أنت تطولين؟ أقف معكِ. قالت لينا: مش عاوزة أطول، اتفضل ابعد عن وشي بدل ما أناديلك الأمن يتصرفوا معاك. حسيت فجأة بحركة في الشنطة وتقلت فجأة. فتحتها واتصدمت لما لقيت الكتاب. قال يوسف: ومتضايقة لي؟ مش عاجبك؟ بعدت عنه وقلبها بيدق بخوف. "إنها سوف تسلب.. سوف تغادر الآن." وجدت من يمسك يدي. لم أتماسك أكثر من ذلك حتى قمت بصفعه. نظرت هدى لي بصدمة والجميع ورائي. فاقه: فاكر نفسك مين عشان تمسك إيدي؟
رفع وجهه ونظر لي بعينين ممتلئتين بالغضب. لم أهتم، فهذا ما يستحقه. التفت وخرجت. قابلت دكتور نادر، نظر لي وللخلف، أظنه رأى ما حدث. شعرت باهتزاز في الحقيبة، فتسرب القلق. فهو الكتاب يهتز. ركضت بسرعة: لينا! كان ذلك صوت صديقتي هدى. لم ألتفت ودخلت الجامعة بسرعة. نظرت إلى ممر أو غرفة فارغة. وما إن وجدت، أسرعت بالداخل. لينا، في إيه؟
نظرت وجدتها هي والدكتور نادر ينظرون لي باستغراب. دخلت وأقفلت الباب. وقفت خلفه، بلعت ريقي وكنت خائفة. خلعت الحقيبة وفتحتها. نظرت للكتاب وأخذته بسرعة. نظرت له بشدة ووجدته توقف عن الاهتزاز. نظرت إلى القفل الذي عليه. قربت يدي ولمسته ثم فتحت. أخذت نفساً ومن بعدها فتحت الكتاب. لكن قبل أن أحرك الغلاف حتى شعرت بنوبة كهرباء لاصقت أصابعي. فرميت الكتاب على الفور ووقع على الأرض. نظرت إلى يدي وأصابعي التي تلفت أعصابها وترتعش وكأنها تعرضت لصاعقة. ثم سمعت صوت ذلك اللحن. نزلت حوالي. وضعت يدي على أذاني أمنع أن أسمع شيئاً، لكن ما زال وكأنه داخلي. نظرت للكتاب ثم وجدته يهتز. شعرت بالخوف وعدت للوراء وأنا أمسك يدي الذي صعقت من قبل قليلاً.
محاولة فتحه. شعرت بألم في رأسي وضوء قوي على عيني. فتحت عيناي ببطء واعتدلت في جلستي. وجدتني على تلك الأرض من جديد. نظرت ثم اتسعت عيناي عندما وجدتني بقرب ذلك النهر من جديد. زحفت على يداي للخلف. فتذكرت ما رأيت من صورة انعكاسي. كان مشهد مخيف. صورتي تبتسم لي وتنتقل لصورة امرأة أخرى.
تقدمت ببطء إلى ذلك النهر بتردد حتى أصبحت بقرب منه. نظرت فيه بخوف. وجدت صورتي. وضعت يدي على جبهتي وأبعدت شعراتي. وها أنا أرى ذلك الرمز المرسوم على جبهتي. لم تبتسم صورتي، كانت تفعل ما أفعله. رفعت يداي ففعلت مثلي. كان الشيء العجيب الذي يثير جنوني. تلك الجبهة المختلفة فقط بذلك الوشم. واو، لا أعلم ما يكون. قربت يدي من ماء ذلك النهر. أنتي.. ماذا تفعلين؟ التفت للصوت ووجدتها امرأة تحمل سلة على رأسها ومعها ولد صغير.
ابتعدي حتى لا يأخذك لحتفك يا فتاة. ماذا قلتي؟ ابتعدي عن النهر الأسود أيتها الغريبة. الأسود! نظرت للنهر بشدة وما تقوله تلك المرأة. هل لقبته بالأسود؟ أي سواد هذا؟ وقفت وابتعدت عنه كما قالت. لا أعلم لماذا كانت تقف بعيد وتخاطبني. اقتربت منها. ماذا قلتي؟ لا تقتربي من ذلك النهر. لماذا؟ ابتسمت وقالت بسخرية: إلى ترى سواد الجحيمي الذي به. عن أي سواد تتحدثين؟
سواد لونه وثمومه. من يقترب يبتلعه. أحذرك من الاقتراب منه. لا أعلم كيف كنت جالسة هكذا قريبة منه دون أدنى خوف. احذري يا غريبة. التفت هي وولدها وذهبت. نظرت لها بتعجب ومن ما قالته. إنها تدعوني بالغريبة. الجميع يدعونني بذلك بينما هم الغرباء. قالت أسود. أنا لم أرَ مثل صفاء لونه من قبل. بل يبدو جميل لا يوحي بأي خطر أو خوف. سبحان الخالق البديع. كيف يكون لديهم نهر مثله ويخافون منه ويلقبوه بالأسود؟
إنهم يستطيعون الشرب منه بدلاً من انتظار مياه الأمطار كل ثلاثين سنة. نظرت للنهر بتعجب وعدم فهم ثم التفت وذهبت. كان الجو هنا حار للغاية وكنت ألبس جاكيت. كوخ غير ملابسي الذي ألبسها من تحت. وأشعة الشمس تسقط من على. وأشعر بحرارتها الشديدة وأتصّب عرقًا. جلست عند شجرة الغاف واحتمي بظلها. كنت لا أفكر لما أتيت لهنا. ما سبب مجيئي؟ هل هناك سبب من البداية؟
وجدت غصن صغير من شجرة على الأرض. أمسكته ورسمت به على الأرض. قمت برسم ذلك الشكل أو الرمز الذي على الكتاب، على النقود، على جبهتي. نظرت له بشدة وأنا أتساءل، لماذا يتعلق رمز كهذا بي؟ إن كان المتاب والعنلات والمكتبة فلا بأس بهذا. لكن أنا...
ومن ثم وجدت الرمال تطيح وتتناثر. ابتعدت وسعلت بقوة وحركت يدي يميناً ويساراً على وجهي. أبْعِد تلك العفارة الذي لا أعلم سببها. نظرت وجدت الرسم مسحت الرمال. نظرت حولي فلم أجد أو أشعر بأي هواء أو ريح لفعل ذلك. أرجعت بظهري إلى الشجرة. متى جئتي؟ التفت للصوت وصدمت عندما وجدته العجوز. نظرت له بدهشة. كان يجلس بجانبي. نظرت حولي وكيف ومتى جاء. أنا أكون معك دائماً. صدمت. نظرت له بشدة. قلت: من أنت؟ شخص عفا عليه الزمن.
هل أنت من غوانتام؟ لا، بل من بلدنا. أنستيها. بلدنا؟ تقصد عالمنا؟ غوانتام بلد حقيقة وعالم حقيقي مثلنا. لكن الأسرار حولها كثير. فلا تسألي حول هذا. عن ماذا أسأل إذا؟ إن هذا ما كنت مجرى سؤالي. ولماذا تتحدث بتلك اللهجة؟ لأننا هنا ويجب أن نكون مثلهم. ذاك العجوز عجيب غريب الأطوار. قلت: ماذا قلت لي المرة الفائتة؟ قلت شيئاً عن الكتاب. أنت تعلم، أليس كذلك؟ كيف أتى هنا وكيف أعود؟ كيف تأتي؟ إنه فعل ليس له تفسير. ماذا؟
ليس كل شيء نجد له جواب. وبالتالي هناك أسئلة كثيرة لن تحصلي على إجاباتك الآن. كما أخبرتك.. ولا أريد أن أكثر بمعلومات. فيبدو الأمر مخيف لك. إن جاوبتك صدقيني. ما الفائدة إن لم أكن أحصل على إجاباتي؟ ماذا أفعل؟ هل أتنزه؟ إنك هنا لتدوين أحداثاً. أدون ماذا؟ لا تسألي كثيراً يا لينا. تنهدت بضيق. قلت: حسناً. هل تعلم كيف أعود؟
هذا الكتاب يدخلني ويخرجني كيف يشاء. أريد طريقة لعودتي حين أريد. كنت سأقتل المرة الفائتة لو أن ذلك الملك لم يظهر في طريقي. أخبرتك. يلزم حدث لعودتك. ماذا تعني بالحدث؟ عندما يحدث شيء مثيراً غامضاً يدهش من جئتي لأجله، ترسلي لعالمك ومن ثم تعودي عندما يطلبك الكتاب. ولماذا يطلبني الكتاب؟ لأنك جزء منه وصديقته. يستخدمك كقلم له. كيف جزء منه؟ ستعلمي فيما بعد. حسناً. صمت قليلاً
ثم قلت بإستدراك ودهشة: هل تقصد أني عدت لعالمي عندما قابلت ذاك الملك؟ هذا هو الحدث لسبب عودتي؟ أجل. ما هذا الذي أعيشه؟ هل أنا داخل قصة ما؟ أجل. أصبحتي تدركين ذاتك. نظرت له بشدة. نظر لي. أردف قائلاً: هيا لتبدلي ملابسك حتى لا تصبحي غريبة عنهم. الجميع هنا ينادونني بالغريبة. لا تظهري غرابتك. كوني مثلهم. وكما أخبرتك ما تعرفينه أو ترينه ويثير دهشتك وجنونك لا تظهري ذلك. إياك يا لينا.
نظرت للعجوز بشدة ومن نبرة التحذير الذي يخاطبني بها. وكيف لا أظهر دهشتي؟ البلد هنا جميعها تثير الدهشة والجنون. وقفت وذهبت معه. وأعطاني ملابس كبقية تلك النساء لأصبح مثلهم. بينما أنا ربطت شعري بطوق. كان يضايقني كثيراً وأشعر بالحرارة بسببه. كان يبدو مضحكاً وسخيفاً. لكن لا بأس ما دمت مرتاحة. أعطاني مالاً. نظرت له. إن احتجتي. متى سأبقى؟ لا أعلم. حسب تقرير الكتاب. كتاب سخيف. ليتني لم أذهب للمكتبة قط. نادمة كثيراً.
على الرحيل؟ ماذا؟ هل سوف تذهب؟ ما زال لدي أسئلة. أنا ليس لدي أحد هنا. وقتي هنا ضعيف كثيراً.. لست مثلك. تذكري ما قلت. لا تظهري غرابتك لأحد ولا تدهشي من رؤية شيء عجيب وإن كان داخلك. داخلي. التفت وذهب. نظرت له وإذا به يتلاشى من أمامي كطيف. هل أكون هكذا وأنا أعود؟ ماذا أفعل الآن؟ لا أعلم متى سيأتي الحدث الذي سيجعلني أعود. مرة كان الطفل ومرة كان الملك. المرة الثالثة سيكون من؟
نظرت وجدت حراس من الذي رأيتهم عند الشرفة الكبيرة من القصر. أظنهم جنود ذلك الملك ما يدعى فرناس. لماذا يسيرون هكذا؟ أظن لم أراهم في الشوارع من قبل. ولم أكن أرى الحراس. لم كنت علمت أنهم للملك. التفت وذهبت.
في المساء كنت جالسة عند الشجرة تلك لا أفعل شيئاً غير محادثة نفسي. تذكرت غابينة فجأة. فأنا لم أراها منذ ذلك اليوم. أظنها الآن انتهت من ذلك العمل وجالسة تأكل. تنهدت. وقفت وذهبت. سيرت إلى طريق الذي سرت فيه حتى وصلت إلى المطعم. فاتجهت إلى المكان الذي نجلس فيه عادة خلف أحد البيوت. لم أخطئ في السير. قلتها وأنا أنظر لغابيه. لينا. كانت غابيه تأكل. جلست بجانبها. أخبارك يا فتاة؟ أنتي حية؟ أتريديني ميتة؟
لا، لكنهم توعدوا لك بالموت. نجاني الله منهم. الله! نظرت لها وإلى ذهولها من ذكر الله. أجل. تنظر نظرة غريبة لم أرها منها من قبل. ما الأمر؟ أ.. أنتي.. أقصد.. ماذا... أجل صحيح. أريد سؤالك شئ. نظرت لها وإلى صمتها الغريب وما زالت تنظر لي. غابينة، ما هذا النهر؟ أي نهر؟ لا أعلم. رأيت امرأة تلقبه بالنهر الأسود. هل ذهبتي له؟ أجل. ورايته. إنه خطير. لا تذهبي هناك. ألم تخافي من مظهره؟ مظهره!!
أجل. سواده المرعب. من يقترب منه إن لمسه يبتلعه.. إنه نهر حي. ما الذي تتهذين به؟ لقد رأيته.... صمت فجأة ولم أكمل كلامي عندما تذكرت ذلك العجوز عندما أخبرني ألا أبدو غريبة ولا أندهش بأي شيء أراه أو أسمعه. بل أظهر عكس ذلك. لكن كيف يرون نهر أسود؟ هل يلقبوه هكذا أم يرونه بالفعل لونه أسود؟ أظنه مجرد تلقيب. على كل إنها بلدتهم وأرضهم هم.. ما لي بها. لماذا صمتي؟ ها... لا شيء. كيف تختفين وتظهرين هكذا فجأة؟
نظرت لها ولا أعلم أرد عليها كيف. قلت: أبقى في مكان آخر. في غوانتام؟ أجل. ظننتك عدتي لعالمك. قلت بتغيير الموضوع: رأيت الملك. تقصدين الملك فرناس. أحل هذا هو؟ حقاً.. أين رأيتيه؟ في يوم الاحتفال. ابتسمت. قالت: حضرتي يوم الغيام إذا؟ أجل. هل أعجبك؟ نظرت لها وإلى ما يعجبني. تلك الرأس الذي أطيحت ووقوف ذلك الملك بكل جمود وينظر للرجل قبل أن يذبح. لماذا شعرت بأنه ملك قاسٍ؟ لكنه أنقذني على كل حال. سأتركك لتنامي لعملك.
سنتقابل ثانياً. سوف آتي في الليل. فأنا أعرف مكانك. حسناً. في صباح اليوم التالي فتحت عيني وكنت نائمة عند الشجرة. اعتدلت في جلستي وسمعت صوت معدتي. كنت أشعر بالجوع فقررت الذهاب لأكل. هل يوجد هنا عمل للنساء بدون أن يهانون ويضربوا ويعاملون كالعبيد؟ فإن طالت مدة بقائي على أن أجد عملاً. كنت أسير. سمعت صوت خلفي. نظرت وجدتهم هؤلاء الحراس مرة أخرى. هل هم منتشرون؟ التفت وأكملت سيري. ها هيكان صوت أحد الجنود وكاو مرتفع.
التفت ونظرت وجدتهم ينظرون لي ويتجهون إلي. نظرت بجانبي وحولي وهل هم يتطلعون بي أنا؟ عدت للخلف بخوف. أنتي. قام أحد الحراس بمخاطبتي. تأكدت أنه أنا. التفت وركضت بدون أن أعلم حتى ما يريدون. لكنهم لا يبشرون خيراً. نظرت خلفي وجدتهم يركضون تجاهي وكان يركضون بسرعة عالية. توقفي. نظرت أمامي ولم أهتم. كنت أشعر بالخوف الشديد والقلق. ولماذا يريدونني؟ أمسكني أحدهم بقوة ثم أمسكني الآخر وكأنني مجرمة. اتركوني. اصمتي. ماذا تريدون؟
لم أفعل شيئاً. لماذا كنتي هربتي طيلة تلك المدة وفور رؤيتنا تركضين؟ هربت. لكنني لم أهرب. وأهرب من ماذا؟ لم يردوا علي وأخذوني بقوة وكأنني مرتكبة جريمة ما. وهل قال مدة من يقصد؟ أجل. الستة أيام الذي كنت فيها في عالمي. كم تكون بنسبتهم؟ لحظة. كانوا يبحثون عني منذ رحيلي. لكن لماذا؟ هل الأمر متعلق بذلك الملك فرناس؟
سرت بهم وهم يجرونني بقوة ويمسكون بذراعي. وتفاجأت عندما وجدتني أمام ذلك السور الكبير الضخم الذي لم أشهد براعة تصميمه. نظرت للجدار. أنا قريبة منه. كان عليه زخرفة ونقوش جميلة. ثم فتح ذاك الباب الكبير. وما إن فتح رأيت نوراً ينبع من الداخل. أخذني الجنود بقوة ودخلت. نظرت وأصابتني صدمة من الذهول من ذلك القصر. أهو من عجائب الدنيا السبع؟
إنه ضخم وكبير للغاية. ليس كما رأيته من بعيد. كان جميل من الخارج وتصميمه كالقصور الذي في الروايات الخيالية. بل أجمل. أخذوني وقاطعوا تأملي في القصر. فمظهره جميل. إن بقيت هنا لغداً أتمتع به. لن أمل. أحب رؤية تلك الأشياء. هل ما يحدث معي حقيقة؟
توجهنا إلى باب القصر. نظرت له. كان مزين بطريقة جميلة. ثم فتح حارسان الباب. أخذني الجنود ودخلت. سرت في ممر وكلما أسير أجد حارسان واقفان عند الحائط مقابلان لبعضهما ويخفضون برؤوسهم. نظرت إلى الجدران وكان السقف مرتفع للغاية. انتهى الممر فبدأ ظهور جمال قصر. كان تصميم جميل بداخل كالقصور الذي نحلم بها لرؤيتها. هل أنا بداخل أحد تلك القصور؟ بل تفوق على خيالاتي.
نظرت بجانبي وجدت نساء في غرفة كبيرة يجلسن ويرتدين ملابس جميلة. لم أراها في الخارج بين الناس. لكنها كانت تظهرهم ومتزينون ويقهقهن بأناقة ورقة. نظروا لي. كان الحرسان لم يرفعوا أنظارهن لهم. هل هم جواري؟ أكملنا سيرنا ودخلنا إلى ممر مقطع الضوء به. لا ينيره غير الشعل الذي فيه. كان ممر غريب. ماذا أفعل هنا؟ أين تأخذونني؟ ستأخذي عقابك. عقاب ماذا؟ هل تظنين أن القتل يمر بسهل؟ ماذا قتل؟ هيا.
نظرت وجدت زنزانة. قام بفتحها ثم أدخلني بقوة وخرج. أقفل الباب. ذهبت إلى الباب. قلت: افتحوا ذلك الباب. أنا لست مجرمة. لم يعيرني أحد اهتمام. نظرت إلى الزنزانة كانت مظلمة. لا يوجد غير نافذة في الأعلى وتدخل ضوء الشمس. ضربت على الباب بضيق وذهبت. جلست على الأرض. هل قال قتل؟ أي قتل؟ أنا... وعدت بذاكرتي لرجلان في يوم الغيام في الليل واقترب مني أحدهم وضربته بالحجر. هل مات حقاً؟
لكنني لم أكن أقصد قتله. كنت أدافع عن نفسي. وهل أتركهم يقتربون مني؟ أهذا هو العدل هنا؟ أكره تلك الأرض. أكره ذلك العالم وذلك الكتاب الذي ألقى بي لهنا.
مر وقت وأنا جالسة وكانت النهار يغادر وأنا قلقة. سمعت صوت. نظرت وجدت الباب يفتح ويدخل رجل. وكان في يده طبق وضعه على الأرض. وجدته طعام. التفت الرجل وذهب وبدون أن ينطق أي كلمة. نظرت إلى الطعام ولم أقترب منه. فأنا ليس لي حاجة لطعام وأنا داخل زنزانة كالمجرمين. بدأ النهار يختفي ويحل الليل والظلام يسود. نظرت حولي بخوف. فأنا أخاف الظلام. وقفت وذهبت إلى الباب وضربت بيداي الصغيرين. افتحوا لي. أنا أخاف من الظلام. أرجوكم.
لم يرد أحد علي. ضربت الباب بقوة. غضب بخوف. افتحوا هذا الباب. أحضروا لي أي شيء على الأقل لتنير تلك العتمة. اصمتي حتى لا تتعرضي لتعذيب والضرب المبرح. كان صوت من الخارج وصاح بي غاضبة. لكن أي تعذيب؟ أنا أعذب بالفعل. تضعونني في مخاوفي ومرتعبة وتهددونني بالتعذيب. ضربت الباب بقوة. قلت: افتحوا أيها الأوغاد. أنا لا أستطيع البقاء في ذلك الظلام.
وما أن فتح الباب دخل رجل. نظرت وجدت في يده عصا وعيناه لا تبشر خيراً. نظرت له بخوف. فذكرتني العصا بالضربة الذي تلقيتها في العمل لتعبى وإرهاقي. صوت ينبع منك ثانياً وسأجعلك تندمين. بلعت ريقي بخوف. فالتفت وذهب ثم أقفل الباب. نظرت للباب وهو يقفل ثم نظرت لظلام الغرفة. ذهبت ووقفت عند ضوء الخافت الصغير النابع من النافذة. جلست وضممت ركبتي إلى صدري وأنا خائفة وأتعرق من خوفي وأنظر للظلام من حولي. ثم نظرت للنافذة. يارب.
سالت دموع من عيني وأنا أنادي ربي وأرجوه بأن يخرجني من هنا ومن تلك الأرض ومن ذلك العالم. يخرجني دون رجعة. خفضت رأسي ودفنتها بداخلي. استيقظت على صوت من عند الباب. نظرت كان الصباح. ارتحت أن سلبني النوم في ذلك الظلام. دخل رجل ويحمل نفس طبق الطعام. نظر للطبق الآخر الذي لم يأكل منه شيء. لم يتحدث. وضع الطبق الآخر وذهب. متى سأخرج من هنا؟ توقف الرجل. نظر لي. أشك بأمر خروجك. نظرت له ومن نبرته. قلت بتساؤل وقلق: م..ماذا سيحل بي؟
قال: سيحكم القاضي. وأعلم عقاب القتل. وما هو؟ القتل بالقتل. أي أنك ستعدمين عند الساحة. قلت بصدمة: ماذا؟ أنا لم أقتل أحد. كنت أدافع عن نفسي. التفت الرجل وذهب وتركني في حالة من الصدمة والذعر. هل قال الساحة؟ تذكرت الرجل عندما تقدم والرجل الضخم وفي يده سيف وقام بقطع رقبته وفصل رأسه عن جسده. صرخت بخوف. وضعت يدي على رقبتي. واحمرت عيناي وتجمعت دموع داخلها. ما هذه الذي فعلته بي؟ ما هذا بحق السماء؟
هل سأعدم وأموت كالمجرمين على عالم غريب وبلد عجيبة كتلك؟ هل سأنتهي هنا؟ عائلتي، أخي، أمي، أبي.... لا. لن أعدم. يجب أن تتضح الأمور. يجب أن يعلموا أني لم أكن أقصد القتل. وقفت وذهبت بسرعة إلى الباب وضربت بيداي بقوة. افتحي لي. لم يأتي رد. صرخت بقوة وغضب. افتحي لي أيها الوغد. افتح هذا الباب. ماذا تريدين؟ أريد التحدث مع الملك. هل تظنين أن أي شخص يستطيع التحدث معه؟ وإن كانت مجرمة. ضربت الباب بغضب. قلت: أنا لست مجرمة. أسمعت؟
افتحوا لي. يجب أن يعلم أني لم أقتله عمداً. يجب أن أبرئ نفسي. وجب عليكم الاستماع لي. لا تصدري صوتاً وعودي لمكانك. مكاني ليس هنا. افتح ذلك الباب. افتحوا لي أيها الأوغاد. سيقتلونني. وجدت الباب يفتح. عدت للخلف. ففتح الباب ودخل رجل البارحة. الم آخذرك البارحة؟ ابتعد من وجهي. أريد مقابلة الملك أو أي أحد ليسمعني ويخرجني من هنا.
ذهبت لكنه دفعني بقوة فأصدمت بالحائط. شعرت بألم في رأسي. وضعت يدي أتحسسها. وجدت مدماء وجرحت. نظرت وجدت ظل للرجل وهو يرفع بيده العصا ويوجهها لي. التفت بسرعة ونظرت له وللعصا وأغمضت عيني بخوف. فتحت طرف عيني بعدما لم أشعر بأي شيء. نظرت وجدت الرجل ينظر إلى يده وكان بها العصا ومكسورة إلى نصفين. تعجبت. فهي عصا غليظة. هل هو من قام بكسرها؟
نظر لي بضيق ثم خرج وأقفل الباب. نظرت له. وضعت يدي على جسدي وأتحسسني إن كنت تعرضت لأي ضربة ولم أنتبه لها. لكن كيف لم أنتبه لها؟ هل هي ريشة مثلاً؟ إنها عصا. كيف كسرت؟
بدأ الليل بالحلول والظلام يسود. وأنا خائفة بشدة. فقد مر البارحة على خير. كنت أشعر بالإعياء والدوار. كنت أقف عند الباب وأضرب عليه منذ الصباح وأناديهم وأطلب منهم فتح الباب. لكن لم يعيروني اهتمام. كان صوتي قد ضعف ويداى باتت تؤلمني من ضرباتي القوية على الباب وبدون جدوى. وهل أبقى هكذا بدون فعل شيء؟ مستحيل أن أموت. ليته مان موت. إنه إعدام. لماذا لم أنتقل بعد؟ هل يوجد حدث أكبر من ذلك؟
سأعدم وذلك الكتاب اللعين لم يعدني بعد. أين ينتظر موتي؟ يارب أغثني وأنجيني مما أنا عليه. في صباح فتح الباب. فتحت عيني بتعب. وجدتهم حراس. هيا. سوف نذهب. نظرت لهم بخوف وقلق. وضعت يدي على رقبتي. قلت: لا. ينظروا لي ويردوا علي. ثم اقتربوا مني وأمسكوني من ذراعي. صرخت وثبت قدامي على الأرض. لكنهم أقوياء. فأخذوني رغماً عني. خرجت من تلك الزنزانة الذي طلبت الخروج منها بشدة. لكن الآن أريد البقاء داخلها. أريد العودة.
إلى أين تأخذونني؟ ابتعدوا عني. لم يعيروني اهتمام. كنت ضعيفة من بين أيديهم القوية تلك وجسدي متعب وأشعر بالدوار. مررنا إلى ناحية تلك النساء كما جئت. وجدتهم يتطلعون بي. نظرت للحراسان ثم نظرت أمامي بخوف. وكان قلبي سيتوقف. هل أنا متجهة للموت بقدمي؟ أتجه للإعدام. بعد قليل ستطير رأسي في الهواء.
خرجت من القصر ومتوجه للساحة وأنا في حالة من الصدمة. نظرت وجدت حشد من الناس وكثيرون للغاية كما في يوم الغيام. دخلت. أمسكني حارس من يداي وقام بتقييدهم. ابتعد. اتركني. لن أموت. يا الله اعلم أنك تسمع ندائي. أنقذني من هؤلاء.
دفعني الرجل بقوة وأصعدني إلى الساحة تلك. قدمني وجعلني أجلس على ركبتي رغماً عني. أعطى الناس ظهري ووجهي لذلك القصر. وإذا بي أسمع صوت بوق. فصمت الجميع. ثم فتحت الشرفة. تقدم حارسان وقفا عند باب الشرفة. ثم خرج الملك. ذلك اللعين. نظرت له وعيناي محمرتان وممتلئتان بدموع. وأنظر له وهو الآخر ينظر بقوة وجمود وغرور. وجدت من يضع يده على رأسي وينزل برأسي. صرخت. قلت ببكاء: ابتعد. لتعتقوني. أرجوكم. ليستمع لي أحد.
يا رب أنت من تعلم بحقيقتي. أنقذني من هؤلاء الوحوش. أخرجني من هنا. أريد أمي. أريد أن أراها. لم أودعها. أريد أبي وكريظ. أريدهم. أريد لقائهم الأخير. لم أودعهم. هل أموت وهم لا يعلمون؟ هل أعدم في عالم وهم في عالم ولا يدرون ما حل بي. وإن كانت جسدي سليم أم مقلوع منه رأسه.
وضع الرجل رأسي. أغمضت عيني وسالت من عيني دموع. وقلبي الذي بت لا أشعر به. وأظنه توقف. توقف من خوفه وزعره. لم أعد أحتمل. تممت بالشهادة داخلي. وإذا بي أجد ساقان لرجل عملاق. وسيف في يده. سيف حاد. نظرت له بصدمة. فإذا به يرفع السيف ويحدد مساره لرقبتي. أقفلت عيني بشدة واعتصرهم خوفاً. إنها نهايتي. صرخت وفتحت عيناي بفزع. عدت للخلف ووضعت يدي على عنقي. لاااا.
قلتها بصراخ مرتعب وزعر. أخذ أنفاسي. نظرت حولي وأنا في حالة من الرعب. وإذا بي أجد نفسي داخل تلك الزنزانة. وضعت يدي على صدري الذي كان يعلو ويهبط. حمد الله. حمد الله. كان كابوس. يارب أخرجني من هنا. أسندت ظهري على الحائط وأرجعت رأسي للخلف وأخذ أنفاسي وأعدل من نبضة وسرعته. ودموعي الصامتة التي تسيل من الخوف. فقد خرجت معي من الكابوس. سمعت صوت. فتحت عيناي. نظرت وجدت حارسان يدخلون. نظرت لهم بصدمة. هيا لنذهب.
انتاب قلبي القلق. إنها نفس الجملة. ومن بعدها ذهبت لساحة الإعدام تلك. عدت للخلف وصرخت. قلت: دعوني. لن أسبب إزعاج. اتركوني أبقى هنا لوقت أطول. نظروا لبعضهم بصمت. ثم اقتربوا مني وأمسكوني من ذراعي. فصرخت. دعوني. تذهبون بي للموت. اتركوني أذهب. أرجوكم.
لم يعيرني أياً منهم اهتمام. وأخذوني. كانت دقات قلبي لم تعود لحالتها الطبيعية بعد. كانت حرارتي وارتجافي ورعشة جسدي ما زالو موجودين. وحبيبات عرقي لم تجف بعد. كنت في صدمة وزعر ورعب من الكابوس. وها هو الآن يتحقق. حاولت تثبيت قدماي على الأرض. لكنهم كانوا أقوياء وأنا لست بشيء أمام هؤلاء الجنود القساة. إلى أين تأخذونني؟ ابتعدوا عني. أخبروني إلى أين سوف أذهب؟ ألا يحق لي السؤال؟ أخبروني إن كنت سأعدم أم لا.
كنت أصرخ بهم. إلى أنهم صامتين. هذا ليس مكاني. تلك ليست أرضي ولا هذا عالمي ولا هؤلاء ناسي. سأموت هنا دون أحد يتذكرني وسيدسونني بالوحل كقاتلة. إن كانوا سيدفنونني من الأساس. أين ذلك العجوز اللعين؟ أين هو ليخرجني من هذا المأزق الذي أنا به في سببه. قال إنه معي. فهل يتركني للموت؟ سرت في نفس ما سرت به في الحلم. ومررنا بجانب الجواري. فوجدتهم يتطلعون بي كما في الحلم. ما هذا؟ يارب أنقذني. أرجوك.
لم أكن أقاوم. أخطو ببكاء وأستسلم لهم. كان قلبي سيتوقف عما قريب. وجسدي ثقيل على قدماي. لا أستطيع حملهن. لكن وجدتهم يتجهون للطريق آخر لا أعرفه. ليس للباب القصر. هذا ما اختلف به عن كابوسي. هل سيحاكموني أم سيعدمونى في غرفة وليس في ساحة الدماء تلك؟
توقف الحارسان أمام باب يقف عليه حارسان يخفضان رؤوسهم. ثم فتحوا الباب بصمت. فأخذني الحارسان ودخلوا. نظرت. كانت غرفة كبيرة للغاية. وجدت شخص واقف بعيد. وإذا به يلتفت. فأجده ذلك الملك. ها أنا الآن أقف أمام ذلك الشخص. عينه الرمادية غريبة جداً. كأنها تميل إلى اللون الشفاف. وجهه.. ملامحه كم كانت بارزة. وكأن لوحة مرسومة. يذهل كل ما يراه. انحنى له الحارسان. بينما أنا واقفة مصدومة وأتطلع فيه وكأنني أتأمله.
بس شفت مشهده في حلمي وأنا أعدم وهو واقف ينظر لي مثل الرجل الآخر الذي قطع رأسه. احمرت عيناي وتجمعت داخلها الدموع من الخوف والزعر والصدمة والارتعاب الذي أنا عليه. وسرعت دقات قلبي وبرودة جسدي وتصبب جسدي بالعرق وقدماي ترتخي. انحني للملك يا حمقاء. كان ذلك صوت الحارس. وكان يقولها بصوت منخفض. لكنني كنت أنظر لذلك الشخص الذي أمامي ببغض. كان هو الآخر ينظر لي. ثم سار تجاهي بجمود. وقف أمامي. قولي ما عندك.
نظرت له. وكانت المرة الأولى الذي أسمع صوته. شعرت بشعور غريب عندما سمعته. نبرته رجولية. صوته المميز الذي يسحر. أخذت نفساً. وما زلت مرتاعبة. لكنه تماسكت وأظهرت القوة. لست قاتلة. أنا لم أقتله. من إذا؟ أنا. لكن لم أقتله عمداً. لم أكن أنوي قتله. أنا لا أقتل. مستحيل. أنا فقط دافعت عن نفسي. وهذا حق على كل نفس أن تحمي نفسها. ممن تحمينها؟
منهم. كانوا سكران ويتفوهون بكلام سخيف لي. وعندما ابتعدت عنهم أمسكوني. حاولت الإفلات منهم. لم أستطع. وعندما اقترب مني. لم أجد غير تلك الحجارة. دفعتها تجاهه. لكن... لكن ماذا؟ إنهم لم يتركوا فرصة لي. أنا لم أخطئ ولست نادمة. وإن عدت للوراء لفعلت ما فعلته. نظر لي وصمت. نظرت له. أكملت: كان دفاع عن النفس. بالقتل. لم أظن أنه سيموت أو أقتله. أردت إبعاده عني فقط. هل تريدني أن أدعهم يقتربون مني؟
هذا مستحيل. أفضل الموت وأن تقطع رأسي عن أن يحدث ذلك. حسب ما علمت أنكِ عبدة هاربة. وليست لديهن حقوق. بل إنهم ينصاعون لأموالي لجني المال. غضبت.
لكن رددت بكل ثقة وهدوء: لم أكن عبده لشخص يوماً. ولن أكون كذلك. وقعت على تلك الأرض. أخذوني رجلان لا أعلم عنهم أي شيء. ولا أين أنا. وكيف جئت لهنا. وجدت نفسي أعرض على رجال حقراء ويدعون بـ "أسـياد". لم أدع أحد يشتري. لكن جاء رجل وأخذني. لا أعلم من أين. فلقد فعلت ما يبعد الجميع عني. وتعرضت للضرب المبرح. ورغم ذلك اشتري. وأعطاني لهؤلاء الذي كان يلاحقوني. وعملت في ذلك العمل وأهين ليلاً ونهاراً. وأضرب تلك العصا ويرغم علي العمل حتى وإن كان بغير استطاعتي. وعندما أتحدث أصفع. فأنا لا يحق لي التكلم مع أسيادي. لأن تلك عبودية. أي أسياد تظنون أنفسكم؟
أنا حرة وسأظل كذلك حتى أموت. أوغاد. قم أنت بصنعهم يفعلون بناس كذلك. وكأنهم غنيمة تعرض وتشتري ويجني من المال. جعلتهم يرون البشر أمثالهم كسلعة ويرون أنفسهم كبراء عليهم. لماذا أشعر وكأنك تلقي لوماً علي؟ أنا لا ألقيه. بل أحمله لك كاملاً. من يكون ملكاً عليه إصلاح الناس قبل إصلاح الأرض ذاتها. قال الحارس بسخط: حدثي مولاي أفضل من ذلك أيتها.. رفع الملك يده فأصمته. نظرت له. تنهد. قال: أين اختفيتي؟ نظرت له. قلت: اختفيت!
بحث عنكِ الجنود بغوانتام ولم يجد لكِ أثراً. تختفين وتظهرين فجأة. بلعت ريقي بصعوبة. ولم أعلم ماذا أخبره. هذه المواجهة صعبة. ماذا أفعل؟ كنت أختبئ. من ماذا؟ من هؤلاء الرجال الذين كانوا يلاحقوني. نظر لي. ولم أعلم بنظرته تلك. قال: كاذبة. اتسعت عيناي. نظرت له بشدة. قال وهو بذات الهدوء وهيبته: من أين أنتِ؟ تعجبت من سؤاله. لم أعلم ماذا أقول. بماذا أجيب؟ أنا لا أعلم حتى أسماء بلاد أخرى في هذا العالم. وهذا الزمن. توترت.
قلت: من أين سأكون؟ من غا.. غا.. غوانتام. نظر لي ببرود. قال: كاذبة. نظرت له. ومن تلقيبي بالكاذبة؟ وكيف علم؟ هل من توتري؟ لا أحد يعلم أني لست من هنا. هل من ملابسي؟ لكني أرتدي مثلهم. لست كذلك. محاولة الكذب ستكلفكِ الكثير. ا.. ازاي... ازاي بتعرف إني بكذب؟ نظر إليها وتقابلت أعينهم. سراب غوانتام -بارت 6 تفاعل عشان أنزل الجديد. اندهشت. قالت بصدمة: إزاي قادر تعرف إني بكذب؟ صلها واتقابلت عينهم. حسيت بتوتر كبير.
كحت بصوت عالٍ: ماذا قلتي؟ من أين لك بعلم بهذا؟ اعتذر. أعاني من ارتباك لساني. صمت قليلاً. نظرت له باستغراب. ليسترسل قائلاً: لا أحد يفعل ما تفعلينه. وقوفك في وجهي. تحدثك معي الآن. وتلك الجرأة في نبرتك. رفع عينيه إليها قائلاً: أخبريني من أين أنتِ. أكثِر سوف يكلفكِ الكثير ولن أتهاون معك. شعرت بالخوف من تحذيره الجدي. إنني محاصرة. هل أن كذبت سوف يكتشف؟ لا شك بهذا.
تذكرت العجوز وهو يقول لها "انتظري حدثاً ينقلك". الحدث.. هل هناك حدث أكبر من هذا؟ إنني أقف أمام ذاك الملك. لماذا لم أعود بعد؟ هل افتعل أنا الحدث بنفسي؟ تقدمت وهي تقول: لست من هنا. أعلم ذلك. لكن ما أقصدة أني لست من غوانتام فقط. أنا لا أنتمي لهذا العالم. نظر لي بشدة. وقال: كيف؟ أنا من عالم آخر غير هذا. أختفي وأظهر بدون فعل فاعل. أتسخرين مني؟ قالها ببرود. من كلامها تعجبت "لينا". قالت: لا. إنني أقول الحقيقة هذه المرة.
صمت ولم يرد عليها. التفت وذهب وكأنه يقفل الحديث الذي لم يعجبه. اقترب منها الحارسان. أخذوها. فتح الباب. وكانت تنظر إلى ظهره الذي يعطيه إياها. خرجت من ذلك الجناح العملاق وسارت معهم بقلة حيلة. لا تعلم لماذا لم يحدث شيء حتى الآن. أكن إلى أين أذهب؟ معقول ظن أنني أكذب وسوف يعاقبني؟ هل سيعدمونى؟ هل سيعيد نظره ويفرج عني أم سيقتلني؟
سمعت صوت داخلها لتشعر بشعور غريب. ذلك الشعور وحرارة جسدها. سريان الدم وتدفقه إلى عقلها. شعور وكأنها خفيفة كمثقال ذرة. لا تصدق. لقد كانت محقة وأصابت. سوف تسلب. ستعود لعالمها. فتح الحارس الزنزانة. وما أن دخلت حتى وجدت رؤيتي تتلاشى من عيني وضباب كثيف يحيط بي. ولم أعد أرى شيئاً. فتحت عينيها. وجدت ظلام دامس. اعتدلت ونظرت حولها. لم تكن ترى شيئاً. كان عتمة وسواد حالك فقط. شعرت بالخوف الشديد. فأين هي؟ هل داخل قبر ما شبه؟
لا يوجد أي ضوء. دمعت عيناها وهي تنادي بأمي. لعلها تظهر لها من أي جانب. لقد انتقلت من ظلام لظلام. تنادي لأي أحد ولا تجد رداً. تشعر بخفقان قلبها. لا تستطيع الصمود في ذلك الظلام الداكن. فزعت على صوت رنين هاتف. لحظة. أليس هذا رنين هاتفها؟
كان يوجد صوت اهتزاز وضوء من أسفل شيء. لقد كانت حقيبتها والهاتف بداخلها. اقتربت سريعا انتشلتها لتخرج الهاتف وتضيء المصباح الخاص به. فظهرت الغرفة. لقد كانت في المدرج. أنا في الجامعة يا إلهي. سمعت رنين الهاتف الذي لا يصمت. أجابت على المكالمة. لينا.. أنتي فين؟ كان ذلك صوت أخيها "حسام". فاطمأنت وقالت: في الجامعة. الدنيا ضلمة هنا قوي وأنا مش شايفة حاجة. أنا جايلك حالا. وقبل أن
تجده يقفل صاحت به قائلة: متقفلش. خليك معايا على التليفون. حاضر. متخافيش. جلست وهي خائفة وتسمع صوت الضجيج من الهاتف لمكالمة "حسام" الذي لا يزال معها. وقفت وأدرت الكشاف على زوايا الغرفة. وما إن وجدت زر الضوء أسرعت إليه. لكنه لم يكن يضيء. هل فاصلين الكهرباء؟ ما هذا الحظ؟ لما ليفصلوها الآن. لينا. سمعت صوت أخيها. ذهبت إليه لتجيب. قال "حسام": معاكي رقم أي حد من أمن الجامعة أو حد أكلمه يجي معايا؟
لا. اتصل بسهيلة. هي تقريباً معاها. طيب هقفل معاكي دقيقة عشان أكلمها. بسرعة. حاضر. أقفلت المكالمة. وساد الصمت قليلاً. لكن سمعت صوت من الهاتف. واتسعت عيني. لقد كانت البطارية على وشك النفاذ. ليس وقتك أنت الآخر. أرجوك. نظرت حولها. وجدت نوافذ مغلقة. ذهبت لتفتحهم ليدخلوا بعضاً من الهواء أو أي ضوء خافت. لكن لم تلاحظ أي اختلاف. فقد كان الهاتف يقوم بالواجب. وبعد قليلاً سينتهي أمره هو الآخر.
جلست وهي تنظر لهاتفها من وقت لآخر. صدر رنين. رديت بسرعة على أخيها. أتأخرت ليه؟ عقبال ما كلمنا الأمن وزمانه جاي. بسرعة يا "حسام". الجامعة مفهاش حد غيري والتليفون هو كمان هيقفل. خمس دقايق وجاي. كانت تمسك الهاتف بشدة. وأخيها معها على المكالمة. سمعت صوت محرك السيارة وضوضاء من الطريق. وفي لحظة انقطع الضوء. ليسود صمت رهيب بظلامه.
نظرت للهاتف. وجدته قفل. ضربت به وكأنها تجعله يشتغل رغماً عنه. شعرت بالخوف. نظرت وجدت النوافذ تبعث بضوء القمر الخافت للغاية. لكن كانت بين الظلام تشعر بالخوف. أين أنت يا أخي؟ لما تأخرت؟ تعلم كم أرتاعب من الظلام. لينا. سمعت نداءه من الخارج. ركضت إلى الباب. حسام. هتخرجي دلوقتي. بسرعة.
اشتعلت الأنوار. فهدأت من روعها وزال الخوف الذي كان يحل عليها. سمعت صوت فتح الباب. وما إن فتح. وجدت أخيها يظهر. اقترب منها. احتضنته بخوف. فضمني هو الآخر. قال "حسام" بقلق: أنتي كويسة؟ قالت "لينا" بحزن: افتكرت إني مش هشوفك تاني. بس اهدى. أنا معاكي. كنت هموت. كان هيعدموني هناك. مكنتش هرجع تاني يا "حسام". نظر إليها بشدة. قال: بتقولي إيه؟ أبعدها ونظر إلى عينيها الدامعة. قال: عيدي اللي قولتيه.
لم ترد عليه. لا تعلم لماذا تفوهت بذلك الكلام. المهم أنها عادت من ذلك الجحيم. لينا. اندهشت. فهي تعرف ذلك الصوت جيداً. نظرت وتفاجأت من رؤية "معتز" وحارس الأمن. كانا ينظران إليها وإلى ملابسها بصدمة مزدوجة. قال "معتز": أنتي كنتي فين؟ كنت متعجبة جداً من وجوده. لكن لا أعلم بماذا أرد عليه. أشعر وكأنني محض سخرية. عايزة أروح. قال "حسام": حاضر. يلا. توقفت فجأة. ثم قالت بخوف وقلق: الكتاب.. فين الكتاب؟ معايا.
أخذت نفساً وذهبت معه. أدخلها إلى السيارة. ثم وجدته يتحدث مع الأمن. وخصوصاً "معتز". كانوا يتبادلون السلام. لأجد "معتز" ينظر إليها. ثم ذهب. اقترب أخيها. وهي متعجبة من حديثه معه. وما سر وجوده حتى الآن. قاد السيارة وغادروا من المكان بأكمله.
وصلوا إلى المنزل. فتحت والدتهم الباب. كلت بلهفة. ضمتها بقوة داخل أضلاعها لتشعر بدفئ وحنانها الذي ينبع من صدرها الدافئ. احتضنتها هي الأخرى وبكت بدون قصد. فقد شعرت برغبة كبيرة في البكاء. لم تكن ستعود إلى عائلتها. لم تكن لتعود إلى هنا مجدداً. كانوا سيقتلونها. ابنتك كانت ستعدم بوحشية. ربتت أمها عليها قائلة: كنتي فين يا لينا؟ كده كل شوية تخوفينا عليكِ. اسفة. مش بإيدي يا ماما.
نظرت لأبيها الذي كان عابس بوجهه ويرمقها نظرات متضايقة. قال "حسام": ماما خدي لينا على أوضتها. وأنا جايلكم بعد شوية. ماشي. أخذتها أمي وأدخلتني لغرفتي. ذهبت لخزانتي وأخذت لي ثياب. وهي تقول: أي موضوع لبسك الغريب أوي ده؟ كل ما تروحي مكان بترجعي لنا بشكل. لم ترد عليها. أقفلت هاجر الخزانة. واقتربت منها لتأخذ الملابس لتبدل هندامها. لاحظت وقوفها. ماما في حاجة؟ مالك يا لينا؟ مخبية إيه عليا؟ مفيش حاجة يا ماما.
كانت تنظر إليها وأنها لن تعطيها الإجابة. تنهدت. ثم قالت: غيري لبسك عشان عايزين نتكلم معاكي. حاضر. ذهبت وأقفلت الباب. قامت بتغيير ملابسها. ثم خرجت. وجدتهم جالسين وكأنهم في انتظارها. نظر أبيها إليها. قال: اعقدي. أومأت برأسي وجلست معهم. كنتي فين؟ نظرت إليه ومن نبرته في الحديث معها. لم تعلم ما تقوله. في الجامعة. أخوكي راح مع الدكتور ودوروا عليكِ هناك وملقوكيش. نظرت إليه. قال "حسام"
بتوضيح: دكتور "معتز" جه وقال إنه شافك بتجري. ولما لحقك عشان يسألك في أي ملقوكيش. وكان بيحسبك جيتي هنا. روحت معاه الجامعة. دورنا وكلمنا الأمن يدوروا معانا. مكنتيش موجودة. اتصلت عليكي تليفونك كان مقفول. استنيتك لحد ما رجع الخط اشتغل. ولما عرفتيني إنك في الجامعة. اتصلت بدكتور "معتز". اتصلت عليه إزاي؟
خدت رقمه الصبح. كنت بس بسأله يديني رقم حد معاه مفاتيح الجامعة. ولما سألني فقولتله إنك جوا. اتصل هو بالأمن. وصل هناك قبلي. مرطتش اتصل بصحبتك. هو اللي ساعدني. كتر خيره. تعجبت وهي تريد أن تسأله عن من يتحدث. هل يقصد "معتز". هل ساعده وكان قلق عليها؟ أم أنها تتوهم. هل فعل ذلك وأتى من أجلها؟ لهذا الدكتور الذي يهينها؟ جاء لمنزلها ليسأل عنها. وجاء للجامعة بعدما اتصل بالأمن. لماذا أتى للجامعة؟ لم يكن هناك داعي لمجيئه.
قالت "غسان": لينا كنتي فين؟ ردي. كانت نبرة أبيها غاضبة. قالت: لو قلتلك مش هتصدقني. مش هصدقك ليه؟ قلت لكم قبل كده. بس أنتم بتحسبوني مجنونة. قالت "هاجر": قولتي إيه؟ إحنا مستنينك تتكلمي. ا.. أنا كنت في العالم اللي قلت لكم عليه. لما مبتلاقونيش بكون هناك. عالم!! دي الحقيقة. أنا بتنقل لعالم تاني غريب. وأنتم شفتوا لبسي. هو ده اللبس هناك. والعملة اللي إنت شفتها يا "حسام". دي عملتهم.
نظر لها "حسام" بشدة. ولكنه لم يكن مصدوم كما ينظر والداه إلي بصدمة. انتظرت أي كلمة منهم. ارجعي أوضتك. كان أبيه هو من يتحدث. نظرت له بتعجب وعدم استيعاب. قال: بابا أنت مش مصدقني لسه؟ يلا يا لينا على أوضتك. شعرت بالخذلان للمرة الثانية. ومن مقاطعته لها. وقفت ودخلت لغرفتها. وتركتهم. نظر "حسام" إليها. ثم نظر إلى والديه. عن إذنكم. غادر أيضاً. وكانت "هاجر" جالسة. نظرت إلى "غسان" الذي كان شارد الذهن.
مش بيفكرك الكلام ده بمامان؟ نظر إليها. قالت بتفسير: نسيت يا غسان. لينا بتقول نفس الكلام اللي جه فترة على ماما كانت بتقوله. ده نفس اللي شاغل تفكيري. ده معناه إيه؟ نظروا إلى بعضهم وعينيهم تتحدث بالكثير من الكلام الذي تنطقها أفواههم. كانت جالسة على سريرها وهي تشعر بالضيق. لو مش هما اللي هيصدقوني. مين اللي هيصدقني؟ مين؟
تنهدت بحزن. فهي ليست مجنونة. إنها لا تتفوه بالخرافات. إنها لا تدعي خيال من رأسها. ما يحدث معها حقيقة. لماذا تجعلونها تظن نفسها مجنونة بالفعل وأنكم على صواب وأنها على خطأ؟ هل تكذبون أعينها؟ هل تكذبون ما عاشته وما رأته؟ قاطع صوت أفكارها طرقات على الباب. سمحت له. دخل "حسام". قالت "لينا": جاي تضحك عليا تاني؟ لا. جاي أسمعك. تعجبت كثيراً. اقترب وجلس بجانبها. قال: احكي لي اللي بيحصل معاكي. مش فاهمة؟
احكي لي بكل اللي شفتيه. أنا مصدقك. اندهشت منه. كان ينتظر حديثها. لم تجد غير فمها يفتح ولسانها ينطق وشفاهها تتحرك وتسرد عليه كل شيء عما مرت به هناك. من أول يوم ذهبت به. النساء. العبيد. العمل. غابينة. الخبز. الصفع. الضرب وقص الشعر. سردت له كل شيء وتبوح ما لديها. لعل أحد يصدقها ويعلم أنها ليست بمجنونة. كان أخوها متضايق وغاضب بشدة عندما أخبره عن ما عانته. فتقوم بتغيير الحكاية لحدث آخر.
قال "حسام": وإنتي بتنتقلي إزاي وترجعي إزاي؟ لما الكتاب بيعوزني بروح. أما لما برجع.. فدا صعب. محتاجة حدث يحصل فأرجع تاني. وهتروحي امتى؟ قلت بانفعال: معرفش. بس أنا مينفعش أرجع. مينفعش. ليه؟ هيقتلونى. هتعدم. مش انتي حكيتي للملك وقلتيله إنه كان دفاع عن النفس؟
أيوة. بس هو مقلش أي حاجة بخصوص الحكم. حتى الجندي اللي قالي إني هتعدم قالها بصيغة عمياء "القتل بالقتل". يعني حكم عندهم. بتين إن ملكهم مش بيستهين بعقاب حد ويحترم شعبه. حتى لو مصدقني هينفع الحكم لأنه معروف بالعدل. بس محدش قالك وأكد إنه حكم عليكي بالإعدام. سكتت قليلاً. بالفعل لم تسمع حكم مهذا بصدر عليها. فقط كلام الجندي تلاعب برأسها. قالت "لينا": لا. ممكن ميكونش ده الحكم.
معرفش. المهم إني مش عايزة أرجع هناك تاني. أنا خايفة. لو رجعت مش عارفة إيه اللي ممكن يحصلي. وأنا بعيدة عنك. ربت أخوها على يدها قائلاً: مفيش حاجة هتحصلك. اهدى.. مش دي أختي "لينا" اللي بتغرق في الكتب. بقيت أكرهها. معرفش ولا فاهمة أي حاجة. حتى العجوز ده اللي أشك بسنة أصلاً كأنه متنكر. إزاي؟ شكله عجوز بس هو لو شفته تحسه شاب قدك. خلينا في اللي بيحصل لحد ما يقابلك تاني. إنتي دلوقتي داخل عالم مش كتاب. مش ده كان نفسك فيه؟
الخيال وإنك مميزة. طلعتي مميزة فعلاً. كانت تعرف أنه يحاول مواساتها وتقويتها. بينما كانت نبرة قلقه تشعر به. صمتنا. وأنا لا أعلم ما أقوله. وقف "حسام" قال بحزم: مش هتروحي هناك تاني. تعلق عيناها به: بجد؟ أه. طب إزاي؟ هحرق الكتاب. صدمت من قوله. وقفت قائلة: بتقول إيه؟ هحرقه عشان ميجيلكيش تاني. أنا خوفت منه زيك بالظبط. بس... عايزة تروحي لهناك؟ لا. خلاص.
لا تعلم لماذا ترددت لوهلة. وكأنها غير موافقة. لا بد أنها قلقة من كلامه بخصوص أمر حرقه. كلام ذلك العجوز عنه. "تدوينين أحداثاً". "إنكِ صديقة الكتاب". "أنتي بمثابة قلماً له الآن". لكنه صديق سيء كاد أن يذهب بها إلى الحافة. مادام سينتهي أمره ولن تعود لهناك مجدداً. وهذا ما تريده. لحظة. لن تعود لهناك مجدداً؟ لوهلة تذكرت "فرناس". ذلك الرجل الوسيم الذي لم تر مثله قط. لن تراه مجدداً؟
وكأنما رأت لقاءات كثيرة داخل عقلها. هل حزينة من أجله. إنها لا تعرفه حتى. لن تعود لهناك. هذا أفضل حل لها. فلتفعل ذلك يا أخي. وتبعده عني للأبد. فلتبعدني عن تلك البلاد العجيبة. في كل مرة أذهب فيها يكون اليوم أسوأ من الذي قبله. أقابل أشياء تثير خوفي ودهشتي. ففي يوم سأعود بلا عقلي بكل تأكيد. في اليوم التالي خرجت من غرفتها لتجدهم يفطرون. انضمت إليهم. وكان الصمت يسود بينهم. هذا الصمت الذي لم تعهده من عائلتها من قبل.
ذهبت إلى جامعتها. وهي تدخل إلى المدرج. وجدت دكتور "معتز" بالداخل. نظر إليها. وتقابلت عيناها. آسفة. ألتفتت وهي تغادر المدرج. فلا داعي أن تهان. ادخلي. توقفت بدهشة من ما قاله إليها. هل يحدثها هي؟ هل خاطبها ويدعوها للدخول؟ أقفلت الباب وجلست على مقعدها. وجدته ما زال ينظر إليها. توترت. حم حمم. وعاد إلى المحاضرة. انتهى يوم الدراسة. حملت دفاتري لأغادر. وجدت من يعيقني. وكانت "يارا" ورفيقاتها. نظرت لهم باستغراب. قالت "يارا"
ساخرة: اتحسنت علاقتك مع دكتور "معتز" أوي؟ قالت "لينا": قصدك إيه؟ من يومين دخلتو مع بعض وكنتو بتبتسمو. وانهارده شوفنا إزاي دخلك رغم إنك جيتي متأخرة. إيه غيركو كده؟ ابتسمت وهي تضيق عيناها. قالت: خيبت توقعاتك. لا. ده أنتي رفعتي توقعاتي أكتر. طلعتي مش سهلة. لم تفهم نبرتها المقصودة. وأصدقاؤها الذين يضحكون عليها. قالت "يارا": هو في حاجة بينكم ولا إيه؟ شعرت بالغضب. لكن تحلت بالهدوء.
قالت: ده الدكتور بتاعي. وياريت كل واحدة فيكم تخليها لنفسها. وإنتي بالذات يا يارا. شايفاني هموت نفسي من تفكيري فيكي. ابتسمت بثقة. قلت: مقولتش كده. بس إنتي اعترفتي بنفسك. وإنتي أدرى. غضبت "يارا". وضاق ملامحها. ذهبت ولم تعيرها اهتمام. لكن وجدتها تقف في وجهها وأمامها مباشرة. تنهدت. قالت: في إيه تاني؟ إنتي إزاي ضربتي "يوسف" قدام الكل؟ إنتي نسيتي نفسك؟ نظرت لها وابتسمت وأنا أتذكر البارحة. وهذا الكف الذي صفعت "يوسف" به.
ياترى إنتي عارفة أنا ضربته ليه؟ أيوة. ابتسمت. قلت بثقة: أنا متأكدة إنك متعرفيش. بس أنا هقولك. مش حبًا. لأني عايزة كدة. أكملت بسخرية: من يومين "يوسف" كلمني وكان عايز يقعد معايا. بس أنا رفضت. وسبتله المكان كله ومشيت. وامبارح وقفني عشان يتكلم معايا. وبيستظرف بحديث تافه شبه. عشان أكون صريحة.. كان عايز يوصلني. ولما مشيت وسبته مسك إيدي. إنتي عارفة الباقي. قالت باستخفاف: عايزة تفهميني إنه هيعمل كده. ومعاكي إنتي؟
الكل شاف. فاتك المشهد ده يا يارا. مش مشكلة تتعوض. ابتسمت عليها حينما شعرت أنها أغضبتها. تخطتهم لتغادر المكان بأكمله. قابلت دكتور "معتز". نظر إليها. أكملت سيرها. لينا. توقفت على ندائه لها. قالت: نعم يا دكتور. ينفع نتكلم؟ اتفضل. مش هنا. نظرت له باستغراب وعدم فهم. أشار لي. ذهبت معه. جلسنا في مقهى. وهي مستغربة من صمته. كانت تشعر بأنه يريد قول شيء ما. بل أشياء. كانت محرجة من نظراته لها. قالت: حضرتك عايز تقول حاجة؟
اشربي عصيرك الأول. شكراً. ارتشفت شرفه. وهو ينظر إليها. قال: عايز أسألك عن حاجة. اتفضل. أنا عارف إني مليش إني أسأل بحاجة عنك. وده شئ ميخصونيش. هو في حاجة؟ إنتي كنتي فين امبارح؟ تعجبت. فهي بالفعل لم تتوقع أن يسأل هذا. لكن بالتأكيد يتسائل عن البارحة. كيف سمحت له بالمجال في سؤال هي لن تجد له أجوبة. وتعلم أسئلته كيف ستكون. ولن تستطيع الرد. قال "معتز": ليه كنتي بتجري ودخلتي المدرج؟
وأزاي لما فتحت ملقيتكيش. ومش في المدرج بس. دورت عليكي في الجامعة كلها. ومكنتيش موجودة. شعرت بالارتباك. أكمل وهو يقول: إزاي ظهرتي بالليل. وفي نفس المدرج اللي دخلتي فيه واختفيتي منه. صمتت ولم تعلن ما تقوله. كان يجب أن تجهز أكاذيب حول أمورها العجيبة تلك. تنهد "معتز". وضع يده على الطاولة يأخذ وضعيته. قال: دخلتي الأوضة إزاي وهي مقفولة أصلاً؟ ابتسمت ساخرة. قالت: هكون اختفيت وظهرت تاني مثلاً؟ احتمالات.
اتسعت عيني بدهشة منه. وهل يضع هذا الاحتمال حقاً؟ قال "معتز": كل الاحتمالات جايزة. إنتي حاطط احتمال إني ممكن أختفي. اللي هو احتمال مستحيل أصلاً. تسمي اللي حصل ده إيه؟ صمتت. تنهد. لتقرر إنهاء الحديث. إمبارح انتهى. وإحنا في النهاردة. وأنا بسألك عن إمبارح. ينفع تجاوبيني عشان كنت بفكر كتير ومش لاقي جواب. وليه بتفكر؟ عشان أنا.. صمت ولم يكمل كلامه. تعجبت من صمته المفاجئ. وماذا كان سيقول؟
معلش يا لينا. عايز جواب. لو خايفة أقول لحد. أوعدك هيكون بينا. قالت بجدية: عايز تعرف. أيوة. اقتربت وأشارت له أن يقترب. تعجب. لكن اقترب بإهتمام وهو يصغي إليها. سافرت لبلد عجيبة. مختلفة عن عالمنا ده جداً. في التوقيت. والزمن. في العصر. وفي كل حاجة. مكنتش المرة اللي اختفيت فيها حصلت معايا قبلها. لما كنت بغيب عن محاضراتك كنت هناك. كنت مش معاكم هنا. كنت على أرض تانية.
كان يحدق به. من شدة صدمته. ولم يتحدث ثانياً. ضحكت. ليتعجب من تعبيراتها التي انقلبت. قالت "لينا": كنت بهزر. مالك؟ بتهزري!! أيوة. أكيد. عالم تاني قال... خدت الموضوع جد ليه؟ كان صامتاً. بينما هي تضحك على تصديقه لها. قالت "لينا": كنت بهزر. بتهزري ولا بتقولي الحقيقة؟ توقفت عن الضحك. عندما سمعت كلماته ونبرته الجدية. لتجد عينيه تثقبها. اندهشت منه. هل حقاً ما قاله؟ هل يظن أن كلامها حقيقياً؟
هل لديه ذرة صدق من كلامها ووجوب تصديقه؟ حقيقة إزاي يعني؟ إنت مقتنع باللي قلته؟ ليه لا؟ قلت بدهشة: حضرتك دكتور جامعة. مثقف ومتعلم. بعيداً عن الوهم. إزاي سمعتني؟ قصدك إنك كنتي بتكذبي؟ أنا قولتلك بهزر. يعني بتكذبي. تضايقت. وقالت: أنا مش بكذب وبقول الحقيقة. و... سكتت بصدمة. لقته بيبصلها. سراب غوانتام -بارت 7 تفاعل يا قمرات. ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!