الفصل 37 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
60
كلمة
7,477
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

جلست بملامح حزينة فوق فراشها، تطالع هاتفها الذي أعادت تشغيله، تنتظر رؤية اسمه فوق شاشته، تتمنى لو يعيد اتصالاته ويخبرها بأسفه، ثم جاء ركضاً إليها معتذراً عما فعله بها. دمعت عيناها، تسأل حالها، متى كانت مهمة لديه، أخذها وسواسها نحو دروب مظلمة وأفكار قاتلة، فتعالت شهقاتها في بؤس مرير، فهرولت والدتها إليها بعدما استمعت لنحيبها، تضمها لأحضانها. "مش تقوليلي بس إيه اللي مزعلك من جوزك يا بنتي، أنا وأبوكي خلاص هنتجنن."

تشبثت "جنه" بأحضانها، تسألها بمرارة، لما فعلوا بها هذا، لما دفعوها نحو هذه الزيجة وجعلوها تخرج منها خاسرة بقلب يمزقه الألم. "كان نفسي تعيشي في العز يا بنتي، مكنتش عايزة تعيشي زي في الفقر." "أنا تعبانة أوي يا ماما."

دمعت عينين "صافية" على حال صغيرتها، حاولت أن تواسيها وتفرحها بخبر عودة صفا، ولكن "جنه" كانت في عالمها المرير، تضغط فوق شفتيها بقوة، لا تصدق إنه عاد من سفره ولم يأتِ حتى لرؤيتها وطلب العفو منها، أحبت رجلاً متحجر القلب وليتها ما عرفت الحب يومًا على يديه. "الرجالة يا بنتي دايماً كبريائهم بيمنعهم يراضوا الست، لكن الزوجة الشاطرة والعاقلة بتوطي مع الريح." ابتعدت "جنه" عن أحضان والدتها، ترمقها بألم بعد سماعها لحديثها.

"بابا عمره ما استحمل يزعلك، عمره ما خلى ينام زعلانة منه." أطرقت "صافيه" رأسها، فهي تعلم بصدق ما تخبرها به، ولكنها لا تريد لها خراب حياتها، التقطت كفيها، تمسح فوقهما برفق. "جوزك كل يوم بيتصل بأبوكِ يطمن عليه وعليكي، جوزك شخصيته غير أبوكِ يا بنتي، ويمكن مع العشرة يلين." كان الجواب تعطيه لوالدتها، قبل أن تتسطح فوق الفراش وتجذب نحوها الغطاء لعلها تغفو وترتاح من صراعها ومشاعرها. "وأنا مش عايزة أعيش مع راجل قاسي زيه."

لم يكن حاله مختلفاً عنها، بل عادت القسوة تحتل وجهه، عاد خالي المشاعر، يصرخ في الجميع ويصب غضبه عليهم، والجميع يطالعونه في خوف من بطشه، يترقبون عاصفته من أبسط الأشياء، يتمنون لو عاد مديرهم الهادئ مجدداً، كما كان منذ بضعة أشهر. قذف الأشياء من فوق سطح مكتبه، لا يصدق ما أوقعه فيه شقيقه في صفقة خاسرة، رغم تحذيره له في عدم التوقيع، ولكن "فاخر"، استغل الفترة التي يعيشها من هجر زوجته له، واستغل منصبه وفعل ما رفضه.

اندفع "فاخر" لغرفته، وقد احتلت الخزي ملامحه، ينظر نحو شقيقه أسفاً عما فعله. "راجي كان مطمني إن الصفقة كسبانة، مش عارف إيه اللي حصل." سقط فاخر أرضاً، بعدما تلقى لكمة قوية فوق فكه، فالتقطه جاسر من قميصه بملامح غاضبة. "عرف يضحك عليك، ويطمعك." اشتد العراك بينهم، فخسارتهم قوية، وسيظلون لسنوات يتعافون منها. "خليت أبوك يمضي على الصفقة بنفسه يا فاخر، عشان عارف إنه يملك السلطة بعدي."

فاخر يمسح دماء أنفه، لا يستطيع النظر في عينين شقيقه، عاد يقذف كل ما يقف أمامه، لا يصدق اللعبة الحقيرة التي لعبها عليهم هذا الرجل. انحنى بجسده يلتقط أنفاسه، وقد سكنت ملامحه واشتد الألم فوق صدره، انتفض فاخر من وقفته وهو يمسح دماء أنفه وشفتيه، واتجه نحو يهتف بفزع وهو يراه يقبض فوق قلبه. "جاسر." وقف جوارها وقد دمعت عيناه، وهو يسمع الخبر الذي تزفه لهم الطبيبة، لا يصدق أن الله أكرمه بنعمة أخرى من نعمه الكثيرة عليه. "طفلي."

يهتف بها غير مصدقاً، تحت نظرات حياة التي لم تقل عنه من الصدمة، تتساءل مثله في ذهول وسعادة. "يعني هجيب تؤام." أومأت لهم الطبيبة برأسها مبتسمة، ونهضت عن مقعدها تهز برأسها بضحكة خافتة على حالهم، وغادرت مكان الفحص، حتى تتركهم يستوعبون الخبر. التقط عامر كفها، ينهضها برفق من فوق الفراش الطبي، وسرعان ما كان يضمها بقوة إليه، تستمع لهمساته وحمده لله، وكم هو كريم في عطاياه، فطفله الذي فقده وحزن عليه، عوضه الله بعده بطفلين.

غادروا عيادة الطبيبة، وهو يمسك يدها ويسير بها نحو سيارته، لتقف مكانها من فرط سعادتها. "هو إحنا ممكن نتمشى شوية يا عامر، الجو جميل أوي." يطالعها، وطالع المكان حولهما، فتسأل وهو يشعر بالقلق نحوها. "أخاف تتعبي يا حياة." ابتسمت وهي تلتقط ذراعه، وتتأبطه، فتوقف عن السير مجدداً. "لو تعبتي، قوليلي علطول." ضحكت مرغمة، وهي تشده نحوها. "عامر أنا كويسة، وأولادك كويسين مش سمعت كلام الدكتورة." توقف مكانه، يسألها بعدم تصديق.

"حياة هو أنتِ فعلاً حامل في طفلين." ضحكت بكل قوتها، حتى شعرت بالألم في معدتها، لا تستوعب الكلمات المتعلثمة التي تخرج من شفتيه، ولا توتره العجيب عليها، عامر السيوفي بقوته وحنكته وأمواله، ما زال تحت تأثير الصدمة، دمعت عيناه مرغماً وهو يجذبها إليه ويسير بها. "كنت خايف ربنا يعاقبني يا حياة، عشان ذنب ابن فريدة، لكن صدقيني مظلمتهاش هي اللي ظلمت نفسها."

توقفت مكانها، ووقفت قبالته ترمقه بنظرات حانية، نظرات جعلته يتوق للعودة لمنزلهم، حتى يخبرها كم هو يحبها. "الراجل اللي ميقولش لمراته، سبب طلاقه من طليقته، يبقى راجل عظيم، أنا واثقة أن السبب كان قوي يا عامر، قوي لدرجة إنك مقدرتش تغفره ليها." والسبب كان قوياً جداً على رجل مثله، رجل عاش طوال حياته يرفع رأسه، ويخشاه الجميع.

عادوا لإكمال سيرهم، ولاول مرة كان يتخلى عن مكانته وعن تعقله، ضحكوا وتوقفوا أمام كل متجر، يشترون أشياء بلا هدف، حتى الأطعمة التي كان يرفض تذوقها أجبرته اليوم على تناولها. عادوا لسيارته، وهو يضحك على حاله وعليها، وقد أغرقت المثلجات ثيابه خاصة هو، بعدما ذابت فوق يديه. "بتضحكي عليا يا مدام، لا وخلتيني أقف آكل من الشارع كمان." تعالت ضحكاتها، وهي تستقل السيارة في المقعد المجاور له. "اتجنن مرة في حياتك يا عامر."

جذبها إليه، يباهتها بقبلة خاطفة، جعلتها تشهق بفزع وتلتف حولها، لا تستوعب ما فعله للتو، احتلت العبث ملامحه وقد بدأ في قيادة سيارته متمتماً وهو يغمز لها. "مش بتقوليلي اتجنن." أنسابت دموعها وهي لا تستوعب ما تخبرها به أروى، عن سقوط شقيقه ودخوله العناية المركزة، جاسر القوي الذي يظنه الجميع لا يمرض ولا يرهقه شيء، سقط في مكتبه أرضاً. "جاسر تعبان أوي يا جنه، تعالي يا جنه، تعالي وقوليله إنك حامل، ليه بتعمل فيا كده."

أغلقت "أروى" الخط، دون أن تنتظر سماعها، فاتجهت خارج غرفتها بخطوات مهرولة نحو مكان جلوس والديها، حتى تخبرهم بحديث أروى، ولكنها وقفت مكانها، تطبق فوق جفنيها بقوة، تتذكر الحقيقة المريرة التي علمت بها، تتذكر قسوته وعدم مجيئه إليها. "لو كان بيحبك يا جنه، كان جالك أول ما رجع من سفره، لو كان جه وخدني في حضنه، كنت ممكن أسامحه، لكن كبرياؤه دايماً بيمنعه."

عادت لفراشها، تدفن رأسها أسفل وسادتها، ترثي حالها وحال قلبها، تقاوم رغبتها القوية في الركض إليه. خرج من المستشفى هذا الصباح رغماً تحذيرات الطبيب له، ولكنه لم يعد يطيق المكوث بالمستشفى، خاصة بعدما علم باشتداد المرض على والده. توقفت سيارة "هاشم" أمام منزل العائلة، وقبل أن يترجل من مقعده ويلتف إليه حتى يساعده، كان يترجل من السيارة ويزيح يده الممدودة من أمامه متمتماً بحدة. "أنا لسه بصحتي يا هاشم متقلقش."

حدق "هاشم" بقله حيلة، يزفر أنفاسه حانقاً مما يفعله ابن عمه بحاله، أسرع في صعود الدرج دون أن يهتم بصوت زوجة أخيه المهللة بعدوته، رغم الحزن الذي أصبح يخيم بالمنزل. وجد عمته، تتجه نحو غرفتها بملامح حزينة، تسبح فوق سبحتها ولم تنتبه على وجوده، شعر بشيء يجثم فوق فؤاده، فاسرع لغرفة والده، ليجد راجي جواره ووالده يتحدث معه بصعوبة، وكلما أخبره عن التوقف، كان "حسن" يشد على قبضة يده. "ما فيش وقت يا ولدي."

علقت عيناه بعينين "جاسر"، فغامت عيناه بالشوق لابنه الغالي وقد ظنه مسافر كما أخبروه وليس في المستشفى بعد المصيبة التي حصلت لهم، بسبب ذلك المتبجح الذي يجلس جوار والده. "رجعت بالسلامة يا ولدي، متعرفش أنا كنت مستنيك إزاي، كنت خايف أمشي قبل ما أشوفك." اندفع "جاسر" نحوه، يقبل كفيه، يهتف برجاء له، ألا يتحدث هكذا. "الموت علينا حق يا كبير عيلة المنشاوي." "هتفضل أنت كبير العيلة دي يا حاج."

ثم رأسه، يقاوم ذرف دموعه، يرمق ذلك الجالس بملامح جامدة، فشعر "راجي" بيد حسن تمسك يده بوهن، فطالعه بقلق متسائلاً. "محتاج مني حاجة." "هاتوا أيديكم يا ولادي." وبأنفاس متقطعة، كان يرفع كفوفهم، يضمهم بكفيه. "أوعوا تفترقوا عن بعض، أنت خلاص عرفت الحقيقة يا ولدي، أخواتك سندك وضهرك، قرب منهم يا راجي." "أنت بتقول إيه يا حاج." ابتلع "جاسر" لعابه، وهو ينظر نحو راجي الذي دمعت عيناه، ثم انسحب من الغرفة.

"راجي أخوك يا جاسر، أخوك من حليمة النعيمي." وهل ينسى اسم هذه المرأة التي أخبره والده عن حكايته معها مؤخراً، حاول الثبات واحتواء يده. "بلاش تتكلم كتير يا حاج." أغمض "حسن" عيناه، ينفذ له رغبته، يخبره بخفوت. "سيبني أنام شوية يا ولدي." طالعه "جاسر" وهو ينهض من جواره بصعوبة، يتحرك نحو باب الغرفة، يشعر بأن أنفاسه تتثاقل مع خطواته.

كان أذان العصر يعلو، فخرجت منيرة من غرفة شقيقها صارخة، جعلتهم جميعهم ينهضون من فوق مقاعدهم وقد ارتجفت أجفانهم وهم يدركون وفاة حسن المنشاوي. *** أنقضت أيام العزاء الثلاثة، وقد أصبح الجميع يعيش في حالة حزن وعزلة، كانت عيناها تبحث عنه، لعلها تستطيع رؤيته والاقتراب منه، فقد حاولت اليومين السابقين أن تكون قربه، لكنها شعرت بالفجوة الكبيرة التي أصبحت بينهما.

اقتربت منها والدتها، وهي ترى التعب الواضح فوق ملامحها، وقد بدأت تشك في أمر ابنتها، خاصة كلما سألتها عن سبب شحوبها والقيء المستمر، تخبرها أن معدتها تؤلمها. "جنه." انتبهت على صوت والدتها، وقد فاقت من حالة الشرود التي أصبحت تلازمها، تنظر إليها. "سمعت من أبوكي، إن جوزك قاعد في بيته التاني يا بنتي، وقافل على نفسه من العصر، روحي لجوزك يا بنتي، الست الشاطرة بتقف جانب جوزها في محنته وترمي ورا ضهرها الزعل."

كانت مقتنعة بحديث والدتها، فهذا ما نشأت عليه، لمعت عيناها بلهفة تتأكد منها. "هلاقيه في البيت." أومأت "صافية" وهي ترى لهفتها، وكيف استجابت لحديثها دون مجادلة. "أبوكِ قالي، لما سألت عنه يا بنت بطني." حثتها والدتها بنظراتها، ودفعتها برفق حتى تذهب إليه، أسرعت في إحكام حجابها فوق شعرها، واتجهت نحو الخارج تبحث عن أحد صغار العائلة، حتى يسير معها للبيت بسبب الظلام بعدما تجاوز الوقت السابعة مساءً.

وصلت للمنزل، تطرق الباب ولكن وجدتهم مفتوحاً، وعلى ما يبدو كان هناك أحداً معها. قتربت من الغرفة تستمع لصراخ "جاسر" بنيرة التي تعالت شهقاتها بعدما أخبرته عن زواجها من راجي منذ شهرين وحملها منه. وضعت كفها فوق شفتيها في صدمة، والتفت خلفها، لتجد راجي يدلف المنزل، وقد خرج هو الأخر من غرفة مكتبه، علقت عيناه بها ولكن تجاوزها متجهاً نحو "راجي" يلكمه بقوة. "حبيت تعاقبنا فيها يا ابن النعيمي."

تراجع "راجي" للخلف، بعدما تمكن من الوقوف، يمسح فوق خده من أثر اللكمة، ينفث أنفاسه بغضب. "أنا ابن المنشاوي زي زيك يا جاسر." كانت الصدمة الأخرى تحتل كيانها، وهي تستمع لعبارات راجي. اشتد العراك بينهم، فوقفت نيرة منزوية على حالها، تضع بيدها فوق أذنيها، أسرعت في الاقتراب منهم بعدما رأتها بهذه الحالة، ووقفت بينهم صارخة. "كفاية يا جاسر، كفاية."

ولكن "جاسر" كان الغضب يعمي عينيه، أزاحها من أمامه بقوة، فسقطت أرضاً تصرخ هذه المرة من الألم. "جاسر أنا حامل." التقطت أذنيه صوتها المتقطع، وقد هتفت بها بعدما وضعت بيدها فوق بطنها، فانحنى راجي لأسفل يلهث أنفاسه ويمسح الدماء عنه. تجمدت عيناه، وهو يراها، تتألم وتضم بطنها بيديها، وقد تلاشى كل شيء حوله واقترب منها يجثو فوق ركبتيه، لا يصدق ما سمعه للتو. ابتسم الطبيب وهو يطمئنه على حالتها للمرة العاشرة، يربت فوق كتفه ضاحكاً.

"إيه يا جاسر باشا، أحلفلك يعني إن المدام بخير." ألقاها الطبيب مازحاً، قبل أن يغادر الغرفة بعدما سمح لها بالخروج وقد طمأنهم على طفلهما. أسرع بالأقتراب منها متلهفاً، فوجدها تشيح عيناها عنه، تزم شفتيها تذمراً. "رجعنا للقمص تاني، تصدقي بالله أنا غلطان أصلاً إني ملهوف عليكي." ابتعد عنها، فاسرعت في التقاط يده. "بدل ما تصالحني، وتدلل فيا لحد ما أسامحك، هو أنت اللي عملته فيا سهل يعني." طالعها بمقت، وقد أغمض عينيه بقوة.

"أنتِ شايفه أنا في إيه ولا إيه يا جنه، المفروض أنا اللي أزعل منك، دخلت المستشفى مجتيش تشوفني، تلت أيام العزا عيني تيجي في عينك، وتهربي مني زي الجبانة، كنت محتاجاك جنبي." يهتف بها، وقد جاورها فوق الفراش، نظرت لملامحه، لتجده مرهقاً للغاية وكأنه يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه. "أنا آسفة يا جاسر، أنت متعرفش أد إيه أنا بتألم عشانك، ولو كان ينفع أشيل عنك شوية كنت عملت كده، أنا مش قليلة الأصل صدقني."

علقت عيناه بعينيها، فجذبها إليه يضمها نحو صدره، مدركاً صدق حديثها. "عارف يا جنه شعورك كويس، لو مكنتش عارفك فعلاً، كنت بعت اللي بينا بالساهل زي ما أنتِ بعتي ومشيتي من غير ما تسمعيني." أرادت أن تتحدث، ولكن وضع يده فوق شفتيها. "خلينا نقفل الكلام في الموضوع ده دلوقتي، وكل حاجة هتلاقي ليها جواب." وطالعها بنظرات قوية، قاصداً كل شيء يريده. "وكلمة طلاق لو طلعت منك تاني، عقابها هيبقى عسير."

ولولا الظروف التي يمرون بها، لكانت انفجرت ضاحكة من وعيده، جاسر لن يتغير أبداً مهما حدث. كانت تطير من فرط السعادة، وهي تشتري كل شيء كهدايا للعائلة، اقتربت منه تريه ما اشترته لكل أفراد العائلة، فضمها إليه يخبرها أن كل ما تنتقيه جميل. حدقت به بعدما ابتعد عنها، فاسرعت بالاقتراب منه تسأله بلهفة. "مالك يا أحمد." تنهد وهو يجلس فوق فراشهما، يطالع ملامحها ثم أشار إليها بالاقتراب منه. "تعالي يا صفا."

شعرت بوجود خطب ما، فتسألت وهي تزدرد لعابها. "نزولنا مصر ممكن يتأجل سنة أو سنتين، الشركة وقفت تاني قرار الفرع." تلاشت سعادتها، وهي تنظر إليه، غير مصدقة تراجعهم في القرار. "يعني مش هننزل مصر خالص." أسرع في احتواء وجهها بين كفيه، ينظر في عينيها وقد ارتسم الحزن فيهما. "كنت عايزة أزور قبر بابا وماما، وأقولهم أد إيه سعيدة وأشوفك معايا." ضمها إليه وهو لا يقوى على استماع حديثها.

"ه ننزل يا حبيبتي، هننزل أجازة نشوف اللي بنحبهم ونرجع، صفا أنا محتاجك معايا هنا." حاولت نفض الدموع العالقة بأهدابها، فهي تعلم بطبيعة عمله، وقد وافقت على الأمر من قبل. "المهم هننزل وخلاص حتى لو أجازة." ابتسم وهو يرى تقبلها لما حدث، وعاد لضمها مجدداً. "وهنروح المزرعة وأوعدك نركب خيل يا صفا." ابتعدت عنه غير مصدقة ما يخبراه به، هل سيعود لهويته المحببة بعدما هجرها لسنوات من أجلها. "بجد يا أحمد."

وهو كان غارقاً في عينيها، يهمس لها بعشق. "نفسي يبقى عندنا بنت نفس عيونك يا صفا." ضحكت "ناهد" بقوة وهي تستمع لتحذيرات ولدها الذي تراه قد أصابه الجنون، منذ أن علم بحمل حياة. "كفاية حركة، أنتِ مش شايفه نفسك من الصبح بتتحركي." "بتحرك من الصبح يا ظالم، ده انت عامل عليا حصار." طالعها بملامح قاتمة، ينظر لوالدته وقد أخذت تضحك دون حديث. "شايفه بترد عليا إزاي، فين دروسك العظيمة يا ناهد هانم."

اتجهت أنظار ناهد نحوها، بعدما اختفى صوت ضحكاتها، واتسعت ابتسامتها. "دروسي خلاص خلصت، وعرفنا نروض الوحش اللي جواك." طالعهم بنظرات قوية، يقلب عيناه بينهم، لا يصدق إنه أصبح بينهم كالكرة يتلاعبون به. "روضنا نص الوحش بس، فاضل النص التاني يا ماما." هتفت بها حياة، فاحتدت عيناه، ينظر لتلك التي أخذت تضحك وقد شاركتها والدته الأمر. "بتتفقوا عليا يعني."

ترك لهم الغرفة بملامح غاضبة، فعُلقت عيناها به غير مصدقة غضبه، وقد ظنوه بدأ يتقبل المزاح. "روح يا بنتي، وراضي بكلمتين." أسرعت خلفه، تشعر بالتوتر، تفكر كيف تسترضيه، فهو أصبح صعب المراس. دَلفت للغرفة، تبحث عنه بعينيها، فصرخت في ذعر وهي تشعر بذراعه تحيط خصرها، يهتف بوعيد عابث. "الوحش بقى اللي روضتي يا حياة، هياكلك لحد ما يشبع."

اجتمع الجميع مترقبين هذا الجمع العجيب، الذي أصر عليه جاسر هذا اليوم، تلاقت عيناه بأفراد عائلته، والكل أخذ يحدق به منتظرين بما سيخبرهم به كبيرهم. "بعضكم أو الكل سمع، إن الحاج حسن المنشاوي رحمه الله." هتف الجميع، بعدما رفعوا كفوفهم يترحمون عليه ويذكرون محاسنه، فاردف جاسر وهو يركز بعينيه نحو راجي الذي نهض عن مقعده وتقدم منه. "الحاج حسن، له ابن من صلبه من زوجته الخليجية السيدة حليمة النعيمي رحمها الله."

تعالت أصوات الجميع، فعلى ما يبدو أن ما سمعوه صحيحاً، الحاج حسن كان لديه ولداً آخر وقد تأكدوا من صحة الحكاية. "وعشان رابط العيلة يفضل مستمر وفي وصال ديما، راجي طلب إيد نيرة للجواز." طالعهم الجالسين في صمت، ومن نظراته القوية كانوا يعرفون إنه ينتظرون تأكيدهم على قراره.

تحركت "نيرة" نحو الغرفة المجتمعين بها، بعدما استمعت لقرار موافقتهم، كانت تشعر بالغضب، فلم تعد تريد هذا الرجل، بعدما اكتشفت أنها لم تكن إلا لعبة في يديه، ولديه زوجة أخرى غيرها. وقفت مكانها، تنظر لتلك اليد التي وضعت فوق كتفها، لتلتف ببطء، تنظر نحو "جنه". "لو طلعتي واتكلمتي، هتخسري نظرة أهلك ليكي وهتخسري جاسر يا نيرة." وبضعف لأول مرة كانت تظهره، لتلك المخلوقة التي كرهتها دوماً، وسعت على دمار حياتها.

"مش هقدر أعيش معاه يا جنه." وعلى بعد، كانت تقف هدى، تشعر بالصدمة وهي ترى شقيقتها في أحضان جنه والأخرى تضمها إليها تواسيها، وقد بدأت الشكوك تقتحم عقلها. *** زيجة صامتة بلا عرس، كما لم تكن تتمنى يوماً، تمنت أن تكون عروساً جميلة تحسدها جميع النساء على زيجتها وجمالها، ويتحاكوا عن تفاصيل عرسها لسنوات. ارتسمت ابتسامة متهكمة فوق شفتيها، فالعرس بالفعل سيتحدثوا عنه لسنوات ولكن بشفتي ممتنضة، مشفقين عليها.

أنسابت دموعها وهي تنظر نحو شقيقتها "هدى" التي أشاحت عيناها عنها، لا تستوعب حتى هذه اللحظة ما فعلته بحالها ولولا "جاسر" و"جنه" وأيضاً زوجها احتفظوا بسرها وأسرعوا في إتمام هذه الزيجة من أجل من جمع الترابط بين الأشقاء، لكن جميع أهلهم وأهل البلدة قد شكوا بالأمر. "مش هتحضنيني يا هدى." قاحتها هدى بنظرات غاضبة، وحزينة. "خيبتي أملي فيكي يا نيرة." وأنسابت دموعها، تشعر وكأن الجميع يعلم بعار شقيقتها.

"ليه تعملي في نفسك كده، كان ناقصك إيه عشان تتجوزي في السر، وتتذلي وتحطي راسك في الأرض وتكوني زوجة تانية." "كفاية يا هدى." "هو فعلاً كفاية يا نيرة، وكويس إنه هياخدك معاه الإمارات بعيد عننا، على الأقل تداري عارك بالطفل اللي بطنك." وهتفت متهكمة بنبرة مهمومة. "كويس إن بطنك لسه مظهرتش، كانت سيرتنا بقت على لسان الناس طول عمر." تعالت شهقاتها، لا تعرف لأول مرة كيف تدافع عن حقها.

"مش عارفة أرد عليكي، عارفة ليه عشان حاسة بعارك يا بنت أم وأبويا." خرجت "هدى" من الغرفة، قبل أن تتحدث بحديث آخر أشد قسوة. دَلفت جنه الغرفة تشعر بالشفقة عليها، فقد أتت حتى تستعجلها بعدما تأخرت هدى في غرفتها، وقد استمعت لبعض الحديث بينهم. طالعتها "نيرة" وهي تمسح دموعها حتى لا يرى أحداً ضعفها متمتمة. "أنا جاهزة." وقفت "صفا" أمام قبر والديها، ثم جثت فوق ركبتيها تمسح فوق قبرهما، وقد غشت الدموع عيناها وأنسابت بغزارة.

"وحشتوني أوي." بكت بقوة بعدما لم يعد لديها قدرة على النحيب في صمت، أسرع في التقاطها من فوق الأرض يضمها لصدره وقد دمعت عيناه تأثراً. "كفاية يا صفا، ادعيلهم يا حبيبتي." "وحشوني أوي يا أحمد، قولهم يرجعوا." احتواها بحنان، لا يعرف كيف يخفف عنها، تركها تبكي حتى كفت عن البكاء وابتعدت عنه. "بابا، ماما، ده أحمد جوزي، شوفتي يا بطوط أه اتجوزت راجل زي الحكايات، كنتِ بتريقي عليا لما أقولك أنا مستنية بطل يكون ليا لوحدي."

ابتسم مرغماً وهو يمسح عنها دموعها، وقد أخذت تقص عليهم حكايتها معه. ضمها إليه وهو يغادر المقبرة، فالتفت برأسها نحو قبرهما، تضع بيدها فوق بطنها تخبرهم في حديث صامت، عن حملها لطفلاً في أحشائها، وهم أول من يعلموا بهذا الخبر السعيد، حتى يفرحوا بحفيدهم القادم. استقبلهم عامر بحفاوة، وهو لا يصدق إنهم جعلوا عودتهم المؤقتة مفاجأة لهم. "كده متقوليش عشان أجي أستقبلكم في المطار."

ربت "أحمد" فوق ظهره، وهو يضمه إليه يخبره عن مدى شوقه له ولوالدته والقصر. "حبيت أعملها ليك مفاجأة يا عامر." أسرعت "حياة" بخطواتها إليهم، بعدما علمت من الخادمة بقدومهم، وقبل أن تتقدم منهم كان يهتف صارخاً. "برضوه بتجري، أنا مش عارف هتخافي عليهم أمتى." تعالت ضحكات "صفا" وهي تقترب منها، تضمها بعدما هتفت مازحة. "أنا قولت الوحش الكامن داخل عامر بيه، زمانك قدرتي عليه." "هو حد يقدر عليه برضوه."

هتفت بها "حياة" وهي مستاءة، بسبب أفعاله الجنونية وصراخه الدائم عليها، كلما تحركت. "حياة." تمتم بها محتقن الوجه، وكأنها أضاعت هيبته أمام شقيقه وزوجته، انفجر أحمد ضاحكاً. "يا باشا هيبتك موجودة متقلقش." صدحت ضحكاتهم عالياً، فدمعت عينين ناهد وهي تقترب من مكان وقوفهم وترافقها مرافقتها، تهتف بشوق وهي تمد يديها أمامها نحوهم. "أحمد."

التقط منها طبق الطعام، الذي وضعت فيه كل ما يشتهيه، طالعها بنظرات ممتنة محبة، فرغم غضبه وحديثه الحاد الذي حادثها به منذ دقائق، لا تتذمر، أو تعبس بوجهها. شعر بالانتشاء، وهو يرى نظرات شقيقه لهم، وتذمره وهو يطالع زوجته التي انشغلت في تناول الطعام، بعدما أخبرته إنها بالفعل جائعة. "أرجوك يا حياة علميها شوية دروس، في التعامل مع الزوج، بدل ما هي ما شاء الله مش شايفة قدامها غير طبق الأكل."

ضحكت السيدة "ناهد" على حنق ابنها الأصغر، لا تصدق أن أولادها أصبحوا يتذمرون على أبسط الأشياء مع زوجاتهم وكأنهم لا يريدونهن إلا لهم وحدهم. "أنا يا أحمد مش بهتم بيك، هو ده اللي تقصده مش كده." امتعضت ملامح "صفا" وهي تهتف به، كما امتعضت ملامح عامر وهو يرى زوجته تندفع نحو شقيقه وتصنع لهم طبقاً كما صنعته له، التقط ذراعها ينظر إليها متمتماً بضيق تحت نظرات أحمد الذي انفجر ضاحكاً. "مش عنده مراته، خليها تهتم بيه."

"وفيها إيه يا عامر." "مالك يا باشا بس، مش هناكل المدام والله." تعالت ضحكاتهم ما عدا "عامر" الذي احتقنت ملامحه. "مفيش دم خالص، يا صفا هانم." طالعته "صفا" وهي تحشر الطعام بفمها، تحرك رأسها نافية، تهتف بحنق وهي تضع لقمة أخرى. "جوعانة أوي يا أحمد." كان يشعر بالدهشة من جوع زوجته العجيب عليه، فالتقط كأس الماء، يقربه منها. "طيب براحة يا حبيبتي، أحطلك إيه تاني في طبقك."

أخذ يضع لها الطعام، بعدما أدرك بالفعل إنها جائعة، زال عبوسه وصب كل اهتمامه عليها. طالعتهم "حياة" بنظرة دافئة، فتلاقت عيناها بعينين عامر، الذي التقط كفها يلثمه بحب. "تسلم إيدك يا حبيبتي." ورغم إنها لم تعد تساعد الخادمات بالمطبخ، إلا بالإشراف فقط، ولكنه بات يمتدح الطعام يومياً.

ابتسمت ناهد وهي تستمع لكلمات الحب والضحكات بين أولادها وزوجاتهم، ولم تكن تظن أنه سيأتي يوماً ويجلسون هكذا وستجمعهم مائدة طعام سوياً يسودها الدفء. تقافزت بسعادة أمام الفرس الجميل الذي أخرجه لهم العامل، كما أمره سيده، اسرعت في وضع يدها فوقه، ولكن الفرس أخذت ترفع قدميها وتصدر صوت صهيله. تراجعت للخلف خائفة، بعدما كان الحماس يعتلي ملامحها. "حبيبتي متخافيش، هو بس مش متعودة عليكي."

قربها منها برفق، فتراجعت ثانية بعدما دب الرعب في قلبها. "ما هي مش خايفة منك، اشمعنى أنا." "قدرات يا حبيبتي." يهتف مازحاً، فرمقته ممتنضة، فهتف ضاحكاً. "بقيتي علطول متذمرة يا صفا هانم." "أحمد." وبهمس خافت هتفت اسمه، تخبره بوداعه وهي تسبل أهدابها. "خلينا نتمشى، أنا خلاص مش عايزة أركب خيل."

ولكنه كان مصراً على تنفيذ الأمر واصطحابها في جولة داخل المزرعة، صعد فوق الفرس وأجتذبها يضعها أمامه، كان يتحرك برفق وفور أن بدأت خطوات الفرس تزداد صرخت خائفة وهي تلتف نحوه وتلتقط قميصه متشبثة به. "صفا، أنا كده مش هعرف أتحكم في لجام الفرس." "نزلني يا أحمد، نزلني أنا خايفة."

أوقف الفرس، واسرع في الهبوط منه ثم حملها، فاغمضت عينيها وهي تشعر ببعض التقلصات، التي أخذت تزداد ولم تعرف من أين يأتي الوجع، تعلى نحيبها في صدمة، فقد حذرتها حياة من ركوب الخيل وأخبرتها إذا علم أحمد بالأمر، فلن يستمر في الركض بها هنا وهناك حتى يستمتعون بأجازتهم الصغيرة. اتججه بها نحو المنزل، رغم طول المسافة التي قطعوها. "صفا إيه اللي حصلك، ما أنتِ كنتِ كويسة."

لم تستطع إخباره، فلو علم بالأمر وأنها لم تخبره، سيغضب عليها بشدة، وضعها فوق الفراش وقبل أن يخبرها إنه سيهاتف عمتها حتى تأتي إليهم، كان ينتبه على الدماء التي عُلقت بقميصه ويديه، ينظر إليها بذهول متسائلاً. "إيه ده؟ والجواب كان واضح، وهو يراها تضع بيدها فوق بطنها دون إجابة. غادرت السيدة "صافية" من غرفة ابنة شقيقها، وقد أحزنها فقدانها للطفل، اقتربت منه وهو جالس فوق الأريكة بالطابق السفلي يطرق رأسه أرضاً.

"اطلع لها يا بني، من ساعة ما رجعنا من المستشفى بتسأل عليك." طالعها "أحمد" بنظرات صامتة، فجلست جواره تربت فوق كفه الموضوع فوق ساقه. "صفا طيبة وغلبانة، هي يمكن متهورة شوية في تصرفاتها بس مفيش أطيب منها." ظل صامتاً، يستمع لكلمات السيدة "صافية" التي نهضت وقررت الرحيل، بعدما منحته بعض السلام من حديثها الطيب. صعد إليها، وقد بدأ يشعر بتوازنه، وفور أن دلف للغرفة كانت تعتدل من فوق الفراش بلهفة، تمسح دموعها.

"أنا آسفة يا أحمد، أنا مكنتش عايزة أقولك، بس أنت كنت خلاص حجزت تذاكر الطيارة." وأطرقت رأسها في بؤس، تهتف معللة، تتمنى مسامحته على إخفائها عنه لأمر حملها. "كنت عايزة أنزل مصر، كنت مشتاقة ليهم أوي، كنت عايزة أقولهم أد إيه أنا سعيدة." هتفت عباراتها، وقد تعالت شهقاتها من شدة الألم، فاقترب منها يضمها إليه بعدما رأى انهيارها. "لما شفت الدم، خوفت أخسرك زي ما خسرتها يا صفا."

توقفت عن البكاء، بعدما ألجمها حديثه، ابتعدت عنه، تنظر نحو ملامحه الجامدة الشاردة. "زعلي منك عمره ما هيكون أكبر من خوفي عليك." علقت الدموع بعينيه، فاسرع بإشاحة عيناه عنها بعدما أطبق فوق جفنيه بقوة. "مشهد موت مها مش قادر أنساه."

وقد عاد المشهد وعادت الذكريات لتخنق روحه، نفس المكان ونفس الوقت، "مها" تركض بالفرس وهو يركض خلفها حتى يلحقها بعدما فقدت التحكم في لجام الفرس، تصرخ باسمه حتى يلحقها ولكن الأوان قد فات، وارتطم الفرس بالسيارة الكبيرة وسقطت في بحر دمائها. أسرعت في ضمه إليها، تشاركه حزنه في صمت، غادر الغرفة بعدما لم يعد يتحمل المكوث أكثر فيها، حتى إنه لم يعد يتحمل وجوده بالمزرعة التي جاء إليها من أجل أن يحقق لها رغبتها.

انتظرته طويلاً، وقد اقترب وقت بزوغ الشمس، فتحركت بالغرفة بصعوبة تشعر بالقلق وقله الحيلة، وخاصة بعدما أغلق هاتفه، التقطت هاتفها لتهاتف "عامر" فلم يعد لديها قدرة على الانتظار أكثر ولكن قبل أن تضغط على زر الاتصال، كانت تجده يدلف وثيابه متسخة بعض الشيء. اندفعت إليه باكية. "وعدتني إنك مش هتسيبني، ومش هترجع للماضي تاني، لو زعلان مني أنا آسفة، عاقبني لكن متعاقبش نفسك."

احتواها بين ذراعيه، يشم رائحتها التي تنسيه كل شيء، وبرفق كان يبعدها عنه يخبراه بحنان. "أنا كويس يا صفا، كنت محتاج بس أفضل لوحدي شوية." "لا أنت مش كويس يا أحمد." علقت عيناه بملامحها الذابلة، ودموعها التي استمرت في الهطول فوق خديها، يرفع كفيه يمسح عنها دموعها. "كفاية عياط، ولا أقول كلمة زنانة، مع قماصه ونكده."

يهتف بمزاح حتى يخفف عنها، ويجعلها تصدق إنه بخير، تجمدت جميع حواسه وهو يشعر بشفتيها فوق شفتيه، طالت قبلتهما التي شعر فيها بأن أوجاعه تنخمد، وكأن قبلتها هي الترياق الذي أعاد إنعاش روحه، ابتعد عنها بأنفاس لاهثة يضع جبينه فوق جبينها، يتأمل ملامحها الجميلة ويضغط بيديه فوق خصرها. "أنتِ أحلى حاجة حصلت ليا يا صفا." توقفت أمام الشرفة، تنظر لمياه النيل التي تطل عليها شقته في العاصمة. اقترب منها يضمها لصدره متمتماً.

"إيه اللي مصحيكي بدري." شعرت بيديه تمسد فوق بطنها، فالتفت إليه تمنحه صباحاً جميلاً في قبلة خاطفة وضعتها فوق خده. "حسيت بقلق شوية، ولقيت الجو جميل قولت أقف أستمتع شوية بالمنظر." داعب أرنبة أنفها بإصبعه، يجذبها إليه أكثر. "أوعي تكوني بتكدبي عليا يا جنه، وتكوني تعبانة." تعالت ضحكاتها، وهي تراه ينتظر سماع جوابها بلهفة. "جاسر، بلاش قلقك الزايد."

لطمها فوق جبهتها بخفة، يتذكر إذا لم يهتم بها تحزن وتتذمر، وإذا صب اهتمامه عليها تضجر منه. "والله يا حبيبتي أنا مش عارف، أنتِ عايزة إيه." "عايزاك تفسحني، أنت مش جايبني هنا عشان أفضل قاعدة في الشقة لحد ما تخلص شغلك." وأطرقت رأسها في أسى، تتذكر رحيل ابنة خالها ليلة أمس. "صفا خلاص مشيت، ومش هلاقي حد أتسلى معاه." تعالت ضحكاته، وهو يرى تذمرها. "هو إحنا هنعيش هنا طول العمر، إحنا راجعين البلد بعد أسبوع يا حبيبتي."

صاحت وهي تتقافز أمامه، كالبهلوان، فقبض فوق كتفيها يثبتها مكانها. "يبقى تفسحني طول الأسبوع، وننزل نجيب الطلبات اللي طلبتها مني أروى." وبنبرة محذرة، كانت تهتف. "كله وطلبات أروى، دي تفضحني وتموتني." وبحب كان يضمها إليه مجدداً، يخبراه بموافقته نحو كل ما تريده. "حاضر يا حبيبتي." وسرعان ما كان يفيق من هدوئه وهو يجذبها للداخل، بعدما نظر في ساعة يده. "شوفي عمالة ترغي كتير، ومخلتنيش أقولك أنا عايزك في إيه."

وهل ابن المنشاوي يريدها إلا في مواضيعه الهامة للغاية. غمز لها عبر المرآة بعدما وقف يهندم من قميصه، ويربط عنقه، فتوردت وجنتاها خجلاً وهي تتحاشى النظر إليه، فأنفرجت شفتيه في ضحكة قوية. "لو مكنتش عندي اجتماع مهم بس." غادر، بعدما وضع فوق جبينها قبلة سريعة، فاستطحت فوق الفراش، تضع بيدها فوق قلبها، لا تصدق تلك السعادة التي باتت تعيشها معه وبين ذراعيه. بعد مرور بضعة أشهر، في داخل إحدى المستشفيات الخاصة الكبرى.

خرج "عامر" من غرفة العمليات بأعين دامعة، بعدما رأى صغيريه وحملهما، أسرع رجب إليه بلهفة، ومن نظرته علم أن شقيقته وضعت صغارها. "مبروك يا عامر، يتربوا في عزك يا باشا." ربت "عامر" فوق كتفه، يشكره.

تلاقت عينين سناء به في حقد، تشيح عيناها عن المشهد، فلم تتخيل يوماً أن تصبح حياة هكذا، زوج يحبها بل لم يتركها حتى في غرفة العمليات مصمماً أن يكون معها هذه اللحظة، تلد في أفخم المستشفيات، وتنجب ولدين وتعيش في عز لو غرفت منه لن ينتهي. كان الحقد يتأكلها، تعض فوق شفتيها بقوة، تطالع لهفته وهو يتجه نحوها بعدما خرجت من غرفة العمليات واتجهت نحو غرفتها بالمستشفى.

حمل "جاسر" صغيرته الجميلة، ينظر إليها غير مصدقاً إنه يحمل قطعة منه بين ذراعيها. اقتربت منه "أروى" تلتقطها منه، كما حاول البعض، لكنه أخفى منها صغيرته، انفجر الجميع ضاحكين. "يعني أنا هاكلها يا جاسر، ما تقولي حاجة لجوزك يا جنه." طالتهم بإرهاق، تنظر إلى زوجها بعنفوان وهيبته، وكيف صار كطفل صغير، وهو يحتوي صغيرتهم. "الكبير خايف على بنته مننا، إيه يا كبير المنشاوي مش هتخليني أشيل بنتك."

هتفت بها "فاخر"، فاعطاها له، فاحتقنت ملامح أروى. "كده يا جاسر، شايفه جوزك يا جنه." ضحكت "جنه" بخفوت، فضحكت السيدة "صافية" وهي تنظر إليهم، وتنظر إلى ابنتها، تدعو لها الله، أن يديم عليها هذه السعادة. علقت عينين صابر بحفيدته، وهو ينهض عن مقعده يلتقط منهم الصغيرة هاتفاً. "هاتوا حفيدتي، تعالي يا أروى خدي شيليه." تهللت أسارير أروى والتقطت الصغيرة من عمها، فدلف "هاشم"، ينظر نحوهم بعدما استمع لصياحها بهم. "مين مزعل مراتك."

"شفت يا هاشم، مكنوش راضيين أشيل رهف." "بكرة مش هنخلي حد يشيل ولادنا يا حبيبتي." تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، واقترب منها يلصقها به، فعلقت عينين أشقائها بها. "ابعد إيدك عنها." وهاشم يهتف صارخاً بهم، فانفجر الجميع ضاحكين بقوة. "والله مراتي، إيه المعاملة الوحشة دي، يا ولاد حسن المنشاوي." خرج الجميع من الغرفة أخيراً، فاقترب منها بلهفة يزفر أنفاسه براحة. "يااا أخيراً بقينا لوحدنا." "مبسوط يا جاسر."

طالعها بسعادة وهو يلتقط كفيها يلثمهما. "أنا أسعد راجل في الدنيا يا جنه." اتسعت ابتسامتها، وهي تطالعه، لا تصدق إن هذا الرجل بقوته ومكانته، زوجها وحبيبها. "بحبك." "بحبك، ودلوقتي كمان، ده أنتِ جبارة يا جنه." ضحكت مرغمة وهي تستمع لكلماته التي فهمت مغزاها، فقربها منه برفق. "هنجيب فارس أمتى بقى." وقبل أن تبعده عنها وتهتف باعتراض، كان يخرسها بطريقته، هامساً بحب وهو يبتعد عنها.

"هدفنا الجاي هو فارس، ويمكن نسجل هدفين مرة واحدة." وسرعان ما كانت تتعالى ضحكاته، وهي تدفعه عنها صارخة به. اتسعت ابتسامة "صفا" بعدما انتهت محادثتهم مع أفراد العائلة، أغلق "أحمد" حاسوبه مبتسماً هو الآخر يضمها إليه، يمسد فوق بطنها. "ولاد عامر وبنت جنه خطفوا قلبي، عقبالنا يا حبيبتي." ابتعدت عنه، تشعر بالشوق لتلك اللحظة التي ستصبح فيها أماً. "هكون أم حلوة صح."

وأخذت تخبره عما ستفعله مع صغيرها الذي اختارت اسمه على اسم والدها، فاتسعت ابتسامته وسرعان ما كان ينفجر ضاحكاً. "إيه كل الأحلام دي، اللي مستنية تحققيها معاهم." مطت شفتيها في استياء، تجذبه من قميصه بطريقة شرسة. "من غير اعتراض، هتنفذ كل طلباتي." تعالت ضحكاته، وهو يبتعد عنها. "مش عارف ليه بقيتي شرسة يا صفا، هو أنتِ حامل في نمر مفترس." تجهمت ملامحها، وهي ترمقه بتوعد وعادت تقترب منه بشراسة، فانسحب من جوارها.

"كل أوامرك وأوامر حسن باشا هتتنفذ بالحرف." استرخت ملامحها، وتسطحت فوق الأريكة تفرد ساقيها، طالعتها وهي تلتقط حبات الفواكهة تلتهمها، وتلوح له بيدها الأخرى. "أبعد كده خليني أتفرج على التلفزيون، المسلسل بدأ خلاص." صدح صوت التلفاز مع أحد المشاهد القوية، ليبتعد من أمامها، يطالع المشهد الدموي في صدمة. "مصاصين دماء يا صفا، وأنا بقول ليه التوحش ده."

وعند كان يغلق لها التلفاز، مقترباً منها حتى ينهضها من فوق الأريكة ولكنها كانت هي من تجذبه إليها تهمس له بوداعة، بعدما تقلب مزاجها وعادت تشتهيه. "هو أنا قولتلك إني بحب النهارده." ضحك مرغماً من تقلبها الذي أصبح لذيذاً وممتعاً، يهمس لها. "وكمان بقيتي مجنونة يا حبيبتي." والجنون قد أصبح شيئاً أساسياً في حياته، بل أصبح هو طعم الحياة بينهم. *** تمت بحمد الله بقلم (سهام صادق)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...