وقف ماجد أمام قبر زوجته في منتصف النهار، يرفع يديه إلى السماء يقرأ عليها سورة الفاتحة، بينما تتوالى دموعه في السقوط. ابتسم بحنين وشوق إليها، يضع يده على قبرها ينفض عنه التراب قبل أن يضع باقة الزهور التي اشتراها لها. لقد أحضر زهورها البيضاء التي كانت تعشقها.
يتذكر دائمًا أنه كان يتعارض معها في حبها لتلك الزهور التي لا لون لها كما كان يعتقد دائمًا، ولكن مع مرور الوقت بدأ يحبها لأنها كانت تحبها. هو لن ينكر، لقد عاش معها أفضل وأجمل خمس سنوات في عمره، كان يحبها بل يعشقها. نسي وداد نهائيًا وصب جام اهتمامه وتركيزه عليها، ولكن ما فعله في حقها لن يُغتفر أبدًا. لقد قتلها. أتدرون ما معنى قتلها؟
وضع يده على قبرها يبكي بألم، يتذكر أنه كان يُسرع في تغسيلها ودفنها كما لو أنه يتخلص منها. لم يتوانَ ليبكي عليها ويحتضن جثتها بوداع كما كان يرى الناس يفعلون مع أحبائهم. لقد قتلها وتخلص من جثتها سريعًا. نظر لقبرها يخبرها دون ملل، فهو دائمًا ما يأتي إلى هنا فقط ليعتذر منها، منذ أدرك فعلته الشنيعة بها. قائلاً ببكاء:
"وحشتيني يا دعاء. أنا آسف يا حبيبتي على اللي عملته فيكي. آسف على غبائي وتخلفي اللي ضيعك مني. آسف علشان كنت أعمى عن مرضك. آسف علشان شكيت فيكي، وفي بنتي." قالها وصمت قليلاً ينظر إلى قبرها بينما يبتسم بهدوء يخبرها: "بمناسبة بنتي، غزل اتجوزت من شهور يا دعاء. الوقتي هي حامل. اتجوزت حازم وخدها يعيشوا بعيد عني. البيت فضي عليا، بقيت قاعد لوحدي بكلم الحيطان. مش كنتي تبقي معايا تسليني بدل الوحدة اللي أنا فيها دي." تنهد قبل
أن يبتسم بشحوب يهمس لها: "بس متزعليش، هانت يا حبيبتي. حاسس إني هشوفك قريب. مش عاوزك تبقي زعلانه مني. مش عايز لما أجي أقابلك تبعدي عني. وحشتيني أوي يا دعاء." صمت ثوانٍ يحاول إيقاف دموعه. ابتسم بعدها يخبرها: "طب تعرفي إني طلقت شاهيناز ورميتها في السجن؟ خدت بتارك منها يا حبيبتي. عاوزك تبقي مرتاحة."
ظل هكذا يجلس أمام قبرها ما تبقي من النهار يبكي كطفل صغير فقد أمه، يعتذر بشدة عما بدر منه في حقها، يأمل فقط أن تسمعه، أن تسامحه وتغفر له. يريد حين تصعد روحه إلى بارئه أن تكون هي في انتظاره. لم يمل ولن يفعل أبدًا من القدوم إليها لطلب السماح حتى يتوفاه الله. *** دخل منزله بعد يوم عمل طويل ومرهق. أقبلت عليه زوجته تبتسم بسعادة وهي تحتضنه قائلة: "حمدلله على سلامتك." "الله يسلمك يا حبيبتي."
قالها وهو يجلس على الفراش يخلع جواربه. صعدت خلفه على الفراش تنزع عنه سترته بينما تنظر له من حين لآخر وكأنها تريد أن تقول شيئاً ما. نظر لها عبر المرآة المقابلة لهما وللفراش قائلاً بتساؤل: "مالك يا حلا؟ حاسس إنك عاوزة تقولي حاجة." "هه... لا أبدًا. عملت إيه في شغلك النهارده؟ "عادي يعني يا حبيبتي الحمدلله. الحالات النهارده كلها كانت متيسرة. ربنا يشفي الناس كلها يارب."
آمنت على دعائه بينما ابتعدت تأخذ سترته إلى المغسلة وهي تخرج من الغرفة قائلة له: "غير هدومك على ما أحضر العشا." خرجت تُعد الطعام وذهنها شارد بشدة. لقد علمت اليوم من والدتها عن حمل غزل. هي لا تشعر بالغيرة. لقد أخرجت حازم من قلبها وعقلها تمامًا. ثم لقد رزقها الله بزوج أفضل مئة مرة من حازم، فلماذا قد تبقى فكرة حبه في رأسها؟
كل ما تشرد به فقط أنها تحتاج طفلاً مثل هذا الذي رزقت به كلاً من مني وغزل. هي لا تختلف عنهما في شيء، كما أن مراد لا يعيبه شيء أيضًا، فلماذا لم... أخرست نفسها سريعًا وهي تستغفر الله مرارًا. أتعترض الآن على قضائه أم ماذا؟ أغمضت عيناها تهز رأسها بعنف وهي تعنف نفسها تحاول إقصاء ذلك الشيطان. ثوانٍ وكان مراد يجلس أمامها على طاولة الطعام في المطبخ ينتظر الطعام وهو ينظر لها بشك. هي غريبة اليوم، ماذا حدث لها؟
لقد أخبرته أنها ستذهب إلى والدتها اليوم قبل أن يذهب لعمله. أذهبت أم أنها لم تذهب؟ تبدو لم تذهب لذا تبدو بهذا الحزن اليوم. نظر لها بينما تضع الصحون على الطاولة أمامه يسألها برفق: "انتي مروحتيش عند مامتك النهارده ولا إيه يا حلا؟ "لا روحت، بتسأل ليه؟ قالتها وهي تجلس إلى جواره على الطاولة. بينما نظر لها هو بشك شديد وهو يخبرها: "لا أبدًا، أصل أنتي غريبة النهارده وشكلك زعلانة فقولت يمكن مروحتيش عند مامتك ولا حاجة."
ابتسمت بحنان، فهو دائمًا ما يفهمها دون أن تتحدث. لقد شعر بها وتفهم حزنها دون حتى أن تفتح فمها. ابتسمت تخبره بهدوء: "مش زعلانة ولا حاجة يا حبيبي، أنا بس مصدعة وعاوزة أنام. يلا ناكل." أومأ لها بصمت بينما يبدأ الأكل من الصحن أمامه. دقائق يأكلون بصمت. شعر بأنها لا تأكل إنما تعبث في الطعام أمامها فقط بشرود تفكر في شيء ما. وضع معلقته في صحنه وهو ينظر لها ولشرودها. كاد يسألها عما تمر به قبل أن تسأله هي بشرود:
"عرفت إن غزل حامل؟ نظر لها يضيق عينيه فوقها ينظر لها بشك. أهذا إذا سبب حزنها منذ الصباح؟ أمازلت تشعر بالغيرة على حازم؟ أمازلت تحبه؟ صرخ قلبه بألم وهو يشعر باحتمال ضعيف ينم على ذلك. نظر لها بصدمة بينما يهتف بها بصدمة: "هو ده اللي مزعلك من صباحية ربنا؟ أنتي لسه بتحبي حازم يا حلا؟
قالها بصدمة وغيره وهو ينظر لها بشك. نفت برأسها بشدة وهي تنظر له برجاء ألا يفهمها بشكل خاطئ. فهي لم تعد ترى حازم سوى شقيق لها، لم تعد تفكر به أو بحبه. نفت برأسها بشدة بينما تخبره سريعًا: "إيه اللي أنت بتقوله ده؟ لا طبعًا. أنا مبحبش حد غيرك، ونسيت حازم تمامًا. حازم مش أكتر من أخ ليا زي حسام." نظر لها بشك، فكيف نسيته والحل يبدو على وجهها هكذا؟ تساءل بشك وهو يهتف لها: "أما أنتي زعلانة من حمل مراته ليه يا حلا؟
بدأت العبرات تتجمع في عينيها، بل وتسقط أيضًا. بينما تخبره بحزن: "نفسي أبقى زيها هي ومنى يا مراد. نفسي أشيل جوايا ابني زيهم. أنا عاوزة أحمل." نظر لها بحنان بينما يأخذها داخل أحضانه يربت على كتفها يخبرها بحنان: "يا حبيبتي ده بإرادة ربنا. ربنا لو عاوز لنا نجيب أطفال هنجيب. متزعليش وافرحيلهم، بكرة ربنا يكرمنا زيهم." "أنا بس صعبان عليا يا مراد.. نفسي في أولاد منك."
"يا ستي ما يصعبش عليكي غالي. وبعدين عيال إيه اللي عاوزاهم يا أم العيال؟ العيال دول زن وقرف وأنا عاوز أشبع منك. أنا لسه ملحقتش، دانا عريس جديد يا ناس." قالها وهو ينحني على فمها يلثمه في قبلة رقيقة حنونة. ابتعد ينظر لها برغبة وهو يخبرها: "انسى العيال دول خالص، أنتي لو حملتي أنا مش هعرف أقرب منك، وأنا لسه مشبعتش منك." قالها وهو ينحني يقبلها بقوة ونهم. ترك طعامه وترك مقعده، وهو ينحني يحملها بين يديه يهتف لها بمكر:
"فكري في أبو العيال المسكين ده قبل ما تفكري فيهم. بحبك يا حلويتي." انحنت تضع رأسها في تجويف عنقه تتشبث برقبته، وهي تهمس له بوله: "وأنا بحبك يا مرادي." "بعد مرادي دي انسي العيال خااالص. ابقي هاتيهم في سن الأربعين كده وأنتي طالعة أكون أنا شبعت منك."
صرخت باعتراض ما أن سمعت جملته. ثوانٍ وكان يدلف إلى الغرفة يركدها فوق الفراش بحنان وهو ينهال عليها بقبلات متفرقة يبثها فيها عشقه وحبه لها. ثوانٍ وكان يغرقان في بحر العشق الخاص بهما هما فقط، وكل منهما داخل قلبه رغبة يحاول إشباعها. فهو يريد إشباع غريزته في وجودها بين أحضانه، وهي تريد إشباع غريزة أمومتها في امتلاك طفل منه هو فقط. ***
صرخت بفزع وهي تشعر بآلام الولادة. بدأ السائل الذي يحيط الجنين بالتدفق من بين قدميها، وانقباضات رحمها العنيفة تحاول دفعه لاستقبال حياته بين أبوين محبين. صرخت بشدة وهي تتمسك بحسام الذي يحملها قائلة بألم: "آه يا حسااام الحقني مش قااادره همووووووت." "متخافيش قربنا نوصل قربنا نوصل."
قالها وهو يطلب الإسراع من والده الذي كان متولي عجلة القيادة متجهًا بهم إلى مشفاه. ليسرع أنس بأقصى سرعة تتحملها السيارة، يحاول الوصول إلى مشفاه. ثوانٍ وكانوا يصلون إلى المشفى وهي ما زالت تصرخ. أودعها حسام إلى غرفة العمليات بينما ظل يقف خارج الغرفة ينتظر بقلب ملتاع أن يطمئن عليها. وصل كل من حازم وغزل إلى المشفى، تلاهم مراد وحلا القلقة على زوجة أخيها وابنه. استمعت غزل إلى صرخات منى المتألمة القادمة من تلك الغرفة أمامهم فتجعدت ملامحها بألم وهي تتمسك بحازم بشدة. وضعت يدها على بطنها الذي كان قد انتفخ قليلاً بسبب نمو الجنين في الشهر الخامس،
بينما تسأل حازم بخوف: "حازم هي بتصرخ ليه؟ مش هي بتولد؟ هو بيوجع؟ أنا مش عاوزة أولد." ابتسم بصعوبة يحاول منع ضحكاته عليها حتى لا يتضايق حسام ويشعر بعدم تقديرهما لخوفه على زوجته. بينما نظر لها يخبرها بصوت خفيض: "يا حبيبتي ده طبيعي، هي بتصرخ بس علشان خايفة. بعدين ولادة إيه اللي بتفكري فيها الوقتي يا غزل؟ أنتي لسه قدامك أربع شهور بحالهم يا حبيبتي." تشبثت به أكثر بخوف وهي تخبره: "لا مليش دعوة مش عاوزة أولد أنا خايفة."
"خلاص ابقي خلي النونو في بطنك علشان يموت." قالها بضيق وهو يهاودها في كلماتهما. انتفضت تنظر له بقلق قائلة بحزن: "لا مش عاوزاه يموت." "مش هيموت يا حبيبتي إن شاء الله. بكرة يكبر وتولدي بس هخلي الدكتور يديكي بنج علشان متحسيش بالوجع. ممكن تسكتي بقي لحد ما نطمن على منى؟
أومأت له ووقفت تنتظر بصبر أن تخرج منى من الغرفة. دقائق في قلق وخوف كان يقفها حسام على باب الغرفة. دقائق يستمع فيها إلى صرخات زوجته والجميع من حوله يحاولون مواساته، ليختفي أخيرًا صوت صرخاتها المتعالي. وقف حسام بقلق شديد ظن أنه ربما حدث خطأ في الداخل فتوقفت صرخاتها. ولكن دقائق معدودة وكانت الممرضة تخرج سريعًا من الغرفة حاملة بين يديها طفلة صغير ملتفة بملاءة ما. اقترب سريعًا منها يبتسم بحنان شديد يريد رؤية طفله ولكنها
أوقفاته قائلة بعملية: "لو سمحت الطفل لازم يروح الحضانه نطمن عليه الأول." حسنًا، لقد قلق من حديثها ولكن هي محقة، إنه إجراء روتيني أن يخرج الطفل من بطن أمه على الحضانه لتنظيفه والاطمئنان على صحته. لذا ناولها حقيبة ملابسه سريعًا قائلاً: "طب اتفضلي الهدوم بتاعته أهي."
أخذت الحقيبة وانصرفت سريعًا بينما بقي هو يقف هكذا أمام غرفة العمليات ينتظر بقلق الطبيب ليطمئنه على زوجته. دقائق وخرج الطبيب يتنهد براحة. أقبل حسام عليه بلهفة يتساءل عن حال زوجته. ابتسم الطبيب يخبره بعملية: "متقلقش خالص يا فندم المدام بخير والولادة عدت بخير. ثواني وهتكون معاكم في أوضتها."
وقفت بجوار فراش منى بعيدًا قليلاً تحاول أن تمسك ذلك الطفل الرضيع بحذر وتحمله من يدي حازم ولكن كفيها يرتعشان وهي لا تعرف الوضعية الصحيحة لحمله. وجهها حازم وطلب منها ضم يديها معًا لتستطيع حمله ولكنها كعادتها لم تفهم. تنهد بيأس وهو يخبرها بنفاذ صبر: "اقعدي يا غزل وخديه على رجلك." "لا أنا عاوزة أشيله يا حااازم." "مانتي مش عارفة تشيليه يا زفتة هيقع منك."
عبست بشدة وهي تنظر له بغضب. جلست على المقعد المقابل لفراش منى بغضب تلقي نفسها فوقه. تنهد يحاول منع ضحكته من تلك التصرفات الطفولية لحمل الطفل الصغير فقط. اتجه يضعه فوق قدميها وهو يمسك بيده الحرة ذراعها يحيط به الطفل وهو يخبرها: "لفيه بدراعك كده كويس وامسكيه من تحت كده علشان ميتهزش."
قالها وهو يشرح لها وضعية حمل الطفل الصحيحة. نظرت لذلك الملاك الصغير بين يديها تبتسم بسعادة. يالهي كم هو صغير. يداه صغيرتان، عيناه صغيرتان، شفتاه مغلقتان فوق بعضهما وكأنه يأكلهما. حاولت إمساكه بيد واحدة وهي تحاول موازنته بين ذراعها وقدمها. هو هش جدًا تكاد تجزم أنها تحمل قطعة لحم دون عظم أبدًا. لقد خافت أن يصيبه مكروه وهو بهذا الصغر بين يديها.
نظرات حازم المطمئنة لها وابتسامته السعيدة أراحتها، وكأنه أخبرها أن هذا أمر اعتيادي أن يكون الطفل هشًا وصغيرًا هكذا. حملته بذراع واحدة وهي تتكئ به على قدمها. أمسكت بيدها الحرة كفه الصغير جدًا وهي تبتسم بسعادة خالصة. نظرت لحازم تخبره بلهفة وسعادة: _بص يا حازم ايده صغننه ازاي؟
ابتسم لها بحنان شديد. وضعت هي إصبعها بين كف الطفل الصغير. ثوانٍ وأغلق الصغير كفه الصغير فوق إصبعها. ابتسمت بسعادة وانحنت تقبله فوق يده التي أغلقها على إصبعها. ابتسم حازم بينما التفت ينظر لحسام قائلاً بسعادة: _مبروك يا حسام، مبروك يا مني، يتربى في عزكم إن شاء الله. ابتسمت غزل هي الأخرى تخبرهم: _مبروك يا مني، مبروك يا حسام، النونو ده جميل أووووي. _ناخده يا غزل؟
تساءل حازم بطفولية وهو يرى تعبيراتها السعيدة بالطفل الصغير. ابتسمت بشدة تسأله: _هو إحنا ينفع ناخده؟ ضحك بشدة وهو يقرص وجنتها اليسرى يخبرها بحب: _لا ده ابنهم هما، إحنا هنجيب نونو أحلى منه. أومأت له بسعادة وهي تنظر للطفل. على جانب بعيد وقفت حلا تشعر بالغيرة الشديدة. هي حتى الآن لم تحمل ابن شقيقها. فمنذ أن استيقظت مني وأتى حسام به من غرفة العناية بالأطفال (الحضانة)
وهو في شدة السعادة. أنهال عليهم الجميع بالمباركات وتناولوا دورهم واحدًا تلو الآخر في حمل الرضيع الصغير من والديها إلى وداد، ثم هنا التي صرخت في جنون: _محدش هيشيله منهم قبلي، حبيب عمتو الواد العسل ده، إيه الحلاوة دي يا ولا، انت طالع عسل كده لمين.
قبلته بكثرة وهي تهتف بكلمات جنونية غير منمقة تدل على سعادتها الشديدة بالمولود. قبله مؤمن بعد أن أخذه من يديها وهو يضع في يده بعض وريقات المال كهدية صغيرة. بارك لكل من مني وحسام. ثم وضع الصغير في يد حازم وسحب يد مجنونته وتسللا من الغرفة يسرحان وحيدين في جو من الحب والجنون. ها هو الطفل الرضيع، منذ أن أمسك به حازم وغزل وهما لا يودان تركه. وهي حتى لم تنظر إليه حتى الآن!!
شعرت بالغضب والغيرة. اتجهت إلى غزل تطلب منها حمل الطفل. اتجهت إليها تبتسم بسماحة وسخف قائلة: _ممكن أشوف ابن أخويا يا غزل؟ حاولت إظهار كلماتها وهي تضغط عليها لتدل على قرابتها للطفل أكثر من غزل. شعر مراد بتأزم الحوار، لذا انضم إليهم يحيط زوجته بذراعه وهو يهتف لغزل بمرح: _إيه يا ست غزل مكلبشة في الواد ولا كأنك مش هتشوفي أطفال تاني، اديهولنا نلعب بيه شوية طيب. ابتسمت ضاحكة وهي تنظر للطفل ثم لمراد قائلة له:
_خده، أنا خايفة أرفعه ليتكسر.. هو طري أوي كده ليه؟ جملتها جعلتهم ينفجرون من الضحك. انحنى حازم يحمل منها الصغير ويضعه في يد مراد قائلاً لها: _هو النونو بيبقى كده، يلا بقي قومي خلينا نسيب مني تستريح. نهضت بالفعل تمسك بيده الممتدة لها. نظر لهم أنس قائلاً: _إيه يا حازم مستعجل ليه يا ابني؟ _معلش يا عمو علشان عندنا معاد مع دكتورة غزل، نطمن على النونو بتاعنا إحنا كمان.
قالها بحسن نية بينما يهنئ صديقه ويضع في يد طفله مبلغًا من المال كهدية أيضًا لحضوره بسلام إلى الدنيا. وقفت حلا تنظر له بغضب وحزن شديد. هو يتعمد الآن أن يقلب مواجعها مرة أخرى. هي ما تزال حزينة بسبب عدم حملها، وهو الآن يخبرهم بكل بساطة عن طفله القادم. تنهدت بحزن. نظر لها مراد وهو يبتسم بألم. ضمها يربت على شعرها بينما الطفل قد حُشر. يخبرها بهمس شديد: _افرحيلهم يا حلا، بكرة ربنا هيدينا اللي نفسنا فيه.
ابتسم بألم وهي تومئ له. ثوانٍ وكانوا يضعان الطفل بين يدي مني لتتولى مهمة إطعامه بعد أن انفجر في البكاء. هذا يكفي، لقد أطال السكوت بين أيديهم. وضعته حلا بين يدي والدته وهي تهتف: _يا باااي انت طالع زنزااان لمين يلا، أبوك وأمك مفيش أهدى منهم. _أكيد طالع للهبلة عمتو. نظرت بغضب لزوجها الذي تفوه بتلك الجملة. نفض رأسه وهو يخبرها سريعًا: _قصدي الحلوة عمتو. ابتسمت في رضا وهي تهتف: _أيوه كده، هتسموا إيه بقي يا حسام؟
_لسه مش عارف والله يا حلا.. بفكر أسميه على اسم بابا. _لا يا حبيبي سميه اسم جديد، كفاية انس واحد في العيلة. هتفت والدته بتلك الجملة وشعر برضى والده الكامل عن حديث والدته. لذا تنهد براحة، فهو لم يكن يريد أحزان والده بتسمية مولوده باسم آخر غير اسمه. نظرت له حلا بتفكير بينما تخبره: _اممممم، إيه رأيك أسميهولك أنا؟
أخبرته بصدق وكأنها تحاول تعويض شعورها بالنقص لعدم حملها. ابتسم لها حسام بحنان وهو يومئ لها ينتظر بلهفة الاسم الذي ستلقيه على مسامعه. ثوانٍ وكانت تخبره بسعادة: _إيه رأيك في اسم عمر؟ حلو وهيليق أوي على ابنكو. ابتسم حسام يخبرها بحنان وهو يقبل جبينها بسعادة: _خلاص هنسميه عمر.. مبروك يا أم عمر.
قالها بسعادة وهو ينظر لمني بحب شديد. شعر من في الغرفة بتوجب خروجهم الآن. لذا انسحبوا واحدًا تلو الآخر، وتركوا الغرفة فارغة على حسام وزوجته. انحنى يجلس بجوارها فوق الفراش يقبل جبينها هي وصغيرهما بسعادة بينما يخبرها: _حمدلله على سلامتك يا حبيبتي، متتخيليش أنا مبسوط إزاي. نظرت له بحب تهمس له بإرهاق: _أنا مبسوطة أكتر، شوفت عمر شبهك إزاي يا حسام؟
ابتسم بسعادة وحنان وهو يلتقط ابنه من بين يديها وقلبه يهتف بالسعادة الخالصة بعد رفعه لجزء من قلبه بين يديه. ابتسم يقبله بحنان وهو يضمه إلى قلبه. لقد رزقه الله بطفل تمناه كثيرًا وليس من أي أحد، بل من زوجته التي يعشقها حد النخاع. _نورت الدنيا يا عمر باشا.
قالها بصدق وحب شديد وهو يقبل ابنه. أبصرته مني بسعادة وحب وهي ترى السعادة البادية على وجهه وهو يحمل طفلهما الصغير، سعادة لم تكن تحلم بها من قبل. وها هو الله أعطاهما إياها دون مقابل. أغمضت عينيها تغوص في نوم عميق هادئ وهي تشعر بالأمان لوجود طفلها بين يدي والده.
جلس جوارها فوق الفراش ينظر داخل عينيها بحنان وحب شديدين. خمسة أشهر تحمل داخل أحشائها طفله أو طفلته. خمسة أشهر أذاقته فيهم الويلات مجتمعة بسبب وحمها الذي زاد عن حده. خمسة أشهر من قوانين تلك الطبيبة العجوز الشمطاء منعته فيهم حتى من تقبيلها. وأخيرًا مرت أولى أشهر حملها بسعادة لم تحلم يومًا أن تعيشها. ابتسم يقترب منها بحب يقبلها بنهم وشوق وهو يخبرها بسعادة: _وحشتيني.. وحشتيني أوووووي. ابتسمت بخجل. انحنى هو يقبلها بلهفة
وشوق وهو يهتف لها بحنق: _يا شيخة أبو العيال أبو الدكتورة أبو كل حاجة تمنعني من شهد شفايفك دي. نظرت له بغيظ يشوبه بعض الخجل وهي تلكمه بضيق على صدره قائلة بعبوس: _متقولش على ولادي كده تاني. _ولادي أنا كمان على فكرة، متنسيش إني السبب أصلاً. قالها وهو يغمز لها بمكر وجرأة. ازداد خجلها وهي تهتف بحنق: _سافل. ضحك بشدة وهو يهتف برغبة وشوق: _سافل سافل، أنا بقالي خمس شهور مؤدب، جه الوقت اللي آخد فيه حقي بيها.
قالها وهو ينقض عليها يدفعها أسفله. قبلها برقة وحنان وهو يشتاق لها ولجسدها بشكل لا يوصف. ثوانٍ وملأتها الرغبة هي الأخرى، فمنذ مدة لم تنعم بحياتها الزوجية معه بسبب حملها. بدأت قبلاته تأخذ منحنى أقوى، أعنف، وأعمق. تأوهت بتلذذ ومتعة وهي تبادله الحب ليغوصا معًا في عالمهما الخاص لمدة دقائق، بل ساعات.
ارتمى إلى جوارها يضمها إليه بتملك بعد أن شعر أنه قد أرهقها بكثرة. لولا أنه رأى الإرهاق البادي على وجهها وشعر بخطورة إكمال ما يفعله للحفاظ عليها وعلى جنينه ما كان ليتوقف أبدًا، فهو اشتاقها حقًا، اشتاقها بكثرررة. ضمها إليه بتملك وهو يبتسم بحنان. قبلها بسطحية بينما يضع كفه فوق معدتها يهمس لها: _نفسك النونو يطلع نوعه إيه؟ _عايزاه ولد. قالتها بخمول شديد وهي تدفن نفسها داخل حضنه براحة. نظر لها متسائلاً باستنكار:
_اشمعني ولد يعني؟ _لما شوفت ابن مني وشيلته لاقيته شبه حسام أوي، عاوزة ولد يبقى شبهك أوي زي ابن مني. ابتسم ضاحكًا. تلك الحمقاء لا تتعلم من درسها أبدًا!! ألم يخبرها من قبل أنهما لا يجب أن يتشبها بأحد، لا يجب أن يتبعا درب مني وحسام. ألم يخبرها ألا تنساق كالبعير خلف رغبتها في تجربة ما تفعله مني. تنهد بضيق قبل أن يخبرها: _بس أنا عاوزها بنت. _اشمعني بنت يعني؟
رددت كلماته في تحدٍ سافر. تلك الشقية لو تعلم كيف يعشق ترديدها لكلماته كالبلهاء. ابتسم يخبرها بصدق: _علشان عاوز نسخة تانية منك، عاوز أجمل وأحلى بنوتة ممكن ربنا يديها لحد، بنوتة تكون دلوعتي وحبيبتي، أعيشها ملكة وأحتويها جوه حضني، عايز بنوتة تكون حنينة وجميلة وهبلة زيك يا غزالتي.
نظرت له بامتنان وعيناها تلمع بتأثر. لقد جعلها ترغب هي الأخرى في فتاة مثله بعد تلك الكلمات. شعور رائع بالحب والاحتواء تشعر به الآن. يالله كم هو رقيق وجميل ذلك الرجل الرائع. أمسكت وجهه بكفيها تهمس له بحب: _أنا كمان عاوزة ولد يكون قوي وحنين زيك، ياخد بايدي لو وقعت، يسند أخته ويكون حاميها، ولد يكون شبهك في تصرفاتك وجمالك، يارب النونو يطلع توأم ولد وبنت. ابتسم بحنان وهو ينحني ليقبلها قبل أن يدفنها داخل أحضانه قائلاً
بمكر ومرح: _ولو مطلعوش توأم يعني، نجيبهم على مرتين أنا معنديش مانع. شهقت بمرح وهي تراه ينحني عليها مرة أخرى يتوج حديثه بالكثير من القبلات التي تثبت لها صحة حديثه عن إحضار أطفاله فرادى. لو لم تكن حاملًا لكان صغيره الآخر في الطريق الآن. ابتسم بمكر وهو ينهال عليها بالقبلات الحارة التي أشعلت جسدها من جديد. ثوانٍ وكانوا يغوصون في عالمهما الخاص، وحدهما دون تطفل.
مر أسبوع عادت فيه مني إلى منزلها مع حسام. وتناولت حياة دورها في خدمتها والاطمئنان عليها دائمًا بعد خروجها من ولادتها الأولى. فدائمًا ما يقولون إن أول مرة في الولادة هي أصعب المرات. وبالفعل كانت مني منهكة بكثرة بعد ولادتها، ولكن مع كل الاهتمام الذي حظيت به من الجميع انزاح ألمها، وهي ترى حب الجميع لطفلها البكري.
عاد حازم وغزل ليلاً من منزل حسام بعد أن قضيا اليوم كاملاً لدى أنس وحسام في يوم يُعرف لدى المصريين بيوم "السبوع". لقد كان احتفالًا رائعًا أسعد غزل. مع أنها لم تفهم لماذا تقفز مني على طفلها، ولماذا يوزعون الفشار والدمى البلاستيكية الصغيرة. ولكنها لأول مرة تحضر احتفالًا كهذا. أزعجها ذلك الذي لم تعلم اسمه حتى الآن "الهون". لقد كان تدق به وداد في الحفل اليوم. هي تراه دائمًا في المطبخ ولا تستطيع استخدامه. ولكن تواجده اليوم في يد وداد أثار دهشتها. وما أدهشها أكثر هو إصدارهم الضجة منه. كما كان أمر إلقاء الملح في أنحاء المنزل أمرًا غريبًا جدًا أذهلها بكثرة. وحين
سألت وداد أخبرتها بحنان: _بنرش الملح ده علشان العين والحسد، علشان محدش يا بنتي يبص في عمر العيل اللي حيلتهم وبعد الشر يحصله حاجة. رغمًا عنها ابتسمت باتساع وهي تغادر معه الحفل. لقد كان احتفالًا غريبًا من نوعه ومثيرًا لدهشتها. نظرت إلى حازم الذي كان قد تسطح إلى جوارها على الفراش بعد عودتهم وابداله ثيابه. نظرت له بتساؤل فهمه من نظراتها الغامضة ووجهها المتعجب. لذا بادر هو بسؤالها قائلاً: _مالك؟ عامله كده ليه؟
عاوزة تسألي على حاجة ولا إيه؟ أومأت له، بينما تسأله بفضول: _حازم هو أنا لما أولد النونو هتعمله سبوع زي بتاع عمر كده؟ _أكيد طبعًا، ده أنا هعمله سبوع أحلى من بتاع عمر كمان. نظرت له بفرحة وهي تسأله بلهفة: _وهنرش ملح، ونوزع فشار صح؟ بس أنا مش عاوزة أنط على النونو زي ما مني عملت في عمر النهارده، كانت هتقع عليه يا حازم ويموت.
ضحك بشدة وهو ينظر لها بقله حيلة من تلك البراءة التي لا يعلم من أين تحضرها. نظر لها بحب وحنان قائلاً لها: _هي مكنتش بتنط عليه يا غزالتي، هي كانت بتخطي عليه، بتخطي عليه يعني بتمشي براحة من فوقيه. _وهي بتعمل كده ليه؟ مش ممكن تقع عليه وتموت؟ لا، هي بتاخد بالها. وبعدين ما كل المصريين بيعملوا كده، يعني أنا أمي خطت من عليا وأنا صغير، وأنتي أمك خطت من عليكي وأنتي صغيرة، وكذلك مني وهنا وكل الناس. إيه ده بجد؟
طب هما ليه بيعملوا كده يا حازم؟ عادي يا غزل، عادة من عادات المصريين. يلا بقي عشان ننام يا حبيبتي عشان عندي شغل الصبح بدري. أومأت له بالموافقة وهي تندثر أسفل الغطاء بين ذراعيه، تغمض عيناها وهي تفكر في ما حدث اليوم وما سيحدث عندما يحضر مولودها. أغمضت عيناها تنعم بنوم مريح بين ذراعيه، ثوانٍ وكانت تغط في نوم عميق أثر الإرهاق طوال اليوم.
ابتسم بحنان وهو يقبل جبينها، عاد يندثر بين ذراعيها، ثوانٍ وكان يغط في نوم عميق هو الآخر بجوارها. قبيل الفجر بدقائق، استيقظ على صوت تألمها الشديد، كانت تتأوه بألم وهي تتلوي بين ذراعيه. استقام ينظر لها بتعجب وهو يهزها برفق يحاول إيقاظها، ظن في البداية أنها تحلم بكابوس ما، لذا حاول إيقاظها وهو ينادي عليها برفق. دقائق وفتحت عيناها تنظر له بتيه، أمسكت معدتها تتلوي بشدة وهي تصرخ بألم. انتفض ينظر لها بقلق متسائلاً:
غزل، مالك يا غزل. صرخت بألم وهي تبكي بشدة تخبره بتقطع: بطني يا حازم… بطني بتوجعني أوي. أزاح الغطاء من عليها وهو يخبرها بقلق: طب قومي، قومي نروح المستشفى… بتر جملته وهو ينظر إلى بركة الدماء التي تقبع هي داخلها بصدمة، لقد تلون الفراش بأكمله بالدماء. ماذا حدث؟ أهي تنزف حقاً أم هو يُهيأ له من كثرة قلقه عليها؟ لا لا، هذا ليس تهيؤاً، هي تركد بالفعل في بركة دماء، غزل تنزف بالفعل بل وبشدة.
وقف مصدوماً لا يصدق كم الدماء التي تنزف منها، وصراخها يتعالى من حوله. نظرت إلى بركة الدماء من حولها بفزع وهي تخبره بخوف: دم يا حااازم دم… الحقني هموووت يا حااازم. صرخاتها أفزعته أكثر وهو يقف كالمخبول لا يعلم ما عليه فعله. أسرع يبدل ملابسه في عجلة وهو يلبسها أول شيء أتى في يده. انحنى يحملها سريعاً وهو يتنفس بعنف تكاد دموعه تتساقط من هول منظر الدماء التي رآها حولها.
أخذ الطريق ركضاً إلى سيارته، أسرع بها إلى مشفى أنس وهو يمسك يدها يحثها على البقاء مستيقظة، وهو يشعر أن حثه هذا لم يكن لها بل كان لقلبه وعقله اللذان حتى الآن لا يصدقان منظر رؤيتها غارقة في بركة دماء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!