انصدمت ملامح "حسن" من عبارة شقيقته، وقبل أن يفوق من صدمته ويعترض على ما تفوهت به وكيف فكرت بالأمر، أخذت تُقنعه. فالسيدة منيرة لم تكن تُفكر إلا بجمع شمل العائلة. لم تفكر إنها ربما تظلم ابنة شقيقها التي لا تعلم عنها شيئاً. وغفلت عن طباع "جاسر" القوية.
جاسر ذلك الذي يكره النساء ولا يرى فيهم إلا مجرد متعة يتمتع بها الرجل من أجل إرضاء غريزته. رجل خدعته امرأة، فقرر أن يجعل جميع النساء تدفع الثمن. رجل يحمل الكره لهذا العم لما فعله بوالدته منذ سنوات طويلة عندما تركها بين ألسنة الناس يتحدثون عن شرفها. ولولا القرار الصارم الذي اتخذه "عارف المنشاوي" كبير العائلة، بأن يتزوج "حسن المنشاوي" من سميرة ابنة عمه.
اتخذت "منيرة" بحنكتها جميع الطرق لإقناع شقيقها، ولكنها لم تجد إلا الطريق الوحيد الذي سيقنعه ويجعله يفكر بجدية. "محدش هيستحمل جاسر غيرها يا حسن، مهما عمل فيها هتستحمل وتسكت، هترضي بأي حاجة وطبعاً صابر عمره ما هيتكلم." اتبعت حديثها بمرارة على حال ابن شقيقها وما وصلت إليه حياته.
"جاسر كل شوية يتجوز واحدة لا ليها أصل ولا فصل، ابنك مبيعديش الشهرين إلا وهو متجوز واحدة في القاهرة، أنا صحيح شعري شاب يا حسن بس عارفه كويس ابني في إيه.. ابني لسا مجروح من اللي حصل زمان." وضعت بيدها فوق قلبها، وقد دمعت عيناها. "ده ابن قلبي، وأنا اللي مربياه." تفاجأ "حسن" بمعرفة شقيقته عن زيجات "جاسر"، ورغم عدم رضاه عن الأمر إلا إنه فضل الصمت حتى يعود ابنه لرشده.
"بنت صابر من دمنا يا حسن، سبناه يتجوز الغريبة وأه شايف وصلنا لأيه." ظهر الاقتناع على وجه "حسن"، فالتمعت عينين "منيرة" براحة. "وافرض البنت رفضت يا منيرة، ده أنتي بتقولي صغيرة وصيدلانية." تلاشت الراحة من فوق ملامح "منيرة"، ولكن سرعان ما كانت تنفض أي شعور يقلقها من رفض شقيقها وابنته، فاستطردت بعباراتها حتى تزيد من اقتناعه ويقف معها أمام "جاسر" الذي لن يخضع لهم بسهولة.
"أخوك بقي محتاج لينا يا حسن، ولو رجع وسطنا، عمره ما هيقدر يرفض لينا طلب." وصمتت قليلاً وقد علقت عيناها بعينين شقيقها. "لا هو ولا بنته." "سبيني افكر في الموضوع وأقولك." الموافقة قد أخذتها من شقيقها، حتى لو لم يُخبرها بجوابه صراحةً، ولكنها تعلم ما يدور الآن في عقل شقيقها الأكبر.
زفرت "صفا" أنفاسها براحة، بعدما استمعت لصوت ابنة عمتها وقد أجابت على مكالماتها أخيراً. ولأنها تعلم أن عدم إجابة ابنة عمتها عليها وراءه سبب ما، فتساءلت وهي تنتظر أن تسمع جوابها دون مراوغة. "مش هسأل كتير، فيكي إيه يا جنه جاوبيني." دمعت عينين "جنه" وقد جلست على أحد الأرائك الخشبية في الممشى الخاص بالمارة بالقرب من الصيدلية التي أصبحت تعمل بها. "روحتلهم، وطردوني يا صفا."
ودون أن تخبرها عن هوية من تقصدهم، كانت "صفا" تدرك تماماً من فعل هذا بابنة عمتها ذات القلب الهش الذي لم يعتاد على قسوة القلوب. "وزعلانه ليه، ما أنتِ عارفه أنهم نسيوكم من حياتنا." تنفست بها "صفا" بقوة وقد أوجعها قلبها عليها. ابتلعت "جنه" غصتها وهي تطالع الطريق الذي بدأ يخلو من الناس. "كنت فاكرة هيخدوني في حضنهم، ليه الكره ده وعشان إيه.. عشان أتجوز واحدة فقيرة."
تنهدت "صفا" حانقة، وهي تتذكر ذلك اليوم الذي أخبرها والدها عن السبب. وقد أخذها الفضول لتعرف أين هم أعمام "جنه"، بعدما أتت تلك المرأة التي لا تتذكر اسمها وقد أتت لزيارة بيت أخيها وكانوا لدى عمتها في زيارة قصيرة. "انسيهم يا جنه، أنسيهم زي ما عمي صابر نسيهم." "وأنتِ فاكرة إن بابا نسيهم في يوم يا صفا، هو بيتظاهر بكده عشان عمتك." تنفست بغصة، قد شعرت بها "صفا". فالعم صابر يحب عمتها لدرجة جعلته يتخلى عن كل شيء من أجلها.
"نفسي ألاقي حد يحبني زي حب جوز عمتي لعمتي، طلعتي محظوظه يا صفا." واحتضنت وسادتها، غارقة في حلمها، وقد نسيت تلك التي تسمع عبارتها وتزفر أنفاسها حانقة منها ومن أحلامها بفارس الأحلام المنتظر. "أنا بكلمك في إيه، وأنتِ بتكلمي في إيه." صرخت "جنه" بقوة، وهي تسمعها عبارتها المستاءة. انتفضت "صفا" عندما انتبهت على صراخها الحانق، وألقت بالوسادة أرضاً تنفض رأسها. "الحلم كان جميل يا جنه، ده أنا كنت بدأت أتخيل شكلها."
زدادت ملامح "جنه" احتقاناً، وقد نهضت عن المقعد الخشبي، وسارت نحو الطريق حتى تعبره. "شوفي حاولتي الحكاية لأيه، بدل ما تهوني عليا." وبقهر طفولي كانت تخبرها هذه المرة، عن ضرب عمتها لها وكأنها فتاة صغيرة. انفرجت شفتي "صفا" في ضحكة قوية، شعرت وكأن من بالقصر جميعهم قد استمعوا إليها. "عمتي ضربتك، لا صفا ديه ديما شريرة كده."
وعادت ضحكاتها تعلو، تستمع لعبارات "جنه" المتذمرة وقد ارتسم الحنق فوق ملامحها، لتتسع عينين "صفا" صدمة، وهي تراها قد أغلقت الخط وأنهت المكالمة. "ديه قفلت التليفون، ماشي يا جنه." تنفذت عبارتها، وألقت بهاتفها جوارها، ونهضت من فوق الفراش تتماطأ بجسدها وتفرد ذراعيها. ولكن سرعان ما كانت تنتبه على الوقت، فقد حان وقت أخذ "السيدة ناهد" لأدويتها. أسرعت في هندام ثيابها ووضعت حجابها فوق خصلاتها، وركضت مهرولة نحو غرفتها.
تعالت شهقتها وقد اصطدمت بجدار صلب، ولم يكن إلا هو الذي كان يغادر غرفة والدته للتو. رمقها متفحصاً لها، فابتعدت عنه بعدما تخطته ودلفت نحو الداخل وقد شعرت بالارتباك بسبب تهورها في السير. زفر "عامر" أنفاسه حانقاً منها، والتف حتى يصرخ عليها ويسألها عن تأخرها لإعطاء والدته علاجها. فلما هي هنا؟ هل من أجل الضحك أم الرقص أم المزاح مع الخدم؟
كانت كل تلك العبارات تدور بعقله، ولكنه لم ينطق بها. فبمجرد أن التف نحوها، تذكر هيئتها البريئة وهي تتراقص بين الخدم. هيئتها ما زالت تقتحم عقله، ليس بتلك الصورة التي رأى بها فريدة، ولكن بصورة أخرى تجعل قلبه يبتسم. سار بخطوات سريعة، فرمقته "صفا" مدهوشة، من حركته بعدما وقف يطالعها وهي تعطي الأدوية للسيدة ناهد. "كنتي بتضحكي ليه يا صفا.. بصوت عالي." وبلطف كانت تردف. "مش تحكيلي، وتضحكيني معاكي."
"عامر بيبلغك، تنتبهي على صوتك." اتسعت حدقتاها، وسرعان ما تورّدت ملامحها والسيدة ناهد تردف هذه المرة بعبث، والضحكة ارتسمت فوق ملامحها. وكما توقعت، قد استمع من بالقصر صوت ضحكاتها، ولحظها الذي تعرفه تماماً كان هو من سمعها. وقد أخذت اليوم أحد تحذيراته التي لا تنقطع.
استرخى بجسده وقد رفع ساقيه فوق الطاولة الصغيرة، ينظر إليها مستمتعاً برقصتها له. ابتسمت له وهي تقترب منه وتتمايل نحوه، تُظهر له مفاتنها بسخاء. وهو كان خير من مرحب، لكنه لا يتأثر ولا يضعف. فـ "جاسر المنشاوي" رغم عبثه مع النساء وعلاقته المتعددة، إلا أنه لا يمنح أي امرأة هذا الشعور. أسقطها فوق ساقيه بعدما اعتدل في رقدته، فتعالت ضحكاتها وهي تتعلق بعنقه. "قولي إني جميلة في عيونك يا جاسم."
تعالت ضحكات "جاسر" وهو يعبث بجسدها. "ما أنتِ جميلة فعلاً يا سهر، هو لازم أقولك يعني." وأردف بمكر وهو ينظر في عينيها ويعلم ما تنتظره منه. "لا مبحبش أشوفك معندكيش ثقة في نفسك."
زفرت أنفاسها وقد علمت أن هذه الليلة التي أقسمت أن يُخبرها بحبه، قد ضاعت. فمهما حاولت أن تفعل له، "جاسر" لا يراها إلا زوجة بعقد رسمي متفقين على فسخه إذا أراد هو هذا. زوجة برتبة عشيقة، يا له من إنجاز حققته وهي التي تركت زوجها من أجله بعدما ظلت لعام كامل تركض خلفه في كل مكان وقد منحها أخيراً فرصة أن تكون من نسائه.
لم يمنحها ما أرادت، بل منح نفسه ما أراده هو. نهض من جوارها بعدما انتهت متعتهم وطالعها وهي مسطحة فوق الفراش، فتساءلت وهي تعلم الإجابة لكنها منحت نفسها أملاً. "مش هنفضل هنا للصبح." وبنظرة منه كانت تعلم الإجابة، ولكنه أعاد الجواب عليها، حتى تسقط من سقف آمالها. "أنتِ عارفه إحنا بنيجي الشقة ديه ليه يا سهر، بنقضي وقت لطيف وننبسط." ضغط على عبارته الأخيرة، واتجه نحو المرحاض تحت نظراتها اليائسة من هذا الرجل.
ابتسمت "صفا" بسعادة وهي تطالع وجه ذلك الرجل الذي افتقدته بكتبه وحديثه الطيب. فوقفت تتأمله من بعيد وهو يرتب كتبه فوق الرصيف. وبخطوات بطيئة كانت تقترب منه، تتذكر الأيام التي كانت تأتي فيها إليه، كلما كانت ترسلها والدتها لجلب بعض الأغراض للمنزل، كانت تذهب متذمرة. وفي عودتها كانت تمر على العم محمود تتسابق معه قليلاً وتمازحه. وقفت خلفه، تنتظر أن ترى سعادته بقدومها إليه، وهل نساها أم ما زال يتذكرها. "وحشتني ياراجل يا طيب."
استمع العم محمود للصوت الذي لم ينساه، والتف نحوها مصدوماً غير مصدقاً إنها هي. تلألأت عيناه بطيبة، واتسعت ابتسامته وهي يفحصها بعينيها، هاتفاً باسمها. "صفا! تلألأت الدموع بعينيها، فقد اشتاقت لهذا الرجل بالفعل. لقد كان دوماً كريماً وعطوفاً معها. يسمع أحلامها مبتسماً، يخبرها إنها ستجد ما تتمنى يوماً لأنها فتاة طيبة القلب. وبعتاب كان يخبرها. "كده تنسي عمك محمود يا بنتي."
وعندما انسابت دموع فوق خديها، فهي لم تنساه ولكنها ابتعدت عن هنا. ابتعدت لتعيش مع عمتها بعد رحيل والديها. "عرفت يابنتي بكل اللي حصلك.. روحت أسأل عنك.. بعد ما غيبتك طولت." "جيرانك قالولي اللي حصل." تألمت دموعه، فقد بكى هذا اليوم على حالها وتمنى لو عرف لها طريقاً. "وعرفت إنك روحتي تعيشي عند عمتك.. ربنا يرحمهم يابنتي."
ارتسم الحزن فوق ملامحها، فانتبه "العم محمود" عليها، فسرع في التقاط الكتب التي تحبها هاتفا بنبرة مرحة لعله يخفف عنها. "موحشتكيش كتب عمك محمود القديمة، وكتب مراد زين." فابتسمت "صفا"، وهي تراه يحاول إخراجها من حزنها، هاتفه بمشاغبة ومرح قد افتقدهم منها. "أنت اللي وحشتني ياعم محمود.. أنا جيت بس عشان أشوفك وأدفعلك تمن الكتاب اللي أخدته منك آخر مرة لأن للأسف ضاع مني."
وعادت تبتلع غصتها، حتى لا تتذكر ذلك اليوم الذي ضاع منها عند عودتها لمنزلها، لتراه وهو حطاماً، وقد خرجت من تحته أجساد والديها وقد فارقوا الحياة. العم محمود: "طب وحبيبك مراد زين مش عايزة تشوفي آخر كتاب ليه.. نزل السوق من أسبوع." وأردف وهو يخبرها بما سمعه من البعض عن اعتزاله. "بيقولوا إنه اعتزل الكتابة." فعبست ملامح "صفا"، فحتى كاتبها المفضل ترك الكتابة. وأصبح بائساً مثلها. "مدام آخر كتاب ليه يبقى خلاص هاخده."
لامست يديها وجهه الشارد وكأنه في عالم آخر، فانتبه "أحمد" على حركتها التي أفزعته وبلطف كان يزيح كفها عنه. أطرقت "أميرة" رأسها بعدما شعرت بالحرج من ردة فعله. "أنت مش معايا خالص يا أحمد، حاسة إنك عايزنا نمشي من المكان." وبألم كانت تتساءل. "هو أنت زهقت من علاقتنا." تعجب من نطقها نحو علاقتهم بتلك الطريقة، وكأنهم أحباء وليسوا رفقاء يتشاركون همومهم وحديثهم معاً. "معلش يا أميرة، في شوية حاجات شغلاني في الشغل."
ورغم أن من مهمتها أن تعرف تفاصيل عمله، وما يؤرق أفكاره مع شركائه، إلا إنها لم تعد تهتم بشيء إلا هو. ابتسم لها باللطف وقد مسح فوق كفها، معتذراً. بادلته الابتسامة، وتلألأت عيناها. وقلبها يخبرها أن تفصح له عن مشاعرها. "أحمد أنا.." ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها، وقد أخذ هاتفه يصدح بنغمته الهادئة، فطالعها ثم طالع رقم المتصل بسعادة وهو ينهض عن طاولتهم. "عن إذنك يا أميرة، هرد على التليفون."
ابتعد عنها، تحت نظراتها العالقة به. تزفر أنفاسها متنهداً وقد ابتلعت حديثها. فلم يأت اليوم بعد. أو ربما إنها أخطأت في قرارها. ويجب عليها أن تفكر بمهمتها التي طالت وأصبح مديرها يتذمر منها. ارتشفت من كأس الماء الذي أمامها وقد عادت لثباتها. ولكن لحماقة قلبها، كانت تعود لتتأمل تفاصيله الرجولية. ضحكت داخلها ساخرة، إنها ضعيفة أمام رجال هذه العائلة. وبمشاعر مضطربة كانت تدلك عنقها تهتف بلوعة وقلة حيلة.
"أنا اتورطت في حبك يا أحمد، أعمل إيه أنا دلوقتي، مش قادرة أذيك ولا ينفع أبعد عنك غير بعد ما أنفذ مهمتي." أفزعها صوته الجامد، وقد أتت من الخارج سعيدة بما تحمله. سقط الكتاب من يدها والتفت نحوه، فعلقت عيناها بنظراته وقد وقف يفحص ما تحمله بنظرات ثاقبة. "أفندم ياعامر بيه."
يتأملها عامر للحظات، ثم حدق بالكتاب الذي سقط منها. يرى اسم شقيقه المستعار فوق غلافه، وعلى ما يبدو إنه آخر أعمال شقيقه. تحرك نحوها ولكنه لم يكن يقصدها، إنما كان يقصد الكتاب الذي انحنى والتقطه. طالعها عندما التقط الكتاب ليرى في عينيها اللهفة نحو الكتاب، فكيف سيكون حالها إذا أصبحت أمام كاتبه. محظوظ هو شقيقه. يحبه معجبينه وهم لا يعرفون هويته الحقيقية. ويحبه من يعرف "أحمد السيوفي" المهندس المنضبط الطموح.
باغتها بسؤال لم تكن تنتظره منه، فقد توقعت أن يستخف بها كعادته. "يعني خرجتي تشتري كتب، وبتحبي تقرا لمين كمان يا صفا." ورغم التهكم الذي ظهر في نبرته، إلا أنها تجاهلت الأمر. تخبره بالأدباء الذين تحب القراءة لهم. أماء برأسه، وقد ترك لها فرصة الحديث قليلاً. حتى إنها استعجبت إنه وقف يسمعها، ولكن ها هو "عامر السيوفي" يعود بغلاظته.
"بقتي مصدر إزعاج في القصر، و مارجريت بتشتكي منك كتير، ده غير خروجك من القصر من غير ما تبلغيني." هاجم وجهها، وقد استفزتها عبارتها. "أخدت إذن ناهد هانم." احتدمت ملامحه، وقد اقترب منها. وبعجرفة كان يلتف بجسده هاتفاً. "تعالي ورايا على المكتب.. مش هفضل واقف أكلمك على السلم كده." امتقعت ملامحها فقد ضاعت بهجة هذا اليوم. سارت خلفه تفكر ما التوبيخ الآخر الذي ستحصل عليه أيضاً.
وقفت في منتصف الغرفة، تعقد ساعديها أمامها وتنتظر سماعه. رمقها بنظرة لا تعرف تفسيراً لها، نظرة كانت طويلة. جعلتها تشعر بالقلق. التقطت منه الورقة التي مدها إليها في صمت. انتظر أن يرى معالم وجهها وتظهر صدمتها. لم تمر سوى دقيقة إلا وهو يرى صدمتها وشحوبها.
تقدمت منه لا تستوعب ما تراه، فكيف فعل هذا الأمر بها. وكيف خدعها بهذه الطريقة المقززة. هل جعلها توقع على هذه الورقة ليستغلها. ودموع كانت تغرق وجهها وهي تطالعه بنظرة تحمل الحقد والكره، تتساءل بصدمة وعيناها عالقة بالورقة. "أنا ممضتش على الورقة ديه، أنت بتعمل فيا كده ليه." صرخت وتقدمت منه تدفع كل ما فوق سطح مكتبه.
"أنت شيطان.. أنا كنت فاكراك طيب.. طلعت شيطان، صحيح اللي يكون قلبه جافي على أقرب الناس ليه.. أكيد شيطان.. أنت تستحق اللي عملته فيك مراتك." والعبارة تتردد في أذنيه بقسوة، فاغمض عيناه وقد ظن ما تخيله حقيقة ولكنه لم يكن إلا مشهد تخيله. طالعته "صفا" بضجر، من صمته ونظراته المحدقة بها. فلماذا ينظر إليها هكذا. "عامر بيه، أنا تعبت من الواقفة."
فاق من شروده على عبارتها المتهكمة، فانفض رأسه وأعاد الورقة لدرج مكتبه متمتماً بجمود وهيئة جادة. "تقدري تروحي تشوفي ناهد هانم." التوت شفتيها امتعاضاً من عبارته، فهل يصرفها بتلك الطريقة. اتجهت صوبه تلتقط منه الكتاب الذي وضعه فوق سطح مكتبه هاتفه. "ده ملكية خاصة."
ورغم عنه كان يبتسم. هذه الفتاة تجعله ينسى غضبه الذي يتصاعد كلما تذكر أمر تلك الخائنة. خاطبه عقله المذهول من فعلة صاحبه، وقد أخذ بضعة ليالي يفكر بالأمر وقد حسم قراره الذي تراجع عنه للتو. "مش معقول يكون قلبك رحيم يا عامر، وطلعت صفا برة لعبتك."
تنهيدة قوية أخرجها صابر وهو يطالع وجه شقيقته، يتأمل ملامحها بشوق، وقد ظهر فوق ملامحها الجميلة العجز ولكنها ما زالت جميلة كما هي بطيبتها. ورغم ما حدث إلا إنها أحبهم لقلبه، فحاولت لسنوات طويلة التواصل معه ومنحه المال ولكنه كان يرفض أخذ شيء منها. "صافية ديه منيرة أختي ياصافية."
فجلست "منيرة" على المقعد الذي كانت جالسة فوقه "صافية" قبل دخولها إليهم. حركت "صافيه" رأسها إليها، كما فعلت منيرة، والتقطت كفيه تمسح فوقهما برفق، تهتف بحنان تحت نظرات صافية التي تحولت للأمتعاض. "متتعبش نفسك بالكلام ياصابر ياخويا، انت لسا تعبان." وأردفت بعدما رأت الدموع قد لمعت بعينيه. "زعلت أوي أنا وحسن أخوك، إننا مدفعناش ليك فلوس العملية، يابن أبويا، سامحيني إننا أتأخرنا عليك يا أخويا."
وأردفت تخبره عما سعت زوجته في إخفائه عنه. "ياريت بنتك كانت جالي أنا، مرحتش لعبد الرحمن وابنه.. كنت هاخدها في حضني ديه من ريحتك يا حبيبي." ارتسمت معالم الصدمة فوق ملامح "صابر" المتعبة، فابتلعت صافيه لعابها وقد علقت عيناه بها، يتساءل بصدمة. "جنه راحت ليكم الصعيد." تنفذت عبارته والتقط أنفاسه بصعوبة، فالأول مرة تخبئ عنه صافية شيئاً، فاسرعت صافيه نحوه وارتسم القلق فوق ملامحها. "متتعبش نفسك ياصابر."
أزاح ذراعها عنه، فنظرت نحو منيرة بغضب. "ده مبقاش له يومين خارج من عملية كان هيروح مني ومن بنتي، وأنتي جاية تحكيله كلام ملهوش لازمة." طالعتها "منيرة" بصدمة، فما الذي جعلها تنفعل هكذا، فعلى ما يبدو أن شقيقها لم يكن يعلم بذهاب ابنته إليهم. "لولا عامر بيه، راجل ابن أصول تكفل بالعملية، كان زمانه ضاع مني ومن بنتي."
ضغطت "صافيه" على عبارتها الأخيرة حتى تشعرهم بسوئهم، فالغريب الذي يعملون لديه لم يتأخر عن مساعدتهم، عندما لجأت إليه ابنة شقيقها وهي مجرد فتاة تعمل عنده مرافقة لوالدته. وأردفت ببقية حديثها تتهكم على حنانهم العجيب بعد هذه السنوات، حانقة منهم. "لسة فاكرين أخوكم ياست منيرة." فحاولت "منيرة" رسم ابتسامة على شفتيها، حتى تتجنب حديثها، وقد أعطتها الحق في غضبها. "أنا همشي دلوقتي ياصابر وهجيلك تاني."
عاتب صابر زوجته بنظراته، ولولا عدم قدرته على الحديث لكان آخرسها. صابر: "لأ يامنيرة ما تمشيش انتي وحشاني أوي، خليكي معايا يابنت أبويا واحكيلي عنكم." ونظر إلى صافيه بنظرات لائمة. "اخرجي انتي ياصافيه، هاتي لمنيرة حاجة تشربها." امتقعت ملامح "صافيه"، وكادت أن تتحدث منيرة، ولكن صابر عاد يحدق بها بنظرة جامدة، قد فهمتها. غادرت صافيه الغرفة حانقة وهي تشتعل غضباً. "ماشي ياصابر، لما تخرج بس من المستشفى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!