طالعها شقيقها بنظرات حزينة على حالها وهو يراها متقوقعة على حالها فوق الفراش الصغير في غرفة أولاده. لقد عادت "حياة" لنفس المكان الذي لفظتها منه زوجته حتى تكون هي السيدة الوحيدة في المنزل. عادت من ضحت بنفسها لأجل أن يخرج هو من ورطته. عادت من نسي أنه الشقيق الأكبر والسند وجعلها تتحمل أعباء كل شيء. عادت الوردة وقد زبلت أوراقها وفقدت رحيقها. أصرف أولاده بإشارة من يده حتى يخرجوا من الغرفة ويكفوا عن الشجار حولها.
لم تشعر شقيقته بهدوء الغرفة، كما لم تشعر به وهو يجلس فوق الفراش يمسح فوق شعرها بحنو، ويهمس اسمها بنبرة حزينة. "حياة" أنا كويسة يا رجب متقلقيش. منحته جواباً يُريحه، ولكنه لم يشعر بالراحة بتاتاً. فصوت شقيقته الحزين يؤلمه. "عامر بيه، اتصل بيا وعايز يكلمك. تفتكري لو مكنش عايزك في حياته... كان هيتصل بيا عشان يطمن عليكي. كان ما يصدق يا حياة." "هكون في حياته زوجة تانية مالهاش قيمة، أنا مكنش ليا قيمة من الأول يا رجب."
دمعت عيناها وهي تُخبره بالحقيقة المرة، تُخبره إنه لم يمنحها الحياة والسعادة إلا عندما أظهرت إليه الولاء والخضوع. عاشت معه زوجة مطيعة ترضي بما يُقدمه لها، ترسم على محياها الابتسامة كلما اقترب منها راغباً. تنفذ الأوامر، تسمع النصائح حتى تمنح نفسها فرصة لتكون في حياته فرداً يُذكر. وها هو سعيها نحوه قد انتهى. حتى انتقامه من طليقته انتهى.
وما دام الصفحات القديمة قد غلقت فبالتأكيد صفحتها ستكون في طيّ النسيان، وستكون مجرد امرأة مرت في حياته. "مش قادر أقولك اتنزلي واقبلي تكوني زوجة تانية." دمعت عيناه وهو ينطقها بقلة حيلة، فهو لا يريد لأخته أن تعود للفقر، أن تعود لسلاطة لسان زوجته التي لولا أطفاله ما كان عاش معها هذا العمر متحملاً صفاتها الفظة. "مش هقدر يا رجب، لو كنت أقدر كنت فضلت في بيته وأستنيته لحد ما أعرف هيكون إيه دروي في حياته."
"ليه حظك كده يا حياة." ضمها إليه، يتمتم عبارته التي كانت كالطعنة لقلبها. إنها بالفعل بدأت تشعر بسوء حظها في الحياة، ولكن سرعان ما كانت تنفض رأسها تهتف برضى. "أنا راضية يا رجب بنصيبي." علقت عيناها به وهي تحتسي عصيرها، لا تُصدق إنه هنا معها. يجلس أمامها. بل أتى معها لطبيبتها ورأى طفلهما. كلها أشياء لم تظنها أن تحدث. ولكن "عامر" خالف كل توقعاتها فيه.
خرجت تنهيدة حارة من بين شفتيها، تُرثي معها حياتها وحالها وغباءها، فقد أضاعت رجلاً لو كانت نظرت إليه كما تنظر له اليوم، لعشقته بكل كيانها. لتمنته وحده دون غيره، ولكن ما مضى لن يعود. "أمتى هتسامحني يا عامر." لفظت عبارتها بندم، وهي تسترخي فوق مقعدها وتضع بيدها فوق جنينها. فعلقت عيناه بفعلتها، ولمعت بتوق لتلك اللحظة القريبة. تجاهل سؤالها، متسائلاً إذا كان هناك شيئاً يؤلمها فيرحلوا من هنا. "لو تعبان، ممكن نقوم."
"لا، لا... أنا مبسوطة." أعتدلت في جلوسها، تنفي تعبها حتى لو كانت تشعر به. فهي ظلت لأشهر تتمنى لحظة أخرى تجمعهما. اشاح عيناه بعيداً عنها، يُحاول جاهداً رسم الهدوء فوق ملامحه، ولكن داخله كان يشعر بالقلق، نحو تلك التي لا تُجيب على مكالمته، فهل تُعاقبه على بعده عنها. "وجودك هنا عشان الطفل وبس، مش كده يا عامر." تسألت وهي تترقب جوابه، تمنت لو يُخبرها إنه من أجل كلاهما. ولكنه لم يكن يوماً رجلاً مراوغاً.
"أنتِ عارفه سبب وجودي كويس يا فريدة، فبلاش تصعبيها على نفسك." انسابت دموعها، وهي ترى عيناه تعود لقتامتها، وكأنه ينفي استحالة عودتهم مجدداً. "لكن أنا مش هسيب ابني يا عامر، ابني هيعيش معايا هنا... في بيتي." تجمدت ملامحه، وهو يرى نظرة التحدي في عينيها. وكأنها تُخبره أن أحقيته في طفله بقربهم ثانية، انتهت. جلستهم في ذلك المطعم. واتجه بها نحو سيارته حتى يوصلها لمنزلها. ولم يكن الصمت إلا السبيل الوحيد بينهم.
رمقته من أسفل أهدابها خلسة، وهي تراه يقود السيارة ويضغط فوق عجلة القيادة بقوة. حتى ابيضت مفاصل يديه. عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها، فهي تعلم إنه يفعل كل هذا من أجل طفله، يتحمل قربها من أجله وحده. وعامر لن ينسى يوماً ما فعلته به، ولكنها تريد أن يمنحها فرصة حتى لو وضعت الطفل بينهم واجبرته. اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ إلى أن انفرجت شفتيه في ضحكة صاخبة قد خانته.
أخذ يطالعها بعشق وهو يتأمل ذراعيها المفرودتين في الهواء عالياً وهم يستقلون التلفريك في هذه الولاية. ويتعالى صوت مرحها وهي تهتف بصياح. "أنا مش مصدقة أني بعمل كل حاجة كان نفسي أعملها." "اقعدي يا مجنونة." التقط ذراعها، وهو لا يستطيع تمالك حاله من شدة الضحك. خانتها قدماها، فسقطت فوق فخذيه. تُعانقه ضاحكة. "قولي بحبك بصوت عالي." "بحبك يا صفا." اتسعت ابتسامتها، وتسارعت دقات قلبها. لا تُصدق إنه صرخ بحبها.
عانقته بعينيها بعشق. وقد بدأ يفهم طبيعة زوجته، صفا تُريده كل يوم يُخبرها بحبه. لا تُريده رجلاً صامتاً وهو كان خير مرحباً بالأمر. فالنساء هكذا شيئاً واحداً إذا بحثت عنه داخلهما ومنحته لهم، ستجده معطائين، محبين، راضين. يمنحونك كل شيء ويعطونك قلوبهن مرحبين. انتهت جولتهم، التي بالفعل نالت من أجسادهم. وفور أن دلفوا غرفتهما في الفندق الذي يُقيمون به. سقطت فوق الفراش مرهقة. فابتسم وهو ينتشلها من فوق الفراش.
"قومي خدي حمام دافئ، وغيري هدومك يا صفا." واقتراحه لم يكن ممتعاً بالنسبة لها، فهي تتوق للنوم قليلاً. همست بنعاس وقد أطبقت جفنيها باسترخاء. "لما أصحى يا حبيبي." وها هي تنفذ ما تُريده، وليس ما أراده. استيقظت من نعاسها وقد وجدت حالها تغفو بطول الفراش وليس بعرضه كما غفت. حجابها قد أزاله عنها. وازال بعضاً من ملابسها حتى تستطيع النوم براحة. بحثت عنه في الغرفة وهي تنهض من فوق الفراش، تفرك عيناها. لعلا النعاس يُغادرهما.
انتبهت على صوته وهو يتحدث في الهاتف في الصالة المرفقة لغرفتهما. فاتجهت صوبه بعدما علمت بهوية المتصل ولم يكن إلا عامر الذي أخذ يقص عليه ما يعيشه هذه الفترة، وطفله من فريدة الذي لم يعلم به إلا مؤخراً. ضمت نفسها إليه، تتمسح بصدره كالقطة الناعسة. وقد التقطت أذناها بضعة من الحديث الذي جعلها تبتعد عنه مصدومة. انتهت المكالمة أخيراً، فطالعته بتحديق. "هي فريدة طلعت حامل من عامر، وكل ده هو كان ميعرفش."
حرك إليها رأسه بهم، فتحولت ملامحها للعبوس. "طيب وليه تعمل كده، وتخبي عليه إنها كانت حامل." "عامر مكنش مديها فرصة تصارحه، وخافت عليه." زفر "أحمد" أنفاسه وهو يُجذبها إليه، لعلها يجد بعض الراحة بين ذراعيها. "عامر صعبان عليا أوي يا صفا، بعد ما لاقي الاستقرار مع حياة... رجعت فريدة تاني لحياته." حاولت الابتعاد عنه حتى تتمكن من رؤية ملامحه، ولكنه رفض ابتعادها. "خليكي في حضني، بحس بالسلام وأنا جواها."
اشتدت في ضم نفسها إليه، تمنحه ما يرغب. تتسأل مجدداً. "يعني هيرجع لفريدة؟ والجواب لم يكن موجوداً لديه، ف عامر إلى الآن لا يعرف أي قراراً سيتخذه بعدما عقدت فريدة الأمور بينهم. فأما هي والطفل أو سيبقى الطفل معها. ويأتي هو لرؤيته كلما أراد. منذ آخر لقاء كان بينه وبين حسن المنشاوي، وأصبح عقله غير قادر على ربط الأمور ببعضها. صحيحاً "حسن" لم يظهر إليه بأنه يعرف بشيء.
وما عرفه ليس إلا إنه من دماء هذه العائلة وإنه ابن أخو تلك الحبيبة الغالية "حليمة النعيمي". فقد طلب رؤيته اليوم مصراً على فاخر وجاسر دعوته للغداء معهم وسط العائلة. جاسر الذي بدأ يشك فيه ويتعجب معاملة والده له. فرك رأسه بعدما شعر بالصداع، فما الذي توصل إليه "حسن" من معلومات. هل يظن فقط إنه ابن أخو المرأة التي هجرها، أم إنه اكتشف ما خفاه خاله منذ زمن. أخذته عيناه نحو ذراعه، فاسرع في طيّ أكمام قميصه.
حتى يرى الوخمة الغريبة المميزة التي تعلو مرفقه وكان يتعجب من شكلها، إلى أن رآها اليوم بالمصادفة في ذراع حسن وفي نفس الموضع. وسؤال واحد كان يسأله لنفسه. "يا ترى أنت طيب، ولا قاسي القلب يا حسن يا منشاوي! أخذت تلامس بأناملها الناعمة ملامح وجهه المتصلب وهو نائم، فابتسمت على تقطيبه وجهه، فحتى وهو نائم عابس الوجه.
كادت أن تبتعد عنه وتنهض من جواره بعدما انتهت لحظات تأملها فيه، ولكن تراجعت لمكانها تشهق بفزع من أثر قبضته فوق ذراعها وجذبها نحوه يهمس بنعاس وهو يضمها إليه. "يعني بتصحيني، وتقومي كده من جانبي." علقت عيناها بتفاصيل ملامحه الرجولية التي تعشقها، ورفعت كفيها تعبث بما هو ملك لها. "عارف نفسي في إيه؟ طالعها بنظرة عاشقة، راغبة، ينتظر سماع ما يرغبه. وقد لمعت عيناه وهو يهمس. "نفسك في إيه؟ "نفسي أحلقلك شنبات."
كفت عبارتها وهي تنتظر أن ترى الاستحسان فوق ملامحه، ولكنها لم تر إلا العبوس وهو يدفعها من فوقه. حتى ينهض. "طلباتك ماسخة، ومبتعجبنيش.. مش عارف ليه بسيبك تقولي اللي نفسك فيه.. رغم إني متوقع حاجة مش هتعجبني." ألقى عبارته عليها، دون أن يعطيها مجالاً للرد. فاسرعت ورائه تلتقطه من ملابسه. "هو ده صباح الخير." رمقها بنظرة من فوق كتفيه، وقد تجهمت ملامحه. "والله صباح الخير اللي تفتح النفس مستنيها منك أنتِ."
"هو أنا بقيت أسد نفسك أوي كده." هتفت بها متذمرة وهي تعقد ساعديها وتلتف بجسدها بعيداً عنه. "يعني تموتي في النكد وكمان قماصة." "أنا قماصة يا جاسر." زمجر بضيق من صغر عقلها، واتجه نحو المرحاض. يسب ويلعن. انتبهت على الدراما التي وقفت تعيشها مع نفسها، ففي النهاية هو تركها وهي وقفت غاضبة لا تُصدق تحوله بهذه السرعة. ولكنه هكذا دوماً. فما الجديد الذي أصبحت تكتشفه بشخصيته. خرج من المرحاض، يُجفف رأسه وعنقه. يتجاهل وجودها.
فاسرعت إليه تتعلق به. "شيخ العرب، بقي بيتقمص بسرعة زي العيال الصغيرة." حدقها بمقت، وكأن الحديث لم يعجبه. "صباح الخير يا حبيبي." ورغماً عنه، كان يبتسم وهو يراها تُحاول تقبيله فوق كلا خديه. خرجت شهقة من شفتيها، وهي تراه يلصقها به يُعلمها نتائج الدلال على رجل مستعد لنيل فريسته. وكالعادة التي أصبح بها مؤخراً هو الذهاب لعمله متأخراً عشرة دقائق أو ربما أكثر. بعدما كان أكثر الرجال انضباطاً.
فزوجته جنونها لا يكون إلا في الصباح. جلست منيرة بجانب أخيها شاردة بعدما أخبرها بشكوكه. "طيب والمحامي قالك إيه يا حسن." "حليمة ماتت بعد ما خلفت علطول، وبعدين فهد أخوها طلق مراته بعد ما ابنهم اللي مات بسبب إهمالها... وولدي يامنيرة اتكتب باسمه." رمقته منيرة في صدمة، لا تُصدق أن هذا الرجل ابن أخيها. ولكن سرعان ما كانت تبتسم. فقد كانت تشعر بقربه منهم وكأنه من دمائهم. "لازم جاسر وفاخر يعرفوا بالحقيقة ياحسن، ده أخوهم."
ارتسم الندم فوق ملامحه، بعدما طبق فوق جفنيه بإرهاق. "مش كفاية إن جاسر لحد دلوقتي منسيش إني كنت بحب ست تانية على أمه، كمان يعرف إني اتجوزت عليها... جاسر مش هيسامحني يامنيرة. ولدي وأنا عارفه قسوة قلبه زي عمه عبد الحمن. قلوبهم مبتنساش." وقفت تتمايل بين ذراعيه، فقد أخذها جنونها اليوم وهذه اللحظة. أن ترقص له وتتدلل عليه، وهو الذي أحياناً يكاد يقابل أصابعها حتى تفعل له شيئاً يريده. ولا تنعته إلا بالوقح، ذو الأخلاق الفاسدة.
تفقده صوابه أحياناً بحديثها، وأحياناً تفقده كل توازنه. أعترف لنفسه هذه اللحظة، إنها استطاعت بالفعل استيطان قلبه، فلم يعد يستطيع العيش دونها. وقد عاد الضعف يحتله واكثر الأشياء التي أقسم عليها يوماً. إنه لن يجعل امرأة نقطة ضعفه. حاول أن يتخلص من سحرها قليلاً عليه، ويقبض فوق كتفيها حتى يوقفها من جنونها. "جنه أنا مش فاضي لدلعك ده دلوقتي." عبست ملامحها، ومطت شفتيها متذمرة، واستمرت في تراقصها وهي تُعانقه.
"أنا كده زعلت منك." "مش شايف إنك زعلتي يعني." توقفت عن تحركها، ودفنت رأسها بصدره. "لا أنا زعلت وصالحني بقى." ضمها إليه، وقد ضرب بكل قراراته. فلم يعد يستطيع إحزانها. "عمك وعمتك عايزاني في موضوع مهم، هقولهم إيه طيب يا مجنونة؟ أقولهم بنت أخوكم العاقلة... كانت... وقبل أن يُكمل عبارته، كانت ترفع كفها نحو شفتيه تُخرسه. "جاسر، أنا مبقتش أشوفك خالص.. وهترجع متأخر أنا عارفه." ضاقت عيناه وهو ينظر إليها متسائلاً.
"عايزة إيه يا بنت صابر، قوليها وأنا... لم تنتظر سماع المزيد منه، فقد فهمت ما أراد أن يُخبرها به. أخبرته ما تُريده، فاطاحت بعقله. بعد وقت كان رنين هاتفه يتعالى برقم عمته. ولكنه كان غارق معها في دوامة العشق الذي أصبحت تجيد إشعاله بداخله. وقف يهندم من ثيابه، بعدما أنتهي من نيلها وقد أنتهي اللقاء بينهم. في تلك الشقة التي استأجرها لتكون مكان لقاءهم الدائم حتى ينتهي منها.
"ارحمني وطلقني.. أنا كرهت نفسي خلاص ومبقتش طايقة نفسي." تعالى نحيبها، وهي لا تُصدق إنها وصلت لهذه المرحلة بحياتها. امرأة للفراش لا أكثر، يُعاملها وكأنها عاهرة. أغمضت عيناها بقهر، وهي تتذكر ما يحدث أثناء علاقتهما. كادت أن تخرج كل ما في جوفها. ولكن شعرت بيده تقبض فوق خصلاتها. "مش هسيبك غير بمزاجي، سامعة.. وبلاش علامات القرف دي على وشك." "حرام عليك، كفاية بقى." كفت عبارتها بضعف، بعدما دفعها نحو الوسادة.
يُطالعها بنظرات فاحصة لهيئتها العارية أمامه. وجدته يحل أزرار قميصه. لتتراجع للخلف تكتم صوت صرختها التي خرجت منها مرغمة. "لااا... لااا." حملت كوب الينسون الذي قد أعدته له ووقفت متذمرة من طلباته، بسبب ما اقترحته عليه. "مش كفاية طلبات لحد كده؟ طالعها "أحمد" وقد تمالك حاله، ورسم الجدية فوق ملامحه. ورمق أوراق مشاريعه. متجاهلاً طلبها. "خليها مرة تانية يا صفا، أنتِ شايفه أنا مش فاضي أد إيه؟ "نعم."
خرج صوت تذمرها، واقتربت منه تلتقط كأس المشروب الساخن واندفعت خارج الغرفة به. تحت نظراته المصدومة من فعلتها. "خدي هنا، رايحة فين." "مش أنا اللي عملته، هشربه بقى.. واعمل لنفسك." اسرع في التقاطها، فسقطت بضعة قطرات من المشروب. "في زوجة مطيعة تعمل في زوجها كده.. وكل ده ليه عشان عايزاه يقرأ لك كتاب." عبست بملامحها، وقطبت ما بين حاجبيها متذمرة من حديثه. فتعالت ضحكته مرغماً وهو يراها بهذا العبوس. "هنفذ الطلب، بس قصاد طلب."
وقبل أن يُتمم عبارته، كنت تهتف حانقة. "طلب تاني، خلاص أصلاً أنا غلطانة.. كل ده عشان بحب أسمع صوتك وأنت بتقرأ." ابتعدت عنه، ولكن أعادها لقربه. يدفن وجهه بعنقها متسائلاً. "وإيه السبب اللي بيخليكي مستمتعة وأنا بقرا يا صفا؟ رفعت عيناها نحوها، وسرعان ما كانت تُسبل أهدابها. "صوتك وأنت بتحكي التفاصيل، بيخلني أعيش في مكان تاني.. بحس إني طايرة فوق السحاب."
أفقده صوابه بعبارتها، بل وجعلته لا ينتبه على القطرات الساخنة التي سقطت فوق صدره. بعدما الصقها به، هو ينفذ لها طلبها وهي تغفو فوق ذراعه مستمتعة بالحكاية. انتهى من بضعة صفحات. فلم تنتبه على إغلاقه الكتاب إلا بعدما تحرك قليلاً ليضعه جانباً. "هي كده الحكاية خلصت." ابتسم بمراوغة وهو ينحني صوبها بنظرات هائمة. "بكرة نكمل باقي الحكاية." دَلفت المنزل على صوت صراخ زوجة شقيقها بأطفالها.
تقدمت منهم تُحاول جذب الصغير من قبضتها حتى تُخلصه من صفعاتها. "كفاية ضرب في الولد يا سناء، أنتِ مش بتربيه." دفعتها "سناء" عنها، حتى كادت أن تسقط. صارخة بها. "ولادي وأنا حرة فيهم، لما يكون عندك ولاد ابقي وريني هتربيهم إزاي يا ست حياة." ابتعلت "حياة" غصتها، وتجاهلت عبارتها. وعادت تُخلص منها الصغير الذي أخذ يهتف باسمها حتى تُخلصه من والدته. دفعت "سناء" الولد إليها.
وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي تضع بيدها فوق بطنها المنتفخة. "سبتهولك أه يا ست حياة، أنا مش عارفة إيه اللي رجعك لينا تاني ولا أقول إيه على حظي الأسود. مينفعش يبقى لي بيت زي أي ست." لقت سناء عباراتها، التي باتت تُخبرها بها كل يوم. منذ أن عادت إليهم وأخبرتهم أن حياتها مع عامر انتهت. فطليقته ستعود إليه بعدما تُنجب له طفلهما. ودورها بحياته قد انتهى. سقطت دموعها رُغماً عنها تُخبرها بقهر.
"أنا لقيت شغل في محل ملابس يا سناء، وهحاول أدور على شقة أعيش فيها. متقلقيش مش هفضل طول عمري مشاركاكي بيتك وحياتك." رغم أن البيت كان منزل والديها. قبل زوج شقيقها، وقد ضاقت به السبل ليجد مسكناً يعيش فيه. فاقترحت عليه أن يتقاسموا الشقة. وها هي النهاية أصبحت ضيفة ثقيلة للغاية على زوجة شقيقها. ظنت بسعيها لنجاح زيجتها ستحظى بحياة لن يُعايرها أحد بثقل وجودها فيها. ولكن هيهات فهي تحصد الخيبات فقط. رمقتها "سناء" بنظرات سعيدة.
وقد تراقص الفرح داخل قلبها تتسأل بأمل أن يكون حدث ما تدعو إليه ليلاً ونهاراً. "هو عامر بعتلك ورقة طلاقك." ابتعدت "حياة" عنها، دون أن تمنحها الجواب الذي سيُريحها. فسناء لا تتمنى بحياتها إلا لتراها مدمرة، بائسة ووحيدة. وها هي أصبحت هكذا. طالعت هاتفها بسعادة فور أن استيقظت على رنينه. ضغطت على زر الإجابة، تستمع لصوته الدافئ. تسأله بلهفة. "هترجع أمتى يا جاسر." ضحك وهو يُجيبها، فمجنونته لم تنتظر وتسأله عن حاله أولاً.
بل تسألت عن موعد عودته. "لحقت أوحشك، ده هما 5 أيام يا حبيبتي." وبتنهيدة تحمل معها الشوق، أخذت تُخبره عن مدى اشتياقها له. "مبقتش أقدر على بعدك." تعالت ضحكاته، وهو لا يُصدق إنها تُخبرها بصدق ولهفة عن عدم قدرتها على تحمل غيابه. "غصب عني يا جنه، أنتِ عارفه الشغل بيحتم عليا السفر دايماً." "عارفه يا جاسر، أنا بس بقولك كده غصب عني."
ابتسم وهو يرتاح فوق مقعده مسترخياً، يستمع لنبرتها الحنونة، وقد تركها تتحدث عن كل شيء تفعله في غيابه. انتهت المكالمة بعد أن أعطاها بعض التعليمات لتهتم بصحتها بعدما أخبرته إنها تشعر ببعض التوعك. ضمت الهاتف إليها، ولكن سرعان ما كانت تنفضه عنها بفزع. بعدما صدح رنينه مجدداً، فطالعت رقم أروى بتلهف تنتظر منها سماع ما تتمنى تأكيده. "حسن الصغير ناوي يشرف خلاص."
هتفت بها أروى بسعادة حقيقية، تُخبرها عن مدى السعادة التي ستكون بها العائلة عند معرفتهم بالأمر. خفق قلبها بسعادة هي الأخرى لا تُصدق ما تسمعه أذنيها. تضع بيدها فوق بطنها متسائلة. "بجد يا أروى النتيجة طلعت إيجابية." "أنتِ لسا شاكة بعد اختبار الدم كمان، جاسر هيفرح أوي يا جنه." اتسعت ابتسامتها وهي تشرد في اللحظة التي ستُخبره فيها. "أروى بلاش تقولي لحد، أنا عايزة جاسر أول واحد يعرف."
أروى ما كان عليها إلا لتحترم رغبتها، وتحفظ سرهم الصغير حتى يعود شقيقها من سفره. خرجت الطبيبة من غرفة الولادة. ترفع عنها القناع الطبي. تنظر إلى لهفتهم في انتظار المولود والأطمئنان على الأم. اقتربت منها السيدة كريمة بلهفة، ولكن وقفت مكانها متسمرة وهي تستمع لعبارة الطبيبة الأسفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!