خرجت هيلين كالمجنونة من قصر جورج وتوجهت إلى المطار وهي تبحث عنه في كل الوجوه، ولكن اسمه لم يكن بين أسماء الركاب. بحثت في كل الفنادق والمستشفيات ولكنها لم تعثر عليه، وكأنه تبخر تمامًا. دموعها لم تتوقف للحظة وهي تبكي على حبها الذي ضاع منها بهذه البساطة. عادت إلى قصر جورج وكان أيمن ينتظرها هناك. قال لها: هل كنت تبحثين عنه؟ قالت وهي تمسح دموعها: أجل، ولكنني لم أعثر عليه.
قال: لا تبحثي عنه بعد الآن، فقد تحدث إلي قبل قليل وقال لي أن لا نبحث عنه. سرعت هيلين إليه وقالت: هل تحدث إليك حقًا؟ كيف حاله؟ هل أخبرك إلى أي مكان ذهب؟ هل أخبرته بأنني أحبه وأنني نادمة على كل ألم سببته له؟ قال أيمن: لا، لم أخبره بأي شيء، لقد كانت مكالمة مختصرة. قال فيها: أنا بخير ولا تبحثوا عني، فلن تجدوني في أي مكان تبحثون فيه. ثم أغلق الهاتف.
أسرعت هيلين إلى غرفته وأغلقت خلفها الباب وعانقت وسادته وهي تبكي بحرقة وهي تصرخ بطريقة هيستيرية. وساااااااام. وبعد ثلاثة أشهر، كانت هيلين على متن الطائرة المتوجهة إلى أمريكا مجددًا، فهي مجبرة على الذهاب إلى هناك من أجل حضور زفاف إيزابيلا وجاك.
خلال الثلاثة أشهر الماضية، كانت هيلين تعاني من آلام الذكريات التي تلاحقها كيفما ذهبت، في المكتب، وفي المنزل، وفي غرفة نومه التي أصرت على البقاء فيها، رائحة عطره التي لا تستطيع النوم إلا عندما ترش بعضها على وسادته.
لقد أخبرها أيمن بكل الأسرار التي كان يخفيها عنها، أخبرها متى علم وسام بحقيقتها، وأخبرها بأنه قام بتسليم الدليل الذي يثبت تورط والدته في تجارة المخدرات للشرطة، وأخبرها بأنه في ذلك اليوم عندما وقف أمام القناص حتى يحميها بجسده، كان يحميها حقًا، لأن مجدي لم يخبره بخطته، ولو كان يعلم بهذه الخطة الحمقاء منذ البداية لكان أوقفها بأي شكل من الأشكال. فهو كان يخاف عليها أكثر من نفسه.
وإلى هذه اللحظة، هيلين تذرف الدموع حزنًا عليه، هي تعلم بأنه يتحدث مع أيمن، ولكنه يرفض الحديث معها. يؤلمها رفضه لها، ولكنها تعرف بأنه محق، فهي لا تلومه أبدًا، فهي عذبته وتسببت له بجروح عميقة في قلبه، ولكنها تشتاق إليه كثيرًا. وصلت الطائرة وترجل الجميع منها، وكان جورج وسيما وابنهما جوني في استقبالهما. جل لقد أنجبت سيما طفلًا وسيما يشبه والده تمامًا، وهو الآن يبلغ من العمر عشرة أيام فقط.
ابتسمت هيلين لذلك الطفل وحملته بيدها وهي تقبله وتستنشق رائحته الطفولية. نظرت إلى والدها وقالت: انظر أبي كم هو جميل. تحسس والدها رأس الطفل وقال: أجل، إنه شديد الوسامة والجمال يا صغيرتي. صاح جورج وهو يقهقه: إنه يشبهني تمامًا، أليس كذلك يا شعاع الشمس. ضحكت هيلين وهي تعيد الطفل إلى والدته وقالت: لا، بل هو يشبه والدته أكثر. قالت سيما وهي تضم طفلها: لا، إنه نسخة مصغرة من والده.
قهقه الجميع بصوت مرتفع، وبعد ذلك توجه الجميع إلى قصر جورج. وفي صباح اليوم التالي، بدأت الاحتفال بزفاف إيزابيلا وجاك. كانت إيزابيلا جميلة بثوبها الأبيض القصير الذي بالكاد يلامس ركبتها، وشعرها المرفوع إلى الأعلى بتسريحة بسيطة، ومساحيق التجميل الموضوعة على وجهها بعناية مما ضاعف جمالها. أما جاك، فقد تأنق بحلة باللون البني مع قميص باللون السكري وربطة عنق مناسبة مع حلته، وكان وسيما بشكل ملفت.
كانت هيلين تجلس بعيدًا عنهم وهي ترتدي ثوبًا أزرق اللون. كانت تراقب الزفاف بعيون دامعة، هي سعيدة من أجل جاك وإيزابيلا، ولكنها تفتقد زوجها، تشتاق له بجنون، ولكنه لم يعد بعد ولم يتحدث إليها حتى. كان أيمن وحنان يجلسان بقربها على نفس الطاولة، وقد ظهر بطن حنان بوضوح، فهي حامل منذ ثلاثة أشهر أو أكثر بقليل. ولكن بطنها واضحة للعيان. نظر أيمن إلى ساعته ثم ابتسم بخبث وأمسك بيد حنان وقال: هيا بنا نرقص حبيبتي.
وقبل أن تعترض، وضع هاتفه على الطاولة وأجبرها على مرافقته إلى ساحة الرقص. وبعد دقائق، بدأ هاتف أيمن بالرنين. حملت هيلين الهاتف ونظرت إلى رقم المتصل، ولكن لم يكن هناك رقم. خفق قلبها بقوة، فأيمن يقول بأن وسام عندما يحدثه لا يظهر رقمه على الشاشة. ابتسمت هيلين وفتحت الخط دون أن تنطق بحرف. وهنا سمعت صوته وهو يقول: مرحبا أيمن، كيف حالك؟ قالت هيلين بتلعثم: أنا هيلين يا وسام، أيمن يرقص مع حنان وقد نسي هاتفه.
عم الصمت للحظات، ولكن هيلين قررت أن تتحدث أخيرًا وقالت: وسام، هل تسمعني؟ قال: أجل، أسمعك. قالت: أريد أن أخبرك بأمر هام. قال: أعلم ما هو، لقد أخبرني أيمن بأنك مزقت أوراق التنازل التي وقعتها قبل مغادرتي، ولكنني لا أريد تلك الأموال، لهذا انتحر في التصرف بها. قالت: ليس هذا الأمر، هناك شيء آخر. قال وسام: هل وكلت المحامي من أجل قضية الطلاق؟ قالت: لا، لم أفعلها ولن أفعلها، هل تعرف لماذا؟
لأنني أحبك أيها الأحمق، أجل، أحبك بجنون. قال وسام: لقد تأخرت كثيرًا في هذا الاعتراف يا ورد، لقد تألمت كثيرًا بسبب حبك، وأنا إلى الآن أتألم. قالت: أرجوك عد إلي، فأنا لا أستطيع العيش بعيدًا عنك حبيبي. قال: هل تعلمين كم كنت أتمنى أن أسمع منك هذه الكلمات فيما مضى؟ قالت: أجل، أعلم، ولكنني كنت حمقاء ولم أعرف قيمتك الحقيقية حتى فقدتك.
قال: هيلين، أريدك أن تعلمي شيئًا واحدًا فقط، هو أنني أحبك بجنون، ولم ولن أحب فتاة أخرى مهما حدث، سوف أعود إليك يومًا ما، ولكن يجب أن تشفى جروحي أولًا. ثم أغلق الهاتف. بكت هيلين بحرقة ثم غادرت الحفل وعادت إلى غرفتها في قصر جورج، ولم تغادرها إلا إلى الطائرة التي أعادتها إلى سوريا. بعد ثلاث سنوات. أنجبت خلالها حنان طفلها الأول الذي أطلق عليه أيمن اسم وسام.
كما أن ميرنا زوجة سامر أنجبت طفلة جميلة حمراء الشعر تشبه والدتها، أطلق عليها اسم مريم. وجاك وإيزابيلا رزقا بطفلة أطلق عليها اسم روزا. هيلين فقد أمضت سنواتها الثلاث وهي تعمل كالرجل الآلي في الصباح، وتذرف دموعها شوقًا لزوجها وحبيبها ليلاً. لم تتحدث معه منذ ذلك اليوم في حفل زفاف جاك وإيزابيلا، وهي إلى الآن تنتظر على أمل أن يعود لها في يوم من الأيام.
وفي مكان آخر، وتحديدًا من على أعلى نقطة يسمح للسياح بالتوجه إليها على برج إيفل، كان وسام يقف هناك وهو يراقب هذه المدينة الرائعة التي عاش فيها لثلاث سنوات من عمره. كان يقف وهو يتذكر مكالمة مارسيل له قبل أن يتوجه إلى المقبرة من أجل مراسم دفن والدته. مارسيل هو صديق لوسام منذ أيام الدراسة، وقد طلب منه منذ فترة بعيدة أن يشاركه في مشاريعه الهندسية في فرنسا.
في البداية، كان وسام يرفض ذلك تمامًا، ولكنه وجد أن الهروب لفرنسا والعمل مع مارسيل هو الحل الوحيد حتى يهرب من حقيقته، وهو كان يعلم بأن هيلين ستبحث عنه في المطار، لهذا غادر أمريكا على متن الباخرة.
يعمل وسام الآن في أهم شركة هندسية في العالم بمنصب نائب للمدير، وقد جمع خلال الثلاث سنوات الماضية ثروة ضخمة جدًا، فقد كان يعمل ليل نهار على أمل أن يشغله العمل عن التفكير بها، ولكنها كانت ترافقه حتى في أحلامه، وكلماتها تلاحقه كيفما ذهب، صورتها لا تفارق خياله. ورغم أن كثيرًا من النساء حاولوا إغواءه، إلا أنه لم يستطع أن يخونها حتى ولو بنظرة. وبينما يقف وهو شارد في أفكاره، سمع صوت جوزيف
سائقه الخاص وهو يقول: سيدي، لقد بقي ساعة على موعد انطلاق الطائرة. ابتسم وسام وقال: هيا بنا يا جوزيف، فأنا متلهف كثيرًا لرؤيتها. انطلقت سيارة وسام التي يقودها جوزيف إلى المطار وهو يكاد يطير فرحًا، فغدًا هو ذكرى أهم يوم في حياته، لهذا قرر العودة في هذا الوقت بالتحديد، لقد طال غيابه وازداد شوقه لها، وهو متلهف لرؤيتها بعد كل هذه السنوات.
وبعدها، توجه وسام نحو طائرته الخاصة وجلس في مقعده وأغلق عينيه وهو يتخيل صورتها أمامه، وغط في نوم عميق، فهو لم ينم منذ يومين كاملين بسبب عمله. وبعدها، حلقت تلك الطائرة باتجاه الأراضي السورية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!