الفصل 36 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
51
كلمة
3,977
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

وقف ساكن مكانه، بعدما ابتعد عنهم ووقف في ركن بعيداً مكفهر الوجه، لا يستطيع الحديث. تركها تصرخ عليه، تتهمه إنه لم يكن يريد هذا الطفل، بل وبالتأكيد تمنت لو لم تحمل منه طفلاً. أغمض عينيه وهو يشعر ببعض الذنب من صحة ما تقوله، فهو رغماً عنه كان يشعر بعدم تقبله أن تكون فريدة أم أطفاله، فما حدث بينهم تلك الليلة كان صعب أن ينساه.

أمرأة تصور حالها وهي في أحضان زوجها لرجل آخر، والرجل لا يكون إلا شقيقه الذي كان في البداية يسعى في تزويجها له، ثم رحل شقيقه لأنه لم يجد فيها المرأة التي يريدها. أثارته عاطفته نحوها، ولا ينكر أن شدة جمالها وذكائها اجتذبته بل وجعلته يضعف، خاصة بعدما حدث بينهم في تلك الليلة التي تناولت فيها أحد العقاقير المخدرة بكأس العصير. "أنت السبب، طمعك هو السبب.. ابني مات بسبب مطامعك وأحلامك يا محسن بيه."

اندفعت الطبيبة داخل الغرفة، بعدما ركضت السيدة كريمة مستنجدة بأي أحد. فمنذ أن فاقت وهي على هذه الحالة تصرخ دون توقف. خرج عامر من الغرفة، ورغماً عنه سقطت دموعه. سقطت دموعه نحو الطفل الذي تلهف لرؤيته، وسقطت دموعه على تلك القابعة بالداخل. خرج "محسن" هو الآخر، وهوى بجسده فوق أحد مقاعد المشفى. لا يصدق أنه يوم أن يرى حفيده، يراه ميتاً بلا روح. مجرد صوت استمعوا إليه، ثم توقف كل شيء.

والسبب كان مجهولاً للأطباء، فالطفل كان بصحة جيدة أثناء فحص الأم الأخير قبل دخولها لغرفة العمليات. إنه قضاء الله وقدره. أطرق رأسه أرضاً في خزي، فقد كان أساس سعادته بالحفيد المنتظر. إنه سيعيد العلاقات بينه وبين والده، وستعود ابنته لتكون سيدة في قصر ابن السيوفي. طمح لأحلام عدة سيحققها هذا الحفيد، وكل شيء قد ضاع بالفعل مع مطامعه.

ارتفعت عيناه نحو "عامر"، لعله يرى في عينيه نظرة شماتة، ولكن لم يجد إلا الحزن قد ارتسم فوق ملامحه. ولم يكن هو إلا الشرير بالحكاية، ولن تسمحه ابنته طيلة عمرها. *** هبطت لأسفل بملامح بشوشة حتى تستقبل السيدات اللاتي أردن رؤيتها. وقد أخبرتها الخادمة إنهم وكأنهم من إحدى الجمعيات. وعلى ما يبدو قد وصل صوتها لأحد المنظمات وستستطيع مساعدة نساء البلدة والأطفال.

ولكن سعادتها قد تلاشت، وهي ترى تلك المرأة التي رأتها من قبل في الطائرة وقد كانت إحدى المضيفات. وقد أخبرها "جاسر" إنه على معرفة سابقة بزوجها قبل أن يتوفى. "مدام مروة." ابتسمت المرأة وهي تتقدم منها، تمد لها يدها حتى تصافحها. وعلقت عيناها بالجالسات وقد استرخين في جلوسهن وأخذن يحدقنها بنظرات ثاقبة. شعرت بالتوتر لأنها لم ترتدي ملابس أكثر رقياً مما ارتدته في عجالة.

فالنساء شديدات الجمال والرقي وكأنهن عارضات أزياء، أو خرجن من مجلة نسائية. "مش معقول لسه فاكراني." ابتسمت "جنه" وهي تصافحها، وقد عادت ملامحها للاسترخاء بعدما نفضت عن رأسها تلك المشاعر السلبية. "أكيد طبعاً فاكراكي." ألقت بنظرة أشد تدقيقاً نحو الجالسات، ولكن عيناها كانت تضيق وقد انتبهت على تلك المرأة التي التقت بها بتركيا وكانت بصحبة شقيقها الذي يعد رفيقاً لجاسر. "أنا مش فاهمه حاجة."

تعالت ضحكات الجالسات، وهن يرونها تقترب منهن بعدما تجاوزت "مروة" التي وقفت تطالعها بشفقة. فهي زوجة مخدوعة لا تعرف شيئاً عن ماضي زوجها وزيجاته الكثيرة. "الزوجة المخدوعة." صاحت بها "أشكي" بعدما تلاعبت بخصلات شعرها، تنظر إليها بشماتة. "جاسر كان بيصارح كل ست فينا، بالست اللي كانت قبلها.. لكن طبعاً جه عندك وحب يخليكي مغفلة." هتفت بها "سهر" التي نهضت عن مقعدها، تحاول جذب تنورتها قليلاً للأسفل.

"أعرفك بنفسي، الزوجة الأخيرة من جوازاته السرية.. طلقتني قبل جوازكم بيوم." عادت ضحكات الجالسات تعلو، وهن يرونها تقف جامدة الملامح، لا تحرك إلا أهدابها في ذهول وصدمة. اقتربت منها أخرى، وقد تبادلن نظراتهن نحوها. "أعرفك بنفسي، أنا رانيا.. مديرة مجلة أكيد تسمعي عنها." أخبرتها بالمجلة التي تديرها، ولم تكن "جنه" جاهلة عن اسمها. "السؤال اللي عايزة أسأله ليكي، تفتكري ليه جاسر مصارحكيش عن زيجاته السرية؟

الكل ترقب سماعها، ولكنها سكنت مكانها لا تقوى على تحريك شفتيها. تعالت ضحكات "سهر" ودفعت الواقفة برفق من أمامها، حتى تمنحها الدور والإجابة عليها. "خلينا أجاوبك أنا يا رانيا، أكيد طبعاً لأن جاسر مش هيبطل جواز في السر، جاسر بيزهق وبيحب التغيير." صدحت ضحكاتهم، يؤكدون على حديثها. اقتربت منها "مروة" التي اتخذت دور الصمت. "أنتِ رقم في زيجات جاسر المنشاوي، حتى لو كنتِ بنت عمه.. جاسر مبيشوفش الست غير متعة وبس."

"بس متنكروش إن كل ست فينا، كانت مبسوطة أوي معاه.. أصل جاسر بيعرف قد إيه يسعد الست اللي معاه." تعالت أنفاسها، واطبقت فوق جفنيها بقوة، لا تقوى على سماع المزيد. سارت كل لحظاتهم سوياً، قبلاته، شغفه بها، وذلك التوق الذي كانت تراه في عينيه، ملكيته لها وحدها. ولكن كل شيء صار كذبة. إنها لم تكن الوحيدة، لم تكن إلا رقماً أضافه في قائمة نسائه. "كفاية يا جماعة مش عملتوا اللي عايزينه خلاص."

صاحت بها "ناريمان" التي لم تكن هويتها مجهولة بالنسبة لها، فقد رأتها من قبل في مكتبه. علقت عيونهم بها، وقد ظنوها انسحبت من اتفاقهم ولكنها أتت لتكتمل الصورة والعدد، ولكن العدد كان ناقص. "كلنا واحدة فينا اتجوزها على سنة الله ورسوله، كلنا جرينا وراه من أول نظرة وشعور حسيناه ناحيته. جوزك أي ست ممكن تعلم بيه، جاه ومنصب ومال.. قوليلي مين الست اللي مش ممكن تجري وراه؟ جاسر مضحكش علينا.. كل حاجة كانت بتم باتفاق."

نظرت إليهم، وقد امتقعت ملامحهم من حديثها. "لو قولتي لواحدة فينا، هنسحب وناخد مكانك.. هتجري فوراً وتبوس رجليه." ونظرت نحو "سهر" و"أشكي"، فاشاح عيونهم بعيداً ممتعضين الوجه. فهم من سعوا لتجميعهم حتى ينتقموا منه، ويدمروا زواجه. "هنبقى كدابين، لو مقولناش إننا أخدنا مقابل.. إحنا اللي رضينا إننا نكون مجرد ست بيتجوزها عشان متعته." تعالت أصواتهم، معترضين.

ولكن "ناريمان" كانت أقواهم بشخصيتها التي أصبحت قوية، حتى لو شعرت بالغيرة من الواقفة أمامها بضعف، حتى لو رغبة في عودتها إليه. لكنها لن تقول إلا الحقيقة، التي أخفوها خلف ضعفهم وحبهم لرجل كـ "جاسر المنشاوي". رجلاً إذا دخل حياة امرأة امتلكها لطيلة العمر. إنه كالوشم حُفر فوق أجسادهن، مهما مر بحياتهم من رجال بعده. فكان رجلاً منفرداً بشخصيته وعنفوانه. غاروا جميعهن، بعدما لم يعد لوجودهن أمراً يتطلب منهن.

فكل شيء قد تم، وقد انتقموا لكرامتهم التي دعسها تحت قدميه ومضى في حياته. انهارت فوق الأرضية الباردة، وانسابت دموعها أخيراً بعدما حررتها من مقلتيها. *** تذوق طعم الكعكة وعيناه لا تحيد عنها، تنظر إليه منتظرة تعليقه على ما صنعته. اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ، وعاد ليتذوق قطعة أخرى. رغم عدم تفضيله للسكريات الزائدة. طالعته بترقب تنتظر إطراءه، بل ووقفت ترفع كتفيها بفخر على إجادتها للكعكة التي امتدحها بها الكثير.

"تسلم ايدك يا حبيبتي." طالعته بسعادة وجلست جواره تتساءل مرة أخرى. "بجد عجبتك يا أحمد، أنا حاسة إن السكر زاد مني." والتقطت قطعة من الكعك حتى تتأكد، فاغمضت عينيها من شدة طعم السكر بها. "مسكرة أوي، مش عارفة إزاي مقدار السكر زاد." ابتسم على هيئتها المتذمرة، وهي تمضغ قطعة الكعك. "الزوج الخلوق ياكل وهو ساكت، دون اعتراض." انتبهت على حديثه، وقد انفجر ضاحكاً. وجدها تتخذ موضع الهجوم كما اعتاد منها.

فتنحنح متراجعاً للخلف، يهتف باستسلام. "ايدك فيها سكر يا حبيبتي، عشان كده الكيكة طلعت مسكرة بزيادة." ارتفعت حاجبيها وهي تستمع لعبارته، تمط شفتيها متذمرة. "يا سلام، ابن السيوفي بيتراجع في كلامه.. بقيت تخاف يا بشمهندس." "طبعاً، يا حبيبتي." هتف بها وهو يضحك بقوة، فازداد عبوسها. "يعني أمدح ميعجبش، أعترض ميعجبش.. قوليلي أعمل إيه يا صفا هانم." "متقوليش حاجة خالص، تاكلي في صمت."

وفي لحظة لم يحسب لها، بغتته بدفع قطعة الكعك داخل فمه. شعر بالاختناق وهو يحاول إبعادها عنه، فابتعدت عنه تتقافز أمامه ضاحكة. "بذمتك ده هزار." سعل بشدة، وتجهمت ملامحه. فتلاشى مرحها وهي تقترب منه نادمة. "أحمد.. أنا مكنش قصدي.. أنا كنت.." تنهت عبارتها، تنتظر ردة فعله. واطرقت رأسها بعدما شعرت بجرمها من هيئة ملامحه الجامدة. تعالت شهقتها فجأة وهو يحملها ويطيح بها فوق الأريكة. "ما دام بدأنا الهزار، يبقى استحملي."

وهزاره كان جنوناً اعتادت عليه، جنوناً أصبح يخفق إليه قلبها من شدة التوق له. تعالت أنفاسها وهي تراه يحدقها بأنفاس لاهثة. قبل أن يعود لحملها صاعداً بها نحو غرفتهما، يهمس لها بكلمات حبه وعشقه. *** ضمها إليه بعدما توسدت صدره، يداعب خدها بأنامله. "على فكرة، الشركة هتفتح فرع في مصر.. وهكون المسؤول عن أحد فروعها." ابتعدت عنه، لا تستوعب ما تسمعه. تسأله وهي تحدق به حتى تتأكد من حديثه.

"مالك مش مصدقة كده ليه، الموضوع كان من خطط الشركة.. لأنه كانوا موقفين القرار مؤقتاً." "قول بجد إننا هنرجع مصر." ابتسم وهو يرى السعادة تلمع في عينيها. "بجد يا صفا، لكن لسه مش عارف أمتى بالظبط." "المهم هنرجع." سحبها نحوه، يضمها إليه وقد سقطت دموعها شوقاً لأحبابها. "أنا كنت فاكرة الغربة حلوة، لكن طلعت صعبة أوي." "لولا بعدي يا صفا، ووجودي هنا.. مكنش القدر جمعنا."

ابتعدت عنه، حتى تتمكن من رؤية ملامحه، والسؤال الذي رآه في عينيها. كان يمنحها الجواب عنه قبل أن تسأله. "لو مكنتش سافرت وأضطريت أتجوز عشان قوانين المؤسسة، بعد ما كان بيتلاعب عليا عشان أقع في الشرك.. وأطلع قدامهم شريك مش مناسب.. هدفه مش النجاح.. لو مكنش ده كل حصل.. كانت هتحصل أي حاجة تانية عشان تجمعنا." وبهمس خافت قبل أن يعيدها لأحضانه، بل عالمهم العاصف بالمشاعر. "أنتِ قدري يا صفا." ***

توقف "عامر" بملامح جامدة أمام المتجر الذي أصبحت تعمل فيه منذ أيام. ينظر إلى ملامحها بشوق، لكن شوقه كان يضيع وسط ما يشعر به. لا يصدق أنها ظنته إنه سيتركها ويطلقها عندما يحصل على طفلاً من امرأة أخرى. علقت عيناه بالمشهد، وهو يراها تحاول إرضاء إحدى الزبونات، والزبونة تقف متذمرة. تشيح بيديها ثم تقدمت امرأة أخرى تحاول إرضاء الزبونة وقد شحب وجهها وابتعدت بعدما أشارت لها صاحبة المتجر بالابتعاد.

تلاقت عيناها به وهي تلتف بجسدها، لتشعر بالصدمة وهي تراه واقف أمامها، بهيبته وعنفوانه. تهتف اسمه بتعلثم. "عامر…." تعالت صرخاتها، وهو يجرها خلفه لداخل المنزل. وقد خرج الخدم يحدقون بسيدهم وثورته العاصفة وهو يسحبها خلفه، مشفقين عما سيحدث له. دفعها داخل غرفتهما، فهوت فوق الفراش من شدة دفعته. "الهانم مكنتش بترد على اتصالاتي، عشان مخططة للطلاق." حاولت الحديث ولكن اخرسها بصراخه. "مش عايز أسمع صوتك."

"أنا مش عايزة أعيش معاك، ولا عامر بيه مينفعش حد يسيبه لازم هو اللي يطرد الناس من جنته." "حياة! بصراخ أقوى كان يهتف، وهو يتقدم منها بنظرات محذرة. "طلقني." ظن أن أذنيه قد خانته في السمع، فالتقط ذراعها مشيراً إليها بأن تعيد عليه ما تخبره به. "مش هفضل طول عمري عايشة مع راجل، مش عارفة أنا إيه في حياته." ألجمه حديثها، فتركها تهذي بكل ما ترغبه. واتخذ دور المتفرج.

"سيبني أروح لحالي، أرجوك.. كفاية عذاب فيا لحد كده.. أنا عملت فيكم إيه عشان تاخدوا كل الحلو اللي جوايا.. وتسيبوني أرمم نفسي لوحديا." استمع، واستمع. وهي وقفت أمامه باكية، تخبره عن خيباتها السابقة، وخيبتها معه من زواجهم. "عايزة حريتك يا حياة." زاغت عيناها، وشعرت بأنفاسها تتثاقل. فأومأت برأسها بعدما فقدت قدرتها عن الحديث. خرجت صرخته وهو يراها تسقط أسفل قدميه. "حياة……." اطبقت فوق جفنيها بألم، بعدما انصرفت عمتها من غرفتها.

العمة لا ترى تصرف كبير العائلة إلا نزوة مرت بحياته، وهي ليست إلا الأساس. خانتها دموعها، وقد عاد تفاصيل ذلك اليوم منذ ثلاثة أيام، يسير أمام عينيها بقسوته. تعالت شهقاتها، فوضعت كفيها فوق شفتيها. ولكن صياح "أروى" المُهلل منذ أن علمت بوجود الجنين، جعلها تمسح دموعها. "جنه، جنه.. شوفي أنا اشتريت إيه للبيبي." التقطت منها "جنه" الحذاء، بعدما استطاعت رسم ابتسامة باهتة فوق ملامحها. "جميل أوي يا أروى."

طالعتها "أروى" بشك، وهي تستمع لنبرة صوتها المهتزة، وجفنيها المنتفخين. "أوي تقوليلي كنتِ بتعيطي.. عشان جاسر وحشك.. فيكي إيه يا جنه؟ "صدقيني يا أروى مافيش حاجة، وأخوكي فعلاً وحشني." حدقت بها "أروى"، وهي تراها تحاول جاهدة إبعاد عيناها عنها. "هي عمتي منيرة، كنت هنا ليه.. أصل غريبة.. لو كانت عايزانا كنا إحنا اللي روحنا ليها." وسرعان ما كانت تردف، وهي تلطم رأسها بكفها. "أه صحيح، ده أنا اللي قولتلها إنك تعبانة."

واسرت في إكمال حديثها، تنظر نحو ملامح جنة الشاحبة. "لكن متخافيش، سرك لسه في بير.. مقولتش لحد.. حتى هاشم.. مع إني هموت وأقوله." ابتسمت "جنه" مرغمة، فالتقطت أروى يديها هاتفه. "إيه رأيك ننزل نتمشى شوية في الجنينة." ولم يكن لديها مجالاً للاعتراض، ف أروى جرتها خلفها نحو الأسفل. تتخيل اللحظة التي سيعلم بها شقيقها بوجود طفله ويطيراً فرحاً وسعادة. *** حدق "عامر" بالفراغ الذي أمامه، وهو يستمع لصوت الطبيب.

يخبره بحمل زوجته وتأكيد ما أخبره به أثناء الفحص لها في المنزل. "مبروك يا عامر بيه، زي ما قولتلك المدام حامل.. نتيجه العينة قدامي أه." "أنت بتقول إيه يا دكتور." أعاد عليه الطبيب ما نطقه، يخبره بضرورة بدء متابعتها مع طبيبة نسائية. أغلق الخط وهو مذهول مما سمعه. هل أعطاه الله طفلاً آخر عوضاً على وفاة من لم يلحق رؤيته، من شعر بالذنب نحوها. سرع بخطواته نحو غرفتها، فوجدها تحاول الاعتدال من فوق الفراش.

"خليني أروح، رجب زمانه قلقان عليا." احتقنت ملامحه من عبارتها، ولكنه تجاوز كل شيء. وأعطاها أحقية غضبها. "رجب عارف إنك مع جوزك يا مدام." "أنت قولتلي هتنفذ طلبي، وأنا عايزة أطلق يا عامر.. أنت اتجوزتنا عشان تنتقم من طليقتك.. وأه أنتوا رجعتوا لبعض وجبتوا طفل.. خليني أسيب البيت قبل ما الهانم الجديدة تشرف.. أكيد مش هتحب تشاركك في حد." لم يقطع حديثهم، إلا دخول "ناهد" وقد ساعدتها مرافقتها في القدوم لغرفتهم.

صمتت حياة عن حديثها. لتقترب منها ناهد بلهفة. "كده يا حياة ترجعي، من غير ما تشوفيني." سقطت دموعها، وقد ضمتها ناهد إليها، تخبرها كم اشتاقت لها، وكيف نال الجميع من غضب الواقف خلفهم. عندما علم إنها تركت المنزل بلا عودة. "الولد ده بيحبك، بس هو كده غبي." سعت عينين "عامر" في ذهول وهو يستمع لحديث والدته، ونعتها له بالولد. "أنا ولد، كل ده ولد؟ تجاهلت "ناهد" حديثه، فابتسمت حياة مرغمة.

"لو الكلام عني هيخليها تضحك، أنا موافق خلاصة." تحدث بلطافة، وهو يتقدم منها. فرمته بملامح ممتعضة. "عقليها يا ناهد هانم، الهانم طالبة الطلاق." "حياة عاقلة، وهتعرف تختار كويس." انسحبت "ناهد" من غرفتهما، بعدما تركت له الكرة. ورغم علمها بما حدث لذلك الحفيد، إلا أنها فضلت أن تعلم الحياة الأمر منه. رآها تعود لبحثها عن حجابها، فالتقط منها الحجاب. وكلما أجذبت شيئاً، كان يجذبه منها ويلقيه بعيداً مزمجراً بضيق.

"أنا أخدت قراري خلاص، لو سامحت بقى." "فريدة مش هترجع حياتي يا حياة، حتى لو كان الطفل مش مات." تهتف بها، يمنحها الجواب الذي تنتظره. ولكن كبرياءها كان يمنعها أن تسأل عن ما حدث له في سفرته وهل أتى طفله وأين هو ووالدته. تجمدت عيناها نحوه وقد علقت كلمة واحدة بأذنيها، تهتف بصدمة. "الطفل مات……." *** وقفت أمام بيت والديها بإنهاك، تطرق الباب بخفوت وقد أسندت جسدها فوق الجدار، بعدما شعرت ببعض الدوار يداهمها.

صرخت "صافية" بذعر، تنظر لملامح ابنتها الشاحبة. "جنه." ضمتها "صافية" لصدرها، بعدما شعرت بأنها لا تستطيع الحركة تتسأل بلهفة وهي تدلف بها لداخل المنزل. "فيكي إيه يا بنت بطني، قلبي مش مطمن." طالعها والدها بشوق وهو لا يصدق مجيئها إليهم. ولكن سرعان ما تبدلت ملامحه للقلق، وهو ينظر إلى ملامحها الباهتة، والتف حوله يبحث عن ابن شقيقه. ولكنها كانت بمفردها. "فين جوزك يا بنتي." "عايزة أطلق من جاسر يا بابا!

تجمدت ملامح والديها في صدمة، وهم ينظرون لبعضهم، ثم لها. *** طالعها بنظرات مسترخية، فتورد خديها وهو يضمها إليه بحب. "مصيرنا بقي مربوط ببعض يا حياة." دفنت وجهها بصدره وهي لا تقدر على الحديث. إنها لم تعد تقوى على البعد عنه، وكأنها أصبحت مسحورة به. تسير إليه كالمغيبة. "أنا خايفة يا عامر." وبهمس هتفت، وهي تتشبث به أكثر. "خايفة منك، أنت عامل زي موج البحر.. لما بيقلب بيكون موج غدار."

ضمها إليه بقوة، وكأنه يخبرا بكذب شعورها نحوه. وضع بذقنه فوق رأسها، يغمض عينيه بألم. فعادت الأحداث تقتحم عقله. "عمري ما غدرت بحد يا حياة، الغدر بيجيلي من الناس اللي وهبتها قلبي ومنحتهم فرصة يكونوا قريبين مني." ابتعدت عنه، تتأمل ملامحه الحزينة. ترفع كفها تحركه برفق فوق خده.

"مش عارفة أخفف عنك وجعك إزاي.. بس صدقني أنا زعلانة على الطفل، أنا كنت فرحانة ليك، كنت عايزة أبعد عن حياتكم عشان تعرفوا تربوه سوا.. وميتحرمش من حد فيكم." فتح عينيه، ينظر لدموعها التي أغرقت خديها، يرى أجمل صورة رأى فيها امرأة. "أنتِ إزاي كده يا حياة." وبابتسامة واسعة كان يجيب على حاله بعدما وجد الإجابة. "فعلاً أنتِ حياة، حياة بتوهب الحياة للناس وبتزرع في قلوبهم الحب." وبرفق كان يسطحها فوق الفراش، يحرك بيده فوق بطنها.

فدغدغتها حركته، وظنت إنه يمزح معها ولكن كل شيء تجمد فيها وهي تسمعه يهتف. "هتكون طفل محظوظ يا حبيبي! *** حدقت به عمته بصدمة، بعدما وجدته يدلف للمنزل بأنفاس لاهثة. اتجهت إليه منيرة، تضمها نحوه، تخبره كم اشتاقت إليه، ولما لم يخبرهم بعودته. "فين جنه يا عمتي! تسأل بلهفة، وهو يبتعد عن ذراعيها، فاشاحت منيرة عيناها بعيداً عنه. لا تعرف بما تجيبه، فرمقه بتوجس يتسأل مجدداً.

"جنه ليه مش بالبيت، وتليفونها مقفول.. وأنتِ وأروى حججكم بقت كتير كل ما أسألكم عنها." أطرقت منيرة رأسها، ترطب شفتيها بلسانها. "عمتي." "هترجعلك يا بني، عمك صابر مش هيسكتلها، هي بس بتريح أعصابها عندهم." تجمدت ملامحه، وهو يستمع لعباراتها التي تنطقها بتعلثم. دقق النظر في ملامحها ينتظر معرفة السبب، فزفرت أنفاسها بثقل وتلاقت عيناها بعينيه. "عرفت بجوازاتك القديمة يا جاسر."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...