قلبه خُلع من موضعه، سيكون قليلاً على الحال الذي كان يتلبسه حين وجدها بين يديه غارقة في دمائها. هو حتى الآن لا يعلم كيف حملها بين يديه وهي تصرخ والدم يسيل منها هكذا. بل هو لا يعلم كيف استطاع أن يحضرها إلى المستشفى دون أن ينهار بجوارها.
لا يصدق أنها هي غزل، حبيبته وزوجته. هي من كانت بين يديه منذ قليل تموت من آلام معدتها وتلك الدماء الكثيرة التي كانت تنزف منها. فزع، كلمة قليلة. لوهلة ظنها قد انتهت دماءها. لوهلة ظنها قد ماتت حين سكنت صرخاتها داخل سيارته الخاصة وهو يقود بها ذاهباً إلى مستشفى أنس. لوهلة ظن نفسه فقدها للأبد.
تساقطت دمعاته الحبيسة دون إرادة منه وهو يرى هدوء صرخاتها واستسلامها إلى الظلام الدامس الذي كان يحيط بها. استسلمت، تغمض عينيها، تغوص في ظلام حالك بينما صرخ هو بفزع وهو يراها تغلق عينيها. شعر في تلك اللحظة أنه فقدها للأبد. لذا صرخ بشدة وهو يهزها بعنف: "غزل، فوقي يا غزل. لا تقفليش عنيكي. لا، فووقي يا غزل فووقي."
لا يعلم حتى كيف أوقف سيارته أمام المستشفى، ومتى نزل بها وركض إلى داخل المستشفى يصرخ في الأطباء والممرضين. لا يتذكر نظراتهم الغريبة والمفزوعة التي رمقوه بها. لما لا؟ أليس هو الشخص الوحيد المجنون الذي قد يأتي إلى المستشفى قبيل الفجر؟ ولكن ماذا يفعل؟ هو يخسر زوجته وحبيبته الصغيرة الآن. سيموت ويقتل نفسه إن توفت. سيلحق بها إن غادرت الدنيا. لقد أصبح مهووساً بوجودها وحبها.
لا يتذكر متى أتى أنس إلى المستشفى، ولا متى حضرت الطبيبة خاصتها. لم تكن حواسه منتبهة ليرى أي فرد من عائلته الذين التفوا حوله. لم يرى حسام أو ماجد، مؤمن أو مراد. لم يبصر أحد. كان فقط يبصر باب تلك الغرفة المقيته التي اختفت خلفها.
حاول كل من مراد، مؤمن، وحسام الوقوف إلى جانبه والشد من أزره، وطمأنته بأنها ستخرج معافاة. لكنه لم يكن يسمعهم، بل لم يكن يعي وجودهم من الأساس. حواسه جميعها منتبهة على باب الغرفة حيث اختفت. ينتظر أي شيء يطمئنه.
دقائق مرت عليه كدهر كامل. خرجت بعدها طبيبة غزل النسائية التي كانت مختصة بمتابعتها في فترة حملها، والتي كانت المستشفى قد أحضرتها على وجه السرعة بناءً على تعليمات أنس المشددة. خرجت بوجه مكفهر تنزع عنها القناع الطبي. نظرت ناحية حازم الذي ما إن رآها تخرج من الغرفة حتى انقض يمسكها من ذراعيها يسألها بلهفة عن زوجته. أزاحت يديه وهي ترمقه بحزن على حاله هذا، فيبدو شديد الحزن على حال زوجته. ما بال إذا علم ما حل بها؟!
تنهدت بشدة قبل أن تنظر له تخبره بعملية: "أنا آسفة يا أستاذ حازم، مقدرتش أنقذ الجنين. مدام غزل كانت واخدة حبوب للإجهاض نشطت هرمون الأوكسيتوسين زيادة عن الحد في جسمها فأدى لانقباضات عنيفة نزلت الجنين. أنا آسفة يا حازم بيه." وقف لمدة ثوانٍ في صمت يحاول استيعاب كلماتها. أقالت إنه خسر طفله الجنين الآن؟ أقالت أن غزل تناولت حبوباً لإجهاض طفله؟ أهذا حقيقي أم أنه يتوهم أم ماذا؟
لم تصدق أذناه ما سمعه. صرخ بعنف وهو ينقض على الطبيبة يرجها بعنف وهو يصرخ فيها بهستيرية وكأنه قد فقد الإحساس من حوله قائلاً بصراخ: "يعني إيه؟ إيه اللي إنتي بتقوليه ده يعني إيه؟ مستحيل! لا مستحيل يكون مات. إنتي أكيد اتجننتي." كان يهذي، أجل يهذي دون إدراك وهو يحاول منع دموعه من السقوط. أمسك كل من مراد وحسام به يبعداه عن الطبيبة بصعوبة شديدة. أفلتت الطبيبة من يده وهو لا يكاد يصدق. كيف هذا؟ كيف فقد طفله؟
هو لم يؤذها يوماً لتفعل به هذا. كيف طاوعها قلبها أن تتناول دواء كهذا؟ كيف قتلت طفلهما الذي كانا يتمناه بفارغ الصبر بدم بارد هكذا؟ تصنم لثوانٍ معدودة عقله يوازن ما حدث. وكأن ذكرى اشتياق كلاهما للطفل قد أيقظ عقله. كيف يمكن لغزل أن تقتل طفلهما؟ لا يمكن، هي كانت ترغب به بشدة أكثر من هو نفسه. كيف يمكن أن تقتله؟ هما البارحة كانا في حفل عمر ابن حسام. هل يمكن؟ هل يمكن أن يكون قد سقاها أحد ما هذه الحبوب ليتخلص من طفلهما؟
ولكن من قد يفعل شيئاً كهذا؟ وما مصلحته؟ اشتعلت عيناه بغضب وهو يفكر في احتمالية قتل أحدهم لطفله. سيتأكد من الحقيقة عند استيقاظ غزل. وإن صح تفكيره سيذيق من فعل هذا ويلات الألم والعذاب لأنه فكر في حرمانه من طفله. أغمض عينيه بألم وهو يحاول التماسك لعدم البكاء أمام رفيقيه تأثراً بما حدث بطفله الحبيب.
دخل يقتحم غرفتهما بغضب شديد وهو يتوعد لها بأشد عقاب. ما رآه اليوم في عين رفيقه من انكسار وحزن أعلمه أن ما حدث كان بالتأكيد من تدبير زوجته. دموع حازم كانت واضحة له. نبرة الانكسار الذي كان يسمعها منه كانت كفيلة بإشعال غضبه. وهو محق، لا يوجد أغلى من الأبناء قد يبكي الفرد عليهم. اقتحم غرفتهما ينظر لها بغضب. انتفضت تقف أمامه بخوف وهي ترى حاله الغاضب وكيف ألصق الباب بالجدار بغضب شديد. وقفت أمامه تسأله بقلق: "مالك يا مراد؟
فيه إيه؟ إنت رزعت الباب كده ليه؟ إنت كويس؟ زمجر بغضب وهو يمسكها من ذراعيها يعتصر بقبضتيه ذراعيها وهو يهتف بغضب وحنق متسائلاً من بين أسنانه: "إنتي السبب في اللي حصل لمرات حازم صح؟ تألمت بشدة وهي تخبره بتساؤل: "فيه إيه يا مراد؟ إنت بتكلمني كده ليه؟ وإيه اللي حصل لغزل؟ زفر بحدة وهو يجذ على أسنانها يخبرها بغضب: "متتمسكنيش يا حلا، إنتي أكيد عارفة إنها سقطت!
شهقت بعنف وتفاجأت، وملامحها تحتلها الألم والحزن. تجمعت الدموع في عينيها وهي تتخيل خسارة غزل وحازم لطفلهما المنتظر. زفر بحدة وهو يتوقعها تتصنع التفاجؤ. فهو يعلم أنها كانت تحسد زوجة حازم. ولكن بالتأكيد لم يصل الأمر معها أبداً للقتل! بدأ ذراعها يؤلمها من ضغطه فوقه، لذا بدأت تتأوه في صمت وهي تحاول إيقاف دموعها من التساقط تأثراً بما ألقاه على مسامعها. رجها بعنف وهو يهتف فيها بغضب:
"بطلي عياط ودموع التماسيح بتاعتك دي وفهميني. إنتي اللي عملتي كده فيها صح؟ إنتي اللي قتلتي ابنها! شهقت بعنف وهي تنظر له بلوم تبكي أكثر وهي تهتف بتبرير: "إيه اللي إنت بتقووله ده؟ استحالة طبعاً. أنا آه كنت بحسدهم على حملها لكن عمري ما تمنيت إنه يروح منها. مراد أنا بحب غزل وبعتبرها أختي الصغيرة. استحالة أعمل فيها كده أنا مش مجرمة!
صرخت بها بعنف في وجهه. نظر إلى عينيها واستشف صدقها، لذا لفظها من يديه وهو يستدير يزفر بعنف وغضب وهو يمسح وجهه بكفيه. جلست فوق الفراش تبكي بعنف وهي تتألم بسبب شكه فيها. من المفترض أنه هو من يبرأها إن شك أحدهم فيها، ليس أول من يشك فيها يكون هو. تنهد بعنف وهو يلتفت ينظر لها بحزن. جلس إلى جوارها على الفراش والتقطها بين ذراعيه يربت على شعرها هاتفا بندم وأسف:
"أنا آسف يا حلا، مش عارف أنا اتعصبت عليكي كده إزاي. بس الحالة اللي شفت فيها حازم النهارده بعد ما خسر ابنه خلاني مش شايف قدامي. أنا آسف يا حبيبتي." بكت بعنف وهي تتمسك به تخبره ببكاء: "ليه يا مراد ليه تشك فيا؟ المفروض إنت الوحيد اللي تبقي واثق فيا."
"أنا آسف يا حبيبتي، آسف. سامحيني الغضب أعمى." قالها وهو يقبل رأسها ويربت على كتفها. دقائق وتوقف بكاؤها. ظلت تحتضنه بحماية بصمت لبعض الوقت وعقلها مازال مشغولاً بالتفكير فيما مر به كل من غزل وحازم. تنهدت قبل أن تكسر الصمت تسأله بهدوء: "هو إيه اللي حصل لغزل يا مراد؟ سقطت إزاي؟ "خدت حبوب إجهاض." شهقت بعنف وهي تسأله باستنكار: "و هي تاخد الحبوب دي ليه؟ غزل كانت طايرة من السعادة بسبب البيبي."
"ممكن متكونش أخدتها بنفسها. حازم شاكك إن في حد شربها الحبوب من غير ما تاخد بالها." نظرت له بعتاب وهي تخبره: "و إنت طبعاً أول حد جه فدماغك إنه عمل كده هي أنا صح؟ تنهد بألم يخبرها: "أنا آسف يا حلا والله غصب عني مكنتش عارف أفكر وأنا شايف صاحبي بالحالة دي. سامحيني يا حبيبتي." قالها وهو ينحني عليها يقبل شفتيها. عبست بلطافة وهي تدير وجهها له تتصنع الحزن قائلة: "لأ لسه زعلانة منك."
"لأ يبقى أصالّحك بقى." قالها وهو ينظر لها بتسلية. ثوانٍ وكان يلقيها فوق الفراش يركض فوقها وهو ينهال عليها بالكثير من القبل، متناسياً زمانه ومكانه وجميع المشكلات التي تملأ رأسه.
جلس على المقعد المقابل للفراش الذي تنام عليه براحة داخل تلك المستشفى الكبيرة. جلس ينظر لها بألم لا يعلم أهي فعلت ذلك بنفسها أم أنه جُني عليها. ولكن في كلتا الحالتين ابنهما من دفع الثمن. تحررت دموعه بألم وهو يمسك يدها بحنان ينتظر استيقاظها. لا يدري لماذا يؤمن قلبه ببراءتها. لماذا لا؟ وهي تلك البريئة التي تخاف قتل نملة. أيمكن أن تقتل ابنها؟
بكى بألم وهو ينظر لها بألم أكبر. إن لم تكن تعلم بالأمر فكيف سيكون حالها عندما تستيقظ وتعلم بوفاته؟ بدأت تفتح عينيها بألم وهي تتأوه بخفوت. اقترب منها يستمع إليها وهو يهتف لها بحنان: "غزل، غزل سمعاني؟
أومأت بخفوت وهي تقبض بخفة يدها الموضوعة داخل راحة كفه. ابتسم بألم وهو ينهض يرفعها هي والوسادة التي خلف ظهرها يجلسها بعناية. جلس مقابلاً لها على الفراش ينظر لها يحاول تجميع كلمات مناسبة لسؤالها عن الأمر. بينما لفت هي الغرفة بنظرها، وهي تنظر لإبرة المحلول المغذي بيدها، ومقياس نبضات القلب المتصل بإصبعها. نظرت له بتساؤل، وكاد هو أن يتحدث حين سبقته تسأل بإرهاق: "حازم، هو إيه اللي حصل؟!
ذاكرتها تحاول استذكار ما حدث. أغمضت عينيها لبضعة ثوانٍ تتذكر ما حدث قبل إغمائها الطويل. انتفضت تفتح عينيها بفزع وهي تنظر اتجاهه تسأله بقلق شديد ودموعها تتساقط: "حازم، هو إيه اللي حصل.. بطني.. بطني كانت بتوجعني، والدم.. كان في دم كتير على السرير.. إحنا فين يا حازم وإيه اللي حصل؟! حسناً، من نظراتها الملتاعة ولهفتها الخائفة تلك يستطيع أن يدرك أنها لا تعلم شيئاً عن خسارتهما طفلهما. أغمض عينيه بألم لبضع ثوانٍ
قبل أن يخبرها بألم وحزن: "غزل، عاوز أقولك على حاجة." صمت قليلاً يحاول تجميع الحديث قبل أن يهتف لها مجدداً: "إنتي عارفة إن النونو ربنا هو اللي بيديهولنا صح؟ ولو عاوز ياخده مننا هياخده صح؟ أومأت له في صمت وهي تشعر بالألم في قلبها. تشعر أن حديثه القادم سيلف قلبها، لذا أغمضت عينيها تنتظر ما سيلقيه ويحطمها. بينما نظر هو لها بألم وحزن يخبرها بدموع حاول جاهداً حبسها ولم يستطع:
"ربنا خد مننا النونو بتاعنا يا غزل. هو كان مديهولك أمانة في بطنك علشان يكبر. وأهو.. أهو خده." قال جملته بأسى شديد وعيناه تذرف الدموع. فتحت عينيها بصدمة تنظر له بذهول تسأله بعدم تصديق: "إيه؟ بتقول إيه؟ لأ لأ مستحيل النونو بتاعي في بطني.. وهولده زي مني.. وإنت هتعمله سبوع زي عمر." صرخت بألم وهي تضع يدها فوق معدتها تبكي بحسرة. انتفض يضمها إليه بألم وهو يبكي معها طفلهما الأول الفقيد. ظلت تبكي وهي تصرخ بألم:
"ليه يا حازم ليه، لييه ربنا خده؟ أنا تعبت أوي علشان أخليه يكبر، أنا خدت حقن كتير ودوا كتير، ليه ربنا خده يا حازم ليه؟ بكى بألم وهو يضمها بشدة هامساً لها بحزن: "دي كانت أمانة وربنا استردها يا غزل. معلش يا حبيبتي ربنا هيدينا غيره إن شاء الله." "لأ يا حازم أنا عاوزاه، أنا عاوزة النونو بتاعي." صرخت بألم وهي تضربه بكفها فوق صدره. تركها تعبر داخل أحضانه عن ألمها. ألمها يضاهي ألمه أضعاف المرات. لماذا لا؟
هي كانت تحلم به لليال طويلة. هي من كانت تحمله داخل رحمها، وهي من كانت تتوق لولادته. أغمض عينيه يبكي بألم ولما لا يبكي؟ بكاء الرجل ليس ضعفاً أبداً. أغمض عينيه بتوعد في صمت شرس لمن تجرأ على إفقاده طفله. لقد أقسم بكل هذا الألم الذي رآه في عينها الآن أن يحضر قاتل طفلهما أمامها مكبلاً فتقتله هي كما قتل هو طفلها.
شعر بانتظام أنفاسها وثقل جسدها فوق جسده. علم أنها نامت. فانزاح يضعها برفق فوق الفراش، ينظر لها بألم وهو يلمس على وجهها. دثرها بحرص وهو يعدها بالانتقام بمن فعل ذلك بطفلهما الحبيب. قبل جبينها قبل أن يستقيم يجلس فوق المقعد المقابل لفراشها مجدداً يمسك كفها بين يديه يقبله من حين لآخر وهو يهتف لها بمئات الجمل من الاعتذار.
في الأيام التالية خرجت من المستشفى وكان حالها ليس أفضل مما كانت عليه داخل المستشفى. حالتها النفسية سيئة بسبب فقدها لطفلها. نصحت الطبيبة حازم بالسفر معها لأي مكان لإلهائها عما حدث وتحسين الجو النفسي لها. اجتمع حولها الجميع ما إن عادت إلى منزلها. الجميع أتى للاطمئنان عليها. بكت بشدة في أحضان مؤمن وهي تتمسك به بألم. مؤمن، ذلك الشقيق الروحي الذي دائماً ما كان بجوارها. أخاها الحنون الذي احتملها في جميع أوقاتها. انهارت في
البكاء داخل أحضانه تعزي نفسها بفقدها لطفلها. وحالها من سيئ لأسوأ. كل يوم تنهار هكذا في أحضان حازم وكأنه آخر طفل لها. هو يعلم أنها كانت تريده ولكن ليس بهذا الشكل من الألم. هي تؤلم قلبه أيضاً ببكائها المتواصل هذا. أصبح يخاف أن يتركها وحدها في المنزل ويذهب إلى العمل فتؤذي نفسها.
توالت الأيام وحالها كما هو. أعطى حازم "هنا" إجازة طويلة وطلب منها البقاء معها طوال اليوم أثناء وجوده في عمله خوفاً عليها من إيذاء نفسها أو شيء مثل هذا. يحاول إنهاء أعماله الكثيرة في أيام قليلة حتى يستطيع أن يأخذها في رحلة خارج البلاد لتغير حالتها النفسية تلك قليلاً. كان يجلس فوق مكتبه يدفن رأسه في الأوراق يحاول إنهاء عمله بأسرع وقت. يريد أن ينتهي ليعود لها. لم يكن يريد تركها في حزنها هكذا أبداً. ولكن ماذا يفعل؟
سينهار عمله. ويحتاج لأخذ إجازة لذا يجب أن يعمل لوقت إضافي حتى لا يهلك شركته. دلف حسام إلى غرفة مكتبه فرآه بهذا الحال. شعر بالشفقة من أجله، فهو هكذا منذ خسر طفله وهو يدفن نفسه في العمل. اتجه يضرب بكف يده فوق الطاولة ليجعله ينتبه لوجوده. رفع حازم رأسه عن الأوراق ينظر لفاعل تلك الحركة. وما إن أبصر حسام حتى عاد يدفن رأسه داخل الأوراق يتابع عمله بتركيز. نظر له حسام بشفقة وحزن وهو يهتف يحاول تلطيف الأجواء:
"إنت يا عم بقالي ساعة واقف هنا. مفيش تشرب شاي حتى؟ "حسام اخلص قول جاي ليه أنا ورايا شغل مش فاضيلك." "هو إيه اللي جاي ليه؟ حازم دوام الشغل خلص بقاله ساعتين. حرام عليك نفسك إنت مش شايف منظرك. دافن نفسك الأربعة وعشرين ساعة في الورق. مبتروحش بيتك إلا متأخر. سايب مراتك مع هنا طول اليوم. إنت بتنتقم منها ولا من نفسك ولا من مين؟ أنا عارف إن الضنا غالي وخسارة ابنك مش سهلة، بس حرام عليك إنت بتقتل نفسك وبتقتل مراتك معاك."
تنهد بإرهاق يلقي الأوراق فوق المكتب ينظر لحسام بألم وحزن وهو يخبره ببحة: "أعمل إيه يعني يا حسام؟ قلبي وجعني على ابني اللي مشافش النور. وغزل كل ما تشوفني تعيط. أنا عارف إنه من حقها بس بتصعب عليا أوي. بحاول أقنع نفسي إني أخلص الشغل بتاع الفترة اللي جاية علشان أعرف آخد إجازة وأسافر بيها بره البلد، بس مش عارف." تنهد حسام يخبره بضيق وحزن:
"حازم إنت عارف إنك لو حبيت تسافر الوقتي هتعرف تسافر وإنت مطمن على شركتك معايا. إنت اللي مش عاوز تسافر يا حازم. بتتلكك بأي حاجة علشان بس تهرب من مراتك." تنهد بأسى وهو يغمض عينيه بألم. ربت حسام على كتفه يخبره بحنان:
"متزعلش يا صاحبي بكره ربنا يرزقكم بطفل أحلى من اللي كان هيجي. قوم روح يا حازم اطمن على مراتك وخدها في حضنك طمنها. متنساش إنها هي اللي كانت حامل فيه، وهي وجعها أكبر. وخدها يومين سافروا في أي حتة تغيروا جو. ولو على الشركة متخافش يا عم وراك رجالة." قالها بمرح وهو يربت على كتفه. ابتسم حازم بحنان وهو يخبره بابتسامة ممتنة: "شكراً يا صاحبي."
وصل إلى منزله بعد أن أقنعه حسام بترك العمل والسفر معها إلى أي مكان. قرر أنه في الصباح سيحجز لكليهما في رحلة خارج البلاد. ولكن أولاً يجب أن يطمئن عليها. فبقاءها مع هنا فترات طويلة قد يقودها للجنون. يحتاج لضمها وتنفس عبقها. دخل إلى المنزل يبحث عنها يطوق لضمها، ولكنها غير متواجدة. صعد غرفتهما يبحث عنها ولكن لا أثر لها. هوى قلبه أسفل قدميه وهو يتوقع حدوث الأسوأ لها. هاتف هنا مراراً وتكراراً ولكن هاتفها مغلق. هاتف حسام يسأله إن كانت هنا قد عادت للمنزل، ولكن حسام نفى حضورها حتى الآن.
أصابته الصدمة وهو يتخيل اختطافها من قبل مجهول. مجهول حاول قتلها بالسم من قبل، ثم تخلص من جنينها والآن يختطفها!
أصابه الفزع وهو يركض حول نفسه يصرخ بشدة يحاول التوصل لأي شخص قد يساعده في العثور عليها. هاتف جميع أصدقائه في مخافر الشرطة، المستشفيات، الجمعيات الخيرية، دور الرعاية، النوادي والحدائق. الخوف والقلق نهشا قلبه دون رحمة وهو يتخيل قتلها الآن. صرخ بألم وهو يلكم نفسه عدة مرات. فهو السبب، هو من أهملها وأخذ موت طفلهما حجة لكي يهرب من لوم عينيها. وها هو الآن سيفقدها هي الأخرى كما فقد طفله. وكأنه لم يكن يكفيه فقدان طفله فقط ليفقد معه زوجته وحبيبته وطفلته الصغيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!