيه؟ مالك يا "لينا"؟ كانت قلقة عليها من شكلها وذلك الحزن الغامض. تحدث "حسام" نيابة عنها: مفيش حاجة يا أمي. روحي على أوضتك يا "لينا". نظرت له وكأن يطمئنها بعينيه. ذهبت دون أن تتفوه بكلمة. قالت "هاجر": حصل حاجة يا "حسام"؟ تعبانة شوية. حكتلك أي حاجة؟ حاجة زي إيه؟ عن اللي بتحكيها في كل مرة. نفس الكلام اللي حضرتكم مش مصدقينه. صمتت وهي تنظر إلى غرفتها. طالعها "حسام"
قال: ماما، لينا مبتكدبش. كنتي أول واحدة صدقتيها فينا لما قالت الكلام ده أول مرة. لي دلوقتي بتقولها متتكلميش كده تاني؟ مش أي حاجة لازم نحكيها. يعني عارفة إنها بتقول الحقيقة. وبابا كمان؟ نظرت إليه قائلة: اتأخرت على شغلك يا "حسام". آه فعلًا. عن إذنك. غادر من المنزل لتبقى واقفة في مكانها قلقة على ابنتها التي لا تبدو بأحسن حال.
كانت جالسة في غرفتها تتذكر الكتاب. نظرت إلى المنضدة التي بجانبها. لعلها تجده لكنه لم يكن موجودًا. فتح الباب لتجدها والدتها. قالت: "لينا" تعالي عايزكي. فيه حاجة يا ماما؟ ذهبت. تعجبت. ذهبت خلفها لتجدها تدخل إلى غرفتها. فتحت الخزانة وهي تنظر إليها باستغراب من ما تفعله: ماما بتدوري على إيه؟ أخرجت صندوقًا. اقتربت منها وهي تمسك يدها وتجلسها بجانبها. وضعت الصندوق بينهما. كانت "لينا" تحدق فيه وفي والدتها: إيه ده يا ماما؟
الصندوق ده كان بتاع جدتك. طالعته باهتمام شديد فهي تحب كل ما هو متعلق بجدتها. قالت: فيه إيه؟ حاجات تخصها. تخصها هي وبس. حتى جدك ميعرفهاش. ده بمثابة صندوق أسرارها. يعني حتى حضرتك متعرفيش فيه إيه؟ نفت لها قائلة: لأ يا لينا. بس بتهيألي فيه حاجة مهمة ليكي. ليا أنا؟ جدتك وصتني وصية. "كل ما هو غريب عنوانه الصندوق". طالعتها بشدة قائلة: مش فاهمة حاجة يا ماما. ولا أنا يا لينا. صدقيني مش هعرف أشرحلك. بس الصندوق ده بقى ليكي.
أعمل بيه إيه؟ خليه معاكي. أكيد هتحتاجيه. مفكرتوش تفتحوه؟ ملهوش مفتاح. إزاي؟! مدتكيش أي مفتاح؟ رفعت كتفيها ببساطة قائلة: سلمتهولي هو بس. من غير أي مفاتيح. تعجبت منها. ربتت على يدها مردفة: افتحيه في الوقت المناسب. أومأت لها بتفهم. أخذته معها وذهبت إلى غرفتها لتضعه بين أغراضها وهي تلمسه بحنين إلى طفولتها تتذكر جدتها. كانت تجلس عند قدميها مثل كل يوم تأتي فيه لزيارتها. "تيته مش هتحكيلي قصة النهارده؟
"مش هتروحي تلعبي معاهم؟ "لأ بحب أقعد معاكي وأسمع قصة الأمير والأميرة." ابتسمت إليها وهي تمسد على شعرها. ابتسمت "لينا" قالت: "مش هتقوليلى إيه اللي حصل للأميرة لما حبسها الشرير في البير؟ "الأمير عرف مكانها وراح هو وجنوده عشان يحاربوا الأشرار اللي أذوها." قالت باهتمام وهي تصغي إليها: "بعدين." "انتصر الخير على الشر وأنقذ الأميرة ورجعها القصر بخير." "مات الشرير واتجوزوا وعاشوا في نبات."
أومات إليها وهي تكمل لها: "وخلفوا صبيان وبنات." فرحت كثيرًا قالت: "أنا عايزة أمير أنا كمان." "كل بنت أميرة في بيتها. أميرها هيجيلها لحد عندها. وأوقات الصدف بتخلي الطرق تتقابل." "يعني أميري ممكن يكون بعيد؟ "ممكن يبقى قريب منك أوي، أو بعيد. مكان تاني، بلد تانية، زمن تاني، أو.... عالم تاني." لمعت عيناها الطفولية بإعجاب. قالت: "أمتى يا تيته؟ ضحكت عليها وهي تداعب أنفها الصغير. "في الوقت المناسب يا حبيبتي."
في الجامعة دخلت "لينا" وكان التعب ظاهرًا على عينيها. فهي لم تنم البارحة سوى ساعتين من كثرة تفكيرها في أمر الكتاب. تذكرت رحلتها في عوالمه والأيام التي عاشتها في "غوانتام". تلك البلد العجيبة التي لن تراها مجددًا ولن ترى عجائبها الكثيرة وغرائبها الأكثر. لم تحصل بعد على إجابات كافية لأسئلتها لكن قطع حبل الوصال. لم تعد هناك ولم تعد غوانتام. كان حلم وانتهى.
كانت تسير إلى مدرجها تلاحظ الأنظار التي تثقبها. حيث جلست على مقعدها والعيون تخترقها. الجميع يتطلع بها. لم تكن تفهم نظراتهم تلك وما الأمر. دخل الدكتور لتبدأ المحاضرة وينشغل الجميع بعيدًا عنها. انتهت من يومها الدراسي وتوجهت إلى المقهى. ثم جاءت "سهيلة" وجلست معها وتبادلا التحية. قالت "لينا": هو في حاجة في شكلي؟ لأ. لي؟ من الصبح والكل بيبصلي. متهتميش بيهم. تلاقي عشان الصورة. تعجبت كثيرًا وقالت بعدم فهم: صورة؟
إنتي مشفتهاش... انسي. صورة إيه يا "سهيلة"؟ صمتت قليلًا وكأنها مترددة في إخبارها. أخرجت هاتفها ومدته إليها لترى صورة لها مع "معتز" وهما في المقهى. كانت تبتسم وكان هو ينظر إليها. لكنها تعلم سر ابتسامتها الساخرة ونظرته لها لم تكن سوى نظرة جدية ليجعلها تتحدث والنقاش بشكل جدي. ما أثار ضيقها ذلك الكلام الذي على الصورة. يقال إنه حبيبته الجديدة للدكتور "معتز". من... أنا؟ حبيبتها.
أعادته إليها بضيق قائلة: مين اللي نزل الصورة دي؟ معرفش. هي صفحة مخفية. لاحظت نظراتها. قالت: بتبصي كده لي؟ "سهيلة" إنتي كمان مصدقة القرف ده؟ لأ طبعًا. ده أنا عارفة إنكم مبطيقوش بعض. بس شكلكوا في الصورة. إيه؟ علاقتكم اتحسنت. مقصدتش حاجة بس ده كويس. طلعتي ظالمة. نظرت إليها تنهدت وأكملت: انسي. المهم اللي خد الصورة دي عايز يضايقك انتي. عارفة. وعارفة هي مين. مين؟ ياااار. قالت بدهشة: معقول. همشي عشان ورايا محاضرة.
لمى ابتسمت. قالت بتأكيد: دكتور "معتز". هتحضري؟ آه هحضر. ومحضرش لي. مفيش حاجة تمنعني. إلا لو كان الكلام حقيقة. ابتسمت "سهيلة" وصافحتها وهي تدعمها وكأنها سعيدة بها. ذهبت وهي تتوجه إلى المدرج. قابلت "معتز" ووقفوا أمام بعضهم. قالت: باين مضايق. أكيد عشان الصورة. لأ. الكلام التافه مش بيفرق معايا. كنت عايز أشوفك انتي. أنا؟ لي؟ أنا مليش دعوة بأي حاجة. معرفش الصورة دي اتاخدت إزاي.
اعتبرها مش موجودة. مش كلام الناس اللي ههتم بيه أنا كمان. طالعها قليلًا ولم تفهم نظراته. ابتسم إليها بإعجاب قائلاً: مش مضايقة. ابتسمت. قالت: لأ. وهضايق لي؟ اللي عمل كده اتفاجأ من تغيرنا. شكلهم عايزينك تطردني من محاضراتك تاني. بادلها الابتسامة. وكان من يمر بجانبهم ينظرون إليهم. رمقهم "معتز" نظرة جعلتهم يسيرون أمامهم. عاد إليها قال: اللي عمل كده هندمه. وأنا هعرفه بطريقتي. يلا عشان المحاضرة.
أومأت بتفهم وذهبت معه. وجدت الجميع ينظر لها، بل ينظر لهم من دخولهم سويًا. لم تهتم وجلست متجاهلة أي أحد سواها. على الرغم من ضعفها وأنها طفولية قليلًا إلا أنها لا تحب أن تعطي فرصة لأحد بأن يقتص منها ويحصل على مراده. وإن كان قد أشعلها بحق فهي تستطيع إطفاء نارها بيدها كما أشعلتها أنت. انتهت المحاضرة. جمعت دفاتري لأغادر. مش كنتي تعرفينا إنك والدكتور حبيبين. نظرت للمتحدثة. وكانت "يار" تنظر إليها وتبتسم ساخرة. لتكمل: إيه؟
كنتوا بتمثلوا علينا إنكم مش طايقين بعض عشان محدش يعرف. قالت ببرود: غبية. اتصدمت منها وقالت: بتقولي إيه؟ مين الغبية؟ لم أعيرها اهتمام وأكملت سيري. صرخت بغضب: لو مش قد الكلمة متقولهاش. جبانة. سخرت منها ولم تلتفت إليها. عادت للمنزل. قبل أن تدخل جائتها رغبة في رؤية الحديقة. أو لتكون صريحة. تريد رؤية رماد الكتاب. ألقيت نظرة وتعجبت كثيرًا. اقتربت وقفت في المكان ذاته. نظرت حولها وأنا أبحث عن أثر الحريق. أين بقايا الكتاب؟
لم يكن هناك أي رماد أو أي شيء يوحي باحتراق شيء هنا. هل ممكن أن يكون أخيها نظف المكان أو والدتها؟ دخلت إلى المنزل. توجهت إلى المطبخ. وجدت أمها تطهو. قالت: رجعتي من الجامعة متأخر. المحاضرة طولت شوية. أخذت زجاجة مياه الذي أتيت من أجلها وعادت لغرفتها. لكن وجدت الباب مفتوحًا. رأت "حسام" بالداخل. تعجبت ودخلت وهو لم ينتبه لدخولها. قالت: واقف كده لي؟
نظر إليها نظرة غريبة ثم أعاد بنظره إلى شيء ما. اقتربت لترى ما ينظر إليه وأصابتها الصدمة من رؤية الكتاب. أجل، ذاك الكتاب الذي احترق البارحة موضوع على المنضدة في غرفتها. كانت متصنمة لفرط دهشتها. سارت بضع خطوات تجاهه لتراه كما هو. لا يوجد به أي علامة توحي بلمس النار له. لا يوجد أي احتراق أو ما شابه. إنه سليم. إنه بأحسن حالاته. لم يتأثر بالنار. تلك النار التي تلتهم أجساد البشر وغيرها. لم تؤثر على كتاب وبضع أوراق.
عادت بنظراتها إلى أخيها الذي كان ينظر إليها وكأنه شعر بالخوف لبيه وبات يتقن أن الأمر لم يكن مزحة. قال "حسام": مستحيل ده يكون مجرد كتاب. بقيت مصدقني أكتر. اللي بيحصل جنون. رعب بيتخطى الواقع. نظر إليها. أردف قلقًا: بقيت خايف عليكي أوي يا "لينا". صمتت لا تنكر خوفها أيضًا. إن لم تكن النار تقتلته. إذن هذا الكتاب لا يقتل. لا يموت. لن يتركها. سوف يظل يلاحقها إلى أن تفعل ما يأمرها به.
كانت مرتاحة قليلًا أنه لم يحترق. لكن شعورها مختلط بالخوف من ذلك الكتاب المليء بالأسرار. قال "حسام": هنعمل إيه؟ مفيش حاجة نافعة معاه. الكتاب ملازمك. وكأنه كتاب ملعون وصب لعنته عليكِ. مفيش فايدة. مهما أرميه أو أبعده عني بيجيلي. بيختفي ويظهر وقت ما هو عاوز. كأن فيه عفريت. بعدين. جلست بقلة حيلة وقالت: مش هنعمل حاجة خلاص. هكمل. قال بخشة: هتكملي؟
أيوه. هشوف نهاية الكتاب وأي السبب من كل اللي بيحصل ده. مفيش قدامي حل غير كده. باين إنه مش هيسبني في حالي. كأنه أمر عليا. تنهدت وهي تكمل: عاوزة برضو أعرف كل حاجة. فيه حاجات كتير معرفهاش لحد دلوقتي. طالما هكمل يبقى هاخد إجابات على أسئلتي. عايزة ترجعي لهناك؟ ولو عملوا فيكي حاجة؟ هكون بخير. متخافش.
نظر إليها باستغراب من ثقتها. وكانت متعجبة أيضًا. لكن في كل مرة يحدث معها شيء. قبل أن يصيبها أذى، كان الكتاب يخرجها في الوقت المناسب. حينما تشعر باليأس. الرجال وهم يلحقون بها. وبالصدفة بل من حظها السعيد أنها اصطدمت بالملك الذي كان يسير في السوق الذي سلكته. لقد كان السبب في إنقاذها من هؤلاء.
عندما أخذها الحراس وظنت بأنها ستعدم. فأتضح أنها ذاهبة لمقابلة الملك كما أرادت. سوف تكون بخير بإذن الله. لا داعي للخوف بل القوة والصبر والتحمل لأجل القادم. أصبحت لديها رغبة كبيرة في معرفة كل شيء. الكتاب، العالم، وهي... كل شيء تريد أن تعرفه. في اليوم التالي كانت تمشط شعرها القصير وتضبط ملابسها للذهاب إلى جامعتها. دخلت والدتها. قالت: الفطار. حاضر.
التقطت حقيبتها لتغادر. توقفت ونظرت للكتاب. تنهدت. أخذته وخافت أن تضعه في حقيبتها حتى لا ترتعب من رؤيته إذا ظهر مجددًا. فليكن معها أفضل. تتمنى ألا يطلبها وهي في الجامعة ثانيًا ويتكرر ذلك. كانت جالسة في المدرج شاردة الذهن. كان يومها قد انتهى والجميع قد غادر عداها. شعرت باهتزاز في حقيبتها. دق قلبها سريعًا وفتحتها. لكنه كان هاتفها في وضعية الاهتزاز.
تنهدت ونظرت إلى الكتاب. فقد ظنت أنه يطلبها الآن. إنها لم تشعر بأي اهتزاز منه حتى الآن. أقفلت الحقيبة ثانيًا وهي تمسك دفاترها لتغادر. أثناء نزولها من المدرج توقفت من دخول شخص. كان "يوسف" الذي طالعها. تعجبت لأنه لا يوجد أحد هنا. حتى "يارا" حبيبته غادرت. اقترب وأكملت سيرها هي نحو الباب. لكن وجدته يقفله. طالعته بشدة قالت: إيه ده؟ بقفل الباب. إنت في عقلك؟ ابعد عايزة أمشي.
سمعت صوتًا واتصدمت أنه يمتلك المفتاح وقد أقفل جيدًا. اتصدمت: إنت بتعمل إيه؟ التفت ونظر لها نظرة لم تفهمها. ثم سار تجاهها. عادت للخلف. قالت: يوسف إنت بتغلط. مش عايزة تعرفي الصورة مين اللي نزلها؟ نظرت له بعدم فهم. ثم اتسعت عيناها باستدراك: انت. ابتسم. أومأ برأسه. قال: خدتها بزاوية حلوة. مش كده؟ كيف لم أفكر فيه. لم تكن "يارا" إذا. لقد كان هو. شعرت بالغضب الشديد لكن تمالكت نفسها: مش فارق. مدت يدها قالت: المفتاح.
مفتاح إيه؟ إنت بتهزر. مفتاح الباب اللي حضرتك لسه قافله. لأ. مهو مفيش مفتاح. نعم. نظرت له بعدم فهم. ثم وجدته يتجه إلى النافذة ويرفع يده التي بها المفتاح ويريها إياه. اتصدمت. ركضت تجاهه. سرعان ما قام برميّه للخارج. حاولت التقاطه لكنه قد وقع. نظرت للأسفل بصدمة. التفتت إليه بغضب. قالت بغضب: إيه اللي انت عملته ده؟ إنتِ متضايقة ليه؟ بنتسلى شوية. إنت شكلك اتجننت.
اقترب منها. رجعت لوراء. قال ساخرًا: ده عشان القلم يا "لينا". غلطتي أوي لما فكرتي إني ممكن تاخدي شهرة عن طريقي وبإهانتي. إنت اللي غلطت. غلطت؟ آه. مسكت إيدي وأنا قولتلك ابعد من وشي. ابتسم ولم تفهم ابتسامته. نظر إليها قال: بتتريقي عليا ولا على نفسك؟ ضحكتيني بجد. إنت اللي بتغلط دلوقتي. أنا مبغلطتش. اعتذري دلوقتي وبعد كده قدام الكل وأفكر أسامحك ولا لأ. ضحكت وهي تقتل: أحلام اليقظة دي مبتتحققش. مش مشكلة. نحققها.
استغربت. طالعته بعدم فهم. ليكمل: كمان شوية هيجي حد ويفتح. ولما يشوفنا إحنا الاتنين محبوسين مع بعض... ولوحدنا... نظر إليها بمكر وقال: تفتكري شكلك هيكون إيه بعد ما كنتي حبيبة الدكتور امبارح وانهاردة معايا أنا؟ انتابها الغضب كثيرًا من خطته الحقيرة. قالت: إنت واحد زبالة. وتفتكر أنا هخاف من الهبل اللي قولته ده.
لازم تخافي يا "لينا". القلم ليه حساب كبير أوي زي مسكة الإيد. يلا قرري. بعد خمس دقايق الباب هيتفتح ونكون في موضع مش لطيف. التفت حين قال ذلك تاركًا لها الأمر. ركضت إلى الباب. قامت بضربه بقوة وصرخت وهي تطلب النجدة أو أي حد يسمعها. أمسكها بقوة ودفعها بعيدًا عن الباب وقال غاضبًا: محدش هيفتح الباب دلوقتي. هيتفتح في الوقت اللي أحدده. أنا عايزة أخرج من هنا. قولتلك اعتذري. الحل في إيدك.
وأنا مش هعمل كده. اللي مفروض يعتذر هو إنت مش أنا. شرير. نظرت له بغضب من سخرية. تقدم منها. قال: منكرش إنك عجبتيني في رفضك ليا الأول. حتى كلامنا كنتي بتقصريه عكس أي بنت. بس إنتي زودتيها أوي. طب افتح الباب ده. لأ. لسا فاضل شوية. طالعته بغضب شديد من المخطط الذي افتعله لتشويه صورتها. كان سعيدًا من تضايقها وكأنه يستمع بذلك. بالفعل أشعر وكأنني سأعتذر. لا أريد مشاكل أكثر من هذا.
نظرت إلى الباب بشدة وأرجو أن أحد يقوم بفتحه. أي حظ أو لعل معجزة تحدث. وجدت المقبض يتحرك وهي تتمعن النظر ومن ثم افتتح الباب. أصابني الذهول وكنت خائفة. هل هذا هو الوقت الذي هددني "يوسف" به؟ لكنه كان أيضًا واقفًا ينظر إلى الباب بشدة. ذهبت سريعًا وفتحتها. لكن لم يكن هناك أحد. وهذا ما صدمها أكثر. التفتت يمينًا ويسارًا في الممر لا يوجد أي أحد هنا. نظرت إلى "يوسف" الذي تحولت تعبيراته إلى
الضيق وينظر إلى المقبض: إزاي الباب اتفتح؟ ذهب وألقى نظرة عبر النافذة ليرى المفتاح راقدًا على الأرض في الأسفل. عاد بنظره إليها بصدمة كبيرة قال: الباب متفتحش بالمفتاح أصلًا. فتحتيه إزاي؟ إنت غبي. وأنا هفتحه إزاي؟ بس تعرف بشكر اللي فتحه وخلصني من واحد زبالة زيك. ذهبت سريعًا لتغادر. أمسك ذراعي بقوة. نظرت إليه بشدة وقلت بانفعال: إنت اتجننت. ابعد إيدك. عايز إيه تاني؟ كنتي عارفة مش كده؟ في حد ساعدك؟
مقولتلك معرفش حاجة. هقعد معاك ده كله لي؟ حبا فيك؟ اعتذري. مش هعتذر على حاجة أنا مغلطتش فيها. مش هسيبك. اقترب منها وأردف: نجدي المرة دي. المرة الجاية لأ. اعتذري أحسنلك. كانت عيناه تشتعل غضبًا وهي تنظر له بضيق شديد: إيه اللي بيحصل هنا؟ نظرنا إلى الصوت. وكان "معتز" الذي نظر لي وإلى "يوسف" ويده التي تمسك بذراعه. أبعده عني بحدة وقال: إنت إزاي تمسكها كده؟ نظر "يوسف" إليها. وقف "معتز" في وجهه وقال: أنا مش بكلمك.
ابتسم وهو يقول: متخافش عليها يا دكتور. إحنا كنا بنكلم بس. مجرد نقاش بين زملاء... ولا إيه يا لينا؟ رمقته بغضب. ابتسم وكأنه يتواعد لي. قال: أشوفك بعدين. عن إذنك يا دكتور. ذهب بينما "معتز" ينظر إليه. التفت إليها وقال: إنتي كويسة؟ أومأت له إيجابًا. نظرت إلى وجوده هنا. قالت: إنت اللي فتحت الباب. باب إيه؟ باب المدرج. إنت اللي فتحته من شوية. لأ. هو كان مقفول؟ لسا الجامعة مبتقفلش دلوقتي! تعجبت كثيرًا وقالت: إزاي...
لما إنت مش هتكون مين؟ مش فاهم قصدك. إيه حصل حاجة؟ ل..لأ. مفيش. كيف إذن هو لم يفتحه؟ هل سترى عجائب على أرضها أيضًا؟ كانت تشعر بالريبة من تذكر ما حدث معه. تتذكر أنه فتح فجأة. وعندما خرجت لم تجد أحد. من فتحه؟ لماذا شعرت بأنه فتح من تلقاء نفسه؟ على الطريق توقفت. نظرت إلى "معتز" قالت: شكرًا. بتشكريني على إيه؟ أنا مشيت معاكي لحد الطريق عشان رفضتي أوصلك. مفيش داعي. باخد تاكسي. أوما إليها بتفهم. لاحظت وجوده. قالت: مش هتمشي؟
أما تركبي. تحرجت. قالت: تمام. إلى تشوفه. في حاجة عايزة تقوليها يا لينا؟ حاجة إيه؟ "يوسف" كان بيعمل معاكي إيه؟ ضايقك؟ شعرت بالضيق من التذكر. قالت: متهتمش. تعجب منها لكن صمت. فهو لا يريد إلقاء نفسه عليها. قال: بقيتي عاملة إيه؟ فهو يتذكر خوفها في ذلك اليوم. قالت: الحمد لله أحسن. لسة مش عايزة تقوليلي الحقيقة؟ نظرت له من اهتمامه وأنه لم ينس حديثهم بعد. قالت: مهتم لي؟ تقدر تقولي موضوع شخصي. توقفت عند هذه الجملة.
قالت: شخصي من إني ناحية؟ مظنش إن علاقتنا شخصية أصلًا. أو إنك تهتم بيا. بس أنا مهتم بيكي. صمتت وابتلعت كلامها. نظر إليها. والتقطت أعينها. توترت ونظرت أمامهم. ولا تفهم ما يعنيه. لكن فقط تريد إنهاء هذا الحديث. قالت "لينا": "معتز". نعم. تصدق إن فيه عالم غير ده؟ وناس غيرنا؟ وأرض غير اللي إحنا عليها؟ وبيطلع إن مش إحنا بس اللي عايشين على الكوكب ده؟ رجعتي تهزري؟ لي بتقول كده؟ ده كلامك. أنا عن نفسي اعتبره كلام جدي.
تمام. أنا بتكلم جد. لي إنت صدقته يومها؟ ومصدقتوش لي؟ تاني. قولتلك إنت بالذات لأ. دكتور علم لي تصدق خرافات؟ فيه نظرية بتقول إن الكون هو دروب من العوالم المختلفة. كل واحد ليه عالمه. زي الجن مثلا. صمتت من ما قاله وهي تردد: عوالم، دروب. نظر إليها. قال: أي سر أسألتك؟ توقفت سيارة أجرة عندهم. وقفت في اللحظة المناسبة. كانت سوف تذهب. أمسك يدها يوقفها. نظرت له. قال: مجاوبتيش؟ المرة الجاية، أوعدك. هجاوبك.
صمت. نظرت إلى يدها. تركها بحرج. دخلت وذهبت مع السائق وهي تنظر إليه عبر المرآة. تنهدت ونظرت أمامها. وصلت إلى منزلها. وفور دخولها إلى غرفتها ارتمت على السرير بتعب من ذلك اليوم المرير: إيه كل اللي بيحصلي ده؟ عقلي هيتجنن أكيد. تنهدت تنهيدة عميقة وذهبت لتغير ملابسها. لكن توقفت عندما شعرت بشيء ما. التفتت الحقيبة سريعًا وهي تخرج الكتاب.
إنه هو. إنه يهتز. إنه يطلبها. سيذهب بها لهناك ثانيًا. لكن لحظة. انتظر. ما زالت تشعر بالخوف للعودة. أين سوف تكون؟ ماذا سيحدث لها؟ إنها الآن في نظرهم هاربة. أجل، بالفعل. سمعت صوت اللحن الذي تسمعه يصيب مسامعها بنوبة من الحزن لسامعه ويشعرها بأن خلف هذا اللحن آلام كثيرة. ومواجع مدفونة بداخله. الخذلان، الخيانة، الوحدة، الفقدان.
ذلك اللحن لاول مرة تتدفق في صوته ويظهر بوضوح. إنه يعني الكثير. بدأت غشاوة تطلى على عينيها ولم تعد تشعر بجسدها. فإذا بها تتلاشى. فتحت عينيها لتجد نفسها داخل ذات القفص. اعتدلت وهي تضع يدها على رأسها: إنها هنا. سمعت ذلك الصوت. نظرت للمتحدث. وجدته حارسًا. أتى حارس آخر واندهاشوا لرؤيتها. اقتربوا منها بحنق: هيا أيتها المجرمة الهاربة. كما توقعت. لقد ظنوها قد هربت. أمسكوها من ذراعيها. قالت: ابتعد. أنا لم أهرب.
أخذوها بقوة رغمًا عنها. تألمت وسارت معهم. قالت بتساؤل: إلى أين تأخذونني؟ إلى سجن آخر. حتى لا تستطيعي الهرب مجددًا. أيها الأحمق. كيف لي بأن أهرب ثم أعود لزنزانة ثانية؟ توقفوا وهم ينظرون إليها بشدة: ساحرة. قالت باستغراب: ماذا؟ إنكِ ساحرة. مثلما كسرت العصا بدون فعل فاعل. إنتي مشعوذة. أصدمت من ما يقولونه وقالت بغضب: لا يوجد شيء كالسحر يا أغبياء. تلقيت صفعة على وجهي. أتعبتني بشدة. ها لقد عدنا للجحيم.
قال بغضب: تعطينا بلاحمقان صم الأغبياء وتغضبين. من تظنين نفسك؟ إنكِ مجرد مجرمة. لا يوجد أحمق هنا غيرك. الجميع هنا سحرة. ليس بشيء غريب لعبيد مثلك فتستخدمون هذه الأشياء. جمعت قبضتي وقلت بغضب: أنا لست عبدة. اسمعت. فتلقيت صفعة أقوى من الذي قبلها. أوقعتها أرضًا. وضعت يدها على وجهها بتألم وسالت دموع من عينيها: تحدثي جيدًا كي لا تندمين. سالت دمعة رغمًا عنها. أعادوها لتقف على قدميها وذهبوا بها. قالت "لينا": أريد رؤية الملك.
من تظنين نفسك ليراكِ ملكنا العظيم. أتظنه سيتفرغ من أعماله لكِ؟ أخبره أني أريد التحدث معه ورؤيته. لم يرد أحد عليها. قالت: فقط أخبره عني. نظر إليها. خشيت أن تضرب مجددًا. لكنه قال: الملك ليس هنا. سوف يعلم بعدوتك على كل حال. ويعاد الحكم عليك لينتهي أمرك. صمتت ولم تتحدث. فكان وجهها يؤلمها كثيرًا. كانت تسير في ممر غريب ومظلم. ثم توقفت عند قفص آخر ودفعوها بداخله. وكانت ظلامًا حالكًا. لا يوجد أي نافذة. لا يوجد أي ضوء.
أقفلوا الباب. ركضت سريعًا وضربت الباب: أخرجوني من هنا. مبعرفش أقعد في الظلمة. لم يرد أحد عليها. أردفت بصوت مرتفع وهي ترجوهم: أرجوكم أخرجوني من هنا. أعيدوني لسجن آخر. لن أفعل شيئًا. اصمتي. ضربت الباب بقوة وقالت: افتحوا هذا الباب. لا أستطيع البقاء هنا. لم تجد ردًا. ضربت مجددًا وهي خائفة وتطلب منهم فتح الباب. لكنهم لا يعيروها أي اهتمام. ظلت هكذا لمدة تعافر، تترجى، وتغضب دون جدوى.
جلست عند الباب بتعب وهي تنظر إلى الظلام الذي يحيط بها. كانت الدموع تجف في عينيها المفتوحتان. وبرغم ذلك لا ترى أي شيء. كانت في رعب من أمرها. غير قادرة على الصمود. تشعر بأن أنفاسها على وشك أن تقطع بسبب حالة الخوف لديها. أكره أن أكون هكذا. لطالما كرهت خوفي من الظلام الذي يجعلني ضعيفة وأشبه الأطفال. مثل الآن لم أتوقع أن يأتي يوم وأبقى داخل ظلام فقط. سواد. سواد يحيط بي. لينقذني أحد. يا الله أعلم أنك تستمعني لتعطيني الصبر.
بدأت دقات قلبي تخفض. وأنفاسها تأخذها بصعوبة وتحاول استعادة بعضًا منها. صدر صوت خلفها. إنه صوت الباب يفتح. وطل ضوء تلك الشعلة أخيرًا. نظر إلى الحارس. قال: هيا. إلى أين؟ لم يجاوبوا. وكأنهم لا يتحدثون فيما لا يعنيهم. ذهبت معهم في صمت ولم تتحرك أو تتفوه بكلمة. تسير معهم على خطياهم بضعف. وأنفاسها لم تعتدل بعد.
كانت كالتائهة لا تعلم أين يأخذونها. لكن وجدتهم يبتعدون عن ممر السجناء وذلك الممر المظلم لتخرج إلى الضوء. الأضواء الكثيرة وأنوار القصر الذي يعم وجماله الذي بدأ بظهور. فكان ذلك الممر شيئًا منفصلًا عن القصر للمجرمين الذين يعتبرونها مثلهم. أعرف ذلك الطريق جيدًا. لقد مررت به من قبل. توقفوا أمام الباب الذي تعرفه جيدًا. لقد كان آخر شيء خرجت منه منذ الاختفاء الأخير. إنه ذات الجناح الملكي الضخم الخاص بذاك الملك.
مولاي بالداخل. كان أحد الحراس الذين يمسكونها يخاطب الحارسين الواقفين عند ذلك الباب. أومأوا وأجابوا وفتحوا الباب. أخذوها للداخل. وكانت تريد أن تجعلهم يتركونها. قبضتهم تؤلمها أكثر مما هي عليه. هل ستهرب وهي بتلك الحالة؟ أنا في هلع وخوف من أمري. لترحمني. أنا لست معتادة على ذلك الجحيم.
رأيته واقفًا بعيدًا عند مرآة كبيرة. جميلة. بل لاحظت أنها مرصعة بالجواهر وتنير بانعكاس الضوء عليها. كان هناك حاشية ينظمون ملابسه ويساعدونه على ارتداء هندامه الملكي. نظر إليها عبر انعكاس المرآة: مولاي. قالها الحارس وهم ينحنون إليه بجلال. أشار إلى الحاشية ليبتعدوا عنه. التفت وثقبها بعينيه. تلك الأعين الرمادية. مالي أتعلق بها. كانوا ينحنون إليه بينما هي لا. إنها غير قادرة على الانحناء. تريد الجلوس فقط. هل يسمح لها؟
لقد أحضرناها كما أمرتنا. قالها الحارس وهو يخفض رأسه. سار تجاهها ليقف أمامها مباشرة. لاحظت أعينه عليها وعلى ملابسه. نظر إلى يدي الحارسان فتركوهها فورًا وهم يبتعدون للخلف. ارتخت قدماها. أدت أن تقع لتلف أعصابها. لكن وجدت يد تمسك بها برفق. رفعت وجهها لترى وجهه عن قرب. عن قرب بشدة. تدفقت في عيناه. شعرت بأنها تنوم تنويمًا مغناطيسيًا بمجرد النظر إليهم: إنني بخير. قال ذلك بصوته الرجولي. أبعدت عينيها لتعود لرشدها. اعتدلت
وأسندت نفسها بضعف وقالت: آسفة. لا أقصد. أريد الجلوس إذا سمحت. أشار بإصبعه على مكان وضعية جلوس كما في القدم على الأرضية. ويوجد مراتب مرصصة بطريقتهم الخاصة. ذهبت وهي تسير ببطء. فور اقترابها وقعت. لكن أسندت على راحة كفيها. كانت الجلسة مريحة للغاية. اعتدلت لترى ممن يقف أمامها. رفعت عينيها إليه وهو يقف أمامها: لماذا عدتي؟ ليس بيدي. هل علمتِ بالأمر الذي أصدرته فجئتِ خوفًا؟
لم أسمع بأي نبأ وعن أي إصدار بشأني. ولم أخف لأنني لم أهرب. ماذا تسمين ما حدث؟ أخبرتك أني أعود لدياري فقط. وهو عالمي الذي حدثتك عنه. وأظنك علمت باختفائي داخل السجن المقفل وظهوري كان بها أيضًا. نظر إليها قليلًا. ونظرته لا تعلم هل هو يصدقها أم لا. فهو لا يبدي أي اندهاش أو ذهول أو نعته بالمجنونة حتى لحديثها عن عالمها. أنه لا يمتلك مشاعر تظهر على وجهه. هادئ الوجه والتعبيرات دائمًا. لماذا تنظرين لي هكذا؟
أنا لا أكذب. لو كنت هاربة بالفعل لما عدت وجعلتكم ترونني. لكني لست كذلك. انحنى إليها وهو يصبح أمامها مباشرة. قال: تعلمين عقوبة الكذب هنا ماذا؟ نظرت له ونفت برأسها. لكن لحظة. هل يظنها تكذب؟ قالت: لكنني لست كاذبة. سأحاول تصديقك. ما هو عالمك الآخر؟
كانت سوف تتحدث. لكن صمتت من وجود الحارسين والحاشية. لا تعلم هل تتحدث أمامهم أم لا. لماذا تثق بذاك الملك ولا يوجد داعي للخوف من إخباره. لكن هو فقط. لا أحد غيره. تشعر بانجذاب وطاقة عجيبة برؤيته. قال دون أن يلتفت إليهم: للخارج. أومأوا له فورًا وغادروا وكأنهم كانوا ينتظرون أمرًا منه. أصبحت معه بمفردها داخل ذلك الجناح الكبير.
لن يعلم أحد غيرك. لتعديني بذلك. لا أعلم إن كان علي بأخبارك أم لا. لذلك عديني بأنك بأنك لن تخبري بأي أحد. نظر إليها ليقول بصيغة الأمر: تحدثي. لم يعدها بل يأمرها وكأنه لن يفعل ما تقوله. هل ارتكبت خطأ في إخباره بحقيقتها؟ ولم تسأل العجوز بعد أن كان بإمكاني إخبار أحد أم لا. وليس أي أحد. إنه الملك. قالت "لينا": هل ستخبر أحد؟ قاطعني بحدة. قال: هيا. لن أتحدث. لتعدني أولًا. لن يحدث شيء بذلك الوعد. عدني وسأخبرك ما أعلمه.
تأكدت أنك لستِ من هنا. وكيف علمت؟ عنادك معي. إن كنتِ تعرفينني لما بقيتِ واقفة هكذا أمامي. لتتحدثي. شعرت بنبرته التي تملأها التحذير. لكن عينه كانت تطمئنها. تنهدت. قالت: عالمي ليس على تلك الأرض أو في هذا العصر والزمان. إنه عالم بعيد كثيرًا. وكيف جئتي؟ كتاب. كتاب؟ أجل. لا أعلم حوله الكثير غير أنه كتاب غريب وجدته في مكتبة في إحدى الليالي وأدخلني لهنا. أردفت ساخرة: فور وصولي وجدت من يأخذني بالقوة ويعرضني للبيع.
مد يده تجاهها. شعرت بالخوف من أن يصفعها. لكنه أمسك وجهها برفق وأداره قليلًا. تألمت. قالت: ماذا؟ جروحك طابت. كيف عاد هذا؟ إنه منذ بضع ساعات. جنودك لا يرحمون أحد. هل قسوا عليكِ؟ دق قلبها بل تسارعت دقاته من سؤاله. نظر إليها. قال: أعدك أن يعاقبوا على فعلتهم. تركها وهي لا تزال تنظر إليه. قالت: سوف تعاقبهم على عملهم. لعلى كنت حادة بعض الشيء.
للنساء معاملة خاصة. وإن كانوا مجرمين. العقاب على تحركهم دون أمر مني. هنا لا يوجد حر. تقيدهم بأوامرك. لا أحد يتحرك دون إذن منك. هنا يوجد نظام. إن حدث خلل واتبع كل نفس حريته، أصبحت تلك الأرض بركة دماء. نظرت له باستغراب. قالت: هكذا تسير حكمك؟ لا يزال أمامك الكثير يا "لينا". شعرت بصدمة كبيرة وهي تنظر إليه: ماذا قلت؟ سماع اسمك يستحق كل تلك الصدمة. عرف.. عرفته إزاي؟ رفع عينيه إليها وتقابلت عيناها التي ارتجفت خوفًا: إ..إنت.
كانت مصدومة وهي تحدق فيه. مهلاً، ما هذا الذي حدث... لقد تغير لون عينيه. سراب غوانتام. بارت تاني أهو💗💗. تفاعلوا عشان متقفش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!