الفصل 20 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل العشرون 20 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
51
كلمة
4,603
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

جلست شارده فوق فراشها، ورغم جمال الغرفة التي أصبحت تُقيم فيها، والسعادة التي أتت بها لهنا، إلا أن كل شيء اختفى من داخلها. ضاع حلمها الجميل، ولم تبقَ إلا عباراته القاتلة تقتحم عقلها منذ تلك الليلة. "عايزاني أحط في حسابك كام يا صفا؟ عايزه كام لموافقتك على عرض الجواز؟ عبارة أحرقت قلبها الحالم، فأطبقت فوق جفونها بقوة. وقد عاد المشهد يتجسد إليها ثانية وهو يُضيف على حديثه دون أن ينظر إليها.

"مليون جنيه كويس يا صفا، لو عايزه أكتر أنا موافق."

ارتسم الألم فوق ملامحها، تهز رأسها رافضة لعلها تطرد كلماته. إنه وقف يُسعرها وكأنه يُسعر شيئًا يشتريه. سقطت دموعها، فلم تكن تظن أن هذا الرجل كحال شقيقه لا يمتلكون إلا المشاعر الباردة. لقد ظنته رجلاً كأبطال الروايات، ولما لا يكون مثلهم وهو يجعلها تشعر بمثالية أبطالها وتضحياتهم من أجل الحب. ولكن "أحمد السيوفي" كان مختلفًا تمامًا عن هذا الرجل الذي رسمته بخيالها، وقد ركضت وراء سراب واستمعت لقلبها.

فاقت من شرودها، وهي تستمع لبضعة طرقات فوق باب غرفتها. فاعتدلت على الفور، وكما توقعت، كانت الخادمة الجميلة تدلف لغرفتها، ولكن هذه المرة كانت تُخبرها أن السيد "أحمد" يريدها. خرجت من غرفتها، تهبط لأسفل حيث غرفة مكتبه. ولكن توقفت مكانها وهي تستمع لصوت ندائه باسمها. "صفا."

أطبقت فوق جفونها بقوة، فصوته يُذكرها بحديثه القاتل معه. وهو يعطيها المال من أجل موافقته على زواج لن تكون فيه إلا ضيفة وشريكة سكن لا أكثر ولا تحلم بأن تتطور علاقتهما. حذرها من الوقوع بحبه. كان جبارًا، قاسيًا وهو يقف أمامها وعيناه في عينيها يُخبرها أن تحترس. اقترب منها، بعدما ظنها لم تسمعه. فالتفت إليه. "أفندم؟

"هعمل تليفون لمصر، وعامر وماما عايزين يطمنوا عليكي. فأنا شايف إن وجودك جنبي وإحنا بنكلمهم هيطمنهم أكتر خصوصًا ماما." وابتسم بلطف وهو يتذكر حديث والدته عنه، وكيف أخذت توصية عليها ليلة أمس. والدته التي لا تحب الناس بسهولة، أصبحت هذه الفتاة لديها مكانة كبيرة في قلبها. أومأت برأسها إليه، فهذا من بنود العقد الذي وقعته، حتى تحافظ على ماء وجهها ولا يظنها إنها تسعى للتقرب منه، فلن تأخذ امرأة قلبه بعد زوجته الراحلة. ***

احتدت عيناه وهو يقترب منها، فتراجعت للخلف حتى التصق جسدها بالجدار. أغمضت عيناها بقوة، بعدما شعرت بأنفاسه قربها. "أنا مش قولتلك احترم عيلتي من احترامي." حركت رأسها بخوف، فضاقت عيناه وهو يرمقها. "كلامي متنفذش ليه؟ وبصعوبة، كان يخرج صوتها من شدة ذعرها من نظراته القوية. "أهانتني في بيتي." التقط ذراعها بقسوة، وقربها منه. فانصدمت بصدره الصلب وخرجت شهقتها بفزع. "وأنتِ فاكرة نفسك هانم في بيتي، تهيني أهلي وتطرديهم؟

"أنا مطردتش حد." دفعها نحو الجدار، فارتصم به جسدها، لتصرخ متأوهة. "وأروى أختي ومرات فاخر أخويا هيكدبوا برضه، ونيرة اللي غرقتيها بالعصير؟ هقول إيه عن تربية... وقبل أن يُكمل عبارته، كانت تهتف صارخة. "متغلطتش في أهلي، أهلي شرف مليون مرة من واحد زيك." تعالى صوتها هذه المرة بقوة، فعاد يلتقط ذراعها بقسوة وقد عاد الوعيد لعينيه. "لو دفنتك دلوقتي، محدش يقدر يسألني عملت كده ليه." شعرت بالاختناق وهو تشعر بكفيه، تحاوط عنقها.

"بكرة تروحي بيت العيلة تخدمي وسط الحريم، وحسك عينك أسمع ليكي صوت تاني." التقطت أنفاسها بصعوبة بعدما دفعها بقوة عنه، قد كاد يقتلها هذا الوحش الذي لم ترَ مثيل في جبروته. *** ظلت تتأمل ظلام الليل من الشرفة الصغيرة المفتوحة، وكأنها تنظر إلى ظلمة قلبها الذي فقد الحياة من شدة ظلمته. سقطت دموعها، كحال كل ليلة. فلم تعد تعرف أي ليلة باتت فيها دون أن تبكي فوق وسادتها حتى تثقل جفونها وتسقط نائمة.

كان الظلام يُحاوط الغرفة، ولم يكن حال قلبها إلا شبيهًا بتلك الغرفة المظلمة. طالعت أجساد أولاد شقيقه. فمنهم من يغفو أرضًا وآخرين فوق الأسِرَّة الصغيرة ذو دورين. أسرعت في مسح دموعها، عندما التقطت عيناها ابن أخيها، وهو يستيقظ ويفرك عيناه بقوة يبحث عنها كعادته. اقترب منها بلهفة، يرتتمي فوق جسدها، ضمته إليها بقوة تلمس فوق خصلاته الناعمة تسأله بحنو. "صحيت ليه يا حبيبي؟ "حلمت بالعفريت يا عمتو، كان عايز ياكلني من رجلي."

ابتسمت على حديثه، فبالتأكيد قد قص عليه أحد إخوته. حكاية من حكاياتهم حتى يجعلوه يخاف وينام على الفور دون أن يزعجهم بحديثه وأسئلته الكثيرة. "محمد وعلي بيضحكوا عليك عشان عارفين إنك بتخاف." ابتعد عنها الصغير ونظر لها ببراءة يسألها عن كذب أخوته. "يعني هما بيكدبوا عليا؟ أومأت له برأسها، فهز رأسه هو الآخر. "أنا هفتن عليهم، لما يروحوا يلعبوا كرة، ويهربوا من المدرسة."

ورغمًا عنها كانت عيناها تدمع من الضحك. بسبب توعد الصغير لإخوته، شاركها الصغير الضحك وهو يتثاءب وقد دس رأسه في حضنها. "أنتِ اتأخرتي ليه النهارده يا عمتو؟ "كان عندي شغل يا حبيبي." "هتجيبيلي اللعبة اللي قولتيلي عليها؟ وضعت قبلة فوق رأسه، تخبره بالجواب الذي ينتظره. "هجبهالك يا حبيبي." اتسعت ابتسامة الصغير، وعانقها، يُخبرها أنه يحبها كثيراً وكثيراً. "احكيلي حدوتة كل يوم يا عمتو." ***

وفي ناحية أخرى من هذا البيت القديم، كانت إحداهن تبث السموم في أذنين زوجها. "هنفضل لحد إمتى يا رجب نستحملها؟ أنا تعبت بقي، نفسي أحس إني ست البيت ده لوحدي." وتابعت حديثها بحنق، فقد فعلت الكثير حتى تجعلها تفر من البيت دون رجعة. لكنها كانت كاللعلقة في حياتهم. مهما أسمعتها من عبارات متهمة لا يتحملها أحد، تنظر إليها مبتسمة بل وتشكرها. "أنا ذنبي إيه إن أختك المعنسة ديه تفضل عايشة معايا؟

نفث الراقد دخان سيجارته المحشاة بالحشيش بتمهل، وقد بدأ يشعر بالضجر من حديثها الذي لا ينقطع عن شقيقته، فماذا سيفعل لها؟ هل يطرد شقيقته من منزل والديها أم يطلقها ويرتاح من حياته ومن ثرثرتها؟ عاد يسحب نفسًا عميقًا من سيجارته، لعله يذهب لعالم آخر ويفقده تركيزه ويرى الحياة وردية وجميلة. "كفاية بقى وجع دماغ يا سناء، هو انتي مبتزهقيش؟ وبضيق كانت تتمتم، بعدما سحبت منه سيجارته. "لا مبزهقش يا رجب."

التقط منها السيجارة حانقًا، فامتعضت ملامحها. "هفضل لحد إمتى أقولك إن حياة ليها نصيب زيها زي أي حد في البيت." وبضيق كان يردف. "ده لولا شغل حياة أختي ومساعدتها لينا في المصاريف كان زمانا بنشحت، وبنربيلك العيال، وعمرها ما اتأخرت عنك في حاجة. تنسي الجزمة اللي لسه جايبهالك الشهر اللي فات؟ "اتقطعت يا أخويا." هتفت حانقًا، فاشاح رجب عيناه عنها. فلو نطق بكلمة أخرى سيكون طلاقها.

اقتربت منها، بعدما وجدته يبتعد عنها، تُداعب صدره بأناملها مستخدمة سلاحها الآخر، وقد استطاعت جذبها إليها وقد لمعت في عينيه الرغبة. "يا رجب وافق تجوزها لمسعد أخويا." أوهت في صدمة، بعدما دفعها عنه ونهض من فوق الفراش. "أجوزها لمين يا أختي؟ لمسعد أخوكي تاجر المخدرات؟ نامي يا سناء بدل ما يطلع عليكي صبح." ***

تعلقت عيناه بتلك الزاوية التي كانت تجلس بها تترجم له بعض الأوراق. تلمعت عيناه وهو يتذكر مشاغبتها وثرثرتها الدائمة، حتى إنها لم تكن تهابه مهما صرخ بها وجعلها ترى وجهه الصارم. عاد السكون لقصره ثانية، وقد عاد الخواء يحتل قلبه مجددًا. فاق من شروده، بعدما تقدمت منه الخادمة بفنجان قهوته وتنحنحت حرجًا وهي تضعها أمامه. "القهوة يا بيه، حضرتك عايز مني حاجة تانية؟ "شكراً يا سعاد."

أسرعت في الانصراف عائدة للمطبخ بعدما أعطاها جوابه، عاد لشروده ثانية وهو يرتشف من فنجان قهوته. متذكرًا هذه المرة، المرأتين اللتين مروا بحياته وكلاهما أحبوا شقيقه. فريدة التي غادرت البلاد منذ يومين وقبل رحيلهم سعت للقاءه ثانية ولكن هذه المرة لم يسمح لها برؤيته. وأميرة التي هاتفته اليوم تشكره على ما فعله معها وإنقاذه لها، ومنحها فرصة جديدة في بلد آخر، ترددت عبارتها الأخيرة له وكأنها كانت تدعو عليه بالشر.

"أتمنى يجي اليوم اللي تحب فيه، وتعرف يعني إيه حب يا عامر." سرعان ما كان ينفض رأسه من أفكاره، للمرة التي لا يعرف عددها يهتف لحاله. "أنا والحب طريقنا بقي مستحيل، ولو فكرت أتجوز هتكون مجرد ست عارفة دورها كويس في حياتي، للمتعة وبس." بصعوبة كان يُدلك عنقه، لعله يسترخي قليلاً، ويعود لمطالعة ملفاته وعمله الذي لا ينتهي ولا يريد له نهاية، فهولا يجد نفسه إلا في نجاحه واتساع مشاريعه.

ولكن توقف فجأة وهو يتذكر تلك الهدية التي يجب عليه جلبها. لعيد ميلاد ابن صديقه أكرم. حاول تذكر اليوم الذي أبلغه فيه عن موعد حفل الصغير. لتتسع عيناه وهو ينهض عن مقعده غير مصدق أنه الليلة وعليه الذهاب لإحضار هدية أولاً، فقد أخذ منه أكرم وعدًا. ***

وقفت تُطالع متجر الألعاب الضخم، الذي يقابل متجرهم. وقد علقت عيناها باللعبة التي رآها ابن شقيقها، عندما أتى معها هنا منذ عدة أشهر. ومنذ ذلك الحين يُخبرها عن هذه اللعبة. حتى إنه ادخر المال من مصروفه الصغير لتجلبها له. ابتسمت بمرارة وهي تتذكر فئة المائة جنيهات وهو يُعطيها لها. يُخبرها أن تجلب له اللعبة بها، والصغير ينتظر اللعبة التي لا يقل ثمنها عن سبعمائة جنيهاً. صحيح ليست باهظة الثمن كاللعب الأخرى ولكنها لا تستطيع تحمل تكلفتها، خاصة أن سناء لا تضع أمامها فرصة لتدخر شيئًا أو تجلب حتى شيئًا لحالها، غير الهاتف الذي ما زالت تدفع قسطه ولم تهنأ به. فالهاتف يحتاج للمال حتى تصلحه.

اتسعت حدقتاها وهي تحدق في ذلك الرجل الذي تتذكر أن رأته من قبل. إنه هو من أسقطها أرضاً بعدما صدمها بسيارته. رأته وهو يُخرج المال بعدما اشترى هدية من المتجر، فعُلقت عيناها بالهدية التي كانت تجاور اللعبة التي يريدها ابن شقيقها. تدعو الله أن لا يشتريها أحدًا. ولكن عيناها قد لمع بهما الفزع وهي تراه يأخذ اللعبة الأخرى ويدفع ثمنها.

أسرعت لداخل المتجر، تخبر صاحبة المتجر، وتنظر نحو الفتاة التي تعمل بالمتجر، وقد طالعتها بأسف، فصاحبة المتجر هنا اليوم، ولن تستطيع التفوه بشيء وإخبارها أن هذه اللعبة قد حجزتها منذ أشهر حتى يتوفر المال معها وتأتي لأخذها. "اللعبة دي أنا حاجزها يا مدام سماح." ضاقت عينين الواقف، وقد تذكرها. إنها هي الفتاة التي صدمها بسيارته. تجاهلتها صاحبة المكان. ونظرة نحو العاملة. "إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا زينة؟

هتفت الواقفة بتردد، بعدما رمقت "حياة" بأن تصمت. "حياة من مدة طلبت تشتري اللعبة، وأنا قولتلها طول ما اللعبة موجودة، تقدري تاخديها بعد ما تجمعي تمنها." أومأت السيدة سماح برأسها، تنظر نحو حياة التي وقفت مرتبكة من نظرات الواقف. "اللعبة اتباعت خلاص." وعادت تصب اهتمامها نحو "عامر" الذي أشاح عيناه عنها. "محتاج حاجة تانية يا فندم؟

غادرت "حياة" المتجر بحزن، تتذكر ابن شقيقها وكيف سيحزن لأنها لم تبتاع له اللعبة. اتجهت نحو المتجر الذي تعمل به فقد انتهى وقت راحتها وعليها العودة. "أنتِ يا أستاذة." هتف بها "عامر"، وقد أسرع إليها بخطواته. يمدّ لها اللعبة منتظراً أخذها منه. "اعتبريها تمن تصليح التليفون." لم تجبه بشيء، فترك حقيبة اللعبة جانبها متمتمًا. "لحد ما تفوقي من صمتك، اللعبة جنبك."

وانصرف دون أن يلتفت مرة أخرى، ورغمًا عنها كانت تزيل كبرياءها جانبًا وتنحني لتلتقط اللعبة. فلم يعد بيدها شيء غير القبول. *** جلس فوق فراشه يطالع هيئتها في بيجامتها القطنية ذات اللون الوردي باستخفاف. فالتفت بجسدها ناحيته بعدما عدلت من وضع فرشتها على تلك الأريكة. فعاد هو للعبث في هاتفه. "جنه: هو أنا ممكن أروح أنام في أي أوضة تانية؟ البيت كبير وفيه أوض كتير." وببرود كان يُجيبها، بعدما رفع عيناه عن هاتفه. "لا."

ونهض من فوق الفراش، مقتربًا منها، فازدردت لعابها من قربه وتلك النظرة التي يرمقها بها وكأنه يتوعد لها. "أحمدي ربنا إني بنيمك على الكنبة، ورحمتك من نومة الأرض." اتسعت عيناها غير مصدقة حديثه، فهل كان سيجعلها تغفو فوق الأرض؟ اتجه بعينيه نحو الفراش وأشار أسفل مكان رقدته، فشعرت بالذل وابتلعت غصتها وهي تشيح بعينيها عنه.

جلست على أريكتها وقد تجاهلت عبارته، وتسطحت فوقها تحت نظراته المحلقة بها، فاسرعت في رفع الغطاء عليها وضمته حول جسدها بإحكام، رغم شعورها بحرارة الجوف. ضحك ساخرًا على فعلتها. "بكرة أنا مسافر القاهرة. مش عايز أرجع وأسمع حد بيشتكي منك في حاجة. تنفذي كلامهم من غير اعتراض. ومش عايز أقولك مكانتك إيه هنا."

وبنظرات قد بدأ الخواء يحتلهما، أخبرته بمكانتها التي أصبحت تعلمها، ولا تلومه. فقد تركها والدها مع عائلته القاسية دون أن يفكر في مصيرها. "مقامي خدامة، يا جاسر باشا." وبابتسامة جامدة كان يرمقها، قبل أن يغفو براحة فوق فراشه. ***

أخذ العرق يتصبب فوق جبينه، فاعتدل بصعوبة، يلتقط أنفاسه، يشعر بالسخنة تجتاح جسده. لقد مرض بسبب وقوفه الدائم في الشرفة دون أن يهتم ببرودة الهواء. نهض من فوق الفراش يلتقط حبة دواء لعلهها تُسكن الألم، ولكن سرعان ما انتبه أن دورق الماء فارغ وبتعب كانت يسير بخطوات مرهقة، يهبط الدرج حافي القدمين ويبتلع لعابه بصعوبة. تيبث مكانه على أعتاب المطبخ، يُحلق في ذهول، فقد كانت منكبة على الطعام. تأكل بشراهة من شدة جوعها.

ابتسم بإرهاق. وسار ناحيتها وقد حاول أن يتجاهلها حتى لا يُحرجها، ولكنها انتفضت مفزوعة وقد تركت الملعقة وأخذت تمضغ الطعام بسرعة. "أصل كنت جعانة." هتفت عبارتها وهي تبتلع بقية الطعام العالق في حلقها. وفرت من أمامه مهرولة قبل أن يتحدث هو بشيء، فالتقط كأس الماء الموضوع فوق طاولة المطبخ. وارتشف منه وهو يتذكر هيئتها الطفولية ويبتسم. ***

كانوا جميعهم يضحكون إلا هي، تتماسك أمامهم حتى لا تبكي من حديث أروى وما يزيده أكثر حديث ابنة خالتها اللاذع. فأروى تستطيع أن تتحملها وتلتمس لها العذر فهي وحيدة أخويها ويتيمة فقدت والدتها منذ الصغر. ولكن تلك الأفعى لماذا تأتي كل يوم إلى بيت العائلة، لتلعن قرار هذا الظالم في أمرها بأن تذهب إلى بيت والده كل يوم صباحًا. انتبهت على صوت عمتها وهي تناديها. "تعالي يا جنه أنا عايزاكي يا حبيبتي."

فنهضت "جنه" تُلبي طلبها، وقد خلصتها أخيرًا عمتها من جلستهم، هاربة من نظرات السخرية من زوجة فاخر شقيق زوجها وأروى وعلى رأسهم أفعاهم الكبيرة ابنة خالتهم شقيقة هدى زوجة فاخر. يا الله عائلة مكتملة وهي الوحيدة المنبوذة بينهم. كل هذا كانت تتمتم به بين طيات نفسها. وقفت في منتصف غرفة عمتها، فاقتربت منها "منيرة" تضمها بحنان ثم أبعدتها لتمسح فوق خديها.

شعرت بالأمان وهي تراها تعود لضمها مجددًا، ولن تنكر أن عمتها حنونة معها، لا يستطيع أحد التفوه بحقها بشيء أمامها. "أنا حاسة بيكي يا جنه، وشايفة معاملة جاسر ليكي يا بنتي. بس جاسر مينفعش معاه الضعف لازم تبقي أقوى، اتمردي عليه يا بنت أخوي وأنا معاكي." تنظر إليها جنه، وقد صدمتها عباراتها، فهل تطلب منها أن تتمرد وهي التي كانت تخبرها أن الزوجة العاقلة لابد أن تكون صامتة. تسمع وتنفذ فقط.

"بس جاسر بيعاملني كويس يا عمتي، هو بس طبعه شديد." حافظت على كبريائها وكبريائه معًا، فحدقت بها منيرة تستعجب عباراتها، فالذي يظهر أمامها على عكس ما تسمعه منه. "أنتِ متأكدة يا بنت أخوي، ولا بتداري عني؟ أومأت لها برأسها، تتهرب من نظراتها، فهي بالفعل كاذبة. جاسر ليس إلا قاسي، متحجر القلب.

"بنت أصول يا جنه، وابن أخوي في يوم من الأيام هيحمد ربنا إنك بقيتي مراته ومن نصيبه. الراجل مسيره في يوم بيعرف قيمة النعمة اللي في إيده يا بنتي." وهل سيأتي هذا اليوم؟ هتفتها داخلها ساخرة. ولكن كان هناك سؤال يلح على ذهنها. "جنه: جاسر طلق مراته ليه يا عمتي؟ وهي ماتت فعلاً ولا لسه عايشة؟ تلاشى الاسترخاء من فوق ملامح منيرة، وابتعدت عنها تنظر نحو الشرفة المفتوحة.

"سيبي الماضي في حاله يا بنت أخويا، وبكرة كل حاجة هتنكشف ليكي. المهم حربي في معركتك كويس عشان تنتصري، وبلاش تبقي ضعيفة خليكي ذكية." وأشارت منيرة نحو عقلها وهي تضحك، وتابعت حديثها. "عايزة أشوف ذكاء الست فيكي." طالعتها "جنه" في صمت، وقد بدأت تفهم حديثها رويدًا. منيرة لم تضعها في طريق ابن أخيها إلا لتتغلب على قسوته، وتمحو ذكرى امرأة أخرى من داخله.

"أروى طيبة هتقدري تكسبيها بسهولة، ومرات فاخر هي بس محروقة عشان جاسر مرضيش يتجوز أختها. بس هبلة ويقدر يضحك عليها. بس خدي بالك من اللي حاطة عينيها على جوزك وعايزة تفوز بيها." استمعت إليه في صمت، واغمضت عينيها بإرهاق من كثرة ما يدور حولها من خبث ووجع، فيكفي إنها تعيش في بيت واحد مع ذلك المعقد السليط. وكادت أن تتكلم لتجده يدلف الحجرة دون أن يعيرها اهتمامًا وكأنها ليست مرئية.

"جاسر: قالولي إنك في أوضتك، قولت أجي آخد البركة منك ودعواتك." وانحنى بجسده الرجولي الذي ترتجف منه البدن خوفاً، فهو يحمل قدرًا كبيرًا من الرجولة والوسامة الصعيدية المهيبة. وسرعان ما كان يتجه بعينيه نحوها فيرى نظراتها الشاردة إليه. فارسمت السخرية فوق شفتيه. فقد بدأت العروس تهيم به، وها هي تفتح نحو قلبها طريقًا لدماره قد اختارته لحاله وسيكون أكثر من سعيد وهو يذلها. تعلقت عينين "منيرة" بنظراتهم التي طالت، فهتفت مازحة.

"مافيش كلمة حلوة هتقولها لمراتك؟ أسرع جاسر في إشاحة عيناه عنها، وقد طرقت رأسها أرضًا، تجاهل حديث عمتها وابتسم وهو يصب نظرات اهتمامه عليها. "النهاردة حجزتلك تذاكر العمرة انتي وبابا وكمان حجزتلك في فندق قدام الكعبة على طول." تتهلل أسارير منيرة سعادة، وهي تسمع ما يزفه إليها. "فرحتني يا ابن قلبي، ربنا ما يحرمني منك يا ابن الغالي."

ارتفعت دقات تلك الواقفة خلفهم، وقد أسعدها فعله وحنانه على أهل بيته رغم إنه لا تنال منه إلا القسوة. انتبهت على صوته بعدما اقترب منها ولطم خدها بخفة، وهو يُلقي مزحته نحو عمته. "مراتي سرحانة فيا، شايفة السعد اللي أنا فيه يا عمتي." والعمة ترفع يداها عاليًا تهتف بدعاء. "ربنا يسعدكم يا بني." *** ارتجفت صفا من رؤيته بهذه الحالة وهي تراه يصعد الدرج بتعب، فركضت نحوه تسأله بقلق. "أنت تعبان؟ فيك حاجة بتوجعك؟

طالعها أحمد بألم وهو يحرك ساقه اليمنى بصعوبة، فألم فخذه مازال يؤلمه. "أحمد: ممكن يا صفا تروحي تجيبيلي علبة المسكن من فوق؟

حدقت به بفزع، وسرعان ما كانت تُهرول لأعلى نحو غرفته، توقفت في منتصف الغرفة، وقد وقعت عيناها لأول مرة على تفاصيل حجرة ذات اللون الأسود في متعلقاتها، ورغم ذلك فكل شيء يلمع بهدوء كصاحبه، لطمت جبهتها وقد عادت تتذكر لما هي هنا. واتجهت نحو علبة الدواء الوحيدة التي تتوسط المنضدة الصغيرة. واسرعت بخطاها إليه تلهث بأنفاسها. "وبضجر من حالها، أخذت تتمتم: نسيت المية، هجيبلك المية بسرعة."

ورغم تعبه إلا انه ابتسم على ردة فعلها، عادت إليه لاهثة وهي تمد يدها بكأس الماء. طالعها "أحمد"، بنظرة لم تفهمها. ولكن سرعان ما كانت تدرك خطأها، فهو ينتظر منها أن تعطيه علبة الدواء يدها. وبدعابة كانت من سماتها هتفت مازحة. "معلش أنا لما بتوتر، بكون غبية." اتسعت ابتسامته وهو يسمع عبارتها، ولكن سرعان ما تلاشت وهو يشكرها. "شكراً يا صفا."

تجاهلت ملامحه الجامدة، وقد ألمها قلبها. إنه أسرع في إخفاء ابتسامته وكأنها لا تستحق إلا الجمود منه. "خليني أساعدك لحد أوضتك، متخافش أنا صحتي كويسة." كانت عفوية في حديثها، لم تنتظر جوابه على عرضها، بل أسرعت في إسناده، تلتقط يده بعفوية. "هات إيدك عشان أساعدك." ثم داعبته بحديثها مرة أخرى. "ما أنا مش هقدر أشيلك."

حاول أن لا يتأثر بحديثها، ويضحك. ولكن لم يتحمل رؤيتها وهي تسير بصعوبة جوارها، وكأنها بالفعل تسنده، وهو كان يمنحها المهمة دون أن يحمل عليها. "حابسة نفسك ليه على طول في أوضتك يا صفا؟ أنا قولتلك اعتبري البيت بيتك وأننا رفقاء سكن." ابتعدت عنه وقد عاد حديثه هذا اليوم يخترق أذنيه، من بنود وضعه في عقد، فهي لم تقبل بالزواج منه إلا لتحقق حلمها فيه، وليس من أجل الحصول على مال منه.

"لو أسلوبي كان غليظ معاكي يومها، متزعليش. بس حاولي تتعودي على طباعي يا صفا." فتحت فاها كالبلهاء، وهي تستمع لعباراته، إنه تعلم طباع هذه العائلة. ولكن أن يصرح بها بهذا الهدوء. كان الأمر صعب على قلبها البائس.

اتسعت ابتسامته، وهو يرى تنظر إليه بتلك النظرة، وكأنها مصدومة من حديثه معها، خلع سترته يُلقيها جانبًا. وجلس فوق الفراش يفك أزرار قميصه. وهي مازالت في وقفتها تطالعه بحدقتين متسعتين ذهولاً، ولكن فجأة انتفضت من مكانها، تنتبه على تحديقها به، ووقوفه في غرفته وقد أخذ يزيل عنه قميصه، وظهر جزعه العلوي.

وبخطوات سريعة كانت تهرول نحو غرفتها، تلتقط أنفاسها بصعوبة، أغلقت باب غرفتها واسندت ظهرها عليه قليلاً، مبتسمة بحماقة، وسرعان ما كانت تفيق من شرودها تلطم جبهتها كالعادة، تسأل حالها. "هو أنا ليه قلبي بيدق كده؟ والحقيقة هي تعلمها، إنه تحب هذا الرجل، ولكنه لا يريد حبها. تلاشت سعادتها واتجهت نحو فراشها. تُلقي بجسدها عليه. غارقة في أحلامها هاربة من أفكارها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...