ذهبت "صفا" لعرس رفيقتها، وقد سمحت لها والدتها، لعلها تشعر بالغيرة من رفيقاتها، وتقبل بالعريس الذي سيتقدم لها بعد غد، بعدما اتفقت والدتها مع جارتها على هذا الموعد.
تعلقت عيناها بانبهار، وهي ترى سعادة صديقتها، وقد رفرف قلبها بمشاعر التوق لتصبح يوماً عروساً، بل إنها تخيلت هذا اليوم. أدركت تلك اللحظة أنها بالفعل لا تنتظر رجلاً لن يمت بالواقع بصلة، ولا ذلك الكاتب الذي تعشقه دون سبب، ولكن كل ما تتمناه أن تجد ما يحرك قلبها ويدق من أجله، وستنسى كل عالم الخيال وستعيش معه الواقع.
سافرت بخيالها نحو قصة حب صنعتها في عقلها، وكالعادة الأحلام تأخذها لأعلى، لتأتي لحظة الإفاقة وتهبط على سطح الأرض، ولكن تلك المرة هبطت مفزوعة تشهق بذهول، وهي ترى أحد الصغار يسكب عليها كأس المياه الغازية بعدما تعثرت قدمه بأحد أسلاك الإضاءة ووالدته تركض خلفه، وتصرخ باسمه. "أنا آسفة جدًا." هتفت المرأة عبارتها، ثم التقطت ذراع صغيرها تسحبه معنفة له، دون قول آخر لها بعد اتسعت البقعة فوق فستانها.
"بدل ما أرجع لبطة بعريس زي ما بتتمني، هرجع ليها بالبقعة دي." تمتمت عبارتها مستاءة، وهي تنهض عن مقعدها تنظر نحو البقعة التي لطخت ثوبها، ثم ودعت رفيقاتها من أيام الجامعة. *** وسط مجموعة ممن يماثلونه عمراً ومكانة، كان يجلس "عامر" ضجراً من تلك السهرة التي لا تروق له، ولكن يأتيها أحيانًا ليرفه عن نفسه ويخرج من زي رجل الأعمال.
كانت هذه السهرة تضم الأصدقاء للترفيه بعيدًا عن زوجاتهم، نساء تحاوطهم حتى يتمتعن بلمسات ومداعبات وضحكات ليس إلا. داعبت إحدى النساء عنقه، وقد كان يجلس بهيبته المعتادة، يحتسي مشروبه الخالي من الكحول، ويرمق بعض الأصدقاء ساخرًا، من سيل لعابه وهو يلامس بكفه ظهر تلك الفتاة العاري، وينظر لما أسفل عنقها. "والباشا هيفضل بعيد عننا كتير؟ هتفت إحداهن عبارتها، فالتفت نحوها، بعدما دفع يدها بعيدًا عنه متمتمًا:
"الباشا مستغنٍ عن خدماتك." ازدادت لوعة ورغبة وهي ترى تمنعه، فجلست جواره تفرض وجودها. "ليه كده بس يا باشا؟ رمقها "عامر" حانقًا، وحاول النهوض حتى يرحل بعدما ازداد ضجره منها، ولكن وجدها تلتقط كفه، وتسبل أهدابها راجية: "خلاص يا باشا هبعد عنك، مدام وجودي ضايقك." كانت تظن أنها بنبرتها المستكينة، الناعمة ستستطيع جذبه، ولكنها لم تكن تعلم أنها أمام أشد الرجال صلابة، خاصة إذا رأى نظرات الوداعة من النساء.
أطال النظر إليها، وقد ظنت إنها استطاعت جذبه وتحريك غريزته، ولكن الصدمة اعتلت ملامحها وهي تراه يخرج حفنة نقود من جزدانه ويلقيهم نحوها. *** هل اليوم سيأتي ذلك العريس التي جلبته إحدى جاراتها؟ تنهدت "صفا" حانقة، وقد أنهت كل ما أمرت به والدتها، ثم تنهدت بخيبة أمل من استسلامها لمقابلة ذلك العريس المرحب به من قبل والدتها ووالدها. وانفردت بغرفتها أخيرًا، ثم أمسكت بأحد أقلامها لتلون أحد كلماته وقد سطرها في كتابه.
"لو كانت النجوم قريبة منا، نمسكها بأيدينا، ما أحس أحد بصعوبة نيل بعض الأشياء. ولو كان القمر ظاهرًا لأعيننا بشكله المعتم، ما وُصف به المحب حبيبته. فجمال الأشياء ببعدها وجهلها! أفاقت من شرودها على صوت هتاف والدها بها، فاغلقت الكتاب وخرجت سريعًا من غرفتها تعانقه كعادتها حينما تضجر أو تحزن من شيء.
"حسن: أوعي تزعلي مننا ياصفا، أنا عارف إنك مش موافقة على العريس ونفسك تتجوزي الإنسان اللي رسماه في خيالك، بس ياحبيبتي عمر الواقع مابقى خيال ولا خيال بقى واقع." فابتعدت "صفا" عن والدها تلتقط كفيه، تقبلهما. "حببتي، أيدي فيها شحم." تمسحت به "صفا" مازحة: "ده إحنا نبوس الأيادي والرجلين.. والعفريتة كمان يا أسطى حسن." كان "حسن" يعمل مصلحًا للسيارات، ابتسم الأسطى "حسن" وهو يجد صغيرته التي ستظل دومًا هكذا أمام عينيه مهما كبرت.
"قولي بقي صلحت كام عربية، ولا أنزل أنا بدالك الورشة وأوريك مواهبي؟ يضحك والدها بملء شدقيه، يدفعها فوق رأسها برفق. "الأسطي حسن عايز يشوفك متهنية في بيتك مع راجل ابن حلال يصونك." حكت "صفا" رأسه، فعلى ما يبدو أن لا مفر من مقابلتها لهذا العريس. "كده هتبعني ياعم حسن وتسمع كلام بطة وتعيش جو الدراما زيها، بس اعمل حسابك لو معجبنيش زي اللي فات هنطفشه سوالي." يحتضنها والدها ضاحكًا: "علم وينفذ."
ثم أردف بحنان وقد لمعت الدموع في عينيه، ثم أسرع في إخفائها: "افضلي اضحكي على طول يابنتي فاهمه! فابتعدت عن حضن والدها، تنظر إليه بشك. "أنا دمعتي قريبة يا حاج، بلاش دراما.. لأ إحنا لازم نغير بطوط ونشوف ست غيرها." هتفت والدتها باسمها بعدما التقطت أذنيها حديثها الأخير، فاركضت من أمام والدها الذي انفرجت شفتيه في ضحكة قوية وهو يرى طفولة ابنته ومشاغبتها مع والدتها، التي لطمت كفيها ببعضهما متحسرة على عقلها الضائع.
"فاطمة: يابنت المجنونة، حظه منيل اللي هيتجوزك يا بنت بطني." عادت ضحكات "حسن" تتعالى مجددًا، لتشاركه "فاطمة" الضحك، متمنية من الله أن يطيل عمرها حتى تراها عروسًا. *** كان من ينظر إليها لا يظن بأن تلك السيدة الحسناء، ذات الملامح الجميلة، في العقد السادس من عمرها، فبرغم مرور الزمن ظل جمالها مرسومًا فوق تقسيمات وجهها، وكأن الجمال رافض أن يتخلى عن صاحبته.
تسير بعكازها الذي يساعدها على الحركة نحو شرفتها، تسأل خادمتها للمرة التي لا تعد عن شكل حديقة قصرهم الفخم. "ناهد: أوصفي لي الجنينة يا حنان." فتبتسم تلك الخادمة المخلصة لسيدتها التي لا تبصر. "حنان: ماهو نفس وصف امبارح يا هانم، أوصفهولك تاني."
تشنجت عضلات وجه سيدتها، وقد غامت عيناها بالحزن، تتذكر سنوات عمرها الماضية. ف"ناهد" الجميلة التي كانت يومًا امرأة يتهاتف عليها الرجال، أصبحت منذ سنوات ضريرة وحيدة ومنعزلة، بل منبوذة من ابنها البكر. "ناهد بضيق: روحي شوفي شغلك ياحنان." انصرفت "حنان" نحو عملها بعدما جاء السيد الصغير يرمقها بنظرة أمر، حتى تترك الغرفة، تقدم "أحمد" منها بخطوات هادئة ونظرات حزينة على والدته المنعزلة عنهم دومًا في غرفتها.
شعرت به، فالتفتت ناحيته تمد يديها إليه هاتفة باسمه: "أنت هنا يا أحمد." "أحمد: مالك ياماما بقيتي عصبية كده ليه؟ تحرك أحمد إليه، يلتقط كفها، يساعدها في خطواتها نحو فراشها بتمهل ورفق. "ناهد: ذنبها إيه حنان أشخط فيها، كفاية هي اللي متحملاني ومستحملة ست كفيفة." فجاورها أحمد فوق الفراش، يعانق كفيها بين كفيه، ثم يلثمهما، يهتف بحنان:
"ياست الكل يعني تزعلي عيونك الزرق الحلوين دول عشان خاطر زعقتي في حنان وقولتيلها روحي شوفي شغلك. لا لا فين ناهد هانم بشدتها وصحتها." فابتسمت "ناهد" بحنين، متذكرة حياتها منذ خمسة أعوام وما عصف بها. "ناهد: الزمن لازم يسيب أثره يابني، ولا الصحة بتدوم ولا المال بيدوم.. بس مين يفهم."
تأملها "أحمد" طويلًا، يبحث عن والدته القديمة وتلك الصورة التي عاشا هو وشقيقه على كرهها بعدما هجرت والدهما، فوالدهم لم يكف يومًا عن رسمها لهم بصورة بشعة، حتى تشرب منه "عامر" حقده على والدته، يعلم إنها أخطأت وركضت خلف المظاهر وتركت والده في محنته، ولكنها في النهاية ستظل والدته. وقد نال الزمن منها، فكيف يكون قاسيًا عليها كما يفعل شقيقه دون رحمة؟ "ناهد: هيفضل لحد إمتى أخوك زعلان مني يا أحمد؟
فتنهد أحمد بأسى، ينظر طويلًا إليها دون جواب، فبماذا سيخبرها، فعامر قد تشرب القسوة والحقد من والدهم ومن عثرات الزمن. *** اعترضت وثارت ولكن والدتها لم تكن ترى ما تفعله إلا دلعًا وقد أفسدتها دلالًا، هكذا أخبرتها والدتها بصوت غاضب، بعدما غادر العريس ودلفت إلى غرفتها حانقة. "سيبي البنت براحتها يا فاطمة." تهاوت السيدة "فاطمة" بجسدها الممتلئ قليلًا فوق الأريكة، تلطم فخذيها كعادتها حانقة.
"دلعك ليها يا حسن هو اللي عمل فيها كده." طالعها "حسن"، فارتسم الحزن فوق ملامحها، ترفع عيناها إليه. "عايزة أطمن عليها يا حسن." "تاني يافاطمه، يا فاطمه الأعمار بيدي الله." واقترب منها يجاورها، ثم أمسك كفيها يضمهما بحنو. "أفرض أتجوزت واتطلقت.. هننفعها بإيه بعد كده.. هنقولها كنا خايفين نسيبك لوحدك في الدنيا.. ربك مبينساش عباده يا فاطمة."
أنسابت الدموع فوق خدي "فاطمة"، هي امرأة مؤمنة ومقتنعة بحديث زوجها، ولكنها تخاف على ابنتها بقلب أم لا تريد سوى رؤيتها مع زوج يحميها ويصونها. "خليها تدي العريس فرصة، ولو مرتحتش بعد كده مش هتكلم تاني يا حسن." ***
دلف "أحمد" المطعم حانقًا من إصرار شقيقه على تلبية الدعوة التي اعتذر منها هو، وهو من يجب عليه الذهاب من أجل صورته أمام السيد محسن. تمتم داخله وهو لا يتمنى أن لا تكون حيلة من شقيقه. أرشده النادل نحو الطاولة التي تم حجزها، فاقترب من الطاولة بملامح جامدة بعدما لم يجد عليها سوى "فريدة" ابنة السيد محسن جالسة فوق المقعد وظهرها إليه.
اقترب بخطوات هادئة، يزفر أنفاسه بضيق، فمتى سيبتعد "عامر" عنه ويكف عن اختيار العروس المناسبة له. "مساء الخير." ابتسمت "فريدة" عند سماع صوته، والتفتت إليه ثم نهضت عن مقعدها تمد له كفها، وبلباقة كان يجيدها، تاركًا حنقه جانبًا. "أسف على التأخير." "متعتذرش يا بشمهندس، أنا اللي جايه بدري عن ميعادي." جلس قبالتها متجاوزًا حديثها، متسائلًا: "نطلب الأكل."
شعرت "فريدة" بالحرج من معاملته الجافة، وحاولت أن تتخطى الأمر، فما تعلمه عنه يؤكد لها بأن شخصيته هكذا وليست وحدها من يخصها بتلك المعاملة. "أوكي." شرعوا في تناول وجبتهم، ومهما حاولت الحديث عن أي موضوع، كان يجيبها ببضعة كلمات. "تعرف أني معجبة بشخصيتك جدًا يا بشمهندس." رفع عيناه إليه، بعدما مضغ الطعام وارتشف من كأس الماء بضعة قطرات. "أنا عارفة إنك ممكن تقول عليا جريئة، بس أنا اتعودت على الصراحة."
ابتسم مجاملة لها، فابتسمت هي الأخرى. "أتمنى أتعلم من خبرتك في السوق يا بشمهندس، وتنسى أنا بنت مين.. زي ما أنت كمان بتنسى في الشغل اسم عيلة السيوفي." ولثاني مرة كان يُعجب بحنكتها في الحديث، اتسعت ابتسامته وقد ظنت إنها وصلت لبداية الطريق، ولكنها كانت بعيدة تمامًا عن هذا. "وأنا سعيد بكلامك ده يا بشمهندسة، لأني معنديش مجاملة في الشغل."
مر الوقت وفريدة بذكائها ولباقتها، استطاعت أن تجد حديثًا تتجاذب به معه ولم يكن الحديث إلا عن عمالقة الكتاب سواء شرقي أو غربي. ضحكت وهي ترى نفسها أصبحت جاهلة بمعلوماتها الضئيلة عن الأدب، رغم إنها أظهرت إليه في البداية مدى شغفها. "أنا مقدرش أوصل ليك يا بشمهندس، أنت ماشاء الله موسوعة." ابتسم "أحمد" على إطرائها، دون أن يخبرها بهويته المستعارة. "معلوماتك مش ضئيلة ولا حاجة." "اعتبر أني فيا أمل."
وسبلت أهدابها إليه في رقة، فارتشف قهوته بعدما شعر أن الأمر سيأخذهم لبداية لا يريدها. انتهى اللقاء وقد حاولت "فريدة" بشدة استمالة قلب "أحمد". *** ابتسم "عامر" بعدما طالت سهرة شقيقه، رمق ساعته قبل أن يصعد الدرج، ولكن توقف مكانه وهو يستمع لصوت شقيقه الساخر. "مش معقول عامر باشا مستنيني بنفسه.. ولا مستني تعرف نجاح خطتك؟ تجهمت ملامح "عامر"، فاقترب منه "أحمد". "عيب يا باشا تلعب معايا كده." "العب معاك."
تمتم بها "عامر" حانقًا، فتنهد "أحمد" ضجرًا. "كفاية يا عامر، أرجوك كفاية.. قولتلك إني هفضل عايش على ذكرى مها، أنت ليه مش عايز تفهم." "أنت بتعلي صوتك عليا أحمد." تنهد "أحمد" بأسف، يرمق شقيقه. "أنت عارف مكانتك كويس عندي يا عامر." وقبل أن يتجه نحو غرفته، وقف على إحدى درجات الدرج. "سيبني أدفن نفسي في العالم بتاعي يا عامر.. زي ما أنت دافن نفسك في الماضي ومازلت بتحمل أمك ذنب دفعت ثمنه."
تجمدت ملامح "عامر"، بعدما علقت عيناه بشقيقه، وبعدما كان جسده يستجدي الراحة، عاد عقله للماضي الذي لم ينساه رغمًا عنه. *** دَلفت عمتها غرفتها بعدما علمت بعودتها من ذلك اللقاء، استمعت لاسمه وهي ترى ابنة شقيقها تحدث إحدى صديقاتها عنه، أسرعت "فريدة" في إنهاء محادثتها بعدما رأت عمتها تجلس بجوارها وعلى شفتيها ابتسامة سعيدة. "مش معقول كريمة هانم في أوضتي." دفعتها عمتها برفق، قبل أن تندفع لأحضانها.
"حبيبت عمتها، اللي بقت تخبي حاجات كتير عنها." ابتعدت عنها "فريدة" تطرق رأسها، فابتسمت "كريمة" متسائلة: "قولي لي عرفتيه إزاي، وابن مين، وإمتى هييجي يتقدم لبابا." "يتقدم مرة واحدة يا كريمة هانم." هتفت بها "فريدة" وهي تضحك، فطريقها مع "أحمد السيوفي"، مازال طويلًا. "كل دي أسئلة يا عمتو." "والأسئلة لازم يكون ليها إجابة." تمتمت السيدة "كريمة" بحب حقيقي لابنة شقيقها التي ربتها، بعدما تركتها والدتها بعد انفصالها عن شقيقه.
"ده أخو عامر السيوفي شريك بابا لو تسمعي عنه." ضيقت "كريمة" عينيها تحاول تذكر الاسم، فلمعت عيناها بصدمة وهي تتذكر نية شقيقه في تقريب ابنته من "عامر" وليس شقيقه. "أنتي عارفة إن بابا كان عايز يقربك من عامر مش من أحمد." لم تنصدم ملامح "فريدة"، فهي كانت تعلم بنية والدها ولكنه في النهاية رضخ لقرارها. "بس أنا عجبت بـ أحمد يا عمتو، وبابا تفهم الموضوع." ارتاحت عمتها عندما استمعت لقرارها.
"كنت خايفة لـ محسن يعرف يقنعك، إن عامر هو السلطة وتدفني نفسك مع راجل فرق السن بينك وبينه كبير وفي النهاية مش هتحصدي غير الخسارة زي.. وكل ده عشان الفلوس." دمعت عينين "كريمة" عندما تذكرت الماضي وزيجتها الفاشلة التي لم تثمر إلا بضياع سنوات من عمرها، أسرعت فريدة في ضمها تشعر بالحزن على حال عمتها. "إنسي يا عمتو." تمالكت "كريمة" دموعها، تنظر لابنة شقيقه بحب. "خليكي ديما قوية يا فريدة، أوعي في يوم حد يتحكم فيكي."
وفريدة كانت لا تحتاج لنصيحة عمتها، هي ابنة محسن الصواف، ورثت طباعه ووحيدته التي يتنازل من أجلها عن أي شيء. "احكي لي بقي عن أحمد ده." تراجعت "فريدة" للخلف، تستند بظهرها فوق وسادتها وتعبث بخصلاتها بحالمية متمتمة: "تقيل أوي، ومثقف أوي.. وجميل أوي." لمعت عينين "كريمة" وهي تستمع لوصفها. "أنا عرفت دلوقتي ليه عجبك... هتفت بنبرة صوتها تقلدها: "عشان تقيل أوي مش كدا."
أسرعت "فريدة" في الاعتدال من رقدتها، تطالع عمتها بعدما تذكرت تلك القصة التي علمتها عنه وعن حبه القديم بفتاة ليست معروفة في وسطهم. "كان بيحب بنت زمان يا عمتو، سمعت إنها ماتت ومن ساعتها قافل على نفسه." طالعتها "كريمة" قليلًا، تنظر إليه. "والمفروض أنتي دلوقتي تعرفي كل حاجة عن البنت دي مش كده يا فريدة." "محتاجة أعرف ليه حبها ومن ساعتها قافل على نفسه." "بلاش يا فريدة تفتحي الدفاتر المتقفلة." ***
كانت زغاريت والدتها تعم المنزل، والفرحة لا تسع عينيها. "فتحت فاطمه بسعادة: مبروك ياحبيبتي، يااا يا بنتي متعرفيش سعادتي قد إيه النهارده وإحنا نازلين نجيب الشبكة." "صفا: مش مرتاحة يا ماما، ارجوكي بلاش." زفرت "فاطمة" أنفاسها حانقة، من حال ابنتها المتقلب. "عريس، تتمناه أي بنت.. محاسب في مكان ليه وضعه وعنده شقته وعربيته.. تقوليلي مش مرتاحة." "هو الجواز شقة وعربية يا ماما."
هتفت بها "صفا" وقد عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها، فمهما حاولت أن تشعر بالسعادة والتأقلم كباقي الفتيات كما أخبرتها والدتها، كانت تشعر بالسوء. احتضنتها "فاطمة" بحنان حتى لا تضغط عليها أكثر. "لا طبعًا يابنتي، أهم حاجة عندي راحتك وسعادتك." حاولت صفا أن تجد لها مخرجًا، رغم استحالة الأمر. "طيب خلينا نتعرف الأول قبل ما نجيب الشبكة.. مش يمكن ميطلعش في بينا توافق في الفكر."
ابتعدت عنها السيدة "فاطمة" وقد علمت أن ابنتها لن يجدي نفعًا معها الحديث برفق. "توافق في إيه.. في الفكر يا بنت بطني.. قومي ألبسي طرحتك خلينا ننزل نقابل أم العريس." وقد تم ما أرادته "فاطمة" بالفعل، هبطت من البناية التي يقطنون بها، فوجدت والدها يمسح يديه من شحم السيارات واقترب منها هامسًا. "هاوديها المرادي عشان خاطري يا صفا." "والمرة الجاية... تساءلت بهمس كهمس والدها، وقد وقفت والدتها جانبًا، في ضجر تنظر إليهم بشك.
"هتجيبلها إنتي العريس ونرتاح." ضحكت رغم عنها، وقد تبدلت ملامحها من العبوس وهي تستمع لمزاح والدها. "هموت وأعرف بتتكلموا في إيه من ورايا." فابتعد "حسن" عن ابنته واقترب من زوجته الضجرة، التي وقفت تنتظر جارتهم قبل أن يلتقوا بوالدة العريس لانتقاء الشبكة. "بقولها إنك بتصغري وتحلوي يا بطة." *** دلف مكتبه بعدما أخبرته سكرتيرته بوجودها، نهضت عندما انتبهت عليه وتركت الأوراق جانبًا هاتفه. "عدلت المخططات المطلوبة مني."
مدت له الأوراق بعملية أعجبته، فقد ظن وجودها اليوم في الشركة ما هو إلا تكملة خطوات قربها منه. أدهشته بارعتها فابتسم وهو يمدحها. "هايل يا فريدة." اتسعت ابتسامة "فريدة" وتستمع لمديحه، غير مصدقة أنه جاء اليوم الذي أُغرمت برجلاً، وأصبحت بضعة كلمات منه تُسعدها. "مافيش أي تعليق هتضيفه يا بشمهندس." أماء برأسه وهو يطالع الأوراق دون النظر إليها، مشيرًا نحو جزء بسيط. "بس ممكن أعرف وجهة نظرك في الجزئية دي من التخطيط."
رفع عيناه نحوها ينتظر جوابها، فتقدمت منه بسعادة، تنظر نحو ما يشير إليه، ثم مالت قليلًا بعدما جمعت خصلاتها تنظر بتدقيق نحو ما يريد سماع وجهة نظرها به. أجابته عن استفساره بدقة ومهارة، فلم يجد ما يضيفه. كانت هائمة في رائحته رغم إنها تمالكت حالها ووقفت ثابتة خلفه حتى تنال تقديره، ولكنها في النهاية لم تعد تحتمل تلك الرائحة التي عبأت رئتيها بعد زفرات متتالية.
وعلى حين غرة، دون أن تشعر به بعدما وضع الملف جانبًا والتف نحوها حتى يعرف سبب صمتها، فوجدها مغمضة العينين. فتجمدت ملامحه ونهض عن مقعده، فانتفضت في ذعر. "آنسة فريدة." وقبل أن يجرحها بكلمات رآها في عينيه، التقطت الأوراق واسرعت في لملمت شتاتها متمتمة باعتذار. "أسفة يا بشمهندس، سرحت شوية.. بسبب الإرهاق." واردفت معللة: "فضلت طول الليل بعمل التعديلات، فتقريبًا محتاجة فنجان قهوة يعيد لي تركيزي."
لم يعقب على حديثها، فاسرعت بخطواتها منصرفة، ولكنها توقفت في مكانها وهي تستمع لعرضه. "هطلب فنجانين قهوة لينا." التفتت إليه ببطء، فتساءل بملامح مسترخية. "قهوتك إيه؟ وبابتسامة واسعة، كانت تخبره: "مظبوطة." *** ضاقت أنفاس "صفا" ذرعًا وهي ترى تصرفات والدة ذلك الذي وسمته والدتها بخطيبها. زجرتها والدتها بعينيها، حتى تنظر لذلك الخاتم الذي انتقته. "إيه رأيك يا صفا؟ نظرت لخطيب ابنتها متسائلة: "وانت يا طارق يا حبيبي، إيه رأيك؟
تمتم الآخر وهو ينظر في هاتفه: "قولي لهم رأيك يا ماما." تجهمت ملامح السيدة "فاطمة"، غير مصدقة أن الذي يقف أمامها الآن، نفس الشاب المؤدب الخجول الذي يفهم بالذوق كما نعتته. "وريني كده يا ست فاطمة." التقطت السيدة "إحسان" والدة العريس الخاتم، تقدره بكفها متمتمة بضجر. "ده تقيل أوي، خلينا نختار حاجة أخف." ولم تنتظر سماع جوابهم، واخذت تبحث عما تريده.
انتقى ما هو أخف، والسيدة "فاطمة" وجارتها السيدة "جليلة" ينظرون لبعضهم في صمت، تنهدت "صفا" بضيق تجذب ذراع والدتها. "يلا يا ماما، كفاية قلت قيمة لحد دلوقتي." "صحيح يا ست فاطمه، هو الأسطي حسن هيهدي بنته إيه.. إحنا العيلة كلها عندنا لازم الأب يشتري لبنته طقم شبكة هدية." لم تتحمل "صفا" المزيد من صفاقة هذه السيدة وتقليلها من شأن أهلها، فاقتربت منها ترمقها بنفس النظرة التي وقفت ترمق بها والدتها.
"لا إحنا مبنجيبش هدايا دهب، يا طنط." طالعتها السيدة "إحسان"، تنظر نحو السيدة "جليلة" التي تمتمت بخجل لجارتها. "أنتي بتقولي إيه يا ست إحسان، ديه صفا زينة بنات الحارة وبشمهندسة أد الدنيا.. اخص عليكوا." ونظرت نحو العريس الذي يقف بينهم وكأن وجوده لا شيء، يمسك هاتفه باهتمام وكأنه ينتظر خبر ما. "ما تقول حاجة يا عريس." "بتقولوا إيه يا جماعة."
لم تشعر "صفا" بحالها إلا وهي تتعارك معهم، والسيدة "فاطمة" تصيح بأبنتها أن تتوقف، وصاحب محل الصاغة أخذ ينظر لأشيائه الثمينة بخوف ويهددهم بجلب الشرطة إذا لم يتوقفوا، والسيدة "جليلة" تحاول فك العراك بينهم ثم سقوطها أرضًا بعد دفعتها السيدة "إحسان". وفجأة عم السكون المكان، وصوت سرينة الشرطة تصدح بالأرجاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!