الفصل 1 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الأول 1 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
116
كلمة
4,404
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

العرق يتصبب فوق جبينه وأنفاسه تتعالى وكأنه في سباق. إنها هنا أمامه، يمد لها يديه، يُطالبها ألا ترحل. ولكن، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه. فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة، ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها. "مها."

وهكذا كان يتكرر حلمه بها. لم ينساها يومًا، بل أصبحت أسيرة أحلامه. نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها. وذكرى بعيدة تأخذه نحوها، نحو إحدى الليالي التي جمعتهما قبل تلك الحادثة التي أنهت بحياتها وحياة جنينهما. ***

في ظلام تلك الحجرة البسيطة كانت هناك عينان تفتح وتغلق بتنهيدة معبأة بأحلام وردية بعدما فاقت صاحبتهما من حلمها. فهي تعيش وسط ضجيج هالك من المشاعر التي تنتابها كل ليلة بعد قراءة أحد كتبه بحالمية، وكأنه يسطر كلماته من أجلها فقط. كانت تعلم حماقة ما تفعله، بل وينعتها والداها بالجنون، ورغم ذلك لم تتخل عن أحلامه. تنهدت تلك الغافية جوارها هاتفة بنعاس: "لسه منمتيش يا صفا؟

عادت تنهيدة صفا، تصحبها زفرة طويلة وعينيها ازدادت بريقًا. فقد استيقظت من غفوتها للتو على حلم ما زال مرتسمًا أمام عينيها وكأنه حقيقة. "حلمت بمراد زين يا جنه." صمتت "جنه" للحظات تستوعب ما تخبرها به ابنة خالها بكل حماقة، غير مصدقة أنها أيقظتها من غفوتها بسبب تقلباتها فوق الفراش ثم تنهيداتها العالية لتخبرها بحلمها السخيف. "يعني قلقتي نومي، والنوم طار خلاص.. وتقوليلي حلمت بمراد زين."

ظلت "صفا" في غفوتها الحالمة، ولم تنتبه على نهوض "جنه" من جوارها ثم حملها لدورق الماء وسكبه فوقها. تعالت شهقات "صفا" وقد انتفضت من فوق الفراش تمسح قطرات الماء من فوق وجهها حانقة. "منك لله فوقتيني من حلمي." "أنا اللي مني لله، ولا انتي يا شهرزاد عصرك."

تعقب "صفا" على حديثها، فالجميع يسخر من أحلامها الحمقاء التي تعلم حقيقتها ونهايتها ما هو إلا واقع ستعيشه. اتجهت نحو إضاءة غرفتها، لتشعلها ثم اتجهت صوب مكتبها الصغير، الذي يضم بعض الروايات والكتب لكبار الكتاب، وخاصة عاشقها المتيمة به من كلماته "مراد زين".

وكالعادة "صفا" تخلق لحالها عالمًا ملئ بالأحلام، وتزداد أحلامها كل فتحت صفحة من كتبها التي أصدرها. بحثت بين العديد من الكتب على آخر كتاب قد أصدره منذ أشهر عديدة. راقبتها "جنة" بعينيها وقد ازدادت ضجرًا بأفعالها، تتوسط خصرها بذراعيها متمتمة بسخرية: "بكرة تتجوزي واحد ميعرفش حاجة عن الكتب ولا الأحلام، وآخرك تذاكري للعيال." رمقتها "صفا" بنظرة مستهزئة، بعدما وجدت الصفحة التي تبحث عنها لتستشعر الكلمات والأحاسيس فيها ثانية.

"الحب كاللعبه الجميله حين نمتلكه ننسي العالم بأكمله وكأنه ساحر يأسرنا إليه، ولكن أسره لنا دوما لاذع." فتعالت ضحكات "جنه" ثم صفقت بيديها، فعلى ما يبدو أن ابنة خالها قد فقدت عقلها. "هايل يا فنان، أنا كرهت الرومانسية بسببك وبسبب الكاتب ده. ميكونش القيصر؟ ربنا يعوض عليك يا خالي، أنا قررت ألم هدومي وأخد شنطتي وأروح بلدنا للحاجة صافية الغالية.. اجازه سودة عليا."

تتجه إليها صفا ضاحكة عندما شعرت أن حماقتها قد ازدادت في الأمر. "ليه كده بس يا جنه، هو الحب حرام؟ "لأ ياهبلة، الحب مش حرام بس اللي انتي عايشة فيه ده وهم. في حد يحب حد من كلماته بس؟ أسارعت "صفا" في أحد الأدراج تلتقط صورتها التي خبأتها عن أعين والدتها، فقد حازت عليها من إحدى المجلات، فعاشقها مجهول للجميع ولا يحب الظهور أبداً. "هو ده بقى مراد زين؟ لأ تصدقي أمور يا صفا، عندك حق تحبيه.. ده في عمر خالي يا صفا."

تنهدت جنه بعمق وأردفت: "صفا بلاش جنانك ده، أنا كنت فاكرة أنه مجرد هيام بكاتب لوقت معين لحد ما تلاقي الحب بس اكتشفت إنك قفلت على قلبك وسيبتي مفتاحه لأوهامك.. اصحي للواقع بقى وشوفي مستقبلك وحياتك." فتبسمت صفا بسعادة وهي تتذكر الجوابات التي ترسلها إليه بريديًا. "يا ريت يكون شاف رسالتي الأخيرة." "فعلاً مجنونة!! *** ابتسم بهدوء يدل على وقاره وهيبته التي تطغى على عمره التاسع والثلاثون.

"عامر: الحفلة خلصت من زمان يا أستاذ، ولا أقولك يا حضرة الكاتب العظيم." فابتسم أحمد وهو يرفع تلك النسخة التي حصل عليها من دار النشر منذ قليل. "مش هتقولي مبروك؟ فهَمْقَمَ وجه عامر متأملاً سعادة أخيه بذلك العالم الذي دخله، رغم أن عالمهم الحقيقي هو الثراء والسلطة وليس الأدب الذي ينظر إليه هو بالأخص، أنه عالم من السخافات وإهدار الوقت. فاقترب منه أحمد بمودة وحب.

"يا عامر أنا بحب الكتابة جداً وانت عارف أووي كده، غير إني قادر أدمج بين عالم المال وعالم الأدب." فامتقع وجه عامر أكثر، ناهضاً من فوق مقعده خلف مكتبه، بعدما أغلق حاسوبه بقوه، وقد كان يتابع من خلاله البورصة. ليهتف بجمود: "طالع زي خالك، هقول إيه غير مبروك." فابتسم أحمد متذكراً خاله الذي لم يجد شيئاً ليثبت حبه له ويخلد اسمه سوى أنه يأخذ باسمه اسمًا مستعارًا (بمراد زين) ثم تنهد. "ربنا يرحمه." وسار خلف شقيقه متمتمًا:

"ماما نامت؟ "صح." فحرك عامر رأسه بالإيجاب وهو يصعد أول درجات الدرج. *** أغمض عينيه بإرهاق بعد يوم شاق. وتنهد ببطء، ثم أمسك هاتفه ليفتح صفحات التواصل الاجتماعي وهو يرى كم تعليقات متابعيه على كلماته وعباراته البارعة في وصف الإحساس في معظم كتاباته. ليتأمل أحد التعليقات الطريفة فيضحك بقوة وهو يقرأ: "أنا بحبك أووي يا أستاذ مراد، ده أنا من حبي فيك بنادي جوزي باسمك وسميت ابني برضوه على اسمك وقريب أووي هطلق بسببك!

ليقطع ضحكاته اتصال من صديق عمره والوحيد الذي يعلم بحقيقة مراد زين هو وشقيقه عامر. "أحمد: خير! فيضحك رامي بقوة. "قولت أسألك للمرة الألف، نطبع برضوه بالاسم المستعار ولا ننزل بالحقيقة بقى؟ ده هيبقى خبر الموسم يا مراد.. ييييه أقصد يا أحمد السيوفي يا ابن الحسب والنسب." ليتقع وجه أحمد ساخراً من حديث صديقه.

"اقفل يا رامي، وأوعدك إن الربح اللي بتكسبه من نشر رواياتي همنعه عنك وأديه لدار نشر تانية وابقى شوف دار النشر بتاعتك هتكسب إزاي." فيصرخ رامي أسفًا: "لأ وعلي إيه، الطيب أحسن يا باشمهندس، فعلاً سيوفي سيوفي.. مافيش عندكم رحمة عيلة جباره." وينتهي ذلك الحديث الممل بالنسبة له، فقد اعتاد عليه من صديقه عندما يتم طباعة أي جديد له. ثم يجذب آخر إبداع له قد خطاه قلمه. ناظر في صفحاته حتى وصل إلى صفحته المنشودة وقرأ بعض كلماته.

"حياة من نحب ليست لعبة بين أصابعنا أو عقولنا، فحين نحب يجب أن نلغي العقل قليلاً ونسير بقلوبنا.. فالعقل أحياناً كثيرة يفكر بالظروف والمنطق والمُفترض والماضي والحاضر والمستقبل.. أما القلب فلا يهتم سوى بأحلامنا ولا يرى مستحيلاً." *** فتح عينيه فجأة وهو يتذكر حبيبته التي هجرته منذ زمن بعد أن كرهت جموده وصلابته وحبه في التملك. ليتذكر أحد كلماتها له قبل أن تترك البلد بأكملها محاولة نسيان ماضي وزواج فاشل.

"أميرة: أنا كرهت تملكك وجمودك يا عامر، حبي الكبير ليك أنت ضيعته بسبب جفاء مشاعرك.. أوعاك تقول إنك بتحبني، وإني سطحية ومش عايزة غير كلام الغزل." وصمتت لتترك له عبارة ظل صداها يحاوطه. "أنا وافقت نتجوز في السر واتنزلت عن أكبر حق ليا بس عشان بحبك.. أهم حقوقي اتنزلت بيها عشان الحب وللأسف الحب خذلني.. ابقى افتكر إني أتمنيتك كتير تبقى زوج فعلاً ليا، زوج مش بنك فلوس بيمتعني بفلوسه وبيها." "تابعت

حديثها: الحب في وجهة نظرك تملك بالفلوس مش بالقلوب." "ليفيق من شروده بعد ذلك العذاب الذي يعصف به كل ليلة." "ونهض من فراشه ليخرج إلى شرفة حجرته الواسعة متنهداً بحرارة مشتعلة في أعماقه.. لم تطفئها الأيام ولا حتى ذلك الهواء البارد." *** تأملت صفا الكتاب القابع بين يديها قليلاً لتقرأ اسمه وتتخيل بأن كلماته حقاً جميعها إليها فقط. وأبتسمت وكأنها قد رأته هو وليس كتابه الذي يحمل اسمه. "عم محمود: مالك يا صفا، عجبك الكتاب؟

لتتأمل صفا ذلك الكتاب قليلاً حتى خرج صوتها الحالم بدعابة. "نعم وجداً جداً كمان، سعره بقى كام يا عم محمود؟ وأوعى تقولي إن حتى الكتب بقيت أسعارها فوق فوق." فيبتسم "عم محمود" وقد كان رجلاً طيباً، ثم أخذ يمسح فوق خصلات شعره التي أصابها الشيب وسط تلك الأغلفة القديمة والحديثة من الكتب. "عم محمود: تسعين جنيه!!

فتحدق به "صفا" مصدومة مما تفوه به، كالطفلة البلهاء التي حين يبدأ والديها بأن يعلموها أحرف أسمائهم فتنظر إليهم بتعجب حتى تخرج من فمها الصغير بعد مشقة أسمائهم التي لا تنطق منها سوى حرفين وفقط. "صفا: نعم؟ قول تاني كده يا عم محمود، الكتاب بسبعين جنيه؟ لأ خلاص خد كتابك يا راجل يا طيب." فهتف العم محمود ضاحكاً، وأخذ يرفع من صوته. "بقولك بتسعين جنيه يا صفا مش سبعين."

"لأ أنا سمعته سبعين يا عم محمود، وأنت عارف أنا سمعي عشرة على عشرة." فأعادت ضحكات العم محمود تعلو مجدداً من مشاغبتها ومازحها المحبب. "خدي الكتاب من غير فلوس يا صفا، هو أنا عندي أغلى منك، بس هما يومين وألاقي الكتاب عندي سامعة!! ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه صفا، وطالعته بامتنان هاتفة. "أنا لو عليا أشتريه، بس أعمل إيه؟ الحكومة عندنا في البيت حالفة لو اشتريت كتاب تاني هتولع في كل اللي عندي."

لم يكف "العم محمود" عن الضحك الذي افتقده منذ زمن، متفهماً ما تعانيه من والدتها. حملت الكتاب منه، بعدما أصر على إعطائها له، انصرفت من أمامه سريعاً، تشعر بالشوق لتلك اللحظة التي ستختلي بها بهذا الكتاب وكاتبها المفضل. انتبهت على رنين هاتفها، فانحنت نحو حقيبتها تُخرج الهاتف منها.. لتبهت ملامحها وهي ترى اسم والدتها، مفكرة بالحجة التي ستخبرها بها بسبب تأخيرها وعدم شرائها حتى الآن للخضار ومستلزمات البيت.

"يالهووي، ديه بطة هتموتني لو عرفت إني لسه مروحتش السوق، لأ وكمان جبت كتاب جديد وبقيت زي المتسولة بشحت الكتب." توقف الهاتف عن الرنين وأكملت خطواتها بخطى سريعة نحو السوق حتى تشتري ما دونته لها والدتها، ولكن فجأة تراجعت للخلف وسقط هاتفها منها تستمع لصوت أحد المارة ينهرها بصوت غاضب. "مش تحسبي يا آنسه! وعندما وقعت عينين الرجل نحو الكتاب الذي تحمله، تمتم بمقت. "وكمان واحدة مثقفة بتاعت كتب."

تجاوزها الرجل حانقاً، وقد اتسعت عينيها ذهولاً من عبارته الأخيرة. فاسرعت بالركض خلفه تسأله عن مقصده، فتوقف الرجل مستاءً. "مالهم المثقفين يا أستاذ؟ أنا مسمحش ليك بالإهانة دي." رمقها الرجل بنظرة قاتلة. "لأ ده أنتِ شكلك واحدة فاضية موركيش حاجة." ثم هبط الرجل لمستواها. فأشعرها بقصر قامتها هاتفا بتهكم: "ابعدي عن طريقي يا شاطرة." وانصرف من أمامها.. ليتركها تتأمل أعين الناظرين لها بغرابة.

"صفا: لازم أجيب لنفسي التهزيء يعني وتقليل القيمة، استغفر الله العظيم." *** عادت "صفا" لمنزلها بملامح متعبة، مسحت حبات العرق فوق جبهتها بعدما وضعت الأغراض جانباً تهتف باسم والدتها وقد خرجت للتو إليها، تلتقط الأغراض وتتأكد من جلبها لكل شيء دونته لها. "أول مرة تجيبي كل حاجة طلبتها منك، من غير ما تنسي غرضين." رفعت "صفا" يدها كتحية تؤدي بها التمام لها، وتهتف بنبرة مازحة تشيط والدتها منها.

"أوامر السيدة "فاطمة" لازم تنفذ بالحرف، هو إحنا عندنا كام بطة." أسارعت في الاقتراب منها، تلثم خدها بقبلة أزادت والدتها حنقاً، فدفعتها عنها. "بت إنتي بلاش الشغل بتاعك ده، أنا واثقة إن ورا الكام كلمة الحلوين حاجة." تراجعت "صفا" للخلف قليلاً، تحك خدها، فتركتها السيدة "فاطمة" في وقفتها واتجهت نحو المطبخ لتكمل طهي طبختها هاتفة. "حصليني على المطبخ، وطلبك مرفوض قبل ما تطلبيه يا صفا." ***

أبهرها ذكاءه و وسامته. أرادت إثبات حضورها أمامها حتى تلفت نظره، ولكنه كان كلما ناقشته في شيء يخص العمل.. يجيبها ببضعة كلمات منهياً الحديث.. ليتعمق في حديثه أكثر مع والدها.

أنتبه "عاصم" نحو تلك النظرات التي أطربت قلبه، فعلى ما يبدو إنه سيجني صفقة أخرى مع السيد "محسن". أنتهي الاجتماع أخيراً.. فزفر "أحمد" أنفاسه بإرهاق.. فالعمل على هذا المشروع يتطلب جهداً كبيراً. أراد المغادرة بعدما انصرف الجالسين ولم يبق إلا السيد "محسن" وابنته "فريدة". "أحمد." هتف بها "عامر" بعدما وجد شقيقه يغادر الغرفة.. التف "أحمد" إليه بنظرات متسائلة. فابتسم "عامر" وهو يقدم إليه "فريدة" بطريقة أخرى.

"بشمهندسة فريدة بنت محسن بيه." لم يكن يحتاج لتوضيح أكثر عن هوية الجالسة، فاستطرد "عاصم" في توضيحه وإلقاء على مسامعه مزايا الجالسة. "هتكون معاك في كل خطوة في المشروع، أتمنى تتفقوا على كل حاجة." ثم أردف مازحاً، ينظر نحو السيد "محسن". "أنا ومحسن بيه هنكون مجرد مشرفين على المشروع ده، ولا أنت إيه رأيك يا محسن بيه؟ "طبعًا، طبعًا يا عاصم بيه." "أنا متحمسة جداً للمشروع ده." هتفت "فريدة"

عبارتها بحماس حقيقي، فتنحنح "أحمد" بعدما شعر بسعي شقيقه وراء شيء يجهله. "لكن آنسة "فريدة" متوقعش هتحب الإشراف على الشغل في الصحرا." انتقلت عينين "محسن" نحو ابنته، وقبل أن يهتف "عامر" بشيء.. نهضت هي تسير نحوه بخطوات واثقة. "جربني الأول واحكم يا بشمهندس، وعلى فكرة أنا بنسي خالص في الشغل إني بنت غنية."

لا ينكر إنه راقه حديثها بل أعجبه، مدّت إليه كفها كي تصافحها، فابتسم "أحمد" والتقط كفها مصافحاً ونظرات كلا من "عاصم" و "محسن" تخترقهما في أمل. *** مضغت طعامها ببطء، تفكر في كيفية إقناع والدتها لحضور حفل زفاف رفيقتها، لم تكن السيدة "فاطمة" من الأمهات اللاتي يعطون بناتهن السماح بالخروج كثيراً والاختلاط بالناس خشية عليها، فهي ابنتها الوحيدة ولم تنجب غيرها. طالع والدها شرودها، فابتسم بعدما تناول قطعة الخبز وغمسها بطبقه.

"مش عوايدك يا صفا، تقعدي ساكتة وإحنا بناكل." طالعت السيدة "فاطمة" زوجها وابنتها فهتفت مازحة. "سكوتها ده وراه حاجة." لم تملهم المزيد من الوقت في التفكير، بما تفكر به فهتفت على الفور. "معزومة على فرح صاحبتي يا ماما، وأنتِ زي العادة مش هتوافقي." ألقت عبارتها، ونهضت عن جلستها.. حيث يتناولون الطعام ملتفين حول طاولة قصيرة الأرجل، طالع والدها الفراغ الذي خلفته خلفها صغيرة متنهداً.

"كفاية حبسة للبنت يا فاطمة، البنت بقى كل علامها الكتب.. إحنا كده بنظلمها." "من خوفي عليها يا حاجة." تفت بها السيدة "فاطمة"، فنهض هو الآخر وهاتفاً. "مصيرها في يوم هتواجه الدنيا لوحدها يا فاطمة، مش هنعيش ليها طول العمر." *** وعلى طاولة طعام أخرى أكثر فخامة ولكنها تفتقر دفء الحديث، كان يتناول "عاصم" وجبته مع شقيقه. تنهد "أحمد" بضجر وشقيقه لا يكف عن مدح تلك التي تسمي فريدة وقد فرضها عليه شقيقه.

"هنفضل طول العشا، مش بنتكلم غير عن فريدة بنت محسن باشا." ابتسم "عامر" وهو يرى حنق شقيقه، ثم تناول كأس الماء يرتشف منه القليل. "البنت تستاهل المدح، ولا أنت رأيك إيه؟ "هي فعلاً هايلة يا عامر، لكن أوعى تحلم بشيء زيادة." ألقى "أحمد" عبارته الأخيرة، ناهضاً عن مقعده.. ينظر نحو ملامح شقيقه التي تجمدت وكأنه لم يكن ينتظر منه هذا الحديث. ***

اختلت بنفسها داخل غرفتها حزينة على حالها من رفض والدتها الدائم لكل شيء، معللة أن هذا نابع من خوفها عليها. تعلقت عيناها بالكتاب الذي أعطاه لها "العم محمود" اليوم.. فأخذها الشوق نحو العالم الذي تجد به روحها، وفور أن التقطته لم تشعر بحالها إلا وهي تستكين بين ثنايا سطوره وتذيب روحها مع كلماته. غرقت في عالمها المنفرد تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة، ثم رفعت عيناها عن صفحات الكتاب، وتعالت تنهيداتها حانقة من حالها وهي تحدث نفسها.

"صفا: جنه طلع معاها حق، أنا شكلي أدمنتك ومش هخف من إدمانك." فاقت من حالتها على صوت طرقات فوق باب غرفتها ثم دخولها للغرفة، وفور أن وقعت عينيها نحو الكتاب الذي تحتضن ابنته هتفت حانقة. "فاطمة: يابنتي ياحبيبتي، الكتب اللي بتشتريها ديه هي اللي لسعت لك دماغك، أكتر ما إنتي لاسعة. قومي معايا أتعلمي كام طبخة صدقيني هتفيدك، مش عيب طولك ده لما تكون بنت في سنك ولسا متعلمتش إزاي تطبخ، ده اللي قدك اتجوزوا وخلفوا."

أسترسلت والدتها في محاضرتها اليومية كالعادة، حتى إنها أصبحت تحفظها. "خضتيني يا بطة." "بطة في عينك، أنا فعلاً معرفتش أربيكي." وأردفت السيدة "فاطمة" بعدما جلست فوق الفراش ترثي حالها ببكاء مصطنع. "آه يا آخرة صبرك يا فاطمة، بنتك الوحيدة اللي مالكيش غيرها مطلعة عينك وكل عريس يتقدم ليها يا ما تطفيشه من خيالها الواسع أو هو يطفش لواحده، قال إيه نفسها في راجل زي أبطال الروايات.. أجبلها العريس الورق ده منين أنا."

علقت عينين "صفا" وقد فهمت أن حديث والدتها وندبها تلك اللحظة، ينبئ بوجود عريس آخر أتى عن طريق أحد المعارف.. وستستمر أسطوانة والدتها من الزن والندب حتى تقابل العريس وينتهي الأمر كالعادة بالفشل. "تاني ياماما، عريس تاني؟ وده من طرف مين المرة دي.. أنا قولتلك مليون مرة أنا مش عايزة أتجاوز بالطريقة ديه، غير إنك مستعجلة ليه على جوازي؟ أنا لسه عايزة أحقق مستقبلي."

تجهمت ملامح "فاطمة" وهي تستمع لعبارتها، فعن أي مستقبل تتحدث به ابنتها.. ومنذ أن تخرجت من كلية الهندسة "قسم الاتصالات" جلست بجوارها خائبة الرجاء لا تفعل شيئاً سوى قراءة الكتب والغوص في الخيال. "مش موافقة أقابل العريس يا ماما، وبقولها ليكي أه، عشان متجبش عريس تاني ومتحرجيش نفسك مع حد." أزداد حنق "فاطمة" ثم نهضت تلتقط ببعض الكتب والروايات التي تتناثر على درج مكتبها.

"ما أه باين المستقبل يابنت بطني، عايشة لي في الخيال.. متخلنيش أحلف يا صفا إني أحرقهم لك." تمتمت السيدة "فاطمة" عبارتها الأخيرة بوعيد، ولكن عندما رأت نظرتها الكسيرة.. تراجعت وتنهدت بتعب، فابنتها عنيدة كحالها في شبابها. "أنا وأبوكي يابنتي نفسنا نخلص من حملك لراجل يصونك.. خايفين عليكي من الدنيا وانتي ولا ليكي أخ ولا ليكي أخت."

وهكذا كان الحديث الذي تكسب فيه السيدة "فاطمة" قلب ابنتها وتعاطفها، أسرعت "صفا" في الاقتراب منها، تضمها بقوة خوفًا من الفقد الذي تتحدث عنه والدتها. "بعيد الشر عليكم ياماما، متقوليش كده، أنا هعمل كل اللي يريحك ولو على الروايات والقراية خلاص مش عايزاهم ومن بكرة صدقيني هنزل أدور على شغل.. بس بلاش الجواز اللي بطريقة ديه ياما." فابتعدت عنها السيدة "فاطمة" تنظر إليها بسعادة لرضوخ ابنتها الحبيبة، ثم احتضنها بقوة.

"أنا مش عايزة إني تشتغلي، أنا عايزة يبقى ليكي بيت وزوج أطمن عليكي معاهم." لبثت أن انتهت من السيدة "فاطمة" من عبارتها حتى تعلى رنين هاتف "صفا". "جنه: إنتي طلعتي أرحم من عمتك ياصفا، عمتك جايبالي عريس وبتقولي لازم أتجاوزه." طالعت "صفا" نظرات والدتها المحدقة، ثم تعلى الحنق فوق ملامح وجهها وهي تستمع لضحكات ابنتها وتلك النظرة التي ترمقها بها. *** "انتهى العرض، وبكده أكون وضحت ليكم كل حاجة!

فتنفتح الأنوار فجأة، ونظر كل الجالسين، وقد أخذوا يطالعوه بعينين منبهرة لما قد عُرض من خطة لبداية فورية في مشروعهم الذي تم توقيعه وجاء وقت البدء على أرض الواقع. وقف عامر مصفقاً بحرارة وفخر لشقيقه. "عامر: هايل يابشمهندس، تطلع محنك، ومخطط هندسي على أعلى مستوى حتى جدولة الربح والتكلفة ممتازة." ليجلس أحمد باسترخاء على مقعده كفرد من أفراد مجلس الإدارة ويمد يده بالأوراق التي تخص المشروع.

"أحمد: آنسة دينا هتوزع عليكم كل التفاصيل اللي تقدروا تقيموا بيها المشروع." وينتهي اجتماعهم المغلق، ويغادر الحاضرون قاعة الاجتماعات وهم يتهامسون، ويبقى أحمد واقفاً يجمع أوراقه ليغادر أيضًا. فقرب عامر منه بسعادة. "أنا النهاردة فخور بيك يا أحمد." وتأمل عامر ساعة يده الفاخرة بهدوء. "عامر: أوعاك تنسى عشا النهاردة، مع محسن باشا وفريدة.. وحاول تدي نفسك فرصة وتقرب من فريدة يا أحمد وتنسى الماضي."

والماضي الذي يتحدث عنه شقيقه، مهما مرت السنين لن يستطيع تجاوزه.. لقد خسر محبوبته وزوجته، خسرها قبل أن يمنحها ما تستحقه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...