بقي وسام بين ذراعي هيلين وهو يبكي بحرقة حزنا على حالته وعلى أم لم تعرف يوما ما هي الأمومة. كانت هيلين حزينة عليه وتذرف الدموع بصمت وتقربه منها لعله يهدأ ولو قليلاً. وبعد فترة من الزمن سمعت هيلين صوت جرس الباب. أبعدت وسام عنها ثم نهضت بسرعة وتوجهت إلى الطابق السفلي. كان أيمن هناك هو وحنان. استقبلتهم هيلين وقالت وهي تجفف دموعها: "أهلاً بكما." قال أيمن: "أهلاً. كيف حال وسام؟ لقد سمعت بأنه كان في المشرحة بسبب جثة سوزي."
قالت: "أجل، لقد عاد من هناك وهو منهار تماماً. وقبل قليل سمع بخبر وفاة والدته وحالته الآن سيئة للغاية." قال أيمن: "أين هو الآن؟ أريد أن أراه." قالت: "إنه في غرفة نومه." صعد أيمن مسرعاً إلى الطابق العلوي. وبقيت حنان مع هيلين في غرفة الجلوس. دخل أيمن إلى غرفة وسام ووجده على السرير وهو منهار بشكل كامل ويبكي بصوت مرتفع. جلس بقربه وقال له: "البقاء لله." قال وسام بصوت مختنق: "البقاء لله."
قال أيمن: "هل أحجز لك على أول طائرة متجهة إلى أمريكا حتى ترى والدتك قبل دفنها؟ قال وسام: "أجل، أريد أن أراها قبل أن يتم دفنها." ثم أخرج هاتفه وتحدث مع عمه جلال وقال له: "أرجوك عمي لا تدفنوها قبل وصولي إليكم فأنا أريد رؤيتها." قال جلال: "لا تقلق، لن نقوم بدفنها قبل وصولك ووصول والدك." قال وسام: "شكراً لك." نهض من مكانه وقال لأيمن: "تحدث مع شركة الطيران، أريد أن أغادر الليلة." قال أيمن: "حسناً، لك ذلك."
ثم أسرع بالتوجه إلى الطابق السفلي حتى يخبر هيلين. أما وسام، فبقي في الغرفة وهو يدور حول نفسه. ثم أسرع بتجهيز حقيبته من أجل السفر، لكنه تذكر بأنه نسي بعض الأشياء في غرفة هيلين. فأسرع إلى هناك وفتح الخزانة. وأول شيء وقعت عينه عليه كان الملف الخاص بالتنازل عن أملاكه. أمسك الملف بيده وحمل أشياءه بسرعة وعاد إلى غرفته. أما أيمن، فقد أخبر هيلين بموضوع السفر وتحدث مع شركة الطيران.
ولحسن الحظ، كان هنالك أربع مقاعد على الطائرة المتوجهة إلى أمريكا وموعد إقلاعها بعد خمس ساعات فقط. أسرعت هيلين بتجهيز حقيبتها وانطلق الأربعة إلى المطار. في الوقت نفسه، توجه سامر مع ميرنا والأطفال إلى المطار أيضاً حتى يكونوا مع وسام في هذه اللحظات الأليمة. أما جلال، فقد كان في المشفى مع جاك وايزابيلا. كان جلال يشعر ببعض الألم في صدره، فهو لم يشف بعد ولا يزال يعاني من آخر أزمة قلبية أصابته قبل أيام.
ولكن ايزابيلا لاحظت ذلك وقامت بطلب طبيب خاص له حتى يقوم بفحصه. في المطار، صعد الأربعة على متن الطائرة. وكانت هيلين تجلس بالقرب من وسام وهي تمسك بيده. كان وسام مغمض العينين يتظاهر بالنوم، ولكن دموعه كانت أكبر دليل على أنه مستيقظ. لم تترك هيلين يده أبداً، حتى أنها طوقته بذراعها وغفت على كتفه. وعندما تأكد وسام من أنها غطت في نوم عميق، طوقها
بذراعه وقبل رأسها وهمس: "آسف حبيبتي، ولكنني لن أستطيع أن أبقى معك بعد كل الذي حصل." مضى الوقت سريعا، وقبل وصول الطائرة بساعة، كان جورج وسيما في طريقهما إلى المطار من أجل استقبال هيلين والبقية. قالت سيما: "ترى هل علم وسام بأن هيلين هي ورد نفسها؟ قال جورج: "لا، أيمن لم يذكر ذلك لي. قال بأن منيرة توفيت وهم قادمون من أجل أن يكونوا بالقرب من وسام في وقت الدفن."
وصل جورج وسيما إلى المطار ووقفا في مكان الانتظار لحين ترجل الركاب من الطائرة. حطت الطائرة وبدأ الناس بالمغادرة. اقترب أيمن من وسام ووضع يده على كتفه. وقبل أن يقول أي كلمة، فتح وسام عينيه وقال: "سوف نتبعكما حالا." غادر أيمن وحنان الطائرة. أما وسام، فوضع يده على شعر هيلين وابعده عن وجهها. ثم اقترب منها وقال: "هيا هيلين، استيقظي. لقد وصلنا." فتحت هيلين عينيها بتكاسل ثم نظرت إلى وسام وابتسمت. ثم طوقته بذراعيها
وقبلته برقة وقالت: "صباح الخير حبيبي." ورغم حزنه، إلا أنه ابتسم وقال: "استيقظي حبيبتي، نحن لسنا في منزلنا. إننا على متن الطائرة ونحن الآن في منتصف الليل تقريباً." نظرت هيلين إلى ما حولها وتذكرت بأن منيرة توفيت وكل أحداث هذا اليوم المشؤوم. أبعدت شعرها بيدها وهمست بخفوت: "آسفة، يبدو بأنني لم أكن قد استعدت وعيي بعد." ابتسم وسام وهو يساعدها على النهوض وقال: "لا عليك، هيا بنا." وغادرا الطائرة.
وصل أيمن وحنان إلى المكان الذي ينتظر به جورج وسيما. وهنا كان الاستقبال حافلا، فبالرغم من أن الفترة التي تعرف فيها جورج على أيمن كانت بسيطة جدا، إلا أنهما أصبحا خلالها صديقين حميمين وهما دائما على اتصال. ولم يكن استقبال هيلين ووسام أقل حفاوة. وبعد ذلك انطلقوا جميعا إلى المشفى لأن جورج أخبرهم بأن جلال أصيب بنوبة قلبية جديدة وهو هناك. كان الصمت مخيما على المكان، كل منهم غارق في حزنه. هيلين تبكي بصمت قلقة على والدها.
ووسام يبكي حزنا على كل ما يحدث حوله. أما البقية، ففضلوا الصمت لأنه الحل الأمثل في هذه اللحظات. خلال نصف ساعة، وصلت السيارة إلى المشفى وترجل الجميع منها ودخلوا إلى المشفى. وهنا كانت ايزابيلا بانتظارهم مع جاك. وبعد استقبال حافل، طلب وسام من ايزابيلا أن ترشده للمكان الذي تم وضع جثة والدته فيه. تعجب الجميع من قراره، ولكن وسام أراد أن يتوجه إلى هناك أولا حتى يفسح المجال لهيلين لكي تتحدث مع والدها بحرية.
توجه أيمن مع وسام وايزابيلا إلى المشرحة. بينما توجه البقية إلى غرفة جلال. دخل وسام للمرة الثانية إلى المشرحة. بدأ قلبه ينبض بقوة وهو يتذكر شكل جثة سوزي ورائحتها النتنة. أغلق أنفه بيده وهو يرتجف، كما أن لونه قد شحب بشكل واضح. لاحظ أيمن حالة وسام، فأمسكه بسرعة وقال له: "هل أنت بخير؟ قال وسام وهو يحاول التماسك: "لقد تذكرت شكل جثة سوزي ورائحتها، فهذا المكان يشبه تماما تلك المشرحة."
قالت ايزابيلا بينما تسحب بيدها درج الثلاجة التي تضم جسد منيرة: "السيدة منيرة حاولت الانتحار من قبل، لكننا تمكنا من انقاذها. ولكن في المرة التالية لم نستطع فعل شيء، فقد قفزت من النافذة ولم نستطع انقاذها، فقد توفيت فور سقوطها أرضا." مسح وسام دموعه واقترب من الثلاجة ونظر إلى جسد والدته الذي يغطيه قطعة قماش بيضاء اللون. نظر إلى وجهها ثم ابتعد وغادر المكان وهو يبكي بصوت مرتفع. تبعه أيمن وأوقفه أمام باب المشفى.
وقال له: "تماسك يا وسام، لا يجب أن تنهار بهذا الشكل." نظر وسام إلى السماء الخالية من القمر أو النجوم في تلك الليلة المظلمة وقال: "كيف أتماسك وأنا أرى جثثا في كل مكان أتوجه إليه. إن الموت يلاحقني كيفما أذهب." صمت أيمن ولم يستطع أن يقول أي كلمة، فوسام محق بكل كلمة قالها. بمجرد وصول هيلين إلى غرفة والدها، ألقت نفسها بين ذراعيه وأجهشت بالبكاء. طوقها جلال بذراعيه وقال لها: "اهدئي عزيزتي، أنا بخير. لا داعي للبكاء الآن."
نظرت إلى وجهه المجهد وقالت: "هل أنت متأكد من كلامك أبي؟ ابتسم عندما سمع منها كلمة أبي وقال: "أجل حبيبتي، أنا بخير لا تقلقي." ثم نظر حوله وقال: "أين هو وسام؟ قالت هيلين وهي تبتعد عن والدها وتجلس بقربه على الكرسي: "لقد صمم على رؤية جثة والدته أولا." وبعد ساعة، صعد وسام وأيمن إلى غرفة جلال. عانق وسام جلال وقال: "كيف حالك عمي؟ ابتسم جلال وقال: "أنا بخير بني، وأنت كيف حالك؟ تبدو مجهدا."
ابتسم وسام وقال: "أنا بخير، لا داعي للقلق." وبعد قليل، دخل سامر مع زوجته إلى غرفة جلال. ولأول مرة يجتمع فيها أفراد العائلة معا. وقبل الفجر، وصلت السيارات الخاصة بجورج وتم نقل الجميع إلى قصر جورج. أوصلت سيما الضيوف إلى غرفهم وتوجهت إلى غرفتها حيث كان جورج ينتظرها هناك. أما وسام، فقد فتح حقيبته وهو يتأمل محتوياتها. وهنا سمع صوت هاتفه فأجاب بسرعة. وبعد بضع دقائق، أغلق الهاتف.
أمسك القلم ووقع على أوراق التنازل التي أحضرها من غرفة هيلين. ثم أغلق الحقيبة وتوجه إلى الحمام حتى يستحم. وفي صباح اليوم التالي، توجه الجميع إلى المقبرة وتم دفن منيرة هناك بعد الصلاة على جثمانها. جلس وسام بالقرب من القبر وهو يتحسس التراب بيده وهو يقول: "كنت أتمنى أن تشعري بي وبحبي لك أمي، كنت أتمنى أن تحبيني ولو قليلا فقط يا أمي." ثم مسح دموعه وغادر المكان.
لم يكن وسام يعلم بأن هيلين كانت تقف خلفه وتستمع لكل كلمة يقولها وهي تذرف الدموع حزنا عليه. عادت هيلين إلى قصر جورج وتوجهت بشكل مباشر إلى غرفة وسام حتى تخبره بكل الحقيقة وحتى تعترف له بحبها وحتى تطلب منه أن يفتح صفحة جديدة معها. طرقت على الباب لكن أحدا لم يجيب. لهذا فتحت الباب ودخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب. بحثت بنظرها عنه ولكنه لم يكن في الغرفة. ثم لاحظت على السرير ملفا تعرفه جيدا.
اقتربت من السرير بسرعة وفتحت الملف حتى تتأكد منه ورأت توقيع وسام على كل الأوراق. وضعت يدها على فمها كي تكتم شهقتها. لقد وقع الأوراق ولكن كيف ولماذا؟ ولكنها عثرت على أجوبة لتساؤلاتها، فهناك رسالة داخل الملف. فتحت الرسالة وقرأت ما كتب فيها:
"زوجتي العزيزة ورد، أجل لا تتعجبي، فأنا أعرف هويتك الحقيقية منذ زمن بعيد. كنت أعرف بأنك عدت إلي من أجل الانتقام، وأنا لم أعترض، فقد كان الانتقام من الناس الذين أبعدوك عن عائلتك وحاولوا قتلك هو حقك. حتى أنني حاولت مساعدتك وقمت بتسليم شحنة المخدرات والأوراق التي تثبت بأن أمي تتاجر بها إلى الشرطة. كان لدي أمل بأن تشعري بصدق مشاعري تجاهك، ولكن الانتقام هو ما كان يهمك فقط. أحببتك، لا بل عشقتك بجنون، ولكنني كنت أريدك أن
تبادليني هذا الحب. لم أرد أن تسلميني نفسك حتى تصلي إلى غايتك بالانتقام مني. حاولت جاهدا أن أغويك ولكنني فشلت في ذلك. وبعد الأحداث الأخيرة، قررت أن أحقق لك انتقامك الأخير. لقد وقعت على أوراق التنازل، فهذه الأموال لم تهمني أبدا ولا حاجة لي بها. أرجو أن تهتمي بنفسك جيدا حبيبتي. أريدك أن تعلمي بأنني لم ولن أحب أي فتاة سواك، ولكنني لن أستطيع أن أطلقك، فأنا أريد أن أعيش وأن أموت وأنت زوجتي. وداعا حبيبتي، وداعا يا زهرة
قلبي."
انهارت هيلين بشكل كامل واجهشت في البكاء، فقد خسرت انتقامها وخسرت زوجها وحب حياتها. دخل أيمن إلى الغرفة وقال لها: "لقد أحبك بجنون وأنت أحببته أيضا، لكن غبائك جعلك تخسرينه بهذه الطريقة." نظرت هيلين إلى أيمن وقالت: "كنت أريد أن أخبره بأنني أحبه، ولكنه غادر قبل أن يسمع اعترافي." قال أيمن: "حمقاء، لقد تأخرت كثيرا في اعترافك، فوسام قرر أن يغادرنا منذ اللحظة الأولى التي عرف بها بخبر وفاة والدته." نظرت
إليه هيلين بذهول وقالت: "ولكن كيف عرفت أنت بهذا الأمر؟ قال: "لقد أخبرني وسام بذلك بعد خروجنا من المشرحة." نهضت هيلين وهي تصرخ وتبكي: "ولماذا لم تخبرني بذلك؟ لماذا يا أيمن؟ قال: "وما الذي كنت ستفعلينه؟ لقد كان وسام منهارا بشكل كامل وأنت كل ما كان يهمك هو انتقامك السخيف من رجل كان خطؤه الوحيد هو أنه عشقك بجنون." قالت: "كنت سأمنعه من السفر، كنت سأمنعه بأي شكل." قال: "لقد وعدته بأن لا أخبر أحدا بذلك."
قالت: "هل أنت صديقي أم صديقه هو؟ قال: "لقد كنت صديقك أنت وساعدتك على كشف الحقائق، ولكنني الآن أساعد صديقي الذي دمرت حياته بغبائك المطلق." ثم تركها وغادر الغرفة. وبقيت هيلين هناك وهي غارقة بدموعها ونحيبها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!