لا تعرف متى وكيف كان قريبًا منها للغاية. أنفاسه تلفح صفحات وجهها، يبتلع لعابه ببطء، ينظر إليها بنظرة كانت غريبة عليها، ولكنها جعلتها تشعر بالحرارة تحتل سائر جسدها. أغمضت عينيها، لا تقوى على قربه ولا النظر في عينيه. وبصعوبة كان يهمس وهو يرفع كفه يمسح به فوق خدها ببطء: -أنتِ جميلة قوي يا صفا.
سلبت كلماته أنفاسها، فتسارعت دقات قلبها. فتحت عينيها بتمهل، بعدما شعرت بأنها لا تقوى على لمساته. رآها تنظر إليه بنظرة كانت شبيهة بتلك النظرة التي كانت تخصه بها حبيبته الراحلة. انتفض عنها بعدما شعر بفقدانه لسيطرته على مشاعره. خرج من الغرفة بخطوات سريعة، وكأنه يهرب من شيء ما. ولكن الحقيقة كانت واضحة بالنسبة إليها، بل مؤلمة. إنه يهرب منها وحدها. ***
جففت جبينها بإرهاق من شدة إعيائها، تنظر نحو الدلو وقد بدأ جسدها يؤلمها. ولكنها تحاملت على نفسها، وأكملت مهامها. أكملت تنظيف المنزل ومسحت الأرضيات. عادت تجفف حبات عرقها، فاقتربت منها نساء. تنظر للمنزل بنظرات فاحصة، حتى ارتسم الرضا فوق ملامحها. ولكن سرعان ما احتلت الاستياء ملامحها. -ما أنتِ زي القرده أه، أومال ليه كنت عاملالي فيها تعبانة. وأردفت بتهكم، رغم أنها ترى المرض ظاهرًا على ملامحها:
-ما كانش دور برد ده اللي عايزة تقضي فيه في السرير، ولا أنا على كده جبل، شايلة عنك كتير. -ربنا يديكي الصحة يا سناء. هتفت بها "حياة" وهي تتجاهل كلماتها. امتقعت ملامح "سناء" وهي تستمع لعبارتها. فالماكرة تريد أن تكون بصورة الملاك، وتظل هي الشريرة. -خديني بكلمتين يا أختي، يلا أنجزي وخلصي مش هنقضي طول اليوم تنضيف، ولا عايزة أخويا مسعد يجي يلاقي البيت يضرب يقلب، والأكل لسه مخلصش.
-معلش يا سناء هخلص أه، ما أنتِ عارفة غسيل الهدوم أخد اليوم كله. نظرتها "سناء" بضيق، فهي لا تريدها صامتة هكذا. تريدها أن تفتعل شجارًا معها، لعلها تستطيع التخلص منها. وبحقد لمع في عينيها، ألقت عبارتها وهي تنتظر تلك المرة أن ترى ثورتها وغضبها. حين تعلم بالقرار الذي اتخذته هي وزوجها وسيأتي شقيقها اليوم من أجل هذا القرار. -مسعد هيقرأ فتحتك النهارده مع رجب. هو رجب ملقيش.
سقط دلو الماء من يدها، فاغرقت المياه الأرضية. صرخت سناء بضيق غير عابئة بشحوب ملامحها، ولا نظراتها التي فاضت بالصدمة والألم. وبأنفاس أصبحت ثقيلة تساءلت: -رجب وافق على مسعد! و"سناء" تمنحها الجواب بنظرات شامتة، وهي سعيدة بقرب الخلاص منها. ***
ظل عقلها شاردًا، بأحداث الليلة الماضية، وكيف خرج من غرفتها سريعًا وكأنه يهرب منها. حتى إنه لم يرغب بتناول وجبة العشاء معها. رغم إنهم مؤخرًا اتفقوا على تناولها سويًا، ما دام إقامتهم مستمرة حتى ينتهي هذا العام. فلن يظل كل منهما يتعامل مع الآخر وكأنه غريب. جلست فوق الأريكة في صمت، تستعجب دعوته لها في غرفة مكتبه، وقد تركها معتذرًا منها حتى ينهي مكالمته.
نهضت عن الأريكة، بعدما طالت عودته، وسمحت لنفسها بتأمل الكتب المرصة فوق الأرفف. تعجبت من كمية الكتب وأخذها الفضول لتلتقط البعض. تنظر داخلها. ابتسم وهو يتجه نحوها، يراها تنظر ممتعضة لكتاب باللغة الإنجليزية، وقد أصبحت تسبب لها عقدة. -مش عاجبك الكتاب يا صفا؟ سألها مازحًا وهو يري امتعاضها، ويلتقط منها الكتاب ليعلم السبب. -مقلقتيش بتوتر، وهي تسمعه يقص لها عن الكتاب، ومن حديثه كان الكتب كنزًا ثمينًا يجب عليها قراءته.
-حقيقي أنا برشحه لكِ تقريه يا صفا. أطرقت رأسها خجلًا وهي تمنحه الجواب، الذي تغافل عنه: -بصراحة مش هعرف أقرأه، أنا كويسة في الألماني بس الإنجليزي لأ، بصراحة لغتي فيه ضعيفة شوية وممكن تقول شوية. ابتسم على عبارتها، فقد أصبحت تجعله يبتسم من حديثها الذي لا تتصنعه. وضع الكتاب جانبًا، والتقط كتابًا آخر. -تحبي تقرأي شعرك؟ كان الكتاب عبارة عن دواوين شعر. راقبها وهو ينتظر جوابها، فوجد السعادة تلمع في عينيها. تومئ
له برأسها وتشاكسه بالحديث: -بس ياريت يكون مترجم، ما أنا مش لسه هترجم سطر سطر. صدحت ضحكته التي أصبحت تتعجبها منه في الآونة الأخيرة. -لأ متخافيش يا ستي أنا هترجم لكِ وهقرأه لكِ كمان. ويا للصدمة! حبيبها يقرأ شعرًا عن الرثاء. أغمضت عينيها وقد ضاعت آمالها، فقد ظنته ديوانًا عن الغزل. وبصوت خافت أخذت تحدث نفسها: -رثاء، أحلامك كلها ضاعت يا صفا. ***
اليوم هو قدوم عمتها وعمها من العمرة. كانت السعادة تعم المنزل الكبير والكل يستعد لاستقبالهم. ورغم السعادة التي ملأت قلبها لعودتهم، إلا أن الألم من حين لآخر كان ينغز قلبها. فتلمع الدموع بعينيها وهي ترى حالها منبوذة بينهم. فالجميع ذهب بالسيارات لاستقبالهم ولم تبق إلا هي بالمنزل بين الخدم تساعدهم في الطهي والأمور العالقة، وكأنها غريبة عنهم ولا حق لها في أن تشاركهم شيئًا. علقت الدموع بعينيها. ورغمًا عنها كانت تنساب فوق خديها وسرعان ما كانت تتمالك حالها تمسح عنها دموعها. تنظر نحو إحدى السيدات
العاملات في المنزل: -عنك يا خالة هنية، هاتي أكمل عنك. لطمت العمة "هنية" صدرها، وهي تراها تحاول أن تلتقط منها إناء الطهي. وللحقيقة هم لا يجعلونها تفعل شيئًا، لأنهم لا يرونها إلا سيدة في هذا المنزل وزوجات كبير العائلة ببلدتهم. -لا يا ست جنة، متودينيش في داهية يا غالية أنا وصالحة هنخلص كل حاجة قبل الحاج والحاجة ما يوصلوا بالسلامة. -وفيها إيه يا خالة هنية، هو أنا مش زي صالحة بنتك؟ خليني أساعدكم أنا قاعدة فاضية.
ألحت في طلبها، حتى قبلت العمة "هنية" عرضها بصعوبة. ابتسمت "جنة" وهي تحمل عنها الإناء وتضعه فوق الموقد. ولكن سكنت مكانها وهي تستمع لسؤال "صالحة" ابنة هنية عن سبب عدم ذهابها معهم: -هو انتي مروحتيش ليه مع جاسر بيه جوزك يا ست جنة؟ فاخر بيه أخد معاه الست هدي وكمان اروى. اشمعنى انتي؟ زجرتها والدتها بعينيها، بعدما رأتها تتدخل فيما لا يخصهم: -مالكيش صالح باللي بيحصل يا صالحة، اسكتي خالص وخليكي في شغلك وريني همتك.
-هو أنا قولت حاجة يا أما؟ أنا بس بسأل الست جنة. تجاوزت "جنة" سؤالها، فبماذا ستخبرها؟ هل ستخبرها أن السيد جاسر لا يراها زوجة وأنها لا تقل شيئًا عنهم. اتجهت نحو السكين تلتقطه حتى تكمل تقطيع الخضار وعلى وجهها ابتسامة واسعة تخفي خلفها قهرها. -ها هنعمل إيه تاني، قبل ما يجوا من... كادت أن تكمل عبارتها، إلا أنها وجدت كل من يعمل بالبيت يركض بعدما استمعوا لطلقات النار وصوت السيارات يعلو خارجًا.
انتفضت مذعورة، وسارت نحو الخارج مثلهم، حتى تطالع ما يحدث. وقفت تنتظر عمها وعمتها بفرحة وقد تقدمت عن الخدم، بعدما شعرت بالحرج بوقوفها بعيدًا منزوية بحالها. بهتت ملامحها، وقد ألجمها ما تراه. زوجها يسير برفقة ابنة خالته التي تسعى جاهدة لتتزوجها حتى لو ستكون زوجة. تركها تتباطأ ذراعه غير عابئ بها ولا بنظرات الخدم إليها.
ابتلعت غصتها، واشاحت عيناها بعيدًا عنه. فانتبهت على صوت عمها عبدالرحمن الذي تقدم منها، يمد لها يده حتى يصافحها، بعدما طردها أشر طردة عندما جاءت تطلب مساعدته. -أهلاً ببنت أخويا الغالي ومرات ابن أخويا. *** أخذت دموعها تنساب فوق خديها، تنظر نحو أخيها برجاء، وقد ثقل الألم فؤادها ولم يتبق إلا المرارة في حلقها وهي تسمعه. -هتفضلي لحد امتى ترفضي اللي بيتقدمولك ياحياة؟ مسعد راجل مش هتلاقي زيه.
حاول شقيقها إقناعه، رغم إنه يعلم بكذبته. ولكن لم يعد بيده أي شيء يفعله. -مش عايزة أتوز يارجب، وبالذات مسعد الله يخليك. تألم قلبه، وهو يراها تجثو فوق ركبتيها تتوسله، تكاد تقبل قدميه. علقت الدموع بعينيه وانحنى يلتقطها من فوق الأرض يمسح دموعها التي أغرقت خديها وقد تعالت شهقاتها. -انت زهقت مني يارجب؟ لو عايزني أطلع من البيت وأروح أعيش عند خالتي همشي يا أخويا.
لم يتحمل "رجب" رؤيتها هكذا، وأسرع في طرق رأسه حتى لا ترى دموع عجزه، يخبرها راجيًا موافقتها، حتى تخلصه بما ورط حاله به. -لازم تتجوزي مسعد ياحياة، مسعد كاتب عليا شيك كبير أوي، لا كده أخوكي هيتحبس. تجمدت عيناها نحوه، وقد صدمها ما تسمعه منه. أشاح عينيه عنها. فاقتربت منه ترفع وجهه إليها تسأل بتعلثم: -عليك كام ليه يا رجب؟
شحبَت ملامحها، وهي تستمع للمبلغ المالي الضخم. فابتعد عنها وهو يعلم أن خلاصه بها وحدها. فهو لن يتحمل دلوف السجن وترك أولاده مشردين دونه. -أنا أجلت كتب الكتاب لأسبوعين قدام نكون جهزنا حاجتك يا حياة. *** الألم يزداد أكثر وأكثر في قلبها، فتجدهم جميعهم يجلسون يتمازحون إلا هي تجلس في زاوية بعيدة تتلاعب بتطريز عباءتها الوردية. تتذكر حديث والدتها، عندما حادثتها صباحًا.
-الست الشاطرة تكسب جوزها يابنتي، وجوازات كتير كانت كده ونجحت بالعشرة والمودة. ابن عمك راجل ميعيبهوش حاجة متضيعيهوش من إيدك. لمعت عيناها بالدموع، فعن أي زوج تتحدث والدتها؟ إنها لا يراها من الأساس ولا يرغب بوجودها. يهينها ويُهمش وجودها بحياته. وما عليها إلا الصمت، فقد ارتضى والديها بتلك الزيجة وما عليها إلا دفع الثمن.
أصرت عيناها بعيدًا، ولكن سرعان ما كانت تفيق من شرودها وتعود بالنظر نحو عمها حسن، وهو يدعوها للاقتراب منه. -تعالي يامرات والدي جنبي. وتابع حديثه وهو ينظر نحو جاسر وقد ضجر من حديثه عن العمل: -جوزك زهقني من كلامه اللي كله عن الشغل والأراضي. نهضت عن مقعدها بصعوبة، وهي تنظر البعض تترصدها. اقتربت من عمها تلبي رغبته في قربها. وقد أسعدها اهتمامه بها، وعادت السعادة تلمع بعينيها المنطفأه.
رمقها بنظرات جامدة تفرسها، يتخذ طرف الأريكة حتى يترك لها مكانًا جوار والده. -ومينفعش أقعد أنا جنبك يا جوز خالتيه. هتفت بها "نيرة" وكادت أن تنهض، ولكن نظرات حسن القوية جعلتها تتراجع وتعود لمقعدها. وبهمس خافت كان يتمتم، وقد استمعت إليه "جنه" وقد اتسعت ابتسامتها: -قبر يلم العفش.
أصبحت الجالسة هذه المرة محور الحديث عنهم، وعن رغبتهم في رؤية حفيدًا لهم. تخضبت وجنتاها وهي تستمع لحديث العم والعمة منيرة. فحدقها بنظرات جامدة، ونهض من فوق مقعده بعدما شعر بالاختناق ينظر نحو هاشم ابن عمه، وفاخر شقيقه الذي أخذ يلاعب طفله الرضيع. -عايزك يا فاخر انت وهاشم في المكتبة.
هتفت عبارته بقوة، وهو يسرع بخطواته نحو غرفة المكتب، فهو يريد الهروب من تلك الجلسة، فلم يعد يتحمل حديثهم الذي يزيده حرقة وألمًا. فهو لا ينجب ولن يروا أولاده يومًا. شحبت ملامحها، وهي تراه ينهض بتلك الطريقة. وقد اتجهت أعين الجميع عليهم. متعجبين الحالة التي أصبح عليها فجأة. نهضت "نيرة" عن مقعدها، بعدما أتتها الفرصة واقتربت منها ونظرات الحقد تحتل ملامحها. -أول ما قربتي منه، مطقش يقعد جنبك وقام. وبمكر كانت تردف بهمس:
-متحلميش إن الجوازة دي تستمر، وإنك هتفضلي مرات جاسر المنشاوي. *** أسبوع طويل قد مر عليه وهو يقاوم رغبته في الذهاب إلى ذلك الملجأ. فقد اتخذ قراره وحسم الأمر. هي الزوجة المطلوبة. هي من وضع فيها شروطه. انتابه شعور بالضيق من حاله قليلاً، فكيف يفكر بالزواج بتلك السرعة. وهو لم يفق من زيجته من فريدة. ولكن عاد وميض الحقد والانتقام يلمع في عينيه. سيرى هو والدها كيف لا يكون رجلًا.
نهض عن مقعده وهو يلغي إحدى اجتماعاته الهامة تحت نظرات سكرتيرته المتعجبة. وقف بسيارته أمام الملجأ، ولدقائق ظل مكانه. يفكر للمرة الأخيرة. ترجل من سيارته بعدما فتح له سائقه الباب، وبخطى واثقة كان يتحرك نحو بوابة الدار. تلألأت أسارير السيدة "فاتن"، وهي تراه سائقه خلفه يحمل بعض الهدايا. اقتربت منه تهتف بسعادة وقد ركض الأطفال أمامها: -عامر بيه نورت الدار، أنا قولت خلاص مش هنشوفك تاني.
صافحها "عامر" ينظر حوله، لعله يجدها اليوم. ولكن أمله قد خاب. ولكن سرعان ما لمعت عيناه، فالسيدة "فاتن" منحته الجواب قبل أن يسألها عن عنوانه. بل وسهلت عليه عرضه حين يتقدم لها، فكل شيء في قبضة يده، وستتم تلك الزيجة بصورة سريعة. فالمال وحده من سيكون المتحكم بالقرار. -حياة هتتجوز ومش هتيجي الدار تاني خلاص. *** وقف مصدومًا وهو يتأمل صديق عمره الواقف أمامه الآن، إلى أن سار بسعادة نحوه يحتضنه بشوق.
-مش معقول يارامي، انت هنا في أمريكا. -قولت مش هتنساني ونستني يا ابن السيوفي، بس أنا مطلعتش قليل الأصل زيك. تجلجلت ضحكات "أحمد"، وقد شعر رامي بالغرابة قليلاً. فصديقه قد بدأ يعود لعهده قديمًا. دعا داخله أن يستمر به الحال هكذا، وتنهد وهو يسأله مازحًا، بعدما ارتشق القليل من مشروبه: -مفاجأة حلوة صح؟ -أكيد، بس ليه مقولتليش قبل ما تيجي؟ -يا سيدي جالي عرض عمل هنا، غير إن البنت اللي بحبها مقيمة في أمريكا.
عادت ابتسامة "أحمد" تتسع، وهو يغلق بضعة ملفات أمامه، يتذكر تلك العلاقة التي كان لا يحبذها. -البنت اللي عرفتها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، مش معقول يا رامي. تأفف "رامي" وهو يعلم ما سيلقيه عليه صديقه، من عبارات مستاءة. -بلاش تفضل تديني مواعظك وحكمك والفشل والكلام ده. أنا بحبها بجد يا أحمد. لم يرغب "أحمد" في الحديث عن الأمر، قد اتخذ فيه صديقه قراره. -ربنا يسعدك يا رامي، وعلي فكرة أنا مبسوط إنها جابتك أمريكا.
تحدثوا بمواضيع عدة، وعن اسم الشركة التي سيعمل بها صديقه. عرض عليه "أحمد" أن يعمل معه، ولكن "رامي" فضل العمل في هذه الشركة، يخبره بمزاح. -لا أنت بالذات يا ابن السيوفي، محبش إنك تكون مديري. أنت منضبط زي الساعة. تعالت ضحكاتهم، وحل الصمت بينهم للحظات. فوضع "رامي" كوب مشروبه فوق الطاولة يتساءل بفضول: -انت إزاي اتجوزت؟ أنا مش مصدق الخبر لحد دلوقتي. أشاح "أحمد" عيناه عنه، فهو لا يحب الحديث عن هذا الأمر.
-حبيت اتجوز فاتجوزت. غير ظروف الشغل هنا خلتني أفكر فعلاً في وجود زوجة حتى لو فترة غربتي. حدقه "رامي" في صدمة، مما يسمعه منه. -بس مش شايف ده ظلم ليها، الطلاق مش سهل على أي ست يا أحمد، وافرض بقي في ولاد بينكم يا أحمد. تجمدت ملامح أحمد، وهو يستمع لعبارات صديقه. فعن أي أطفال يتحدث صديقه، وزيجته بصفاء بعقد مشروط وهو لن يمسها حتى تنتهي مدة زواجهم ويستطيع التحرر من هذه الزيجة.
-أنا وصفا متفقين على كل حاجة، هعوضها لما ننزل مصر بشغل في أكبر الشركات، وهديها الفلوس اللي هي عايزاها. فسر له الزيجة بعبارات بسيطة، وقد فهم "رامي" الأمر. وقد ازدادت صدمته. -وهي راضية بكده؟ وبهـدوء كان يجيبه حتى ينهي هذا الحديث، وقد نهض عن مقعده. متجهاً إلى مطالعة الطريق بالخارج. -جوازنا زي عقد العمل يا رامي. *** كانت حرة طليقة تتمتع بحريتها وسط الأراضي المزروعة، تستنشق رائحة المحاصيل في موسمها، وتستمع بطراوة الهواء.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة محبة وهي تتأمل ملامح أطفال القرية وهم يركضون ناحية بركة صغيرة في الجانب الآخر. يسبحون بها. ظلت ابتسامتها تتسع رويدًا، وهي تتذكر بأن اليوم هو بداية تمردها عليه. وقد أصبح وجعها يفوق قدرتها فيكفيها وجعًا وتحملًا من قوانينه.
خرجت متحججة من عمتها بأنها تريد العودة إلى بيتها. ورغم إصرار عمتها بأن تمكث معهم كما اعتادت حين يسافر للعاصمة، حتى يعود من رحلة سفره. ولكن كان الأفضل لها أن تنفرد بحالها بل وتتمرد على قيوده اللعينة. وكأن زواجهم حقيقيًا. لقد أصبحت تستلقي فوق فراشه دون أن تخاف، بل وستخبره أن يكون لها فراشًا مريحًا مثله. دغدغتها نسمات الهواء العليلة، وهي تشرد في رائحة عطره التي تعبئ وسادات فراشه فحتى في غيابه يترك لها أثره.
زفرت أنفاسها بخيبة فكلما خفق قلبها بحب صغير نحوه دمره هو بأفعاله الظالمة. فما ذنبها أن تتحمل ماضيه بقسوته. فاقت من شرودها، وقد تعالت رنين هاتفها، فتخرجه سريعًا من جيب عباءتها. -أيوه يا أروي. -انتي لسه زعلانة من كلام هدي يا جنه؟ هي بس عايزة تفرك ياهبلة. عاد حديث "أروي" لها ما حدث وحاولت تناسيه، عادت الدموع تلمع بعينيها وهي تجيبها بألم: -أنا منسية من حياتكم كلكم يا أروي، متقلقيش عليا أنا كويسة. هتمشي شوية وراجعة.
تعثلمت أروي في حديثها متمتمة، قبل أن تنهي المكالمة وقد شعرت بحزنها. -جاسر قرب يوصل، فاخر هيروح يجيبه من المطار. وعادت تكمل سيرها تحادث نفسها، فهو في رحلة لسويسرا، ولم تعرف إلا من عمتها، فلم يكلف نفسه عناء أن يخبرها بشيء. سقطت دمعة من عينيها وهي تتذكر كلام هدي عن اتصاله الدائم بوالده وعمته وأخاه للاطمئنان عليهم. ولكن أين هي من كل هذا؟
انتبهت على صرخات أحد الأطفال الذين لا يتجاوزون عمر الثانية عشر ويفلحون في الأرض، ويد أحدهم تصفعه. ركضت ناحيته باشفاق، تنهض الطفل من الأرض، تمسح عنه الغبار تسأله برفق إذا كان بخير. أومأ لها الطفل برأسه وهو يتحاشى النظر نحو ذلك الذي وقف يرمقه بوعيد أخافه. -ابعدي يا حرمة انتي من هنا، بدل ما أطخك. حرمة وشها مكشوف. لم تتحمل "جنه" كلماته المهينة، واقتربت منه وقد احتدمت عيناها، تصرخ به:
-انت بتضربه كده ليه، انت راجل معندكش رحمة. حدقها الواقف في صمت، وسرعان ما كانت تصدح ضحكته عالياً، وقد التف بعد المزارعين حوله يستنكرون وجودها هنا ويتساءلون عن هويتها، فهتف أحدهم: -فيها حاجة يا حاج منصور؟ جذب منصور يد الصغير يدفعها بعيدًا، حتى يتفرغ لها. -خد حسابك وامشي، وقول لامك معندناش شغل ليك. وانتِ بقي لازم اعرف أنتِ تبع مين يا حلوة، وواقفة تبجحي قدام الرجالة. لم تعبأ بتهديده، وصاحت بصوت
مرتفع وهي تجذب الصغير لها: -هبلغ عنك البوليس، سامع يا عديم الضمير والرحمة. *** جلس بإسترخاء يتأمل الشخص الواقف أمامه بعينين مفترسة، فمنذ أن وضعها داخل رأسه، فأصبح تفكيره بها محصورًا حول دائرتها وحياتها وحياة شقيقها. أسبوعًا آخر، منذ ذهب للملجأ وعلم السيدة "فاتن" أمرها، ولولا سفره ذلك اليوم لأمر عاجل لكانت زيارته لتلك العائلة قد تمت. ويا لحظة السعيد، كل شيء يسير لصالحه، فالشقيق لم يكن إلا عاملًا بأحد مصانعه.
دلف "رجب" بخطوات متعثرة مكتبه، يخشي طرده أو شيء أكبر من هذا القبيل. داخله كانت مخاوف كثيرة. فلم يحدث أمر هكذا من قبل وتم استدعاء السيد الكبير، لأحد من عماله. حتى إن مديره قد تعجب الأمر. طالعه "رجب" وهو يبتلع لعابه، ينتظر سماعه. لمعت عينا "عامر" بفخر وهو يرى مكانته وسلطته في أعين الناس. -تعالا يارجب.
حدق به "رجب"، وتقدم منه بخطوات مرتجفة، وعلي وجهه تساؤلات كثيرة لسبب وجوده اليوم هنا. أشار إليه بأن يجلس، حتى يرحمه من هذا الذعر. ارتبك "رجب" وهو ينفذ أمره، ينظر إليه بقلق. -هو أنا عملت حاجة ياعامر باشا؟ أنا موظف أمن غلبان عندك وفي حالي والله ياباشا. أشعل عامر سيجارته، ومد له بعلبة سجائره، حتى يلتقط منها واحدة. فاسرع "رجب" في تناول واحدة. ارتسم الذهول فوق ملامح "رجب" وهو يراه ينهض عن مقعده ويتقدم منه ليشعلها له.
-مالك يا رجب خايف كده ليه؟ -العين متعلاش على الحاجب يا بيه. انفرجت شفتيه في ضحكة عالية، وهو يستمع لعبارته. -اقعد يا رجب، خلينا نتكلم. عاد "رجب" لمكانه يتساءل حتى يطمئن قلبه. -هو أنا عملت حاجة يا بيه؟ جلس "عامر" قبالته، يتفرس ملامحه الخائفة. -وتفتكر لو كنت عامل حاجة يا رجب؟ كنت هتبقى موجود هنا في مكتبي. زفر "رجب" أخيرًا أنفاسه، بعدما اطمئن قليلاً وانتظر سماعه. -اومال حضرتك ليه طلبتني ياباشا مدام معملتش حاجة؟
-أنا عايز اتجوز اختك حياة. انتفض "رجب" عن مقعده، ينظر إليه مدهوشًا مما سمعه. لا يستوعب ما نطق به رب عمله. وبتعلثم أخذ ينطق: -تتجوز مين يا بيه؟ أختي حياة؟ حدقه "عامر"، وهو ينفث دخان سيجارته، مشيرًا إليه بالعودة لمقعده. -أكيد طلبي مش مرفوض يا رجب. ابتلع "رجب" لعابه: -بس حياة كلها يومين وتتجوز. لمع الجمود في عينين "عامر"، ولكن سرعان ما كان يميل نحوه يسأله: -هترفض طلبي يارجب؟
-مقدرش يا عامر بيه، لكن مسعد كاتب عليا شيك ب مائة ألف جنيه. تعالت قهقهات عامر، وهو يسمع الثمن. نهض من أمامه وعاد لمقعده ليجلس خلف سطح مكتبه بشموخ. -مش مهم، الفلوس هدفع لك أضعافها يارجب. والعرض كان سخيًا بشدة، على رجل مثل رجب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!