صعدت هيلين إلى الطائرة وجلست في مكانها، كانت تنظر من النافذة وهي تذرف الدموع. هل ستراهما أم أن الموت سوف يسرقهما منه؟ لم تلحظ هيلين الأشخاص الذين جلسوا بقربها، فقد كان الحزن مسيطراً عليها. قال صوت رجولي بقربها: "ما بك يا جميلتي؟ لماذا تذرفين كل هذه الدموع؟ ثم اقترب منها وأدار وجهها بيده وابتسم لها وقال: "مرحباً أيتها الجميلة."
لأول مرة في حياتها، يقول لها رجل هذه الكلمات دون أن يكون في عينيه نظرة اشمئزاز. ابتسمت وسط دموعها وأبعدت يده عن وجهها وقالت: "أنا بخير، شكراً." وهنا قالت فتاة تجلس بقربهما أيضاً: "أيمن، توقف عن إزعاجها. ألا ترى كم هي حزينة؟ قال: "أجل، ولكنني لا أحب أن أرى الدموع في عيون أي شخص." كانوا يتحدثون باللغة العربية. وعندها قالت هيلين بنفس اللغة: "شكراً، ولكنني حزينة بسبب مرض أبي وأمي." قال: "أنت تتحدثين اللغة العربية؟ قالت:
"أجل، هذا صحيح." قال: "ما هو مرض والديك؟ قالت: "لقد تعرضا لحادث سيارة وهما في المشفى الآن في حالة حرجة." قالت الفتاة: "أنا حنان، وأنا مهندسة حاسوب." قاطع الشاب كلامها وقال: "وإنها أيضاً هكر من النوع الخطير أيضاً." ضحكت حنان وقالت: "وهذا أيمن خاطبي، وهو مهندس أيضاً." قالت هيلين: "أهلاً وسهلاً بكما، وأنا هيلين، وأنا أيضاً مهندسة حاسوب." ثم أكملت قولها وقالت: "أنتما أول شخصين يشاهدان التشوه في وجهي ولا يشعران بالنفور."
ابتسم أيمن وقال: "لقد كنت أعاني من نفس التشوه، ولكن والدي صمم على إجراء جراحة تجميلية لي قبل عدة سنوات." قالت حنان: "رغم تلك الهبة التي خصه الله بها، إلا أنني لم أجد من هو أكثر وسامة منه حتى قبل أن يقوم بتلك العملية التجميلية." قالت هيلين لأيمن: "أنت محظوظ بها." قالت حنان: "بل أنا محظوظة به وبحبه." بعد فترة من الزمن، وجدت هيلين نفسها تتحدث معهما وتخبرهما بقصتها كاملة. عندما انتهت من سرد قصتها، كانت عيون
حنان تملأها الدموع وقالت: "أحسنت يا هيلين، قرار عودتك الآن هو عمل جيد. هل تعلمين بأنني أحلم أن أرى أبي وأمي مرة واحدة فقط؟ قالت هيلين: "لماذا لا تستطيعين أن تكوني مع والديك؟ قالت حنان: "توفي والداي بحادث سيارة عندما كان عمري أربع أعوام فقط. لقد عشت طوال حياتي في منزل عمي. كان هو أبي وزوجته أمي. لم أعرف الحنان إلا معهما، وطبعاً كان هناك ملاكي الصغير الذي حول حياتي إلى حب وسعادة." ابتسمت هيلين وقالت:
"أتمنى لكما السعادة." استمرت الرحلة لعدة ساعات، ومع ذلك كانت هيلين سعيدة بالحديث مع أيمن وحنان. وعندما وصلوا إلى سوريا، تبادلوا أرقام الهواتف. لم يترك أيمن وحنان هيلين أبداً، فقد قال لها بأنه لن يتركها حتى يتأكد من أن عمها وصل إلى المطار. توجه الجميع إلى المكان الذي يتم فيه استقبال العائدين إلى الوطن. وهناك، وسط الزحام، كان يقف رجل بعمر الأربعين تقريباً وهو يبتسم. توقفت هيلين
لدقائق وقالت في نفسها: "إنه هو، أجل إنه هو." ثم أسرعت إليه وألقت نفسها بين ذراعيه. عانقها بقوة وقال: "توقفي عن البكاء يا وردي." نظرت إلى وجهه وقالت: "إنه أنت، ولكن كيف ذلك؟ ابتسم لها وقال: "هذه قصة طويلة، والآن يجب أن نسرع إلى المشفى حبيبتي." ودعت هيلين أيمن وحنان وغادرت مع عمها.
كان الصمت سيد الموقف بينهما طوال الطريق، ولكنه لم يفلت يدها أبداً. وعندما وصلا إلى المشفى، تحدث مع الطبيب الذي سمح لهيلين بالدخول إلى غرفة والدتها. دخلت هيلين إلى تلك الغرفة ورأت والدتها كانت نائمة على السرير والأجهزة الطبية متصلة بجسدها الرقيق. اقتربت هيلين منها وهي تنظر إلى وجهها الشاحب. لم تستطع أن تحبس دموعها، فقد أصابها حزن شديد على والدتها رغم كل شيء. فتحت السيدة نهال عينيها ونظرت إلى وجه هيلين
وابتسمت لها بوهن وقالت: "أنت جميلة جداً يا بنيتي. لقد حلمت بك من قبل، ولكنك أجمل بكثير من الحلم." رفعت يدها، فأمسكت بها هيلين وجلست بجوارها على السرير. قالت نهال: "طفلتي الحبيبة، كنت أعلم بأنك لن تتخلي عني كما فعلت أنا بك عندما كنت طفلة. سامحيني بنيتي، أرجوك سامحيني. لقد كنت أماً سيئة جداً وأجبرت والدك على ذلك أيضاً. لا تلوميه يا طفلتي، فأنا السبب في كل ما حصل لك، وهو بسبب حبه لي وافق على كل طلباتي." اقتربت هيلين من
والدتها وقبلت رأسها وقالت: "أنا أسامحك يا أمي، أسامحك من كل قلبي." ابتسمت نهال وقالت: "طفلتي تملك قلباً طيباً كوالدها." ثم قبلتها وعانقتها بقوة. وهنا سمع طنين مزعج في تلك الغرفة. أجهشت هيلين بالبكاء، فقد خسرت والدتها وهذه المرة للأبد. دخل الأطباء إلى الغرفة وطلبوا من هيلين المغادرة وحاولوا إنعاش قلبها، ولكن دون فائدة. فعندما تغادر الروح الجسد، لا تعود إليه. كان سامر يقف في الخارج، عندما خرجت هيلين
إليه عانقها بقوة وقال: "لا تبكي يا وردي، لا أحب أن أرى دموعك." قالت: "كيف هو أبي؟ أريد أن أراه." قال: "إن والدك وضعه الصحي مستقر، إلا أنه دخل في غيبوبة." ثم أمسك بيدها وقال: "تعال، غرفته من هنا." فتح لها أحد الأبواب وقال: "إنه هنا." دخلت هيلين إلى تلك الغرفة وكان والدها نائم على السرير، شكله لا يختلف كثيراً عن والدتها. الأجهزة الطبية متصلة بجسده ويبدو شاحباً. اقتربت منه وهي ترتجف من الخوف والقلق عليه. جلست
بقربه وأمسكت يده وقالت: "أبي، أرجوك لا تتركني كما فعلت والدتي قبل قليل. أنا بحاجة لك هنا بقربي، أنا بحاجة لحنانك ولعطفك. أحتاجك يا أبي، أرجوك لا تتركني." اقترب سامر منها ووضع يده على كتفها وقال: "هيا يا وردي، يجب أن نعود إلى المنزل. أنت متعبة جداً ويجب أن ترتاحي قليلاً، وغداً سوف نعود إلى هنا. لا تقلقي على والدك، إنه قوي وعنيد ولن يستسلم بهذه السرعة."
غادرت هيلين مع عمها بهدوء، دموعها لم تتوقف للحظة وهو حاول أن يواسيها بكل الطرق الممكنة.
انطلقت السيارة تشق طريقها بسرعة. وخلال دقائق، توقفت السيارة أمام بوابة حديدية كبيرة. وبعد لحظات، فتحت البوابة ودخلت السيارة إلى حديقة ذلك القصر. قصر فخم يشبه قصور القصص الخيالية يتوسط حديقة لم ترى هيلين بجمالها أبداً. توقفت السيارة مجدداً أمام البوابة الداخلية. وخرجت هيلين وعمها من السيارة ودخلا معاً إلى بهو القصر. كان كل شيء في ذلك المكان مذهل، كل شيء راقٍ وأثري مع لمسات عصرية. اقتربت منهما سيدة
يبدو عليها الرقي وقالت: "أهلاً يا سامر، البقاء لله." عانقها سامر وقال: "شكراً يا منيرة." ثم ابتعد عنها وأمسك بيد هيلين وقال: "هل تعرفينها؟ قالت منيرة وهي تبتسم: "أجل طبعاً." ثم اقتربت منها وعانقتها وقالت: "أهلاً بك يا وردة." ابتسمت هيلين لها ولكنها لم تتحدث. قالت منيرة: "هيا يا صغيرتي، لابد وأنك متعبة. تفضلي غرفتك من هنا." صعدت هيلين خلف منيرة إلى الطابق الثاني. وأمام إحدى الغرف قالت:
"هذه الغرفة صممت خصيصاً لصاحبة هذا المكان." قالت هيلين: "هذه غرفة أمي." ابتسمت منيرة وقالت: "لا، هذه غرفتك يا طفلتي، وكل هذا القصر والممتلكات الأخرى هي ملك لك ولابني وسام." قالت هيلين: "كيف هي ملك لي؟ قالت منيرة: "هذه قصة طويلة، الآن ارتاحي قليلاً وسامر سوف يخبرك بالحقيقة كاملة." دخلت هيلين إلى الغرفة ونظرت حولها. لم تكن غرفة عادية، بل كانت أشبه بجناح الملكات في فندق خمس نجوم. قالت هيلين: "هل هذه غرفتي حقاً؟
قالت منيرة: "أجل يا بنيتي، هذه غرفتك." وأكملت: "لقد رتبت ملابسك التي كانت في حقيبتك داخل الخزانة، وقد جهزت لك الحمام أيضاً." وأكملت: "سوف أتركك الآن حتى ترتاحي. وإذا احتجت لأي شيء، فهذا الزر." وأشارت بيدها على زر على الجدار وقالت: "هذا جرس متصل مع غرفة الخدم، لا تترددي أبداً بالضغط عليه إن احتجت لأي شيء." ثم غادرت منيرة الغرفة. اقتربت هيلين من السرير الفخم وقالت: "ما هذا؟
إنه أضخم بثلاث مرات من سريري." كل شيء في تلك الغرفة كان مبهراً بالنسبة لها. ثم أخرجت ملابسها من الخزانة وتوجهت إلى الحمام. وهناك كانت المفاجئة الكبرى. كان حماماً ضخماً مزوداً بجاكوزي وساونا وسرير للمساج أيضاً. لم يكن مجرد حمام، بل هو مركز ساونا مصغر.
نزعت هيلين ملابسها بسرعة واستلقت في الجاكوزي على أمل أن يساعدها الماء الساخن على الاسترخاء قليلاً. وبعد فترة من الزمن، أكملت هيلين حمامها وارتدت ملابس نظيفة وتوجهت إلى السرير وغطت في نوم عميق. وفي ذلك الوقت، كانت منيرة تجلس مع سامر وتقول: "هل تريد أن تخبرها بالحقيقة كاملة؟ قال: "أجل، من حقها أن تعلم بأن شريكها في المال هو إنسان فاشل، لا يفعل شيئاً سوى تبذير الأموال وتدمير اسم مجموعة الشركات." قالت له:
"إن وسام ليس فاشلاً، وأنت تعلم هذا جيداً، ولكن تلك الأفعى هي السبب في كل ما يحصل معه." قال: "أجل أعلم، ولكن هيلين هنا الآن وهي التي سوف تعيده إلى رشده." قالت: "هل أنت واثق من كلامك؟ قال: "أجل، إنها ابنة أبيها وأمها، وهي عنيدة وذكية وسوف تدمر غرور ابنك وسوف تعيد اسم مجموعة الشركات إلى سابق عهده." قالت: "أتمنى ذلك من كل قلبي." قال: "لا تقلقي، أنا واثق من كلامي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!