وقف داخل قاعة كبار الزائرين ينتظرهم. وأخيرًا ظهرت أمامه صغيرته مع أباها. ولكن وجهها عابث ويبدو عليها الحزن أثر ما فعله بها أثناء مكالمة أمس وإغلاقه الشات دون أن ينتظر ردها. لم يبالي بها وسلم على عمه بحميمية. ليل: إزيك يا طارق وحشتني بجد كتير مش شفتك. طارق: إزيك يا واد عامل إيه؟ أنت اللي وحشتني جدًا على فكرة. وإيه الدقن الجميلة دي؟ شكلها حلو عليك. ليل: حبيبي أنت اللي واخد بالك مني. بس شكلك أنت بس اللي أخدت بالك.
وفي ناس تقريبًا كده مش كانوا عايزين ييجوا معاك ومش واخدين بالهم مني أصلًا. طارق: إزاي الكلام ده؟ دي سيلا كانت هاتجنن عشان تشوفك. بس مش عارف فيه حد زعلها باين. ليل: اممممممم. طب هاشوف أنا مين ده اللي زعل سيلتي حبيبتي، وأنا هاعرف أ صالحها بنفسي. سيلا: هاي يا ليل عامل إيه؟ ليل: هاي يا ليل. اممم. لاء دي باينها زعلانة بجد يا عمي. إحنا نمشي قبل ما أتجنن أنا، وبعدين نشوف حكاية هاي دي إيه.
وركبو السيارة الخاصة بليل واتجهو إلى القصر. داخل القصر، بعد كل السلامات والتحيات، ذهب طارق يتحدث مع والده وإخوته، بينما جذبتها الآخر من وسط سارة وليلي والشباب إلى جناحه الخاص. ليتحدث معها. دخلت هي ومزال وجهها عابث، يبدو عليها الضيق. ليل: وحشتيني يا أغلى حاجة في حياتي. إيه بقى يا ستي زعلانة مني ليه؟ سيلا: لاء بجد، أنت بتسأل؟
ليل، أنت قفلت الشات وأنا لسه بكلمك، وكل ما أطلب حاجة تقول عليها لاء ومن غير مناقشة. بتزعل ومش تكلمني. وو... ليل: بس بس بس. إيه كل ده؟ ما كنتش أعرف إني وحش أوي كده يا سيلا هانم. كل ده عشان خايف عليكي ومش عايزك تخرجي مع الشلة البايظة اللي اتلمتي عليها في الآخر دي. سيلا: ليل، أنا مش عارفة أنت ليه مش عايزني أصاحب حد. These are my friends.
ليل: بصي يا سيلا، مافيش حاجة اسمها صحاب بين بنت وولد. ولو أنتِ هنا تحت عيني، هاخليكي تصاحبي أي بنت زي ما أنتِ عايزة. لكن في تركيا، أنا مش عارف اللي عايز يكلمك ده تفكيره إيه ولا عايز منك إيه. وبعدين بقى، أنا مش بحب أي حد يقرب من حبيبتي وبخاف عليها. سيلا: حاضر يا ليل. دق على الباب ليهتف ليل: مين؟ الخادمة: ليل بيه، زياد بيه بيقول لحضرتك هما منتظرينك في أوضة المكتب تحت.
ليل: حاضر، أنا نازل. يلا سيلا غيري هدومك وارتاحي شوية من السفر، عقبال ما يجهزوا الغدا. قبلها على جبينها، قبلة يبث لها فيها مدى حبه الذي لا يستطيع أن يبوح به، فصغيرته ما زالت طفلة. نعود إلى غرفة المكتب حيث الأب والأخوات الثلاثة. سليم: أنت بتقول إيه يا طارق؟ أكيد التحاليل دي غلط. طارق: غلط إيه بس يا سليم؟ أنت دكتور وعارف إنها مش غلط. وأظن دي حاجة مش جديدة علينا، ما هو أخوك مات بنفس التشخيص (كانسر في المخ)
أنا عامل التحاليل في ألمانيا واتأكدت. الجد: اسكت، ما تقولش كده. هانعمل عملية وتخف، ما تجيبش سيرة الموت على لسانك. أنا مش هاقدر أستحمل إن أنت كمان تروح مني. ربنا يجعل يومي قبل يومك يا بني. طارق: يا بابا، ما فيش حد بيموت إلا في ميعاده (وقل لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا) . إيه زياد مالك ساكت كده ليه؟ زياد وهو يبكي في صمت وعبراته تسترسل على وجهه بغزارة: عايزني أعمل إيه؟
أنت جاي تقولي عدوك الوحيد اللي ما بتقدرش تهزمه ظهر تاني عشان ياخد أخويا، أعز حاجة عندي. وأنا واقف متكتف مش عارف أعمل حاجة. ياريت ما كنت قلت دا امتحان صعب قوي. أنت طول عمرك مش بتحب تقول حاجة لينا، اشمعنى السر ده اللي جيت تقوله؟ دا حمل تقيل أوي يا طارق. طارق: ده السر الوحيد اللي كان لازم أقوله ليكم قبل ما أقوله لليل. ولازم كمان سيلا ما تعرفش عن السر ده حاجة. أنا لازم أطمئن على بنتي قبل ما أموت.
الجد: ما تخافش يا حبيبي عليها، بنتك في عيني وحتة من قلبي. بس عشان خاطري، لو في عملية نعملها، يمكن ربنا يكتب لك الشفا من عنده. طارق: للأسف، أنا اكتشفت المرض متأخر والدكاترة قالوا ما فيش أمل. بس أنا كنت عايز آخد رأيكم في حاجة. أنا هاكتب كل ميراثي لسيلا وليل بالتساوي، وكمان هاخليه هو الوصي عليها. لو ده ها يزعلكوا مني، هالغي كل حاجة.
أنا كتبت وصية عند المحامي بكده، بس لسه مسجلتهاش. قلت آخد رأيكم الأول. أنتم لكم حق تورثوا فيا لأني مخلف بنت، ده حكم الشرع. يقوم زياد وسليم ويحتضنوا أخاهم ويبكوا الثلاثة. سليم: لاء يا حبيبي، يا ريت كل حاجة تروح وأنت تبقى كويس. أنا مش عايز حاجة. زياد: ملعون. الفلوس تتحرق، الفلوس اللي ما تدويش صاحبها نفعتنا بإيه الفلوس؟ الجد: هابني لك أكبر جامع وهاعمل لك قسم في المستشفى على اسمك يعالج المرض اللعين ده.
دخل ليل عليهم مندهشًا مما رآه أمامه، أنهم يبكون. ليل: مالكم في إيه؟ هو في حد مات ولا إيه؟ طارق بابتسامة وهو يمسح دموعه: لسه يا حبيبي، بس هايموت. ويبدأ يحكي له كل شيء لينفعل الآخر ويبكي، بل يصرخ فيه. ليل: لالا، لاء مش هاسمَح لك يا طارق بسهولة كده تروح مني، أنت فاهم؟ لما تيجي تقولي كده، هاسيبك تموت بسهولة كده؟ لاء يا طارق. سليم، اعمل حاجة. أنت دكتور. نسفره بره، نوديه أحسن مستشفى في الدنيا، بس مش هنسيبه يروح منا كده.
وأخيرًا وقع على الأرض في زاوية الغرفة يبكي، ينتحب عمه، بل هو صديقه، بل هو أباه، هو كل شيء له. يا الله، لما هذا العقاب؟ نحن لسنا بسيئين. ويقترب إليه طارق، يأخذه في أحضانه. طارق: يا حبيبي، ربنا ديمًا إذا أحب عبده ابتلاه، لو أراد. أنا هاخدك ونروح الحج قبل أجله ما يجي. بس المهم دلوقتي، أنا قولت لك إني عايز منك طلب، وده آخر طلب هاطلبه منك يا ليل. يقبل ليل
يد عمه ويبكي بنحيب مرتفع: وأنا قولت لك، أنا موافق على أي حاجة أنت عايزها من غير ما أعرف. طارق: عايزك تكتب كتابك على سيلا. ليندهش الجميع على تفكير أخوهم. الجد: إزاي يا طارق؟ البنت لسه صغيرة جدًا، ما فيش مأذون أصلًا هيوافق يجوزهم. طارق: لاء، في يا بابا. أنا سألت المحامي وقالي ممكن وهيبقى شرعي بس مش قانوني. يعني مش هيتسجل إلا لما تكمل سن الرشد. سيلا لسه صغيرة آه، بس أنا خايف عليها بعد ما أموت.
أمها تظهر، وتقدر تسيطر عليها، وهي بعيدة عنك يا ليل، لازم تبقى تحت عينك، ولازم تعرف إنك جوزها من دلوقتي. موافق يا ليل؟ ليل: موافق يا عمي. ابعت هات المأذون. طارق: مش عايز سيلا ولا أي حد يعرف حاجة عن الكلام ده، وأنت افرد وشك شوية، ما فيش عريس كتب كتابه النهارده يبقى وشه عامل كده. بس بقولك إيه، كتب كتاب بس يا ليل، فاهمني طبعًا. ها، مبروك يا حبيبي. ليل: ... زياد: خلاص يا ليل، مش عايزين الحريم اللي بره يحسوا بحاجة.
حضر المأذون، وتم كتب كتاب ليل وسيلا، التي كانت سعيدة جدًا جدًا وسط دهشة الباقين. وخرج ليل من المكتب، بل من القصر كله، وركب سيارته وجرى بها سريعًا. سليم: سامر، الحق ابن عمك أنت وأمير، وخليكم معاه. ليجري الاثنان ويذهبا خلفه. ليلي: لارا، ممكن تاخدي سجي وسيلا وتقعدوا في أوضتك؟ لارا: أوك يا ماما. تعالوا يا بنات نطلع فوق نهيص بقى براحتنا. سارة وهي توجه الكلام للرجال: ممكن بقى تفهمونا في إيه؟ دي البنت لسه صغيرة جدًا.
طارق: أنا اللي عايز كده يا سارة. البنت بتكبر، وهي كده كده بتسمع كلام ليل عني. وأنتم عارفين إن البنات في السن ده تفكيرهم بيبقى مشوش وسهل أي حد يسيطر عليهم بكلمة. وأنا خايف أمها تظهر وتاخدها مني، لكن كده ما تقدرش أبدًا تاخدها، لأنها هاتلاقي اللي يقف لها ويبعدها عن سيلا. ذهبوا خلفه كما قال لهم عمه، ليهتف سامر: سامر: هانروح ندور عليه فين بس يا أمير؟ أنا مش فاهم هو إيه اللي مزعله كده؟ دا المفروض يكون فرحان.
أمير: يعني هايروح فين؟ يا أما وقف عالنيل، يا أما على جبل المقطم. مكان ما بيقف تلاقيه زعلان عشان كتب كتاب بس مش جواز. بس بصراحة، سيلا صغيرة أوي، أنا مش فاهم إزاي عمك طارق وافق يجوزها بدري كده؟ هو لسه في حد بيعمل كده دلوقتي؟ سامر: آه يا خويا، في كتير. بس تصدق، الحركة دي شجعتني إني أكلم أبوك، أقول له اكتب كتابي أنا ولارا. على الأقل لارا خلاص هاتم سن الرشد، يعني أبوك مش ها يرفض. أمير: نعم يا حبيبي؟
أنت شيل الفكرة دي من دماغك خالص أحسن. وربنا أخدك، القسم أحبسك لحد ما أختك. الكلبوظة دي تكبر. ونتنيل نتجوز إحنا الاتنين سوا، دانا أكبر منك ياض وعايز تتجوز قبلي؟ لاء، فوق كده واتعدل بدل ما أعدلك أنا. سامر: بس يخرب بيتك! إيه قطر؟ اقف، اقف! ليل واقف بعربيته أهو. وقف أمام سيارته يبكي بشدة، ولكن حين رآهم قرر أن يقف هذا العذاب. لا يريد أن يرى أحد ضعفه، لا يريد أسئلة من أحد.
كان يمسك بيده زجاجة ما يشرب منها حتى يهدئ نفسه أو يتناسى ما هو فيه. اقتربوا إليه وتفاجئوا بحالته. أمير: إيه عريس؟ أنت بتستعد لليلة ولا إيه؟ هو مش عمك قال ما فيش جواز إلا لما سيلا تكبر؟ هههههههه. ليل: اميييير، أنا مش فايق لك خالص، ياريت تفصل عشان مش عايز أتجنن على حد. سامر: اهدي يا ليل، أمير بيهزر معاك. أنت ليه عامل في نفسك كده؟ دا أنت المفروض تكون فرحان. أنت عينيك حمرا كده ليه؟
شكلك شربت كتير. يلا خلينا نرجع، أنا هاسوق وأنت يا أمير تعالي ورانا. ليل: لاء، سيبوني وامشوا. مش عايز حد معايا، مش عايز أرجع أساسًا، القصر ده أنا مخنوق وتعبان أوي. أمير: طب تعالي يا ليل، حقك عليا، أنا أسف. تعالي، هاركب أنا معاك. وأنت يا سامر، تعالي ورانا. عادوا القصر الساعة الثانية صباحًا. ليجدوا الكل نائمين في ثبات تام، أو كما ظنوا هم، ولكن كان في عيون جفاها النوم وقلوب تتمزق ولا تستطيع التفوه حتى لا ينكشف أمرهم.
مرت الأيام وذهب الثلاثة بصحبة الجد الذي لم يفارق ابنه لحظة. حتى يشبع منه أو يحميه من المرض كما يظن، إلى الحج. قضوا مناسك الحج، ثم رجعوا إلى تركيا حتى يبدأ طارق في تسليم ليل كل شيء دون أن يعلمه بأمر الوصية. وأنه سلمه وائتمنه على كل شيء حتى ابنته، لذلك ازداد أكثر عصبية وغضب، لا يبتسم نهائيًا ولا حتى لها.
هي من كانت البسمة لا تفارقها، أصبحت تهابه كثيرًا، كل شيء بقي مرفوضًا بالنسبة لها، وما كان يهون الأمر حدته هو وجود الجد معهم. اشتد المرض عليه حتى حجز في إحدى المشافي الكبيرة، نائمًا مستسلمًا لأمر ربه، راضيًا بقضائه حتى يحين أجله. ليدخل عليه الغرفة ابن أخيه الحبيب الذي أحبه مثل ابنه، بل هو أكثر من ذلك عنده. وضع قبلة على جبينه وبدأ يجلس بجانبه. ليل: صباح الفل على أحلى طارق في الدنيا كلها.
طارق: صباح الخير يا بكاش، إيه اللي جابك بدري كده؟ دا أنتو ماشيين من عندي متأخر امبارح. ليل: أنا لو عليا مش عايز أسيبك لحظة، بس أعمل إيه في جدي اللي مش راضي يريح نفسه ويرجع الڤيلا ويسيبني أنا معاه؟ هو لسه نايم. طارق: أيوه نايم، فاهم إن بقعدته هنا مانع عني الموت، مش قادر يستوعب إن لكل أجل كتاب. أنا عايزك تبقى أوي وما تسيبهوش لما ييجي الأجل يا ليل، أوعي تهمل جدك.
ليل: كفاية يا عمي، بطل كلامك اللي بيكسر قلبي ده، إن شاء الله ربنا ها يعافيك، دا الشفا من عنده هو وبس. ومتخافش يا سيدي، جدي في عينيّا وسيلا حتة من قلبي، هحافظ عليها وعمري ما هاسمح لحاجة تمسها. طارق: طب يلا بقى، أنا عايزك تحميني واتوضى عشان أصلي. أحسن محمد أبوك ماسبنيش طول الليل معايا، شكلي وحشته وجاي ياخدني ولا إيه؟ ههههههه. بس بقولك إيه، لما يحصل، أوعي يا ليل تدفني هنا، وديني جنب أخويا، مش عايز أبقى هنا لوحدي.
ليبكي ليل على كلام عمه الذي يأخذ الأمر بهذه البساطة: حاضر يا حبيبي، مش هاسيبك هنا لوحدك أبدًا. بعد أن خرجوا من الحمام، وجدها وقد أتت برفقة حارس والدها الخاص، جالسة بجانب جدها تبكي في صمت. لقد طال مرض أباها وهي لم تعِ أي شيء، لا تدرك أنها نهايته. صلى طارق فرضه. وهو نائمًا على سريره، فقد أكله المرض تمامًا، حتى إنه لا يستطيع أن يقف، حتى أو يجلس على مقعد.
بعد أن انتهى من صلاته هو ووالده، أمسك والده مصحفه ثانية وجلس يقرأ فيه. ليل: طيب أنا هاروح أبص على الشركة وأخلص شوية شغل هناك، ولو عزت أي حاجة اتصل بيا، هاتلاقيني تحت رجلك. طارق: ربنا يبارك لي فيك ويحميك ويحفظك ديما يا ابني. كل اللي أنا عايزه منك تخلي بالك من سيلا، تحميها وتحافظ عليها، أنت سندها في الدنيا، ودي أمانتي عندك يا ليل. ليل ببكاء: حاضر يا عمي، في عينيّا، ماتخافش عليها.
يحتضنه ويتركه ويخرج من الغرفة ليجد حارسه جالسًا أمامها. ليل: أسد، خليك هنا معاهم، مش عايز حد يدخل عندهم، ولو حصل أي حاجة اتصل بيا فورًا. أسد: حاضر سيدي، لكن يوجد أمر ما كنت أريد أن أخبرك به، لأني لا أريد أن أزعج طارق بيك بأي شيء، وخصوصًا هذا الأمر. ليل: اتكلم يا أسد، في إيه؟ أنا مش ناقص ألغاز. أسد: السيدة هيام، والدة سيلا، خرجت منذ أسبوع تقريبًا من السجن.
ليل بغضب: مش عايز ألمحها جنب الڤيلا، مش عايز سيلا تعرف بوجودها نهائي، هي أو طارق. ولو بس فكرت تقرب، خدوها احبسوها في أي حتة لحد ما أشوفها أعمل معاها إيه. سيلا ماتخرجش من هنا لحد ما أنا أجي، ولو عزت حاجة من بره، ابعت حد يجيبها، أنت ماتتحركش من هنا، مفهوم؟ أسد: تحت أمرك يا سيدي. ذهب إلى الشركة ودلف إلى مكتبه، وجد تليفون من أسد. ليل: إيه يا أسد، في إيه؟ دا أنا لسه جاي، ما لحقتش أقعد حتى.
أسد ببكاء: ليل بيك، سيدي طارق، لقد نفذ أمر الله. وقع الخبر على رأسه وصدم مرة ثانية في والده، جلس على الأرض يبكي ويبكي ألم الفراق. ولكنه تماسك حتى ينهي كل شيء مثلما أراده حبيبه، إكرامًا له، قام وأمسك هاتفه واتصل على عمه زياد. زياد وكأنه كان ينتظر تليفونه: إيه يا ليل، في إيه؟ بتتصل بدري كده ليه؟ هو حصل حاجة؟ ليل ببكاء شديد: افتح قبر أبويا يا عمي، أنا هاجيب طارق وأجي، هو طلب يدفن جنبه.
زياد وكاد أن ينهار: لا إله إلا الله، اللهم أجرنا في مصيبتنا، حاضر يا ليل، بس خلي بالك من جدك يا ابني. ليل: حاضر، بس خلي سليم يحضر عربية إسعاف في المطار تحسبًا لأي حاجة. وأغلق الخط واتجه إلى المستشفى. دلف إليهم وجده راقدًا على سريره، مغطى كله حتى رأسه تمامًا. لا يظهر منه أي شيء، ووالده يبكي بجانبه، وكاد أن يقع من هول هذه الفاجعة. أما صغيرته، فهي كانت في حالة لا يَرثى لها، تصرخ وتصرخ، ولا يقوى أحد أن يسيطر عليها.
ضربها على وجنتها ولأول مرة، حتى فقدت الوعي. قال له الطبيب إنها دخلت في انهيار عصبي حاد. لم يسكن كثيرًا حتى وجد الجد المكلوم وقع أيضًا أثر جلطة قلبية. يا إلهي، ماذا بي أن أفعل؟ لم أقدر على تحمل كل هذا العذاب وحدي. أنهى كل شيء في المستشفى وطلب تحضير طائرة طبية، نقل عليها الجد وصغيرته اللذان أراحهم الله وأفقدهم وعيهم حتى يتلقى هو كل العذاب وحده.
نقل أيضًا الجثمان على الطائرة واستقل هو وأسد أيضًا، وأقلعت الطائرة بهم متجهة إلى القاهرة. هبطت الطائرة أرض المطار وترجل منها بحلته السوداء ونظارته الشمسية السوداء. وجدهم بانتظاره، كان متماسكًا حتى اقترب منه عمه سليم ليأخذه بين أحضانه. ويبكي الاثنان رحيل أغلى الرجال، بينما كان زياد يراقب نقل جثمان أخيه من الطائرة إلى سيارة الإسعاف. وتولى سامر وأمير أمر نقل الجد وسيلا إلى مستشفى الرويني.
انتشر خبر وفاة رجل الأعمال الكبير طارق الرويني سريعًا، حضر المعزون من رجال الأعمال وكبار رجال الدولة ليقدموا واجب العزاء. وتم دفن الجثمان بجانب أخيه، وأقامت العائلة الحداد والعزاء ثلاثة أيام. انقضت الثلاثة أيام وهي لم تعِ أي شيء، لم تفق من هذه الغيبوبة التي أراحتها من كل هذا العذاب. أما الجد، فبدأ أن يسترد جزءًا من وعيه بعد أن أذاب له سليم تلك الجلطة اللعينة التي كادت أن تقضي عليه، ونقل من غرفة العناية إلى غرفة خاصة.
الجد: روحوني بيتي، مش عايز أفضل هنا، عايز أموت على فرشتي. سامر: موت إيه بس يا جدي، أنت زي الفل، مش هينفع تخرج دلوقتي، لازم نطمن على صحتك. الجد: صحتي، أعمل بيها إيه؟ صحتي دي وأغلى الشباب بيروحوا من بين إيديا. قاعد أتفرج عليهم بدل ما هما يدفنوني، بيروحوا قبلي ليه؟ أستغفرك ربي وأتوب إليك، اللهم إني تركت لك أمري، فأجرني يا الله، سبحانك ربي إني كنت من الظالمين.
اللهم إني استودعتك أولادي، فاحشرهم بجانب حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، يا رب أعني على مصيبتي، يا رب أعني على مصيبتي. ليل: كفاية يا جدي، كفاية، عشان خاطري، لو بتحبني بجد، كفاية، أنا خلاص مش قادر أستحمل. ويمسك يد جده يقبلها ودموعه تجري عليها. الجد: خاطرك على راسي يا غالي، ربنا يرضى عنك زي ما رضيت وأكرمت ابني وشيلته للنهاية.
تصدق يا زياد أنت وسليم، ليل قبل أخوكم ما يموت، طلب منه يحميه ويخليه يتوضى، أتريه كان بيغسله وهو ما يعرفش، غسلت عمك وأكرمته في الغربة يا حبيبي، روح يا ابن محمد، قلبي وربي راضيين عليك. سليم: كفاية يا بابا، كفاية، أبوس إيدك، سامر، اديله حقنة مهدئة عشان يرتاح شوية. الجد: لأ، روحوني الأول، وبعدين اعملوا فيا اللي انتوا عايزينه، أنا مش عايز أفضل هنا.
وبعد أن غرس سامر الحقنة في زجاجة المحلول المعلقة بيده، بدأ مفعولها يسري في دمه. تدخل الممرضة سريعًا إلى الغرفة. الممرضة: دكتور سليم، الحقنا يا فندم، سيلا هانم فاقت وعاملة تصرخ وعايزة ترمي نفسها من الشباك. يجري ليل باتجاه غرفتها والكل من ورائه. سيلا: عااااااااااا، سيبوني، أنا عايزة أروح لدادي، سيبوني، أنا بقيت لوحدي، أنا مش عايزة أعيش، عايزة دادي. سيلاااااااااا.
هتف بها والتقطها من بين أيديهم لتستقر على صدره وتهدأ بين أحضانه. ليل: مش عايز حد هنا، اطلعوا كلكم بره. يستجيب الجميع ويخرج الكل، حتى أعمامه وأولادهم. ليحملها بين يديه ويجلس بها على المقعد وهي مازالت تبكي. تركها تخرج كل ما في صدرها من بكاء ونحيب في صمت تام. لم يتكلم بأي كلمة، إلى أن هدأت ونامت وهي جالسة على قدمه.
حملها ثانية ونيمها في التخت ودثرها جيدًا بالغطاء، وفرد جسمه بجانبها، دون أن يعي، ذهب هو الآخر في نوم عميق من كثرة الإجهاد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!