الفصل 19 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
39
كلمة
4,014
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

أيام قضتها تفكر في قرارها، لا تستوعب حتى اليوم ما عرضه عليها "عامر السيوفي"، وما أخبرها به عن شقيقه. تنهدت بأرهاق من كثرة تفكيرها، فعقلها يرفض هذه الزيجة، ولكن قلبها ينسج لها الأحلام مع هذا الرجل، الذي خفق له قلبها من لقاء واحد جمعهما دون تخطيط، وقد تحركت مشاعرها نحوه. حلمت به لليالي، بل كلما جاء طيفه أمام عينيها ترتبك وكأنها تراه بالفعل. فهي مشاعر جديدة وغريبة عليها، لم تجربها يوماً، فقد قرأت الكثير عن قصص الحب والمشاعر ولكنها لم تعشها يوماً.

عادت تزفر أنفاسها ثانية، تشعر بالضجر من حالها، فأما أن توافق، أو ترفض. فلماذا تجلس تفكر بمشاعر قلبها اللعينة وكأنها تُماطل في قرارها الذي أصبح واضحاً؟ وفي لحظة، كانت تنتفض من فوق فراشها، تحك رأسها لتفكر أين وضعت هاتفها؟ فلا أحد تستطيع الحديث معه، إلا "جنه"، رغم أن حالها لم يكن يختلف عنها، بل هي أفضل منها، فقد جعل "عامر" القرار لها. "هو أنا حطيت التليفون فين؟

خاطبت حالها وهي تبحث عن هاتفها، لتتذكر أخيراً أين وضعته. اتجهت نحو الفراش ثانية، تلتقط الوسادة، فتجده أسفلها. التقطته وهي تتمنى أن تُجيب عليها "جنه" من أول رنين، ولكن الهاتف خذلها ولم تكن ابنة عمتها في نطاق الخدمة. خرجت زفراتها هذه المرة بحنق، كما ارتسم الاستياء فوق ملامحها. ألقت الهاتف مجدداً، وأخذت تسير بالغرفة، تفكر للمرة الأخيرة.

القرار. ها هي تبلغه لـ"عامر" الذي ترك جريدته، والتف برأسه إليها يُحدق بها، يتأكد من سماع عبارتها. انتظر سماعها ثانية، فاطرقت رأسها تُعطيه الجواب بصوت هامس، جعله لا يصدق أن التي تقف أمامه ليست مرافقة والدته المتمرده. "موافقة يا عامر بيه، بس عمي صابر يكون وكيلي."

وبالفعل تم كل شيء، رغم اعتراض العم صابر والسيدة صافية. وقد ذهبت هي إليهم أولاً تُخبرهم، ثم أتى بعدها "عامر" للبلدة ليأخذ موافقتهم بالأصول التي يعرفها وتربى عليها. والزيجة قد تمت، والعمة وقفت تحتضن ابنة شقيقها ببكاء، وجنه لم يكن حالها إلا كحال والدتها، تُطالعها وهي تمسح دموعها، لا تصدق إنهم افترقوا.

طالعهم العم صابر، وقد علقت عيناه بابنته، فشعر بالندم من أجلها، ولكنه لا يستطيع رفض طلب شقيقه، فقد انتظر أن يعود شمله بعائلته منذ زمن، وليس لديه سبيل معهم إلا ابنته ليزوجها لابن أخيه وكبير العائلة. "ماتقلقش يا عم صابر، صفا أمانة عندي قبل ما تكون أمانة أحمد أخويا." فانتبه العم صابر على يد "عامر"، وقد ربت فوق كتفه. "كلمتك، وعد شرف يا عامر بيه." أومأ له "عامر" برأسه، متفهماً خوفه عليها، ولكنه أعطاه كلمته. ***

تأملت السحاب حولها على متن الطائرة المتجهة إلى أمريكا، تغمض عينيها وهي تفكر في لقائهم الأول، وكيف ستكون شخصيته، وكيف ستعيش معه وتجعله يتقرب منها ويحبها. فكرت بكل شيء بحالمية، فهذه هي عادتها، ترى كل شيء بأحلام وردية. بل أخذت ترسم حياتها القادمة معه. ولحماقتها، بدأت تتخيل حالها بين ذراعيه يسرد لها الحكايات، وهي تخبره إنها أحبته من كلماته منذ أن أبصر قلبها على كتاباته، وهو يطالعها بسعادة. سبحت في خيالها وتناست ما تعيشه، ما هو إلا مشاهد تضعها بعقلها فيتوق لها القلب.

"لأ مش لازم تخليه يعرف إنك عارفة هويته المستعارة يا صفا، عامر بيه قالك إنه يوم ما هتكوني قريبة منه وتعرفي مكانتك عنده، هتلاقيه بيحكيلك عن كل حاجة مرت في حياته." وبسعادة كانت تبتسم لحالها، فبالتأكيد سيأتي هذا اليوم قريباً وسريعاً. فازداد حماسها باللقاء المنتظر، ولطول الرحلة كانت تغفو مع أحلامها دون شعور. ***

أخذت تُقلب بصرها في أركان الغرفة المظلمة، وهي جالسة على نفس وضعيتها، بعدما دفع الوسادة إليها وغطاءً، مشيراً للأريكة بفظاظة أن تغفو فوقها، فقد أصبحت فراشها منذ اليوم. طالعته بكره وهو يغطي في ثبات عميق فوق الفراش الواسع، وقد بدأت جفونها تثقل من شدة النعاس، فلم تجد إلا أن تتمدد فوق الأريكة تغفو عليها مرغمة.

انتفضت مفزوعة، بعدما شعرت بسقوطها فوق الأرض، وقد شبكت ساقيها بالغطاء، وكلما كانت تحاول النهوض، كانت تتعرقل وتسقط ثانية. تنهدت بضجر، عندما تخلصت من الغطاء أخيراً، وعادت تتسطح مجدداً فوق الأريكة، شعرت بتقلبه فوق الفراش، وقد كان يغفو براحة، عقلاً وجسداً. وكلما كانت تقع عيناها عليه وهو نائم، كانت دموعها تنساب فوق خديها، فقد أصبحت زوجة لذلك القاسي، المتعجرف.

أغمضت عينيها، لعلها تعود لغفيانها، ولكنها أخذت تتقلب فوق الأريكة، وذكريات هذا الأسبوع عادت تقتحم عقلها وقلبها. شردت في يوم عقد قرانها، حيث كانت أول مرة تراه فيه. فكل ما علمته عنه، كان من أحاديث عمتها، وقد تجنب اللقاء بها. وكما أخبرت والديها، عمتها إنه طرأ له عمل لا يستطيع تأجيله، واضطر للسفر خارج البلاد. وضعت له "السيدة منيرة" الحجج والأعذار، حتى تجمله أمام والديها، وبالفعل قد حصل على تقديرهم الذي أدركت تصنعه فيه، حتى يظهر لهم في أفضل صورة.

ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيها وهي تتذكر لطفه معهم، وقد تجاهلوا حنقهم منه قبل عودته بليلة، وقد قرروا الرحيل في الصباح. ولكن عمتها تغلبت على عقل والدها لينتظر قليلاً، وكأنها كانت تعلم بموعد عودته. ولم تمر الساعات حتى أتى هو دون أن يهتم لرؤيتها، وبسهولة كان ينال حب والدها ووالدتها التي كانت تدعمها حتى لا تتم تلك الزيجة. ولكنها أصبحت كحال والدها سعيدة بزواجها.

"ما شاء الله عريس يا بنتي ولا في الأحلام، مال وجمال وهيبة مالي مركزه.. ده جابلك فستان الفرح معاه من بلاد بره، احفظي عليه يا جنة، شكل دعوتي ليكي بأبن الحلال ربنا استجابها ليا يا بنتي، هو ابن عمك يا بنتي وعمره ما هيأذيكي." ترددت عبارة والدتها، داخل عقلها، ولولا سكون الليل لكان صوت ضحكاته قد تعالي. فأين هو ابن الحلال، الشهم ذو الطباع الكريمة، الذي تحلم به جميع الفتيات؟

فاقت من أفكارها، وقد بدأ صوت أذان الفجر يعلو، ولدهشتها كانت تجده ينهض من فوق الفراش. لم يهتم بالنظر نحو مكانها، وكأنه نسي أمرها. وسرعان ما كانت تجده يخرج من المرحاض وهو يتنحنح، ويتجه نحو الخزانة يلتقط عباءته الصعيدية وينثر عطره. ولوهلة كانت تستمتع بالنظر إليه أسفل الغطاء. شعرت باقترابه نحو الأريكة، فاغمضت عينيها سريعاً، وحاولت كتم أنفاسها، ولكن شعرت بالغطاء يطيح من فوقها وهو يرمقها بقوة، ويهتف بغلظة.

"قومي صلي الفجر، وعايز لما أرجع ألاقيكي حضرتي الفطار يا عروسة." *** وقفت تتمايل بين أحضانه وهو يراقصها كالأميرة، تغمض عينيها وهي تتذوق العسل من عشقه وكلماته وتذوب بين همساته، وقد ارتفعت وتيرة أنفاسها وأخذ قلبها العاشق يدق كالطبول، تستمع لصوت همساته بعدما عبثت لمساته بروحها. "بحبك أوي يا صفا." تترنح "صفا" بين يديه، فيتابع هو حديثه العاشق الذي حلم به قلبه وظنها حلماً بعيداً. "انتي هدية الزمن ليا يا صفا...

مراد زين الحقيقي اتولد على إيدك." فترفع تلك العاشقة المتيمة بحبه عينيها لأعلى، فترى نظراته الصادقة، ثم عادت تختبئ بين أحضانه أكثر. "أنت كنت حلم بعيد أوي... معقولة أتحقق بالسرعة دي؟ فتفيق وتفتح عينيها الحالمة بالأوهام، وتتأمل المكان حولها لتجد أن الطائرة تستعد للهبوط. التقطت أنفاسها، بعدما ارتفعت وتيرتها من هول هذا الحلم على قلبها، فارتسمت فوق شفتيها ابتسامة عاشقة وكأنها ما زالت في حلمها. ***

أخذ يُقلب في أوراقه كالتائه، يمسك أحد الأقلام وهو يطالع ساعته من حينا لآخر، فموعد وصول تلك الزوجة التي قد اختارها له أخيه. وقد حاول أن يذكرها بها، فقد رآها بالمزرعة، ولكنه تظاهر أنه لا يتذكرها. توقف عن التحديق في الأوراق التي أمامه، والتقط ورقة وأخذ يحرك قلمه بحركات دائرية فوقها، لعله يهدئ من أفكاره حول من ستكون دخيلة على حياته برغبته. ولولا ما حدث معه، ما كان فكر بالأمر.

عاد يلتقط هاتفها، لينظر إليها مجدداً ولا يُنكر أن ملامحها قد اقتحمت مخيلته ذات ليلة، فذكرته بزوجته وحبيبته الراحلة، التي أقسم ألا يتزوج بعدها. ولكنه سيفي بوعده الآخر، فلا أحد سيشاركها قلبه. "سامحيني يا مها، غصب عني." ***

أغمضت "جنة" عينيها من هول الزغاريد التي أصمت أذنيها، وعمتها تأخذها بين أحضانها تبارك لها، ولكن بداخلها تعلم تماماً بما تعاني ابنة أخيها. ولكن ما جعلها تطمئن قليلاً هي ابتسامتها المرتسمة فوق ملامحها، وقد استطاعت رسمها ببراعة من أجل ألا تشمت أحد بوالديها. أبعدتها "العمة منيرة" عن أحضانها تنظر إليها، ثم عادت تضمها نحوها بقوة وبهمس كانت تخبرها. "الست الشاطرة، هي اللي بتحفظ أسرار بيتها... وأنا بنت أخويا متربية وبنت أصول."

التقطتها ذراعين "صافية" المشتاقة لابنتها، وقد ضمتها إليها بقوة. "قمر يا بنت بطني، أكيد رفعتي راس أبوكي وراسيت."

تلقفتها أحضان الأهل، وهي كانت شاردة، تستمع لأحاديثهم نحو السعادة الأخرى التي سوف تدخل بيت المنشاوي، إذا جاء الحفيد. ضحكوا، وحلموا بالقادم. وكلما تحدثوا كانت تبتلع غصتها، فحديثه لها هذا الصباح لا يغادر عقلها، ولم تكن إلا عبارات يرفقها بقول لا أو ممنوع خروجها من منزلهم لمنزل والده. الطعام هناك معهم، لا تتدخل في أموره ولا أمور عائلته، تكون كالصماء بينهم، لا تنتظر منه أن يكون زوجاً، لا فعلياً ولا بأي صورة أخرى. لا تسأله

إلى أين، ولا مع من تكون. لا يحب الحديث كثيراً ولا يحب المرأة الثرثارة. وإذا خرج شيء عن علاقتهما، سيدفعها ثمن ذلة لسانها وستنال منه أشد العقاب. غرفتهم هي من ستنظفها، وفي بيت العائلة ستساعد في الطبخ وتنظيف المنزل مع الخدم، ولا تعد نفسها عروساً مدللة.

سمعته، وصمتت. ليتها كانت شخصيتها قوية كابنة خالتها، ليتها كانت "صفا" لاستطاعت نيل حقها منه. أتى لحظة رحيل والديها، ورغم إصرار عمتها وعمها حسن للبقاء معهم، إلا أن والدها فضل الرحيل والعودة لمنزله والبلدة التي بها أحبابه وجيرانه. سقطت دموعها بعدما احتضنتها والدتها تودعها. "يا بنت بطني، عمتك هنا بدالي، أنا لازم أرجع بلدنا يا بنتي، حالنا وحياتنا هناك أنا وأبوكي ما نقدرش نبعد عن البلد."

والتفت بعينيها تطالع زوج ابنتها، الذي ستظل لأشهر تفتخر به لجيرانها وتريهم صورة ابنتها وهي عروس جواره. "وجاسر وعدنا إننا أول ما نشتاقلك وتشتاقلنا هيجيبك لينا على طول، وإحنا هنيجيلك ديما يا بنتي." وأردفت داعية الله، أن يتم المراد بسرعة. "ربنا يرزقك الذرية الصالحة يا بنتي." تجمدت حواس "جاسر" وهو يستمع لهذه الدعوة، وتمنى داخله أن ينتهي هذا اللقاء السخيف، الذي أخذ منه مجهوداً وهو يرسم دوره ببراعة أمام عمه وزوجتها.

احتضنها "صابر" وقد سقطت دموعه هو الآخر، فاقتربت منه منيرة تربت فوق كتفه. "بنت أمانة عندنا يا صابر ماتقلقيش، كان نفسي ترجع تعيش وسطنا." والتفت نحو "جاسر" الذي ابتعد عنهم قليلاً حتى يحادث أحد رجاله. "ابن أخوك راجل وهيحافظ عليها يا صابر." اطمأن قلب "صابر" و"صافية" وقد أخذوا الوعود منهم، والدور الذي أتقنه أكمله حتى النهاية، ولم يرحل عمها وزوجته إلا وهم مطمئنين، سعداء بسخاء زوج ابنتهم وفهمهم للأصول.

فرغ المنزل منهم أخيراً، فوقف يزفر أنفاسه، وهو يراها تصعد للأعلى. "رايحة فين يا عروسة؟ هتف عبارته الساخرة، وهو يُحدقها بجمود، التفت إليه تطالعها ببراءة لا يحبها في أعين النساء. "أنتِ هتفضلي خرسا كده، مش سامعة بقولك إيه؟ "أفندم." حاولت نطقها بثبات، ولكن نبرتها خرجت بتعلثم، فاقترب منها، مشيراً نحو المطبخ. "حضريلي الأكل، مش عريس أنا برضو." وبوقاحة كان يهتف عبارته، فاحتقنت ملامحها.

"عمتي جايبة أكل كتير، في التلاجة.. ممكن تسخنه." وقبل أن تُخبره عن كيفية تسخين الطعام، كانت تصرخ من شدة الألم، بعدما قبض فوق ذراعها. "أسخن إيه يا حلوة، عشر دقايق وألاقي الكل قدامي، مفهوم؟ وبقوة كان يدفعها من أمامه، فركضت نحو المطبخ تحتمي به، فوقف ينفض كفيه هاتفا. "حسك لو سمعته تاني، مش هتعرفي هيحصل ليكي إيه، ما أسمعش منك غير حاضر ونعم." وصرخ بعلو صوته. "مفهوم." وبشهقات كانت تكتمها بكفها، كانت تهتف بخوف. "مفهوم." ***

أخذت صفا تفرك يديها بقوة وذلك السائق يطالعها بابتسامته الباردة. شعرت بالصدمة وقد تجهمت ملامحه، تتساءل داخلها، كيف لا يأتي هو ويستقبلها بباقة الأزهار التي حلمت بها كثيراً، فهي عروس وتستحق بعض التدليل. خدعتها أحلامها كالعادة، وقد ضاع حلمها الآخر، ولم تر السعادة التي تخيلت أن تراها في عينين شريك حياتها، كلما كانت تحلم بهذا اليوم مع ابنة عمتها.

سارت السيارة بها، فتركت لعينيها حرية النظر لجمال البلد التي انتقلت إليها، وقد تناست أمره. رمقها السائق عبر المرآة وهو يراها ملتصقة بنافذة السيارة، تبتسم وتلوح لكل شيء يقابلها.

توقفت السيارة أخيراً عند إحدى البنايات الفاخرة، فقد كان المنزل عبارة عن فيلا صغيرة ترفقها حديقة رائعة بحمام سباحة بالخلف. أسرع السائق بالترجل من السيارة واتجه إليها يفتح لها الباب مرحباً بقدومها، ولكنها تعجبت من تشبثها بالمقعد، تنظر إليه بقلق وقد اختفت ابتسامته، وبعربية وقد تناست عدم فهم السائق لها. "هو مش هيجي يستقبلني، مش كفاية مجاش المطار؟

أومأ الرجل رأسه، نافياً عدم فهمه لحديثها، وقبل أن تنتبه على حماقتها، كانت الخادمة تخرج إليها، وعلى وجهها ابتسامة واسعة، مرحبة بقدومها. والسؤال الذي كانت تخبر به السائق للتو، أخبرته للخادمة، التي طالعت السائق "نيمار" وهي لا تفهم ما تتحدث عنه. تنهدت "صفا" ضجراً من غبائهم، ولكن سرعان ما كانت تدرك أن الغباء بها وحدها. ترجلت من السيارة ولكن من الباب الآخر تهتف مازحة، بعبارة إنجليزية قد حفظتها من الأفلام.

ولم يكن هو إلا واقف خلف ستار شرفته، يطالعها ويرتب أفكاره. ***

وقف يطالعها بسكون تام، فاطرقت رأسها أرضاً وقد تورّدت وجنتيها خجلاً. انتظرت أن يُخبرها بكلمة لطيفة عن فستانها، وجمالها، يخبرها إنه يتذكرها. ومع غوصها في أحلامها، كان يقترب منها بخطوات هادئة، وقد سلب عطره أنفاسها. أصبحت المسافة بينهم منعدمة، رفعت عينيها إليه، وعندما تلاقت عيناهما، كانت تهرب من نظراته خجلاً. طالت وقفته وشعرت بنظراته تتفرس ملامحها، وهي صامتة، مرحبة.

ظنت أنه سيطبع قبلة فوق جبينها، وقد أرادت هذا الأمر بشدة، فهذا كان من أحلامها، فليحققه لها فهي عروس. وأغمضت عينيها وهي تغوص في أحلام نسجتها معه، ولكن سرعان ما كانت تفيق من غفوتها وقد تجمدت ملامحها وهي تسمعه يهتف ببرود ويمدّ لها كفه حتى يصافحها. "أهلاً يا صفا." طالعت كفه الممدود في ذهول، وسرعان ما انتبهت على تجمد عينيها نحو كفه، فصافحته وهي تبتلع مشاعر السلب داخلها، فلم يتحقق لها حلم حتى هذه اللحظة.

"اتقابلنا قبل كده يا صفا؟ هتف عبارته، وقد عاد قلبها يخفق. فهو يتذكرها، وما دام قد تذكرها بالتأكيد قد علقت في عقله. وبهمس كانت تتمتم. "اتقابلنا في المزرعة، في مكتب الأستاذ فتحي." أومأ برأسه، وقد الجمود يرتسم فوق ملامحه. ارتبكت قليلاً وهي لا تعرف إلى متى ستستمر هذه الوقفة. "قبل طبعاً ما تطلعي لأوضتك، محتاجين نتكلم شوية." طالعته في صمت، وقد شعرت أن حديثه به شيء، توترت قليلاً مبتسمة. "أنا فعلاً محتاجة السرير."

ابتسم على عبارتها، فكما أخبره شقيقه، إنها ظريفة الطبع وخفيفة الظل. "كلامنا مش هياخد، غير عشر دقايق يا صفا." وبابتسامة واسعة، كانت تنظر إليه، تنتظر سماعه. "أنتِ طبعاً عارفة سبب جوازي منك يا صفا، أكيد عامر بلغك بالأسباب." تلاشت ابتسامتها، وقد شحبّت ملامحها. فعن أي أسباب يتحدث؟

أخبرها أن شقيقه يريد عروساً تؤنس وحدته في غربته. ورغم إنها لم تكن يوماً تتمنى الزواج هكذا، إلا إنها قبلت بالأمر، فهذا الرجل كان حلماً لها ذات يوم، وهي تظنه عجوزاً من شخصيته المستعارة. لم يتلقى منها أي عبارة، وقد فهم أن شقيقه لم يخبرها عن أمر الزيجة ودورها، وكيف ستعيش معه، وإلى متى؟ "إظاهر إن عامر مالكيش كل حاجة عن جوازنا." وبتلعثم كانت تجيبه، عما أخبرها به عامر. "قالي إنك عايز عروسة، تكون معاك في غربتك."

تعالت ضحكاته رغما عنها، بعدما استمع لعبارتها. فحقاً شقيقه متلاعب بالكلمات. رمقته وهي تنهض من فوق الأريكة، وقد أوجعها استخفافه. عاد يطالعها بعدما التقط شيئاً ما من فوق سطح مكتبه، ولم يكن إلا عقداً يرفقه صكاً. "جوازنا هيكون لمدة سنة، لحد ما أخلص مشروعي هنا، ويستقر وضعي في المؤسسة، بعدها هننفصل، وتشوفي حياتك، ومتخافيش مش هتطلعي من الجوازة خسرانة حاجة."

ازدادت ملامحها شحوباً، وقد استمر في إلقاء عباراته، يخبريها ببنود العقد، وها هو آخر حلم يضيع منها ويسقط بالوحل. "عايزاني أحط في حسابك كام يا صفا، عايزة كام لموافقتك على عرض الجواز؟ ***

أخذت عبارات تلك الجالسة، تسقط على قلبها كنصل السكين، فحتى لو لم تحب هذا الرجل، لكنها لا تتحمل سماع شيء عن حياته القديمة، وما كان يقدمه لزوجته، التي كان يعشقها ويطير بها جنوناً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جلبت إليها صورة لتريه ملامحها الجميلة الفاتنة، وأنوثتها الطاغية. "أكيد خلقتك هي اللي طفشته، فيه عريس يروح شغله بعد يومين جواز؟ فين أيامك يا مرام.. ما كانش بيقدر يبعد عنك ولا يوم واحد."

تذكروا حكايات الزوجة الأولى والغرام الذي لم يكن ينطفئ لليلة، بل كانت ترافقه بكل مكان يذهب إليه. تعالت ضحكاتهم، وهم يرون معالم وجهها كيف أصبحت، بل أخذت تتهرب من نظراتهم عليها، تقبض فوق قماش ثوبها في صمت، تتذكر وعيده لها، فإذا نطقت بشيء سيريه كيف تكون معاملتها له. حبست دموعها العالقة تتمنى انتهاء هذه الزيارة حتى تهرول إلى غرفتها وترثي حالها. "قوليلي يا جنة، هو انتِ بتجيبي فساتينك منين، أصلهم عاجبيني أوي."

هتف "نيرة" عبارتها ساخرة، فتعالت ضحكات "أروى" و"هدى" مجدداً، يرمقونها بنظرات فاحصة. "انتِ إزاي وافقتي تتجوزي واحد متعرفيش عنه حاجة؟ ونهضت "نيرة" عن مقعدها واقتربت منها، تستطرد عبارتها، وتنظر نحو ابنة خالتها وشقيقتها. "أكيد عشان الفلوس، فعلاً الفقر وحش." لم تتحمل "جنة" سماع مزيد، وفي لحظة لم تتوقعها نيرة، كانت تسكب كأس العصير فوق وجهها، تحت نظرات أروى وهدى المصدومتين بعدما نهضوا عن مقاعدهم.

وبعويل وصراخ كانت تصيح "نيرة" بعبارات حانقة، متوعدة لها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...