الفصل 3 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
101
كلمة
4,305
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

طالعت السيدة فاطمة زوجها مُطرقة الرأس غير مصدقة كل ما حدث. نظرت إلى ابنتها التي وقفت حانقة، تُهندم من حجابها وتتأفف بضيق وكأنها ليست هي السبب في اندلاع المشكلة. "متزعليش يا حسن مني، مكنتش أعرف والله يا أخويا إن مجايب جليلة كده." "ياريت نتعلم من اللي حصل يا فاطمة، شوفتي آخرتها أجيبكم من القسم؟ تنهدت بضيق وعادت عيناها نحو ابنتها التي لا تعبأ بالأمر وكأنها قد ذهبت في نزهة. التف حسن نحو ابنتها يحثها على التحرك متمتماً:

"يلا يا صفا يا بنتي، خلينا نبعد عن هنا." فتُحركت صفا أمامهم بعدما رمقتها والدتها بتوعد، فابتسمت وهي ترفع كتفيها عالياً. وسارت بخيلاء تتباهى في خطواتها غير عابئة بنظرات والدتها المتوعدة. "عندك حق يا بابا." عادوا للمنزل بعد يوم لا يُصدق. جلست فاطمة على أقرب مقعد تُدلك ساقيها بعدما أزالت حجابها. "عايزة حاجة يا ماما؟ أنا داخلة أوضتي." "هعوز منك إيه يا جلابة المصايب، يا حرقة دمي."

ارتفع حاجبا صفا في تعجب وهي تستمع لكلمات والدتها. فقد بدأ اليوم بمغامرة وسينتهي بعويل والدتها عن حظها. فهمست بكلمات زادت والدتها حنقاً. "سبتني معاها لوحدي ليه بس يا حسن." "فاكراني مش هسمعك، ماشي يا بنت حسن. عقابك النهاردة تنضفي المطبخ، وانتي أكتر حاجة في حياتك بتكرهيها هو التنضيفات." سعت عينا صفا ذهولاً، وسرعان ما تحول ذهولها لضحكات جعلت والدتها تخلع حذائها وتقذفه نحوها. "بتعاقبيني يا بطة، بدل ما تكوني فخورة بيا؟

تُجهم وجه فاطمة وهي تستمع لضحكاتها التي لا تتوقف، وكأنها لم تفعل شيئاً منذ ساعات قليلة. "فخورة بيكي يا بنت بطني! ده أنتي دخلتي أمك القسم على آخر الزمن." وبزهو رفعت صفا حاجبيها، تشير نحو حالها في فخر. "وماله لما ندخل القسم شوية بعد ما نجيب حقنا، ده حتى الضابط أعجب بلي عملته.. لما فهم مني الحكاية." "وأنتي الصادقة يا بنت بطني، الراجل كان مذهول من اللي بيسمعه."

أشتاطت فاطمة غضباً من حديث ابنتها وقد كان نصيب فردة حذائها الآخر كحال ما سبقه. ألقته عليها، ولكن تلك المرة استطاعت أن تتفاداه بمهارة وقفزة عالية. "معرفتيش تنشلي المرادي يا بطوط يا عسل انتي." وسرعت في الاقتراب منها، تمسك كفيها تقبلهما بحب. "مستحملتش أشوفهم بيقلوا منك ومن بابا. أنا قولتلك من الأول مش مرتاحة وإنه قليل الذوق، لكن أنتي مصدقتيش."

هدأت فاطمة وفي داخلها حمدت الله، ولكنها كانت حزينة. فلا شيء تتمناه بحياتها سوى أن ترى ابنتها عروساً. انهالت صفا على والدتها بالقبلات، التي تضحك بها عليها، في كل مرة تُغضبها. "شوفتي عرفت أصالحك إزاي." وأردفت بعدما نهضت من جوارها. "هروح أتصل بـ جنه وأحكيلها عن اللقاء التاريخي." "أحكيلها عن خيبتكم." صفا لا تتوقف عن إلقاء عباراتها، التي تزيد حنق والدتها. "خيبتي كبيرة أوي يا ماما."

ورَكضت مهرولة نحو غرفتها، بعدما وجدت والدتها تبحث عن شيئاً آخر تقذفه به. "برضوه هتنضفي المطبخ يا صفا." ………………….. توقف بسيارته أمام الموقع ينظر إليها بعدم استحسان نحو هيئتها تلك. توترت من نظراته وشدت من تنورتها قليلاً حتى تُداري ساقيها. "أحمد هو في حاجة مضايقاك من لبسي؟ أشاح عيناه بعيداً عنها، ورغم إنه لا يحب أن يقحم نفسه في أمور لا تخصه، إلا أن الضرورة كانت تحتم عليه لفت نظرها.

"لبسك ده مينفعش في الشغل يا فريدة، أظن أنتي فاهمة قصدي." يخفق قلبها وهي لا تُصدق إنه يهتم لأمرها. ورغم إنها لم تكن يوماً ضعيفة لمشاعر الهوى التي تجعلها معه تطير هائمة بكلماته حتى لو كانت من باب النصح ليس أكثر. صمتت وقد ظنها لم تتقبل حديثه، فتمتم وهو يفتح باب سيارته ليترجل منها. "متوعدتش أدخل في حياة حد، لكن مدام هنشتغل على المشروع ده سوا، فلازم ألفِت نظرك يا فريدة."

بهتت ملامحها، وسقطت أحلامها معها أرض الواقع. تنظر إليه وهو يضع بقدميه خارج السيارة، أسرعت في التقاط ذراعه. "أحمد أنا مزعلتش." التف نحوها ببطء وقد ضاقت عيناه وهو يرمق فعلته، فاسرعت في ترك ذراعها. "قصدي يا بشمهندس." وأردفت مفسرة، ولاول مرة تصبح هكذا بحياتها، تفسر أفعالها لأحد. "أنا مكنتش فاكرة إننا رايحين الموقع النهارده، لو كنت أعرف كنت حقيقي أختار اللبس المناسب للمكان."

وبوداعة كانت تسبل أهدابها، تنتظر سماعه، بعدما أوضحت له الأمر. "مافيش مشكلة يا فريدة." ترجل بعدها بكامل جسده من السيارة، فتجمدت عيناها نحو زافرة أنفاسها، فقد جفاها بحديثه بعبارته التي لا تراها إلا كالصاعق. تبعته مسرعة بعدما استطاعت تمالك حالها، ورغم صعوبة السير في الرمال، إلا إنها كانت تُحاول الثبات والوقوف أمام العمال بجدية، رغم نظراتهم نحوها.

رمقها وهي تُلقي بعض الأوامر وسط العمال، والبعض يتهامس عليها. حاول أن يطرد الأمر من عقله، فقد أخبرها ألا تذهب معه اليوم ولكنها أصرت. ولكن كلما كانت تقع عيناه عليها ويراها كيف تتحرك بصعوبة ونظرات العمال تخترقها، حركته رجولته. فاقترب منها منهياً وجودهم اليوم بالموقع. "كفاية كده النهارده."

تنهدت براحة، فالشمس اليوم ساطعة بشدة، كما أن ملابسها وحذائها يُعيقانها عن الحركة. رحبت باقتراحه وتحركت جواره بعدما أزالت خوذتها وأعطتها لأحد العمال. ولكن فجأة كانت تخرج شهقتها وكاحلها يلتوي أسفلها. أسرع نحوها يلتقطها قبل سقوطه متسائلاً بقلق. "انتي كويسة؟ أومأت برأسها تنظر لعينيه التي تغرقها به أكثر، ثم اعتدلت سريعاً رغم الألم الذي نغز قدمها وهي تراه يتحاشى النظر إليها.

"للأسف ديه ضربية لبس الكعب العالي في مكان زي ده يا بشمهندس." تمتمت مازحة تخفي ربكتها، وهي ترى المسافة التي يضعها بينهم بعدما ساعدها. "الدرس النهارده اتعلمته كويس." ابتسم وهو يمد لها يده، فاسرعت في تقبل دعوته ومدت يدها، تشعر لحظتها السيئة التي كادت أن تطرحها أرضاً وليس مجرد التواء بسيط. ……………….. أصرت أن تذهب معه مكتبه، رغم إنه عرض عليها توصيلته لمنزلها لترتاح، ولكن جوابها كان:

"مجرد ألم خفيف، متقلقش يا بشمهندس، ولا أنت مش عايزني أتابع معاك أي شغل؟ طالعها مستاءً من عنادها متمتماً بنبرة جعلت ابتسامتها تتسع. "عنيد." مدت يدها له هذه المرة حتى يساعدها على السير، وقبل أن يرمقها بتلك النظرة التي يرمقها بها دائماً كانت تهتف: "كمل خدمتك يا بشمهندس، وخليك جينتل مان." ابتسم وهو يقدم ذراعه لها حتى تتباطأه، وهو لا يعرف إلا أين سيأخذه الطريق مع تلك الفتاة التي زجها شقيقه في حياته.

دلف مكتبه زافراً أنفاسه، لقد طالعته موظفاته بنظرات ثاقبة وهم يرونها ملتصقة به. كان حانقاً منه، ولكن رغم ذلك كانت بارعة في جعله يتخطى حنقها منه، وعلى ما يبدو إنها قد فهمت طريقه. "خلينا نشوف شغلنا، بدل ما نص اليوم ضاع مننا من غير فايدة.. وطبعاً أنا اللي ضيعته." أكملت عباراتها بمزاح، مما جعله يبتسم وهو يضع رسومات الموقع أمامها. "الرسومات أهي قدامك، وريني.. تطلعاتك."

طالعت الرسومات، ثم طالعته بغرور مصطنع، فعادت ابتسامته تشرق ملامحه. "نبدأ بقى الشغل." ولم تكن إلا بالفعل بارعة وذكية، ولن يكون كاذباً في حقها. ابتسم وهو يراها كيف تتحدث بحماس يظهر شغفها وحبها لعملها. توقفت عن الحديث وهي تستمع لصوت سكرتيرته تخبره: "عامر بيه عايز حضرتك في مكتبه يا بشمهندس." أومأ لها برأسه، وهو ينهض أحمد عن مقعده، ينظر إليها معتذراً. "دقايق وراجعلك يا فريدة."

انصرف بعدما التقط أحد الملفات، وهو على علم بأن شقيقه يريده من أجل هذا الملف. استرخت في جلستها ثم حاولت النهوض عن مقعدها حتى تسير قليلاً. ولكن سرعان ما جلست وهي تتأوه من ألم كاحلها وقد بدأ الألم يشتد. لفتت السكرتيرة ثانية تسألها عن أي شيء ترغب في احتساءه كما أخبرها مديرها، ولكنها أسرعت في الاقتراب منها تسألها: "في حاجة وجعاكي يا بشمهندسة؟ "رجليا." هتفت فريدة بألم وهي تدلك حالها بعدما أزالت حذائها عن قدمها.

"ثواني يا فندم، هجيبلك تلج يمكن يخفف الألم شوية." وبالفعل أسرعت في جلب لها الثلج، وعادت إليها تعطيها قطعة ثلج داخل غطاء بلاستيكي. التقطته فريدة شاكرة. فدلف أحمد ينظر إليهم بترقب. غادرت السكرتيرة الغرفة عندما دلف مديرها ورمقها بنظرات مستفهمه، ولكن الإجابة كانت واضحة إليه وهو يتخطاها مقترباً من فريدة المنحنية قليلاً وتدلك كاحلها بقطعة الثلج. "كان عندك حق لما قولتلي بلاش أعاند وأقبل توصيلتك."

"أنا بقول نروح لدكتور أفضل." رفعت فريدة عينيها إليه، ثم عادت تدلك كاحلها. "مافيش داعي، أنا هكلم صديقة ليا تعدي عليا تاخدني." ثم عادت ترفع عيناها إليه، ولكنها شعرت بالصدمة وهي تراه يجثو أمام مقعدها ويرفع ساقها برفق حتى يرى إصابتها. سلبت فعلته أنفاسها، وخفق قلبها وهي تراه هكذا. أغمضت عينيها قليلاً متأوهة وهي تشعر بحركة أنامله فوق قدمها. "كدمة بسيطة يا فريدة، متقلقيش."

دلكها لها لدقيقة، جعلتها كالضائعة، لا تستوعب أن لمسة منه هكذا ستأخذها لعالم آخر. وقف عامر مكانه وهو يمسك الملف بين يديه غير مصدقاً تطور علاقتهما بتلك السرعة. لمعت عيناه بالارتياح. غادر الغرفة في صمت كما دلف وابتسامته تشق شفتيه. فاخيراً مال قلب شقيقه. ……………… "مش عارفة أعمل إيه مع ماما يا جنه، طيب ما أنتي أه البنت الوحيدة لـ عمتي ومخلفوش غيرك، رغم ذلك عمتي مش بتتكلم معاكي في موضوع الجواز وديما مخوفاكي من بكرة."

وتنهدت بأنفاس مثقلة من الخوف، تُخبر رفيقتها الوحيدة وابنة عمتها بما يعتلي فؤادها. "أنا بقيت أخاف من بكرة يا جنه." زفرت جنه أنفاسها وهي لا تعرف بما تجيبها. "جنه أنتي نمتي وأنا بكلمك." ابتسمت جنه على مشاكسة صفا، فحتى في أحلك الأوقات صعوبة، تتمازح. "لا منمتش، بس سرحة في طبق البيض اللي قدامي." اعتدلت صفا فوق فراشها، تحك فروة رأسها حانقة. "بكلمك عن أوجاعي، تقوليلي طبق البيض."

وأردفت بمقت قبل أن تنهي تلك المكالمة، التي في العادة لا تجدي بنفع. "أنا مش عارفة ليه مستحملاكي في حياتي يا جنه." خرجت جنه لسانها وكأن صفا بالفعل ترى ردة فعلها متمتمة: "عشان بتحبيني." تعالت ضحكات صفا، والتقطت الوسادة تضعها فوق حجرها. "بنت عمتي الصيدلانية العظيمة، بتهزري." انفرجت شفتي جنه في ضحكة صاخبة، أعقبتها صراخ والدتها بها. أسرعت جنه في كتم ضحكتها هامسة: "عمتك بتحبيني أوي." "جنه، أنا محتاجة حل."

الحل لم يكن إلا أن تبحث عن وظيفة. "لازم تدوري على شغل يا صفا، مافيش حل غير كده صدقيني. لازم تخليهم يحسوا إنك قوية ومستقلة ومش لازم تتجوزي عشان تحمي نفسك من الدنيا." وأعقبت حديثها بمزاح لا تجيده إلا معها. "الفلوس جميلة يا صفا، بتجيب عربية وحاجات كتير." همهمت صفا حالمة بالمستقبل والمال يُغرقها. "وفِيلا بحمام سباحة، وشاليه في الساحل."

لم يشعروا بصفاقة أحلامهم، عن مجرد وظيفة لم تأت بعد، إلا عندما صدح صوت صراخ السيدة فاطمة هذه المرة. ……………… وقف عامر في بهو الشركة، يُطالع بضعة أوراق قد أعطاه لها أحد الموظفين قبل خروجه من الشركة. كانت عينين الموظف الواقف جواره، تدور هنا وهناك، وكل صدرت حركة ما، كان الواقف يلتف بذعر. رمقه عامر خلسة وهو لا يفهم سبب ذعره وتوتره، ولكن فجأة خرج صوته رغماً عنه. "مازن."

التف عامر نحو الجهة التي تحرك إليها موظفه، فوجدها ينحني نحو طفل صغير وجواره إحدى موظفات الاستقبال، وعلى ما يبدو أن الطفل كان معها. تعلقت عينين عامر بالمشهد وهو يرى الصغير يدنو رأسه أمام والده. رغماً عنه كان يبتسم، بل ومشاعر أخرى اقتحمت فؤاده، مشاعر لم يسعَ لتجربتها والسبب كانت والدته. تقدم منه الموظف بخطوات سريعة، معتذراً. "أنا آسف يا فندم، حقيقي آسف." وأردف معللاً سبب وجود صغيره.

"والدته تعبانة، وأهلنا بعيد عننا، فاضطريت أجيبه معايا النهاردة." أخذ يعتذر بشدة والعرق يتصبب فوق جبينه من شدة توتره، فـ "عامر السيوفي" معروف بشخصيته الصلبة، الجامدة. "مافيش مشكلة يا أستاذ حسام." تمتم بها عامر، ثم أغلق الملف واتجه نحو الصغير الذي ظل واقفاً منكس الرأس.

اقترب منه تحت نظرات السيد حسام المتعجبة، وانحنى صوبه قليلاً يمسح فوق خصلات شعره الناعمة. أسرع حسام نحو رئيسه مجدداً وقد تفاجأ للمرة الثانية، أن هذا الرجل يحمل مشاعر وليس كما يظنوه. "ربنا يخليهولك." وانصرف بعدما قرص أحد وجنتي الصغير بخفة. …………….. تناولت بضعة لقيمات سريعة وهي واقفة وهتفت بعدما ارتشف بضعة رشفات من كأس الشاي حتى تبتلع اللقمة التي حُشرت بحلقها. "ادعيلي يا ماما أتقبل في الشغل."

وقفت فاطمة على أعتاب الباب تدعو لابنتها، تتمني من الله أن يسعدها ويوفقها. هبطت لأسفل تصطبح بوجه والدها البشوش بعدما خرج من أسفل السيارة التي كان يُصلحها. "ربنا يفتحلك أبواب الرزق يا بنتي." أسرعت في الاقتراب منه، تلثم خده، فصرخ بها وهو يبعدها عنه، خائفاً على ثيابها من الشحم العالق به. "كده هتبهدلي لبسك النضيف يا بنتي." "فداك كل اللبس اللي بتدفع تمنه يا أحلى وأجمل أسطى حسن في الدنيا."

ابتسم حسن وود لو عانق ابنته بقوة تلك اللحظة، إنها نعمة وهبها الله لهم بعدما ظلوا بضعة سنوات ينتظرونها. أخرج النقود من جيبه يعطيها لها متسائلاً. "عايزة فلوس تاني يا بنتي؟ "أكتر من كده يا أسطى حسن، ده أنا حتى ناوية أدلع نفسي وأروح المقابلة بتاكسي." وأسرعت في اقتناص قبلة أخرى من خده الآخر هاتفة قبل أن تنصرف بمشاغبتها. "عشان الخد التاني ما يزعلش." ……………

شعرت بالرهبة وهي تتقدم لداخل الغرفة الواسعة، لم تكن تظن إنها بحاجة للباقة عملية قوية، أو تكون ذا صلة بمن يعملون بالمكان حتى يسهلوا لها الطريق، كما رأت من سبقتها تُعامل باهتمام. مرة المقابلة ببضعة أسئلة وكان أهم سؤال طُرح عليها، لما لم تعمل منذ أن تخرجت ورغم إنها كان لديها مهارة بتعلم اللغات بجوار شهادتها، إلا أن العبارة التي كانت تتوقعها أخبرتها بها الموظفة، التي أعطت لهم ملء استمارة. "أن من سيقبلون بهم، سيحادثوهم."

عادت لمنزلها بوجه حزين، فطالعتها والدتها متسائلة. "مالك يا صفا، متقبلتيش في الشغل يا بنتي؟ ألقت حقيبتها جانباً وهوت فوق الأريكة تضع رأسها فوق فخذ والدتها. "قالولي هيكلموني، بس متوقعش إني هتقبل." "متقوليش كده يا بنتي، بكرة يكلموكي، وتقولي بطة قالت." وقد أتى الغد، ولم يُحادثها أحد. فنظرت نحو والدتها مازحة، وهي تلتهم قطعة الدجاج. "مكلمونيش يعني يا ماما، خسرتي يا بطة."

طالعتها فاطمة حانقة، والتقطت طبق طعامها من أمامها متمتمة. "ما أنا قولتلك اتجوزي، قال يعني الشباب لاقيه شغل عشان تلاقي يا بنت بطني." "دايماً مزعلاني منك يا بطة." ومدت يدها تلتقط الطبق الذي أخذته منها للتو معاقبة لها وهي تحرك حاجبيها تشاكسها، ولكن كف والدتها كانت أسبق منها. حيث صفعتها فوق كفها بقوة، فهتفت صفا متذمرة كالأطفال. "هاتي الطبق يا بطة." لم يتمالك حسن ضحكاته كالعادة من مناقرتهم التي لا تنتهي.

"شوف دلعك فيها هو اللي مقوي البت ديه عليا." "بتهزر معاكي يا بطة." فاندفعت صفا نحو أحضانها تقبلها وتشاکسها كعادتها. "بتزعلي مني يا بطوط، ده أنا حتى ناوية أجيبلك الخضار بكرة من السوق." ……………… شعرت بالصدمة وهي تقرأ كل ما هو مدون أمامها. لا تُصدق أن "أحمد السيوفي" كان متزوجاً بفتاة بالسر مثل تلك، فتاة كانت بلا عائلة مشرفة. أب يحتسي الخمر ويتتاجر في المخدرات ويتعاطاها، وشقيق قد مات والشرطة تطارده.

تركت الورق جانباً تمسح فوق خصلاتها المنسدلة فوق كتفيها تردد في صدمة مازالت تمتلكها. "مش معقول تكون كنت متجوز واحدة زي ديه يا أحمد." ……………… طالعت الروايات المرتصة فوق سطح مكتبها بشوق، ثم قضمت قطعة الخيار تلوكها داخل فمها متمتمة. "ركزي يا صفا، أنتي دلوقتي بتدوري على شغل عشان مستقبلك. نلاقي شغل الأول بعدين نرجع لعالم بتاعنا."

أخذت تحث نفسها على الصمود، لأنها أكثر دراية بحالها. فإذا عادت وانغمست في عالمها مع كلمات كاتبها المتيمة بها، ستظل هكذا حبيسة غرفتها وتنتظر ذلك الفارس الذي سيخرج لها من بين السطور.

عادت تركز في شاشة الحاسوب، تحاول قراءة إعلانات الوظائف المعروضة. نظرت للورقة التي جمعت فيها الإعلانات، عازمة على عدم اليأس حتى تجد وظيفتها تعول بها حالها وتخفف عبئها، ولعلها تجد فارس الأحلام كما أخبرتها والدتها وجنه، حينما تجد تخرج من غرفتها. ……………… نظرت لأوراقها بعدما أخذها الموظف منها ومزقها لنصفين، بعدما أصرت على مقابلة موظف التوظيف. لقد رأت الإعلان منشور أمس. فكيف وجدوا الشخص المناسب بتلك السرعة ليتم تعيينه؟

توقف الحديث على طرفي شفتيها وهي ترى الموظف يغادر من أمامها. فاقت أخيراً من صدمتها، ولكن الموظف اختفى من أمامها. سارت بخذلان خارج الشركة، ولم يهتم أحد لأمرها، فالكل يتحرك لإنهاء عمله أو الثرثرة مع رفيقه أو رفيقته بالعمل. طالعت الشركة قبل أن تهبط الدرجات القليلة، ثم بصقت عليها غاضبة. لم تنتبه على خطواتها، فنزلقت قدمها وكادت أن تهبط تلك الدرجات على وجهها، ولكن لولا ارتطامها بذلك الشيء الصلب ما كانت نجت من السقوط.

"انتي كويسة يا آنسة؟ ارتبكت صفا من وضعها بين ذراعيه، فدفعته عنها بقوة وأسرعت بخطواتها مبتعدة بعدما تمالكت حالها. التف الواقف ببطء وقد اعتلت ملامحه الدهشة من تصرفها. أكمل أحمد خطواته بعدما هندم بذلته المنمقة. فلم يأت لشركة "محسن الصواف" إلا من أجل اجتماع جعله شقيقه ينوب عنه. ……………… نظر إليها العم محمود طويلاً بعدما طال شرودها وهي تتأمل بعض الكتب والمجلات حديثة الإصدار.

العم محمود: مالك يا صفا يابنتي، مش مبسوط ليه، شكلك كنتي في مكان وراجعة منه متضايقة. فتنهدت صفا عدة زفرات متتالية، تحمل يأسها. "مافيش شغل، مافيش شغل، كله بالواسطة." العم محمود: كلها أرزاق يابنتي، اسعي تاني واكيد ربنا مش هيسيبك. وانحنى صوبها قليلاً يربت فوق ظهرها بحنان أبوي، ثم التقط إحدى المجلات القابعة على تلك المنضدة الخشبية المتهالكة. العم محمود، وهو يشير نحو المجلة ويعلم كم سيسعدها الأمر.

"فيها أخبار عن كاتبك المفضل (مراد زين) فتلاشى عبوس صفا، وتتهلل أساريرها بغبطة، وهي تلتقط منه المجلة التي تتحدث عن كاتبها المتيمة بأعماله. طالعت بعض عباراته المصرح بها عن آخر إصدار ورقي تم نشره وصور لبعض من الأشخاص الذين حصلوا على توقيع منه بواسطة دار النشر التي لا يطبع إلا لها. رمقها العم محمود وهو يرى سعادتها العجيبة على من يراها، ولكن هو كان يعلم مدى عشقها لهذا الكاتب ثم تمتم ضاحكاً. "الكاتب المجهول (مراد زين)

فأومأت صفا برأسها وتنهدت بحالمية وعادت تشرد في عالمها مع سطوره وتصريحاته. "رجعتني للخيال ليه تاني يا عم محمود؟ هتفت بها وهي تسبل أهدابها، فنفرجت شفتي العجوز بابتسامة واسعة على هيئتها. "لو عايزة المجلة خليها معاكي، عارفك بتحبيه قد إيه وبتحبي كل كلمة بيكتبها." فرفعت عيناها نحوه، وقد نهضت عن المقعد الجالسة عليه متمتمة بحماس. "والله أنت راجل طيب يا عم محمود." والتقطت منه المجلة بطفولة تليق بها.

"محدش هيونسني غيره، بعد رحلة البحث عن شغل. آه بدل ما أكتئب، أعيش مع الخيال شوية." ثم ودعته هاتفة: "سلام يا راجل يا طيب." ............................................................... هناك شعور غامض كان يجثم فوق صدرها، لا تعرف ماهيته ولا لما بدأت دقات قلبها تتسارع هكذا وأنفاسها تُسلب منها. ثقلت خطواتها ومهما قاومت ذلك الشعور، كان يعود ويقتحم قلبها، يُنبئها أن هناك ما ينتظرها.

سكنت مكانها وهي ترى سيارات إسعاف وعربات شرطة تقف، وغبار يحاوط مدخل حارتها والناس يركضون ويلطمون كفوفهم ببعضهما. أغمضت عينيها حتى تتضح لها الصورة، ولكن الصورة كانت واضحة وهي تستمع لحديث الناس. ركضت صارخة غير مصدقة ما سمعته، ولكن ما رأته كان هو الحقيقة. اشتد الصراخ حولها، ولكنها لم تكن تعلم أهو صراخها أم صراخ من حولها. "لااااا."

وضاعت بعدها في عالمها المظلم، عالم قد خلى من أغلى ما ملكته، وها هي الحياة تعلمها أقسى الدروس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...