الفصل 17 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
40
كلمة
4,310
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

طالعت "السيدة كريمة" ابنة شقيقها بصدمة من هيئة ملامحها، التي لا تبشر إلا بشيء واحد. واقتربت منها تُحدق بما تحمله، فتساءلت بعدما تمنت أن لا تكون ما تراه صحيحاً: "حامل يا فريدة؟ يومأت لها برأسها وقد انسابت دموعها فوق خديها، ولا تقوى على النطق. فقد أصبحت حاملاً من رجل لم يعد يطيق رؤيتها، رجل أنهى الشراكة بينه وبين والدها، حتى إنه خسر المال من أجل ألا يجمعهما شيء.

رجل اكتشفت أنها أحبته من مجرد شهرين قضتهما معه، وأن مشاعرها لم تكن نحو الشقيق الأصغر إلا انبهاراً. "طيب بتعيطي ليه يا بنتي؟ أرادت أن تشعرها بأنها سعيدة بالخبر، ولكنها من داخلها كانت خائفة. فابنة أخيها وعامر السيوفي علاقتهما انتهت بأبشع النهايات. "عامر بيكرهني يا عمتو، بيكرهني أوي." "لدرجة لما روحتله الشركة من يومين عشان أقوله إني ممكن أطلع حامل...

حدقت بها عمتها تنتظر سماع بقية عبارتها، ولكنها صمتت عن حديثها، تمسح فوق بطنها، لعلها تطمئن تلك النبتة التي وضعها الله في رحمها من ليلة واحدة جمعتهما. "قالي لو ده فعلاً حصل، الطفل لازم ينزل لأنه مش هيقبل يكون له ابن من واحدة زي... عانقتها عمتها بذراعيها، بعدما شعرت بالوجع من أجلها، فلم تكن تتمنى لصغيرتها حياة كهذه، ولا مصير ضائع. وللأسف هي من اختارته وسقطت في شرك شيطانها. "عنده حق يكرهني."

ابتعدت عن ذراعي عمتها، تُخبرها أنها لم تكن تقصد ما فعلته. "مش عارفة أنا إزاي عملت كده." عادت "كريمة" تضمها نحو صدرها، تمسح فوق ظهرها بحنان. "اللي حصل، حصل خلاص يا بنتي. يا ريتني ما كنت شجعتك تقربي منه، مكنتيش هتطلعي خسرانة حاجة." وأغمضت عيناها بقهر. فجميع أقربائهم أخذ يتساءل لما تطلقت منه بهذه السرعة. هل كان يستر عليها أم ماذا؟

وشقيقها "محسن" لم يتهاون في الكلام، بل رد الصاع صاعين، وأخبر الجميع بتلميحات قد فهمها البعض غير مصدقين. أن "عامر السيوفي" لم يلبي رغبات وحيدته فطلقها منه، لذلك لما يتزوج إلا مؤخراً من ابنته وقد افتضح عجزه. وضاعت ابنة شقيقها بين الأحاديث، حتى تجنبت الخروج من المنزل وانعزلت بين جدران غرفتها. "آه يا فريدة، كان مستخبي ليكي ده كله فين يا بنتي." سقطت دموعها متحسرة على حالها، وهي تستمع لعبارات عمتها.

أبعدتها "كريمة" عنها برفق، تمسح دموعها بكفيها. "أبوكي لازم يعرف." فصرخت، وقد تراجعت للخلف تنظر لعمتها وهي تنفي لها برأسها. "لاا، بابا مكنش همه من البداية غير فلوس عامر السيوفي، مش هيهمه أي حاجة ممكن تحصل لي." وأردفت بخوف وهي تحمي جنينها بذراعيها: "عامر هيموتوا، مش هيشوفه غير نقطة سودة بسبب لحظة ضعف منه." رمقتها عمتها في صمت، وتركتها تخرج كل ما يعتلي فؤادها. "أهدي يا فريدة." "أنا هسافر، أمسك فرع دبي، هبعد عن هنا."

"أنتِ بتقولي إيه يا فريده؟ وبإصرار كانت تُجيبها وقد لمعت عيناها بقوة: "أنا مش هخسر تاني خلاص، ولا هخسر الطفل ولا هكون ورقة يلعب بها محسن باشا عشان يؤش من تاني ويرجع مصالحه مع عامر." وبإصرار أكبر، كانت تنظر لعمتها وقد اقتربت منها بعدما رأت عم اقتناعها. "أرجوكي يا عمتي احترمي قراري، لحد ما أنا أقرر أقولهم." ولم تجد "كريمة" إلا الخضوع لقرارها، بعدما رأت رجائها. ***

نظرت "جنه" كالبلهاء لصفا الجالسة جوارها على أحد مقاعد المشفي، بعدما استمعت للطرائف التي عاشتها ابنة عمتها في هذا القصر. لم تُصدق ما تُخبرها به عن "عامر السيوفي" من غلاظة وعجرفة يتمتع بهما. "مش عارفة أصدقك يا صفا، الراجل دفع فلوس العملية، لا وجاي بسواق مخصوص وتقوليلي عنه الحكايات دي، ده طلع راجل جينتل مان، ده أنا حبيته." والتمعت عينا "جنه"، وقد أسدلت أهدابها. فدفعتها "صفا" بخفة.

"مدفعش الفلوس، غير بعد ما ناهد هانم طلبت منه، بعد ما اكتشف السبب، إنها تفكر تبيع مجوهراتها عشان تساعدني." وبحب أصبح يزداد في قلبها نحو هذه المرأة، أردفت: "معروفها عمري، ما هنساه يا جنه." وبدعابة كانت تهتف "جنه": "طيب ومعروف عامر بيه؟ عادت "صفا" تدفعها فوق كتفها، ولكن تلك المرة كانت دفعتها أقوى، بسبب حنقها منها. "ده كان فكرني، أنا اللي طلبت من ناهد هانم تبيع مجوهراتها." وأردفت ممتعضة وهي تتذكر نظرته لها ذلك اليوم:

"ده كان فكرني طماعة واستغلالية." ولكنها كما هتفت بسوءه، كانت تهتف بمحاسنه التي لا تعرف متى تظهر، فهذا الرجل يحيرها في شخصيته. "لكن الصراحة، أول ما عرف ما تأخرش وقالي كنتي قولتيلي." وعاد الحنق يرتسم فوق ملامحها. "ومافيش مشكلة، هيخصم الفلوس من مرتبى كل شهر." انفرجت شفتي جنه في ضحكة قوية، وسرعان ما كانت تضع بيدها فوق فمها، بعدما رأت نظر البعض من الممرضات الواقفين في حديقة المشفي.

"بس ياهبلة، إحنا في المستشفي، فضحتيني. أنا بقول اطلع أطمن على عمي صابر قبل ما أستاذ عامر يبعتلي السواق." طالعتها "جنه" بوداعة بعدما استمعت لعبارتها. "متشوفلي شغل عنده يا صفا." امتعضت ملامح "صفا" وهي تنظر لابنة عمتها التي قد أصبح عقلها في مكان آخر. عادت "صفا" لمكانها وقد تذكرت أمراً. "هي ديه عمتك، اللي اتقابلنا معاها من شوية يا جنه؟ ارتسم الحزن فوق ملامح "جنه"، فلم تعد تحب ذكر اسم هذه العائلة.

"شكلها طيب، بس سبحان الله النفوس فعلاً غير الوشوش." "صفا، بلاش نتكلم عنهم، ماما كان عندها حق لما قالتلي إنهم باعوا أخوهم سنين طويلة، هيقبلوني أنا في حياتهم؟ طالعتها "صفا" في صمت، وسرعان ما كانت تنتبه على عمتها، التي اتجهت نحوهم بعدما التقطتهم عيناها. اقتربت منهم، وقد ظهر فوق ملامحها علامات الامتعاض. حدقوا بها في صدمة، بعدما جلست ووقفوا هم، ينظرون إليها وهي تلطم فخذيها.

وقبل أن ينتابهم الذعر والخوف، كان يفهمون سبب حنقها ولطم فخذيها، فلم تكن إلا حانقة من العم صابر وشقيقته. *** نطقت أخيرًا بعدما فاقت من صدمتها التي سقطت على مسمعيها بعدما أخبرتها والدتها بالأمر. "جنه": اتجوز مين، وابن عمي مين؟ طالعتها "صافيه" بملامح متهكمة: "عشان تسافري الصعيد من ورانا تاني، عمك طلب إيدك لابنه جاسر، ولا إنتي كنتي فاكرة إن زيارات عمتك لينا من غير سبب؟

احتقنت ملامح "جنه" وهي ترى السخرية فوق ملامح والدتها، ونهضت من جوارها عازمة أمرها على الحديث مع والدها، فقد ندمت أشد الندم لذهابها إليهم، ولم تعد تعترف بهذه العائلة. "رايحة فين يا بنت بطني؟ "أنا لازم أتكلم مع بابا، أنا مش هتجوز حد ولا عايزة أشوف فرد من العيلة دي تاني." رمقتها "صافيه" بملامح ممتقعة، فأين كانت هذه الكرامة قبل أن تذهب إليهم؟ وعادت تتحرك ثانية، ولكن ذراع "صافية" كان الأسبق وهي تقف وتلتقط ذراعها.

"أبوكي تعبان، ومصمم على الجوازة دي، وعمره ما هيرفض لأخوه الكبير حسن طلب ولا لعمتك، ف أرضي بنصيبك يابنت بطني." رمقتها "جنه" بصدمة، فعن أي رضى الذي تُحادثها عنه والدتها؟ اتسعت حدقتاها ذهولاً وهي تستمع لعباراتها التي أردفت بها بملامح حزينة. "أبوكي استحمل عشاني كتير، ورضى بالفقر عشان حبه ليا." وبعينين دامعتين كانت تهتف: "أنتِ حتة مني يا جنه، لكن ما دام أبوكي أمر وطلب، يبقى هتنفذي كلامه يا بنت بطني." وبحرقة كانت تردف:

"يمكن تكوني الطريق اللي يرجع بيه وسط إخواته من تاني." بهتت ملامح "جنه"، وقد علقت عيناها بعيني والدتها، لا تستوعب حديث والدتها وهي تردد: "أتجوز واحد معرفهوش! *** كانت هائمة مع كل كلمة تنطقها "السيدة ناهد" عنه، فأحياناً الكلمات تكفينا أن نهوى أشخاص لم نرهم إلا مرة واحدة ولا نظن أن القدر سيجمعنا بهم يومًا. أرادت أن تُخبرها أن تكف عن وصفه لها، فقد رأت هذا الرجل الوسيم من قبل، ولكنها فضلت أن تسمعها وتكون جاهلة عن هويته.

توقفت "ناهد" عن الحديث، بعدما أدركت بأن شوقها إليه قد ازداد، ومدت كفها تبحث أسفل وسادتها عن صورته، وكأنها اليوم تريد تذكيرها بملامح هذا الرجل. "ده أحمد ابني اللي بحكيلك عنه يا صفا، أوصفهولي يا صفا بنظرة عينك إنتي، عايزة أعرف لسه ملامحه زي ماهي ولا الزمن برضو غيرها." فانتبهت "صفا" على عبارتها، والتقطت منها الصورة، ودون أن تنظر لملامح هذا الرجل، كانت تصفه لها وهي تتذكره بكل تفاصيله في ذلك اليوم.

وصفته لها، وناهد تبتسم، وقد اتسعت ابتسامتها وهي تستمع لنبرتها الهائمة، الهادئة. رمشت بعينيها بارتباك أصبح جليًا فوق قسمات وجهها، بعدما انتبهت على حالها وابتسامة "السيدة ناهد". "ملامحه كلها منك." ابتسمت ناهد، وقد التقطت منها الصورة بعدما أعطتها لها، هاربة من تأثير هذا الرجل عليها. "بس أحمد أحلى مني." "شبه أبطال الروايات." ودون وعي كانت تهتف بعبارتها، وبخبث كانت "ناهد" تتساءل: "إنتي بتحبي قراءة الروايات يا صفا؟

اتسعت ابتسامتها، وسرعان ما كانت تتلاشى من فوق ملامحها. "كنت بحب قصص الحب أوي، كنت بشوف الحب في الخيال وبس، بس حياتي دلوقتي مينفعش لا أحلم فيها ولا أعيش فيها الخيال، للأسف الخيال بيموت مع أول صفعة من الواقع." شعرت "ناهد" بحزنها، وقد علمت أنها تذكرت والديها وأخذها الحنين إليهم. وبحب كانت تفرد لها ذراعيها، ولكن رنين الهاتف قد صدح بنغمته التي خصصتها لواحداً تنتظر سماع صوته كل ليلة، ولكن اليوم يُهاتفه مبكرًا عن عادته.

"ده أحمد يا صفا." *** كانت كلمات منيرة تسقط على مسمعه وكأنها هواء يتطاير حوله. احتسى فنجان قهوته بتلذذ غير عابئ بحديثها الذي يدخل من أذن ليخرج من الأخرى. استمرت "منيرة" في حديثها دون أن ترى ضجره، ولكنها توقفت عن الحديث وهي تراه ينهض عن مقعده ووقف بهيبته الجامدة، ينحني ليُقبل كفها. "تسلم إيدك على القهوة يا غالية." وتحرك من أمامها تحت نظراتها، والتقط أحد الملفات، يخطو بخطوات عاجلة نحو الخارج.

"مضطر أروح الشركة دلوقتي يا عمتي، عندي اجتماع مهم، وللأسف معنديش وقت أسمع كلام اعتبرته مسمعتهوش." شبهت ملامح "منيرة" وتلاشت صدمتها، تنظر إليه بقوة. "عمك صابر له حق في كل الأملاك اللي إنت بتديرها، ويعتبر شريك معايا." توقف مكانه، وقد التقط للتو مقبض الباب، التف إليها بعدما التقطت أذنيه عبارتها، وعندما رأى نظرات القوة من عيني عمته، عاد إليه يرمقها بنظرات فاحصة وقد فهم الأمر.

"أنا اللي أعرفه إن جدي مكتبش له حاجة، بسبب اللي عمله زمان." وتابع حديثه بحقد دفين استوطن قلبه منذ أن علم سر رحيل عمه عنهم. "نسيتي أمي يا عمتي، سابها عشان حتة واحدة من الفلاحين عجبته." وأردف ساخرًا: "عايزاني أتجوز بنتها، يعني يوم ما أقرر أتزوج، أتزوج فلاحة؟ لاء بتهزري." وألقى عبارته دون أن يعبأ بمضمونها. "والله أعلم البت دي بنته ولا لاء، اللي أعرفه إن عمي خلف بعد سنين طويلة من الفلاحة." "جاسر!

صرخت به "منيرة"، ونهض عن مقعدها، فتجاوز ابن أخيها في حديثه، فكيف يُشكك في نسب ابنتهم؟ تلك الفتاة التي تشبهها ولكن بملامح أجمل. إنها ابنة شقيقه، ولن تهدأ حتى تزوجا. "حكاية أمك وحسن وصابر، انتهت من زمان يا جاسر، مش هنفضل متعلقين بالماضي يا ابن قلبي." وبنبرة جامدة كانت تهتف، بعدما اقتربت منه.

"إحنا دلوقتي في الحاضر والماضي خلاص مات، لو إنت متجوزتش جنه، فنصيب عمك صابر هيروح كله لبنته وبنته لسه صغيرة وعلى وش جواز وأي حد ممكن يطمع فيها يعني مش على آخر الزمن واحد غريب هيدخل في عيلة المنشاوي." "جاسر": فلوس مين ده اللي ليهم عندنا، أنا اشتريت نصيب عمي عبدالرحمن، عشان محدش يشاركني في حاجة ولا يقولي فلوسي ولا مش فلوسي. ألعبي لعبة تاني ياعمتي بدل لعبة الورث والفلوس لآني متأكد إن جدي مكتبش حاجة لعمي صابر.

وكاد أن يكمل حديثه لكن حديث والده أوقفه. "حسن": هتتجوز بنت عمك يا جاسر، ومتنساش إن الفلوس دي كلها بتاعتي أنا وعمتك صحيح إنت كبرتهالنا يا ولدي بس هتنكر خير أبوك عليك. فتلاشى غضب جاسر، وارتسم القلق فوق ملامحه وهو يرى هيئة والده المتعبة. "ليه قمت من على سريرك يا حاج، الدكتور مانعك من الحركة." ونبرة متعبة، حزينة كان يهتف "حسن". "تعبى الأكبر بسببك إنت يا بني، إنت مش شايف بقيت إزاي؟ بقيت عامل زي الوحش."

فارتسم الزهو فوق ملامحه، وأخذ يداعب والده بعدما أجلسه على إحدى الأرائك المريحة، وقد أراد صرف عقلهم عن أمر هذا العم وابنته، حتى يخلو بنفسه ويفكر في الخلاص، دون الأخذ من مالها، فهو من تعب وكبر هذا المال. "شخصيتي دي هي اللي بقت مخليني كبير العيلة ومحدش بيقدر يقف قصادي، وقريب كمان هكون عضو في مجلس الشعب. مش فخور بابنك ياحاج؟ "حسن": فخور وفي نفس الوقت خايف عليك من نفسك، الكبر بيخسر صاحبه يا ولدي.

وأردف وقد لمع الإصرار في عينيه، بعدما فهم مراوغته في الحديث معهم. "وعشان كده لو متجوزتش بنت عمك وبما إنك عارف ومتأكد إن عمك مالهوش حاجة في ورث جدك، فأنا وعمتك هنكتب نصيبنا لعمك صابر وبنته وده آخر كلام يا بني." تجمدت ملامحه، وتطاير الشر من عينيه وهو يطالع نظرات والده نحوه، وعلى ما يبدو أن القرار قد تم أخذه. أراد أن يتحدث، ولكن حديث والده قد ألجمه.

"عارف بكل جوازاتك السرية في القاهرة، بس إنت راجل واعي وأدرى بمصلحتك. وفكر في كلامي وكلام عمتك وأنا متأكد إنك هتفكر كويس في الموضوع، ولد حسن المنشاوي مش هيضيع جزء من ثروته عشان خاطر جوازة مش هتأثر في حياته حاجة." علا عيناه بعيني والده، فوالده يتلاعب معه بالحديث، يتلاعب معه في نقاط يعلم إنها ستجعله يظل طيلة يومه يفكر في كل كلمة أخبره بها. *** كان الصمت يحاوطهم، إلى أن رفعت صفا وجهها عن بعض الأوراق تهتف بسعادة.

"خلاص ترجمتهم." طالعها "عامر" متهكمًا من نبرتها، وقد تلاشت حماسها. فهذا الرجل يبهرها كل يوم بتغيره السريع. عاد يُركز في أوراقه ونبرة جامدة تمتم: "مدام خلصتي تقدري تطلعي تكملي سهرتك مع صباح وسعاد." رمقته بحنق، وهي تود قذف تلك المزهرية بوجهه، ولكنها عادت لثباتها، تُذكر حالها أن هذا هو "عامر السيوفي". لا يمضي دقائق إلا وتحول، وبفظاظة هذه المرة كان يهتف: "حطي الورق على المكتب واتفضلي."

حركت رأسها يائسة من طباعه، وسارت نحوه تضع الأوراق فوق سطح مكتبه. وعندما طالعته وهو منهك فوق الأوراق وقد ظهرت علامات الأرق فوق ملامحها. "أنا ممكن أساعدك، ومن غير مقابل، يعني مش هاخد منك فلوس زيادة." قالتها بدعابة، وقد تناست أمرها. ومن نظرة منه جعلها تتراجع للخلف، تزدرد لعابها. وبهمس خافت كانت تعيد عرضها ثانية، ولكن بجدية. "أساعدك يا عامر بيه."

رمقها بنظرة هادئة، هذه المرة، يعطي لها بضعة أوراق، مشيرًا نحو أريكة جانبية تحتل غرفة مكتبه. اتسعت ابتسامتها وهي تراه يمنحها مساعدته، وقد عاد "عامر" الطيب الذي تحب هدوئه مرة أخرى وليس ذلك الذي يطالع كل ما أمامه باحتقار. انكبت فوق الأوراق التي أعطاها إليها، وبجفون أصبحت تتثاقل كانت تُنهي آخر ورقة، وقد ندمت أشد الندم لعرضها أمر مساعدته. التقط هيئتها بعينيه. "كفاية عليكي يا صفا."

وباعتراض وتذمر كعادتها كانت تهتف بعدما فركت عيناها. "فاضل ورقة واحدة، وأنا لازم أخلص مهمتي كلها." وعادت للورقة التي أوشكت على إنهائها، فاسترخى بجسده ينظر إليها، يتساءل داخله هل حقًا هناك نساء كصفا، أم جميعهم مثل فريدة ووالدته؟ وعندما أتت ذكرى "فريدة" على ذهنه، تذكر آخر لقاء بها. أتت لتُخبره إنها من المحتمل أن تكون حامل بطفله. تجمدت ملامحه وقد احتلت الظلمة عينيه. فاقتربت منه "صفا" تضع الأوراق أمامه تهتف اسمه.

"عامر بيه." وبملامح مظلمة، كان يُطالعها هاتفًا بقوة. "اخرجي يا صفا." ومن نظراته القاتمة، كانت تركض من أمامه، فهو لا يريد رؤيتها مرة أخرى كأداة الانتقام من فريدة. *** صراخ وصياح أصبح يعصف بكل من يقابله في طريقه. وصل أخيرًا مكتبه، فركضت خلفه سكرتيرته بزيها الملتصق القصير، والتي لولا إصرار عمه عبدالرحمن عليه بأن يوظفها لمجاملة أحد رفقائه لكان قد طردها منذ أول يوم.

تراجعت بخوف، وهي ترى قتامة نظراته وسرعان ما كان يصرخ بها. "اخرجي بره، ومش عايز ولا ملفات ولا أوراق تتمضي، مفهوم. وأول هاشم يجي تدخليها عليه طول، سامعة؟ طالعته بخوف، مُحدقة بهيئته التي لا تبشر بالخير، وانصرفت مسرعة من أمامه، عائدة بادراجها لمكتبه ترتب بضعة أوراق، تهتف لحالها. "شكله راكبه عفريت على الصبح." دلف هاشم بعدما علم برغبته في رؤيته، لأمر عاجل وقد رأى مكالمات عدة على هاتفه وقد ظن إنه بسبب اجتماع اليوم.

وعندما رأى ملامحه هتف بتسأل وقلق. "مالك يا جاسر، إيه اللي حصل ومخليك مش طايق نفسك؟ "جاسر": عمك وعمتك النهارده كلموا المحامي يجيلهم عشان يتنزلوا لعمك صابر اللي طلعلي في البخت عن نصيبهم. أنا بجد مش عارف هما بيفكروا كده إزاي وليه. "هاشم": ما تتجوزها يا جاسر وخلاص. ثم تابع حديثه بخبث كما طلبت منه عمته.

"وياسيدي اعتبرها خدامة مخصوص ليك، واه بدل الستات اللي بتتجوزها وتطلع عقدك فيهم، طلعه عليها هي، لحد أما تقول حقي برقبتي زيهم وتمشي." رمقه جاسر حانقًا من أسلوبه المتهكم. "أنا بتجوز الستات دي بمزاجي، مش غصب عني يا هاشم." "هاشم": مفرقتش يا جاسر، وكمان البنت قمر بصراحة. والتف هاشم خلفه يتمتم بخوف ودراما، أزادت من حنق الواقف. "اوعى تقول لأروي الكلام ده." فلم يتحمل "جاسر" سماع المزيد منه وكأنه متفق معهم. "اطلع بره يا هاشم."

طالعه "هاشم" بعدما نهض عن المقعد الذي جلس عليه للتو، متمتمًا قبل أن يُغادر. "فكر كويس يا جاسر، عشان متخسرش. وما دام عمي وعمتي مصممين على حاجة عايزين يعملوها، هيعملوها وانت عارف كده كويس. هتضيع تعبك كله وحد يجي يقولك فلوسي وورثي. وكل ده عشان خاطر جوازة ممكن تخلص منها بسهولة بعدين."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...