وقفت "صفا" تمسح دموعها بعدما توقفت قليلاً تلتقط أنفاسها وتبتلع تلك الغصة المريرة، وبحرقة كانت تعلو شهقاتها بعد أن عادت دموعها مرة أخرى تنساب فوق خديها بغزارة. الألم ينهش روحها، ونيران الفراق تحرق فؤادها. "ليه سبتوني ومشيتوا؟ أنا مبقتش عايشة خلاص." خاطبتهم وكأنها تراهم أمامها، ودموع أخرى أخذت تُحرق خديها كم حرقت قلبها. "انتوا حتى مودعتونيش."
لم تتحمل الصمود في وقفتها، فلم تشعر بساقيها وهم يرتخوا، ثم هوت فوق الأرضية تستند بظهرها خلف الجدار، وتضم جسدها بذراعيها وقد عادت تلك الرجفة تُصيبها. مر الوقت، ولا تعلم كم مر منه وهي تجلس هكذا. تتذكر والديها في بؤس لا تُصدق أنهم رحلوا وتركوها في منتصف الرحلة.
تمالكت حالها أخيراً، وهي تنظر أمامها. فعليها النهوض لتنظف منزل عمتها وتطهو الطعام. رغم أن عمتها تغضب كثيراً منها لقيامها بأعمال المنزل. عمتها الحنون التي لولا وجودها هي وعائلتها الصغيرة لكانت ودعت حياتها وراء والديها. نهضت بصعوبة متجهة نحو دورة المياه الصغيرة، تغرق وجهها قليلاً بالمياه وتلتقط أنفاسها وتُحادث حالها. "مش هتقعدي عالة عليهم في البيت، وكمان يخدموكي يا صفا."
بدأت بطيّ أكمام جلبابها المنزلي ثم ربطته في عقدة بعدما رفعته نحو خصرها حتى تتمكن من مهمة التنظيف. وبإحدى المقشات التي تُصنع من قش الأرز، أخذت تزيل الأتربة من فوق الأرضيات. فمنزل عمتها بسيط لا يشبه منازل المدينة. انحنت بجسدها تحمل الأغطية الصوفية البسيطة كي تُنفضها، ولكن أعادتهم مكانهم وهي تتذكر أن عليها البدء في الغداء فلم يعد يتبقى الكثير من الوقت. من عودة زوج عمتها "العم صابر" وعمتها من المزرعة التي يعملون بها.
أسرعت بخطوات سريعة نحو المطبخ، والذي أصبح جزءً من يومها بإرادتها، بعد أن كانت لا تهوى الدخول إليه وترغمها والدتها على ذلك. حاربت بشدة تلك الغصة التي عادت تسحق فؤادها. وسرعان ما أطبقت جفنيها بقوة، تتغلب على دموعها العالقة. شرعت في الطهو ولم تكن أعباء المنزل إلا راحة لها. ورغم أن عمتها ستُعاتبها على قيامها بكل شيء في المنزل إلا أنها تفعل كل ذلك برضى.
تذوقت طعم الحساء وابتسمت بسعادة، ولكن سرعان ما تذكرت والدتها. ولم يكن الحنين ليتركها للحظات، لعلا نيران الوجع ترحمها قليلاً. "يابنتي ياحببتي اتعلميلك أي طابخة تنفعك." وعادت الذكريات تتدافق على قلبها بمرارة، فمهما حاولت إلهاء نفسها لا تستطيع وكل شيء يذكرها بهم. مسحت دموعها التي أنسابت فوق خديها مجدداً إلى أن تنهدت بأنفاس مثقلة تجثم فوق روحها.
"شوفتي ياماما اه أنا بقيت ست بيت شاطرة، وبقيت أتحمل المسؤولية ومبقتش مدلعة... وعادت للبكاء بحرقة وشهقات عالية. "صفا: اصل هتدلع على مين غيركم من بعدكم." وعلقت عيناها بالسلسال الذي يلتف حول عنقها، فمضته داخل كفها بشوق ثم فتحته، تتأمل قلبه وما يحتويه على صورة والديها. فلم يتبق لها من وجودهم سوى الذكريات وسلسال يحمل صورتهما.
اقتربت منها جنة ببطء بعدما دلفت للمنزل وعادت من جامعتها. وفي لحظة خاطفة باغتتها بدغدغة تُمازحها. شهقت صفا بذعر ثم وضعت بيدها فوق قلبها تلتقط أنفاسها من أثر الخضة. "صفا: خضتيني يا جنة.. حرام عليكي." "جنة ضاحكة: الجميل سرحان في إيه؟ فابتسمت صفا ببهوت وبنبرة مريرة هتفت، بعد أن أشاحت عينيها بعيداً. "صفا: سرحانة في حياتي يا جنة." تلاشت ضحكة "جنة" بعدما شعرت بمرارة عبارتها، واقتربت منها تضمها بحب لعلها تخفف قليلاً عنها.
"جنة: عارفة جبتلك معايا إيه وأنا راجعة من الجامعة." طالعتها "صفا" في شرود، فاسرعت جنة نحو حقيبتها التي أسقطتها أرضاً عند دخولها للمنزل، والتقطت الكتاب من داخل حقيبتها هاتفة بحماس. "جنة: هو صحيح الكتاب ده مش لمراد زين، بس انتي برضو بتحبي تقري للكاتب ده، بس عرفتلك خبر هيفرحك، كاتبك الغالي هينشر كتاب جديد ليه قريب." فاهتز جسد صفا متذكرة آخر ما كانت تحمله له، وهي هائمة في عالمها وعالم الروايات.
"صفا: انا خلاص قررت مقراش تاني يا جنة." اقتربت منها "جنة" وقد علقت عيناها بها في أسى، فقد أمات الحزن قلب ابنة خالها. وليتها تستطيع أن تخفف عنها. "صفا: كنت الأول بعيش الخيال وأنا مطمئنة، إن الواقع محاوطني بالحياة السعيدة، أب وأم أنا أغلى عندهم من روحي، وحضنهم الدافي بيطمني إني في أمان، لكن دلوقتي مبقتش عايشة يا جنة، روحي راحت معاهم خلاص، قوليلي سبوني ليه لوحدي."
واندفعت لأحضان ابنة خالها، فضمتها جنة بقوة تبكي معها في مرارة. "صفا: ماتوا تحت التراب يا جنة، كانوا نفسهم يفرحوا بيا عشان يتطمنوا عليا، كأنهم كانوا حاسين." تعالت شهقاتهما، ولم تتمالك جنة هي الأخرى حالها. فلا حديث يستطيع أن يخرج من شفتيها. "جنة: مرت ست شهور ولسة الوجع جواكي يابنت خالي وبتظهري إنك كويسة.. طيب اصرخي فينا، اعملي أي حاجة يا صفا.. ياريت الحزن كان بيتقاسم كنت أخدت منك جزء."
احتضنتها "صفا" بقوة، فضمتها جنة بكل قوتها. تمسد فوق ظهرها وقد صمتت كلتاهما عن الحديث. اتسعت أعينهما فجأة، يحاولان أن يستوعبا من أين تأتي تلك الرائحة؟ "جنة: في حاجة بتتحرق." تساءلت "جنة" وهي تعلم الجواب الواضح أمام عينيها. فهزت "صفا" لها رأسها بعدما التفت بجسدها نحو إناء الطعام الذي احترق. جمدتهما الصدمة قليلاً، وسرعان ما كانا يتخلان عن صدمتهما صارخين. "صفا وجنة: الحلة اتحرقت!
تأملته وهو منكب على حاسوبه الشخصي يُطلعها على كل شيء يخص المشروع المشترك بين شركتهم وشركة والدها وما قام بالتعديل عليه. كانت شاردة فيما عرفته عن حياته وزيجته التي سعى "عامر" بشدة لأخفائها عن الجميع. تساءلت داخلها وهي تنظر إليه. ما كان يميز تلك الفتاة ليحبها رجل يتحكم به العقل. والحقيقة التي تغافل عنها عقلها. أن "أحمد السيوفي" الذي يجلس أمامها الآن ليس ذلك الشخص الذي كان عليه قديماً.
تنهدت بأنفاس مسموعة، مما جعله يرفع عينيه عن حاسوبه وينظر إليها مستفهماً. "أحمد: بيتهيألي أنك محتاجة فنجان قهوة يا فريدة." تحركت من وقفتها خلف مقعده، وهي تومئ له برأسها. "فريدة: فعلاً محتاجاه جداً." وتمتمت معتذرة حتى لا تفقد احترامه لها الذي نالته بسبب اجتهادها. "فريدة: أتمنى متتغيرش نظرتك ليا وترجع تشوفني بنت مدلعة، مبتفهمش حاجة في الشغل."
تعالت ضحكته رغماً عنه، فهو لا ينكر أن "فريدة" فتاة لطيفة. وقد تمكنت من نيل تقديره. فنقطتهم المشتركة هو العمل ولن يراها إلا في تلك الصورة. ابنة شريكهم ليس أكثر. "أحمد: لو مكنتيش حصلتي على تقديري، مكناش كملنا شغل سوا يا فريدة.. لاني للأسف وارث نفس طباع العيلة.. مافيش تهاون في الشغل." ابتسمت ببهوت وهي تطالعه، فهي أصبحت على دراية كبيرة ببعض صفاته. "فريدة: عارفة يا بشمهندس، فين القهوة بقى عشان أعرف أركز من تاني."
ابتسم وهو ينهض عن مقعده، واتجه نحو باب غرفته ينظر لسكرتيرته التي نهضت على الفور من فوق مقعدها. "أحمد: اتنين قهوة مظبوط يا داليا." عاد للغرفة، فنظر لها وهي تتخلى عن سترتها وقد ظهر قميصها الملتصق بجسدها، وأظهر تفاصيلها بسخاء. تنحنح مطرقاً رأسه يعود لجديته متمتماً. "أحمد: مقولتيش وجهت نظرك في التعديلات اللي تمت في الطريق الداخلي للكمبوند السكني." ابتسمت وهي تهوي بجسدها فوق المقعد، بعدما رتبت خصلاتها.
"فريدة: أنا بستفاد من خبراتك وارائك يا بشمهندس، ومدام أنت شايف إن التعديل هيخدم الكمبوند أكتر، تمام." أعجبه ردها، فتقدم نحوها يسألها مترقباً جوابها. "أحمد: يعني مزعلتيش لما عدلت على ارائك."
أعطته الإجابة التي أرادها بحركة رأسها. فوقف يرمقها للحظات، متعجباً منها. ثم أخذ يُقيمها بنظرات تفهمها ولكن رنين هاتفه جعله يُدرك حماقة نظراته. اتجه نحو سطح مكتبه والتقط هاتفه. فارتبكت بشدة بعدما أعطاها ظهره. فيجب عليها ألا تكون بلهاء لتلك الدرجة. فرجل مثله لا ينبغي أن تفرض نفسها عليه. وبحكمة كانت تُخاطب حالها. "فريدة: كل حاجة بنوصل ليها بالعقل يا فريدة."
فاقت من شرودها وقد انتبهت على حديثه، وعلى ما يبدو إنه يعتذر لأحد وقد نسي موعده معه. "أحمد: اسف يارامي بجد نسيت ميعادنا، لو قريب من الشركة عدي عليا." ثم أردف بعدما استمع للطرف الآخر. "أحمد: تمام مستنيك." أنهى حديثه ونظر نحوها، فنهضت عن مقعدها والتقطت سترتها متمتمة. "فريدة: بيتهيألي إنك مبقتش محتاجني حالياً." وقبل أن يهتف بشيء كانت سكرتيرته تدلف بفنجاني القهوة.
"داليا: اشربي قهوتك الأول، رامي لسه قدامه نص ساعة على ما يكون هنا." "أحمد: ديما بتفهم في أصول الضيافة وخصوصاً معاملة الليدز الحلوين.. يا بشمهندس." انتبهوا على صوت "عامر"، الذي دلّف الغرفة للتو. فطالع "أحمد" شقيقه متنهداً بضيق من عبارته الأخيرة. تجاهله "عامر" مبتسماً وهو يقترب من "فريدة" يُصافحها، متسائلاً على حال والدها. "عامر: أخبار محسن بيه إيه." "فريدة: تمام يا عامر بيه."
وأردفت مازحة، تُلطف من وجودها قليلاً بينهم، تحت نظرات "أحمد" الجامدة. "فريدة: بيتهيألي كنتوا مع بعض امبارح في النادي الرياضي." ابتسم "عامر" وهو يمسح فوق جسده. "عامر: فعلاً، أنا ومحسن بيه محتاجين نرجع لشبابنا تاني." بدلته "فريدة" الضحك على حديثه، ولكن "أحمد" لم يُعقب على شيء من سخافة حديث شقيقه. فهو يعلم ما يسعى إليه عامر.
"عامر: خلوني أنا كمان أطلب من داليا قهوتي، واشربها معاكم.. ونتناقش شوية في المشروع ولا وجودي مش مناسب حالياً." لم يتحمل "أحمد" مراوغة شقيقه. ولكنه تمالك حاله متمتماً بحنق تحت نظرات "فريدة" العالقة بتلك الحرب الدائرة بينهم. "أحمد: هطلب من داليا قهوتك، بس معنديش وقت أكتر من نص ساعة وبعدها مضطر أستأذن منكم." فابتسم "عامر" وهو يستمع لحديثه، وسرعان ما قطب جبينه متذكراً وكأنه قد نسي الأمر.
"عامر: اوه، لا أنا اللي مضطر أسيبكم وأشرب قهوتي في مكتبي.. لأن عندي اجتماع مهم." وانصرف "عامر" والابتسامة تحتل ملامحه. فعلى ما يبدو أن "فريدة" لن تترك شقيقه إلا بعدما تسقطه في غرامها. وسيكون أكثر من مرحب بالأمر. فلم تخفِ عنه تلك النظرات التي ترمق بها شقيقه الأصغر. جلست بينهم تتناول طعامها بمرارة أصبحت مذاق لكل شيء بحياتها. فرمقتها عمتها "السيدة صافية" بحزن على حالها. وبنبرة حنونة تمتمت.
"صافية: تسلم ايدك يا صفا ياحبيبتي." هتف زوج عمتها هو الآخر بصوت حنون. "صابر: ربنا يبارك فيكي يابنتي." ابتسمت "صفا" إليهم وقد علقت الدموع بعينيها ولكنها تمالكت حالها أمامهم. "صفا: بقيتي شايلة مسؤولية البيت عننا." وضمت نح صدرها وبحنان تتابع حديثها. "صافية: متجيش على نفسك عشانا ولا عشان تشيلي عن الزفتة اللي عمالة تاكل من الصبح، ومعندهاش دم." اتسعت عيني "جنة" ذهولاً بعد عبارة والدتها.
فرفعت وجهها عن طبقها تحدق بوالدتها، تُشير نحو حالها. "جنة: ليه كده يا صافية يا غالية، ده أنا غلبانة وجعانه." أجابتها صافية حانقة، بعدما نظرت نحو "صفا" التي أخفضت عيناها عنهم، حتى لا ينتبهوا على دموعها الحبيسة. "صافية: ساعدي بنت خالك، وحجتك كلها كام شهر وهنخلص منها، لا في جامعة ولا في مذاكرة." وأردفت متوعدة. "صافية: وهطلعه عليكي في شغل البيت." "جنة: ايد على ايد بتساعد يا ست الكل، ولا انتي إيه رأيك."
أرادت أن تمازح قليلاً، حتى تُشاركهم "صفا" في حديثهم. ولكن "صفا" كانت منعزلة عنهم بلحظات كانت تعيشها من قبل. "صافية: أنا وابوكي تعبانين في شغل المزرعة، وكل ده عشان منخليكيش محتاجة لحاجة يابنت بطني."
وفردت "صافية" كفيها، حتى تريها كم أصبحت كفوفها خشنة من شدة التشقق. فنظرت جنة إليها، بعدما تمالكت غصتها. فاعمال المزرعة والفلاحة لم تعد تناسب والديها في عمرهم هذا. ولكنهم يتحملون كل شيء من أجلها. فاسرعت في التقاط كفوفها تقبلهما هاتفة. "جنة: ربنا يديكي الصحة يا ماما، واتخرج وأشتغل ومخليكيش انتي وبابا تحتاجوا لحد."
كان "صابر" صامتاً لا يشاركهم الحديث. فعيناه كانت عالقة نحو تلك اليتيمة التي أخذت تقضم شفتيها وتقطب جفنيها بقوة حتى لا تنساب دموعها أمامهم. وتُفقديهم لحظات سعادتهم بأحزانها. وعندما رأى "صابر" تلك الدمعة التي فرت من جفنيها. أسرع متمتماً، يُغير الحديث الذي طال بين زوجته وابنته. "صابر: انا عارف إنك بتحبي القصب ياصفا يابنتي، يلا تعالي نقعد قدام باب البيت.. نتسلى لحد أما جنة وعمتك يخلصوا خناق ويعملونا الشاي."
انتبهت "صفا" على حديثه، فاسرعت في مسح دمعتها، وقد فرت منها دون قصد. ومن نظرته إليها علمت إنه قد رأى دموعها. نهضت عن الطاولة تتجاوز غصتها متمتمة. "صفا: قصب! فابتسم "صابر" بشفقة، وهو يراها كيف تحاول أن تظهر سعادتهم إليهم. اتجه نحو البساط القديم يلتقطه من مكانه، ثم اتجه نحو باب الدار يبسطه أمامه. يُذكرها بطفولتها. "صابر: من وانتي طفلة صغيرة بتحبي."
فتعالى صوت جنة من خلفهم بعدما نهضت هي الأخرى بحماس من جوار والدتها التي ذهبت لتصنع لهم الشاي. "جنة: انا جيت عشان اقشره ليها زي زمان، ما اصل انا بحب ادلع صفا هانم." وبكلمات بسيطة كانت السعادة ترتسم فوق شفتي "صفا". ورغم الألم الذي أصبح رفيقها إلا أنها تذكرت تلك الأيام من طفولتها. وقد كانت تأتي لهنا مع والديها حتى يقضوا بضعة أيام من العطلة الصيفية.
وقفت "السيدة حنان"، تلك الخادمة التي عملت في هذا المنزل لسنوات، تفرك كلتا يديها وتطرق رأسها خجلاً مما جاءت من أجله لتُخبر سيدها. انتظر "عامر" سماعها بعدما ترك العقود التي كان يُطالعها. "حنان: عامر بيه! أنا مش عارفة أقول إيه لحضرتك." فتأكد "عامر" من وجود شيء، فأشار إليها بمواصلة حديثها. وهو يخشى أن تكون والدته بها شيء ما. "حنان: أنا مضطرة أسيب الشغل، عشان، عشان."
تمتمت عبارتها بتعلثم، ثم ابتلعت باقية حديثها في استحياء. فرمقها "عامر" وقد ضجر من انتظار سماع ما ترغب، فزفر أنفاسه متمتماً بجمود. "عامر: عشان إيه ياحنان؟ "حنان: أنا هتجوز يا بيه، وجوزي رافض إني أشتغل في البيوت حتى لو هكون مرافقة للهانم الكبيرة." وأردفت بتوتر، تُخبره إنها ستظل في عملها لمدة ما، حتى يتمكن إيجاد مرافقة غيرها. "حنان: فاضل لسه وقت على جوازي يا بيه، لكن حبيت أبلغك من دلوقتي."
طالعها ينتظر معرفة تلك المدة التي ستظل بها معهم، فاسرعت في إخباره. "حنان: قدامي شهرين يا بيه! فتنهد "عامر" بعدما هتفت عبارتها أخيراً، ونهض عن مقعده. خلف مكتبه بوقار وهالة من الهيبة. جعلت الواقفة تتراجع للخلف.
لم يتقدم منها بل اتجه نحو شرفة مكتبه الضخمة، يُطالع المساحة الواسعة الواضحة للأعين. دس سيجارته بين شفتيه ثم نفث دخانها ببطء. فعادت الواقفة تطرق رأسها. تنتظر أوامره. وبعد لحظات من السكون خرج صوته وهو مازال على وقفته دون أن يلتف إليها. "عامر: تكلفة جوازك هتكون هدية مني لخدمتك الطيبة لأمي، وده بعيد عن مكافئتك لنهاية الخدمة ياحنان." تهللت أسارير حنان غير مصدقة ما تسمعه من كرم سيدها، ثم اسرعت في الهتاف بخجل.
"حنان: والله ياعامر بيه، أنا بحب الهانم الكبيرة أوي، ويعز عليا فراقها، لكن على عيني والله أسيبها." وعادت تطرق برأسها مجدداً، تتابع حديثها وقد التف عامر نحوها. فرأى نظراتها الخجلة المرتبكة. فاكملت حنان والسعادة تملأ ملامحها، وهي تتذكر الرجل الذي ستترك عملها من أجله وتشاركه حياته. "حنان: بس سعد راجل طيب ومناسب عمره ليا، الأمان بوجود راجل يخاف على الواحدة مننا ويحبها بالدنيا يابيه!
وبرغم إنه لا يستلطف تلك الكلمات، إلا إنه ابتسم على حديثها بعدما رأى صدق المشاعر التي تتحدث بها خادمته البسيطة. تغللت الكلمات داخل قلبه. الذي لا يؤمن بالحب وتضحيات النساء من أجله. ولكن سرعان ما تلاشى كل شيء داخله. متمتماً بعدما عاد لمقعده. "عامر: مبروك ياحنان!
اشتدّ هطول الأمطار، وسقطت قطراتها بغزارة وصوت الرياح أخذ يتعالى حولها. فاصابت قلبها تلك الرجفة، فشدت من ضمها لجسدها أكثر. وقد جلست على إحدى الحجارة الضخمة أمام منزل عمتها.
ارتجف جسدها بشدة بعدما أصبح مبتلاً والمياه تتقطر من ثيابها. أحاطت جسدها بذراعيها، لعلها تمنحه الأمن قبل الدفء الذي غادره من شدة البرودة. انسابت دموعها بغزارة كحال هطول الأمطار التي تتدافق فوقها. أرادت الصراخ ولكنها لم تستطع، فكورت كفيها وقد ارتعدت شفتيها كحال جسدها. اتسعت عيني "جنة" فزعاً وقد وقفت على أعتاب باب المنزل تنظر إليها في صدمة. ثم اسرعت إليها تسألها بذعر. "جنة: صفا، صفا إيه اللي بتعمليه في نفسك ده بس."
وجثوت على ركبتيها أمامها وقد تشبع جسدها أيضاً بماء المطر المتدفقة بقوة هذه الليلة. "صفا: ليه سابوني يا جنة لوحدي، ليه مامتش معاهم قوليلي ليه." هتفت بها وقد أخذ جسدها يرتعش، طالعتها "جنة" تُشاركها ألمها. ثم ضمتها إليها بقوة لعلها تمنحها الدفء. "جنة: اصرخي يا صفا طلعي اللي جواكي كله، متموتيش نفسك بالبطيء." "صفا: أنا انكسرت يا جنة، أنا دُقت فعلاً مرارة الدنيا وشوفت قلبتها في غمضة عين."
نهضت من فوق الحجر بعدما أزاحت ذراعي جنة عنها. وسارت بضعة خطوات ثم رفعت ذراعيها عالياً. وهي تُحدق في هطول الأمطار التي ازداد انسيابها بغزارة. وقد شاركها صوت الرعد بنوره القوي في صراخها. "صفا: ليه، ليه مروحش معاهم وسبوني لوحدي أموت كل يوم." ارتخت ساقيها بعدما لم تعد تشعر بهما، فسقطت على ركبتيها وهي واضعة بيدها فوق صدرها من شدة حرقتها، متمتمة بإيمان قد قُذف في قلبها. "صفا: اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به."
وظلت تردد الدعاء حتى وجدت جنة تضمها إليها مجدداً. ثم ساعدتها على الوقوف والدخول نحو المنزل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!