-أمسك الحرمة اللي متربتش ديه يا ولد يا عنتر، أنا لازم أعرف من أنهي عيلة في البلدة. تفوه الواقف، واردف وهو يتفرس ملامحها ويستمع لهجتها، وقد ظهر فوق ملامحه الوعيد لها، نحو ما ينتظرها. كيف لامرأة في بلدتهم أن تقف هكذا أمام الرجال؟ إنه لعَارٌ لهم. -شكلها مش من نواحينا، بناتنا وحريمنا متربيين وعارفين أصولنا. احتدمت ملامح "جنه" وهي تستمع لعبارته وسط رجاله بتلك الروعة. فستنتظر ليعرف هويتها بنفسه، حتى يُخرس تماماً.
-واللي يدافع عن حق عيل صغير يبقى مش متربي، قصدك جبان ميعرفش يعني إيه رحمة؟ تعالت أصوات الواقفين، لا يُصدقون أنهم تُهينهم بهذا الشكل المُهين. بل وتقف أمام ناظرهم "السيد منصور" الذي توكله عائلة المنشاوي على جزء من أملاكهم. تجمع الرجال حول "السيد منصور"، مما جعل كل من يتحرك سيراً على الأقدام في البلدة يقف ليُطالع المشهد. فالأول مرة تقف امرأة لديهم تتبجح أمام رجل. لمع الوعيد في عينين "منصور" بحدة، يصرخ بأحد المزارعين:
-حد يشوفلي من أي بيت الحرمة ديه؟ تجهّمت ملامح "جنه" وهي تستمع لعبارته وتراه يناديها بهذا اللقب ثانية. ضمت الصغير إليها، تهتف بلامبالاة: فتهديده لا يفرق معها بشيء. -أعلى ما في خيلك أركبه، وأنا مستنية تجيب لي كبيرك، عشان يعرف إزاي يشغل راجل ظالم زيك. احتقنت ملامح "منصور"، وازدادت عيناه قتامة، وقد انتهى وقت صبره. ترقب الجميع ما ينتظرونه، ولم يُخيب منصور ترقبهم. فرفع كفه لأعلى بعدما اندفع صوبها:
-يبقى لازم تتربي، الحرمة اللي زيك ناقصها راجل يشكمها. *** -أخبار سفرتك إيه يا جاسر؟ تسأل "فاخر" ينظر نحو شقيقه بنظرة خاطفة، يقود به عائداً لبلدتهم. اغمض "جاسر" عيناه متنهداً بإرهاق: -هحكيلك كل حاجة، لما أفوق. تَنَحْنَحَ "فاخر" حرجاً، فلم يعد يرى الوقت مناسباً لأخباره برغبته في الابتعاد عن هنا، والذهاب لفرعهم بمدينة الإسكندرية. رمقه "جاسر" بعدما شعر بأن شقيقه يريد إخباره بشيء، فخشي أن يكون شيئاً يخص أمور العائلة.
-قول اللي عايز تقوله لي يا فاخر. تركزت عينين "فاخر" نحو الطريق، فتمتم مؤجلاً حديثه: -لما ترتاح يا جاسر من سفرتك الأول نبقى نتكلم. بنظرة كان يعلمها "فاخر"، بعدما رمقه "جاسر" منتظراً سماعه دون مماطلة: -أنا عايز أمسك فرع شركتنا الجديدة في إسكندرية يا ابن أبوي. ***
الجميع كان يترقب، هبوط الصفعة فوق خدها. تراجعت للخلف وقد دب الرعب في عينيها. ولكنها قاومت ارتعاش جسدها ووقفت بصلابة تنظر إليه بتحدي. ولو كان "منصور" في البداية يُهددها وينتظر تراجعها وسماع أسفها، فبعدما وقفت أمامه هكذا وعماله ينتظرون رؤية ما تستحقه هذه المرأة حتى لو كان معها الحق في البداية. -منصور! صرخ بها "جاسر" الذي هبط من سيارة شقيقه، بعدما استوقفه المشهد وتجمع الناس وقد شعر بالقلق هو وشقيقه.
انتفض "منصور" فزعاً، يهتف بخوف وهو يراه يتقدم منه، وخلفه السيد "فاخر" شقيقه: -جاسر بيه، فاخر بيه نورتوا الأرض. تجاهله "جاسر" واتجه نحو الواقفة وسط الرجال، والتقط ذراعها بقوة وقد اشتعلت عيناه بوعيد لها. ولكن الغضب الأكبر كان لذلك الذي كان للتو سيصفعها، سيصفع زوجته. زوجة "جاسر المنشاوي" وابنة عمه. -من امتى بنرفع إيدينا على ست يا منصور، ولا ظاهر نسينا النخوة والرجولة؟ امتقع وجهه منصور، فعن أي سيدة يتحدث رب عمله؟
إنها لا تمت بالنساء لشيء، إنها واقف تُناطحه أمام رجاله. -دي حرمة قليلة الأدب يا جاسر بيه، ومعدومة التربية. أومأ الرجال برؤوسهم. فالتف إليها يرمقها بملامح جامدة، وقد ازدادت عيناه قتامة ووعيد. ارتجف جسدها من نظرته، وخشيت مما ينتظرها. فلو ظنت أن "جاسر" سيأخذ حقها، ستكون أكبر مغفلة. فجاسر لا يراها إلا زوجة قد فُرضت عليه، ومن أجل الحفاظ على مال العائلة واقف على هذه الزيجة.
تشبثت قدماها أرضاً، وضمت الطفل أكثر إليها وكأنها تستمد منه قوتها، مما جعل عيناه تتوقف على ذراعيها وهي تحتضن الطفل. وبثبات كانت تهتف أمام الرجال، وقد استعادت قوتها: -مش همشي من هنا، غير لما الراجل ده يسيب الولد في حاله، ده ممكن يضربه يا جاسر. وما كان منه سوى أن جذبها بعنف أكبر دون أن يمهلها أن تكمل حديثها. التفت نحو الصغير وقد دفعها هو أمامه نحو السيارة، متجاهلاً نظرات الواقفين يُطالعون الأمر في صدمة:
-هجيلك تاني، ومحدش هيقدر يعمل لك حاجة. دفعها جاسر داخل السيارة بعدما أشبع أذنيها بالسب، واتجه نحو منصور مجدداً. ابتلع "منصور" لعابه، بعدما علم بهويتها، هو والجميع. من فاخر الذي طالع خطوات شقيقه الغاضبة، يخبر منصور بعينيه، أن ينتظر تلقي ما يستحقه على فعلته. ركض "منصور" إليه حتى يستسمحه في فعلته، فلم يكن يعرف إنها زوجته: -والله ما كنت أعرف إنها مراتك يا جاسر بيه.
وانحنى، يُحاول التقاط كفه حتى يقبله، ولكن "جاسر" انتشل يده منه. فجعل منصور يترقب طرده أمام الجميع. -أنا كنت ممكن أقطع رزقك يا منصور، بس مش هقطع رزق واحد غريب جه بلدنا يطلب العون. ونظر نحو الصغير الواقف خوفاً، وعلامات الضرب ظاهرة على وجهه، فاردف بجمود: -بوس راسه دلوقتي وقدامي يا منصور، مش كفاية بتشغل أطفال في الأرض.
هرول منصور يُنفذ أمره، وانحنى يُقبل رأس الصغير أمام الجمع الواقف، وقد فتح الجميع أفواههم مصدومين مما يحدث أمامهم. وبلطف أشار "جاسر" نحو الصغير، فاسرع الصغير إليه وقد أطرق عيناه أرضاً: -من هنا ورايح متشتغلش، وأنا هتكفل بمصاريفك. هللّ الجميع بكرمه، يرفعون أيديهم داعين لهم. أما منصور وقف يعض فوق شفتيه. اتجه نحو سيارته، وسار فاخر معه يخاف أن تخرج عاصفة جنونه بتلك التي جلست منكمشة على حالها بالسيارة. ***
صار مللها يزداد كل يوم. أصبحت لا تطيق غربتها التي وضعت نفسها فيها بجانب حلماً ظنته سيتحقق، ولكنها وجدت نفسها مجرد زوجة بعقد، ورفيقة ليس إلا حتى يُهون عليه وعليه. أيام مكوثهم معاً. تنهدت بضجر، وأخذت تطالع جدران المنزل. وسرعان ما كانت تلمع فكرة داخل عقلها، فانتفضت من مكانها تنوي تنفيذها لعلها تُخلصها من ضجرها. فالبيت رغم نظافته من اهتمام تلك الخادمة الأجنبية إلا أنها لا بد أن تضع لمساتها كأنثى عربية.
أخذت تدور في كل ركن من أركان المنزل. وبعدما أعدت أدوات تنظيفها تحت نظرات خادمتها المذهولة. بدأت تتأمل هيئتها برضى وهي تقف بأحد الثياب الخفيفة المؤهلة للمسح والتنضيف. لملمت خصلات شعرها في كومة واحدة بمشبك مثبت. وبدأت مهمتها المهلكة وهي مطمئنة بأن وقت قدومه ما زال طويلاً، وستُسلي نفسه. مر الوقت دون أن تشعر به، وقد أهلكتها فكرتها الحمقاء، وبدأ جسدها يؤلمها، فالبيت واسع ومكون من طابقين.
حملت أدوات التنظيف ثانية وهبطت نحو الأسفل، مقررة إكمال مهمتها في الطابق الأرضي. وأول حجرة فكرت بها في هذا الطابق، كانت حجرة مكتبه. وليتها لم تفكر، وليتها سمحت لخادمتها بتلك المهمة بعدما طلبت منها أن تساعدها. كانت قد انتهت من تنظيف الغرفة ومسحها ولم يتبق لها سوى مرحلة تلميع الزجاج والأسطح.
تأملت تلك اللوحة الهندسية المرسومة بدقة وملونة أيضاً حسب مساحات الخُضرة، ومساحات المياه التي ستحيطها. مالت فوق الرسمة بفضول وأعين منبهرة، تُحدق بها بالطبق الذي وضعت داخله الماء والصابون ومنشفتها الموضوعة على أحد كتفيها. وقد أخذ الطبق المملوء بالمسحوق يتمايل بخفة بين يديها، وهي ما زالت تُطالع اللوحة.
اللوحة الهندسية بفضول، وكيف سيتم تنفيذها على أرض الواقع. لم تكذب يوماً والدتها عندما كانت تخبرها بلقب المساطيل الحمقاء. وهي ترى اللقب يتجسد أمام عينيها. وقد اتسعت حدقتاها ذعراً، وهي ترى الطبق ينسكب محتواه فوق اللوحة. فاللوحة الجميلة قد تشوهت معالمها وأصبحت الخطوط جميعها داخل اللوحة متداخلة. فشهقت بفزع وهي ترى تشوه اللوحة الجميلة: -ماهو السبب في حد يحط شغله كده، هو اللي مهمله. أسرعت في وضع يدها فوق شفتيها
تهتف ببؤس على حالها: -هعمل إيه أنا دلوقتي، أنا مهندسة كمبيوتر، وصحيح شاطرة في تقليد الرسومات، لكن مش بارعة والموضوع هواية. احتل التفكير ملامحها، لعلها تجد حلاً يُخلصها من الأمر. -هحاول أقلدها براحة. وسرعان ما كانت عيناها تلتقط إحدى اللوحات الفارغة الملقى جانباً وبدأت تنفذ فكرتها الحمقاء، تدعو الله أن توفق في موهبتها. مرت ساعة واثنان وثلاث، وما زالت المحاولة مستمرة حتى غفت على اللوحة بعدما أنهكها جسدها.
وكعادته كل يوم يأتي من عمله بالشركة، يدلف حجرة مكتبه أولاً. تجمدت عيناه نحوها، وهو يراها غافية على سطح الطاولة التي يضع عليها رسوماته وتجلس على المقعد خاصتها. التقطت عيناه القلم القابع في يدها، واللوحة القديمة التي تشوهت، وتلك اللوحة التي تضع رأسها فوقها. ورغماً عنه كان يبتسم، وهو يرمقها متفحصاً على شيء بها. انحنى برفق نحوها يتحسس وجهها وبصوت هامس أخذ يتمتم وعيناه غارقة في تفاصيلها الناعمة: -صفا، اصحي نامي في أوضتك.
كرر هتافه بها ولكن كان النعاس يثقل جفنيها. ضحك وهو يحملها فوق ذراعيه. لتستقبله الخادمة راكضة نحوه، تشرح له كل ما فعلته سيدتها اليوم. صعد الدرج وقد تجاهل حديث الخادمة، وبدأ يشعر برأسها تُدفن أكثر في تجويف عنقه. وقد تعالت وتيرة أنفاسها وأنفاسه أيضاً. وضعها برفق فوق فراشها بعدما دلف غرفتها، وشيئاً فشئ كانت ابتسامته تتسع وهو يراها تتماطى فوق الفراش. تبحث عن وسادتها دون أن تفتح عيناها وتضمها لأحضانها.
بدأت الرؤية تتضح إليه، وقد علقت عيناه بردائها القصير الملتصق بجسدها إلى حد ما، وشعرها الذي تساقطت منه عدة خصلات متمرده. عادت وتيرة أنفاسه ترتفع، يصحبها حرارة جسده، فجلس جانبها يتحسس ذراعيها العاريين بدافع بهمس بأنفاس راغبة لا يعرف كيف ومتى أصبحت تُشعلها داخله: -صفا اصحي طيب غيري هدومك بدل ما تتعبي.
تلملمت في الفراش بنعاس، تُحاول فتح عينيها بصعوبة، تهتف بتذمر كالأطفال، بعدم رغبتها في الاستيقاظ. ولكن سرعان ما كانت تنتفض من غفوتها، بعدما تداركت أين هي: -اللوحة راحت فين، أنا كنت قربت أخلصها. ونهضت من فوق الفراش وما زالت غافية على روحها، تقص عليه أحداث اليوم بأكمله إلى أن زفرت أنفاسها تسأله: -انت مش هتزعق لي صح، ولا هتضربني ولا هتطردني؟
تعالت ضحكاته، وهو يرى تسارع أنفاسها بعد الحديث الكثير الذي أخبرته به. اقترب يقبض فوق كتفيها برفق، يتأملها بأنفاس مسلوبة، وأعين تشتعل بهم الرغبة. ولكن تمالك نفسه وهو ينظر في عينيها الناعستين، ويربت على إحدى وجنتيها بخفة ورفق: -في نسخة تانية من الرسمة في الشركة يا صفا، ديه النسخة اللي بعدل فيها مش أكتر. ارتسم الارتياح فوق شفتيها، وزفرت أنفاسها براحة. ابتسم وهو يراها كيف لمعت عيناها: -ومش هزعق، ولا أطرد ولا أشتم.
اتسعت ابتسامتها، رغم نعاسها وهي تستمع لعبارته، وبرغبة أصبحت تحرقه وهو لا يرى فيها إلا صورة تلك التي رحلت عن عالمه. كانت يقترب. ارتجف جسدها وهي ترى انعدام المسافة بينهم. وقد أخذت أنفاسه تُداعب عنقها. تراجعت للخلف وهي تُشيح عيناها عنه، فعاد يتقدم منها ولكن تلك المرة كان يفيق من سحرها أخيراً. ومال نحو أحد خديها يُلثمه، رغم توقه لتذوق شفتيها. انتفض جسدها من فعلته، فاسرع في الابتعاد عنها يتمتم قبل أن يُغادر غرفتها هارباً:
-غيري هدومك عشان متبرديش. أغلق باب الغرفة خلفه، لتهوي بجسدها فوق الفراش تضع بيدها فوق قلبها، تلهث أنفاسها غير مصدقة قربه منها وقبلته التي حطت فوق خدها. *** نظرات قاتلة منه كان يرمقها بها، فقد ضجر وتعب منها ولم يعد يستطيع تحملها طيشها، ولم يعد راغباً بإذاقها المزيد من عنفوانه. جلس أخيراً فوق فراشه بإرهاق، يضع رأسه بين راحتي كفيه: -واقفه قدام الرجالة، وكأنك راجل قدامهم.
وببطء كان يعود ويرفع عيناه بها، بعدما زفر أنفاسه متنهداً. ارتجف جسدها في خوف، تنتظر سماع المزيد منه. -البلد كلها زمانها دلوقتي بتتكلم عن شجاعتك العظيمة. أرادت الحديث، ولكنه نهض من فوق الفراش واقترب منها، بعدما فارت دماؤه، وهو يتذكر المشهد وكيف رفع أحد رجاله يده كي يصفعها أمام الجميع بعد تبجحها فيه كما وصله من الواقفين. -ولا كلمة، مش عايز أسمع صوتك. وتبعها كانت تهتف: -أنا عملت كده، لما شفته بيضرب الولد الصغير.
-وأنتِ مالك؟ وببساطة كان يُعطيها جوابه مستطرداً: -شايفة حاجة مش عاجباكي، احكي لفاخر أخويا أو احكي لي أنا. -أحكيلك أنتَ. انتهت عبارتها بمرارة، فعن أي شخص يُخبرها أن تتحدث معه؟ عن شخص يتجاهلها وكأن لا وجود لها.
حدق بها وهو يرى الدموع تتعلق بأهدابها، وتتمالك دموعها أمامه. فزفر أنفاسه بحنق فلم يعد يريد صداع الرأس الذي بدأ يشعر إنه سيناله من وراء أفعالها. وبهدوء كان غريباً عليه، كان يجعلها تقف مدهوشة الملامح تستمع لعباراته المُهينة: -لولا إنك بنت عمي في الأول والآخر، كنت رميتك في الشارع من أول يوم اتجوزتك فيه. بس للأسف بنت عمي حتى لو متجوزك غصب. فتتجمد عيناها من كلماته الجارحة، واحتقنت ملامحها هاتفه بقوة، دون أن تخشى غضبه:
-وأنا كمان مغصوبة عليك، هو أنت حد يقدر يستحمل يعيش معاك يوم؟ تصلبت ملامحه، وغلت الدماء بعروقه، يرمقها بمقت واقترب منها يقبض فوق ذراعيها بقوة: -شكل عمي معرفش يربيكِ. شعرت بقبضته تتحجر فوق ذراعيها، فاغمضت عينيها بألم تسمع سبابه ولعناته. جنه: وأنتَ بقى اللي هتربيني؟ وسرعان ما كانت تنفض ذراعيها عنه وقد استعادت قوتها: -اخلص مني وطلقني، آه أريحك مني خالص. لم يرحمها منه سوى رنين هاتفه الذي أهدأ من غضبه قليلاً بل أكثر.
ليلتف إليها بعدما أنهى مكالمته، وعاد يحملق بها بضيق: -طلاق ومش هطلق غير بمزاجي، واللي حصل النهارده عارفه لو اتكرر تاني، متلوميش غير نفسك يا جنه. التفت بجسدها مبتعدة عنه غير عابئة بالشر الذي يتطاير من عينيه. وقفت مكانها وعادت تطالعه مرة أخرى ولكن بابتسامة هادئة. جنه: كان شكلك حلو أوي وانت بتساعد الطفل، طلع في قلبك رحمة يا ابن المنشاوي. وبتهكم كانت تردف قبل أن تفر هاربة من أمامه، وعلى وجهها ابتسامة واسعة:
-رغم الرحمة بتيجي عندي أنا، وتتحول لقسوة. وبملامح محتقنة، كان يتحرك داخل غرفته، يزفر أنفاسه حانقاً منها ومن ردودها، بل ومن مشاعره التي بدأت تتغير نحوها. *** ارتجفت قدماها وهي تخطو بأول خطوة داخل مكتبه بعدما سمحت لها سكرتيرته أخيراً بالدخول. استجمعت شجاعتها وهي تعيد كل ما ستقوله له من رجاء بأن يتركها بحالها، فهي يكفيها ما عاشته وتعيشه. فرجل مثله لن يتزوجها إلا من أجل غرض في نفسه.
طالعت كل جزء من أركان مكتبه الفخم، تبحث عنه ولكن الحجرة كانت فارغة. -أتأخرت عليكِ. يهتف عبارته وهو يقف يُحدقها بنظراته، بعدما خرج من المرحاض القابع بابه في ركن من أركان غرفة مكتبه الواسعة. انتفض جسدها على أثر صوته، والتفت إليه ببطء، تُحاول التقاط أنفاسها. فاتسعت عيناها من هيئته، فاخذ يُجفف شعره ووجهه من الماء، واكمام قميصه مطوية لأعلى، وأزرار قميصه العلوية مفتوحة للمنتصف. هيئته كانت عابثة بجدارة مما جعلها
تخفض عينيها تهتف بتعلثم: -مش هينفع نتكلم وأنت كده. وهنا كان تنفرج شفتي "عامر" بضحكة مستمتعة، فكل يوم يتأكد هي العروس المناسبة له ولمخططه. تخلى عن منشفته الصغيرة، وأعاد فرد أكمام قميصه وغلق أزراره ببطء وتمهل وهو يرمقها بتقييم. ينظر نحو هيئتها المرتبكة، وعيناها تُسلطهما بعيداً عنه، حتى يفرغ من هندمة هيئته، وبجمود كان يتحرك نحو مكتبه يجلس عليه متمتماً بعدما عاد لعامر السيوفي: -اتفضلي أقعدي، أنا سامعك.
استغربت من سرعة تحولها، فازدردت لعابها وهي تطالع نفس الرجل الذي التقط به من قبل، وقد شعرت بسطوته وهيمنته. ودون أن تقبل دعوته، هتفت وهي تطالعه بقوة واهية: -رجب أخويا قالي إن أنت اللي دفعت فلوس الشيكات لمسعد، أنا جيت أشكرك على اللي عملته معانا، واطلب منك إنك تكمل كرمك وتسبنا في حالنا. تعالت قهقهته التي صدمتها، وقد عاد ينهض من مكان جلوسه مقترباً منها، يمنحها الجواب دون مراوغة: -عامر السيوفي مبيسيبش حاجة عايزها يا حياة.
ألجمتها عبارته، فتجهمت ملامحها وقد أعجبه الأمر وشعر برغبة قوية في أن يجعلها زوجته اليوم. فهي المزيج الذي يريده بحياته. وسرعان ما كان يمدّ كفه نحوها بجراءة وكاد أن يلمس وجهها ولكنها انتفضت مبتعدة وفاقت من صدمتها: -أنا مش أنتيقة تقدر تشتريها يا عامر بيه، واحب أبلغك إني مش موافقة.
أعاد ذراعه جواره، ينظر إليها وقد زاده الأمر لوعة ورغبة. فنوع حياة جديداً عليه وهناك شيء يُحركه نحوها أعمق من انتقامه من الأخرى ومن والدها، أو حتى إنجاب الوريث. -ومين قال إني شايفة أنتيقة يا حياة، أنا عايزك زوجة فعلية، وزي ما قولتلك مش هتنازل عنك. بهتت ملامحها، وقد علقت عيناها تهز رأسها برفض. وبتملك وتجبر كان يردف وهو يُعطيها ظهره، وكأنه ينهي هذا الحديث:
-أنا اتفقت على كل حاجة مع رجب أخوكي، واختاري أنتِ بين سجن أخوكي وتشرد ولاده وبين جوازة هتكوني أنتِ فيها الكسبانة. وبعينين جامدتين، عاد يُحدق بها يرى صدمتها وحيرتها، ورغبتها في الحديث. ولكن كل شيء أرادت الصراخ به كان يقف على طرفي شفتيها وهي تتذكر توسل شقيقها إليها، وقد ظنت أن هذا الرجل سيصرف أمر الزيجة بمجرد أن يعلم برفضها له. التقط سماعة الهاتف من فوق سطح مكتبه، يُلقي بأمر لسكرتيرة مكتبه:
-خلي السواق يجهز العربية، عشان يوصل أنسة حياة. يا هالة. *** أزداد جنونه وهو يتأملها وصوت ضحكاتها تتعالى هي وشقيقته. فحدق بهما بقوة قبل أن تقذف هي بإحدى الزجاجات على غريمتها أروى. ليتلقاها صدره فيرمقها بجمود، فشهقت بفزع وخلفها أروى ضاحكة وهي تتأمله واقف أمام غرفة مكتبه يستشيط غضباً. تَنَحْنَحَتْ "أروى" حرجاً وهي تتمتم: -أنا بقول الوقت اتأخر، ولازم أروح. وما كان من "جنه" سوى أن جذبتها من معصمها: -هتبعيني يا أروى؟
تأملت الأخرى عينين أخيها الجامدتين فتهتف ضاحكة: -راجل ومراته أنا مالي بيهم، سلام بقى وهبقى أطمن عليكي. وركضت تلك الجبانة كعادتها، وللمرة الثانية تفر هاربة وتتركها لبطش أخيها بمفردها. اقترب منها جاسر، بعدما شيع شقيقته بنظرات قاتمة. ولكنه لن يُلقي بغضبه إلا على تلك الواقفة. -هو أنا متجوز طفلة في البيت، ولا إيه يا هانم؟ فارتجفت هي من سماع صوته، ولكن سرعان ما رفعت عيناها بكبرياء قد استشاط هو منها بالفعل.
جنه: ألعب في الشارع يعني؟ ألقت عبارتها، وقد اشتعل الغضب داخلها. ضاقت عيناه وهو يرمقها متجاهلاً عبارتها الطفولية التي تمت للنساء بصلة: -لأ وعلي إيه ألعب هنا، بدل ما تفضحيني. واقترب منها، حتى انعدمت المسافة بينهم، يمدّ كفه نحوها، يربت على أحد وجنتيها ساخراً وهو يرى نظرات القلق في عينيها: -أجلي اللعب يا شاطرة، لحد ما تبقي في البيت لوحدك، لاني مبحبش جو الهبل والعيال الصغيرة. ***
ليلة طويلة قد قضاها بجوارها يتحسس سخونة جبهتها، ليتنهد بارتياح بعدما وجد حرارتها بدأت تنخفض. ولكن نبضات قلبه وهو يعيد بذهنه شريط اعترافها بحبه ما زال يعصف داخله. فتنهد بألم لما فعله بها فقد أحبته حتى أصبح اسمه محفوراً بداخلها. فتمتمت بتعب وما زالت آثار الحمى عليها: -صفا، أنا بحبك، مش بحب مراد زين. فتجمدت ملامحه وهو يستمع لبقية اعترافاتها. فهي تعلم بحقيقة مراد زين، فلا بد بأن عامر قد أخبرها بذلك.
وتابعت بحديثها الذي تطويه داخل قلبها قائلة بأنفاس تحمل معها السخونة: -متسبنيش يا أحمد، بابا وماما سابوني، أوعى أنت كمان تسبني. ويلها من كلمات قد جعلته ينتفض من جوارها، ينظر إليها وقد أصابت كلماتها الراجية. فهي تطلب منه أن يظل جوارها وألا يتركها كما تركها والديها.
عاد ينحني بجسده نحوها ثانية، بعدما تمالك مشاعره وتحكم في صراعه بين قلبه وعقله. أخذ يتحسس وجنتيها وجبتها مجدداً، وقد ارتسمت الراحة فوق ملامحه، يهمس لها بنبرة حانية لم يشعر بها سوى قلبه: -صفا، صفا فوقي. استمعت لصوته وكأنه يأتي من أميال عنها، وبصعوبة فتحت عينيها، تُقاوم ثقل جفنيها تتأمل ملامحه القريبة منها بابتسامة ظلت مرتسمة فوق ملامحها المنهكة. رغم عودتها لأغلاق عيناها مجدداً، تطلب منه بهمس خافت ما جعل ملامحه
تتصلب وتتسارع دقات خافقة: -صفا: احضنيني.
أسرع في ضمها إليه بعدما نفض أي شعور داخله، شعر باحتياجها القوي إليه، فمنحها ما أرادت مرحباً. برفق أخذ يمسد فوق ظهرها، لا يُصدق ما عاد يفعله معها. فهو يغمرها بذراعيه وقد كان يوماً واحداً فقط من تحتلهما. تنهد بوجع مشفقاً عليها، فقد أحبته "صفا". لقد وقعت في الشرك الذي حذرها منه. أحبت شخصاً أسير الذكريات. لا يرغب بمنح امرأة قلبه ثانية. سيكون أكبر كاذب إذا استمر في تعليقها به. سيمنحها جرعات من الحب ثم سيتخلى عنها. وعندما راودته تلك المشاعر، كان ينتفض عنها كالملسوع. ينظر إليها بعدما غفت ولم تعد تشعر به. متأملاً تعرقها وشحوب وجهها. فهو أكثر من يعرف مرارة الحب، فكيف يذيقها حبه ثم يتخلى عنها؟
-أنا قفلت على قلبي خلاص يا صفا، قلبي ملكته ست زمان، ومش مستعد أتجرع مرارته من تاني. وبهمس كان يعود لوعده لتلك الحبيبة، التي سيظل يراها بصورة نقية مهما حدث: -منستش وعدي ليكي يا مها، هدّفن نفسي في الذكريات، زي ما دفنتك في قبرك يا حبيبتي. ولم تكن هي إلا غافية في أحلامها الجميلة، تظن نفسها بأنها ما زالت بين ذراعيه وتتوسد صدره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!