-موافقة. ولما لا تنتقم كما انتقم هو! لماذا لا تنتقم لكرامتها التي تمت إهانتها على يديه! لماذا لا تجعل حياته جحيماً مثلما فعل! تلك هي الفرصة التي لا تأتي إلا مرة واحدة وهي لن تتخلى عنها. ستذيقه العذاب بلا رحمة وهي تستطيع فعلها. لذا همست هي بتلك الكلمة بعدما مرت تلك الأفكار المجنونة برأسها. فأومأ هو لها بصمته المريب قبل أن ينهض ليتحرك خارجاً من الغرفة. فهمست هي وقتها بغل وهي تضرب قدمها بالأرض بانفعال:
-إن مكسرتش قلبك يا شيطان انت زي ما عملت فيا مبقاش "سيليا". *** -ما كفاية قعاد في الأوضة يا "رحيق". ده انت من ساعة ما جيتي وانت مخرجتيش. قالتها "تالين" وهي تتأمل ملامح وجه صديقتها التي كانت شاحبة واهنة بصورة لا تبشر بالخير. هي حتى لم تصدق عينيها عندما رأتها للمرة الأولى بوجهها الذابل وتعابير وجهها التي فقدت حيويتها وحماسها المعهود. وفي تلك اللحظة ردت "رحيق" بنبرتها المبحوحة من فرط البكاء خلال تلك الفترة الطويلة:
-عملتي إيه في موضوع الشغل اللي قولتلك عليه؟ ابتسمت "تالين" بخفة قبل أن ترد عليها بفخر: -مش قولتلك ثقي فيا، كده كده صاحب الشركة اللي بشتغل فيها مصري زينا وزي ما تقولي كده صحاب أوي. وأول ما عرف إن حد تبعي محتاج شغل وافق علطول إنك تشتغلي. أومأت لها بصمت وهي تضم كلا ركبتيها لصدرها. فاقتربت منها "تالين" لتجلس بجانبها على الفراش. ثم ربتت على ظهرها قائلة بحنو وبنبرة لطيفة:
-أنا مش هتكلم في فكرة إني حذرتك كتير. ولا هتكلم في نتيجة تصرفاتك الغلط. أنا بس عايزة أقولك إن كلنا بنغلط وبنتعلم من غلطنا. وبنقابل في ناس وبنفارق فيهم. وفي الأول بنحس إن الحياة واقفة بس صدقيني هي مبتقفش على حد وبتكمل عادي جداً. هزت "رحيق" رأسها نافية قبل أن تهمس بيأس وهي تحاول السيطرة على عبراتها التي التمعت بعينيها بتلك اللحظة: -ميتهيأليش إنها هتكمل عادي جداً.
عقدت "تالين" حاجبيها بذهول تتعجب من انعدام الأمل الذي سيطر عليها. فلعقت هي شفتيها قبل أن تتساءل بتردد وهي تتابع تعابير وجهها باهتمام: -"رحيق" انت حبيتيه؟ رمشت "رحيق" بعينيها عدة مرات بارتباك قبل أن تهمس بنبرة غريبة: -تقصدي "برق" مش كده؟ أومأت لها "تالين" عدة مرات وهي تستمع لها باكتراث وهي تقول: -يمكن لا. بس عمري في حياتي ما حسيت إني خذلت حد للدرجة دي.
ثم تابعت بأسف ظهر في نبرتها المرتجفة بوضوح. أما عبراتها فهي ظلت تحاربها بضراوة حتى انهارت على كلا وجنتيها: -حبه ليا. وحمايته ليا حسسوني إني ليا ضهر أتسند عليه. بس في نفس الوقت حسيت إني مستاهلش ده. ولا هو يستاهل ده. هو يستاهل الأفضل يا "تالين". ثم أكملت وهي تنتحب بحرقة ملحوظة في نبرتها التي سيطر عليها القهر: -كلامه وكل حاجة هو عملها كانت زي القلم اللي نزل على وشي عشان يفوقني من اللي كنت فيه.
تابعت بنبرة ضعيفة وعبراتها الحارة تلهب كلا وجنتيها. بينما صديقتها تتابعها بأسى حقيقي ظهر في عينيها التي كانت تنظر لها بحزن: -بالرغم من قسوة كلامه إلا إني ممتنة ليه إنه فوقني. تعرفي أنا عمري ما كنت أتمنى إن حد يحسسني إني رخيصة بالشكل ده. "برق" عمل كده وبالرغم من ده إلا إني عمري ما كرهته. سحبتها صديقتها بهدوء ناحيتها لتربت على ظهرها بحنان هامسة بنبرة مغتمة على ما حدث لها:
-إنسي يا "رحيق" عشان تعرفي تعيشي. إنسي عشان ترتاحي. *** -أخبار الشغل إيه يا "وافي"؟ قالتها "سيليا" بجدية بعدما دلفت للصيدلية الخاصة بها. لتوجه حديثها لـ "وافي" الذي يعمل معها بها. فرد هو عليها ببشاشة: -حمدلله على السلامة يا دكتورة "سيليا". الشغل تمام. أومأت له عدة مرات ونظراتها متعلقة بتلك الفتاة التي كانت تبتسم لها بمجاملة. فأشارت لها برأسها باستفهام قبل أن تنظر لـ "وافي" الذي رد عليها بهدوء:
-دي "ياقوت" هي جديدة هنا. أنا لقيت حد جديد معانا زي ما حضرتك طلبتي. أومأت له بصمت قبل أن تهتف باقتضاب: -نورتي يا "ياقوت". ردت عليها "ياقوت" برقة وهي تفرك كلا كفيها بتوتر: -بنورك. كادت "سيليا" أن ترد ولكنها توقفت عندما تعلى صوت رنين هاتفها. فأخرجته من جيب بنطالها وهي تنظر لشاشته لتعرف هوية المتصل. فضغطت عليه بعدما عقدت حاجبيها بذهول وهي تضعه على أذنها قائلة: -الو. استمعت لرد "بيسان" والدة زوجها
بتأفف قبل أن تهتف بإيجاز: -حاضر نص ساعة بالكتير ويكون عندك.. سلام. أغلقت الخط قبل أن توجه حديثها لـ "ياقوت" التي تابعتها بارتباك ملحوظ: -"ياقوت" في دوا هتاخديه وتوديه على العنوان اللي هكتبهولك. التقطت تلك الورقة والقلم من على تلك الطاولة الصغيرة قبل أن تدون عليه العنوان بالتفصيل. فألقت نظرات سريعة على "ياقوت" التي ظهر على تعابير وجهها الرفض الواضح. فصاحت وقتها "سيليا" بنبرة بثّت بعضاً من الأمان لقلبها:
-متخافيش يا "ياقوت" أنا مودياكي لحماتي يعني حد واثقة فيه. مدت كفها بالورقة تجاهها فالتقتها "ياقوت" بكف مرتجف وهي تومئ عدة مرات بقلة حيلة. فهذا هو أول يوم لها بالعمل الذي لا تريد خسارته أبداً! *** -انت فين؟ قالها "تميم" بنبرته الباهتة وهو يستند بجسده على ذلك الحائط. فرد عليه "برق" بنبرة مستهزئة: -و بتسأل ليه؟ تنهد بعمق قبل أن يهتف بضيق واضح بنبرته المهتزة: -خلص يا "برق" انت فين؟
رد "برق" بتلك اللحظة بعدما لاحظ نبرته التي لا تبشر بالخير بل تدل على وجود مصيبة ما: -رجعت القاهرة في بيتي. تحرك "تميم" بتلك اللحظة خارجاً من البيت لحديقته ليهتف على عجالة وهو يتجه ناحية سيارته: -أنا جايلك دلوقتي حالاً. أغلق الخط بعدها مباشرة وهو يصعد سيارته ليدير محركها وهو ينطلق بها سريعاً. وبداخله نيران تتأجج بصدره بلا رحمة. ***
تنفست بعمق قبل أن تطرق على الباب بعدة طرقات خفيفة وهي تضغط على الحقيبة البلاستيكية التي كانت بين يديها. وبعد عدة لحظات فتحت "بيسان" لها الباب قائلة بتعجب: -انت مين؟ ردت "ياقوت" وقتها بنبرة مرتجفة وهو تحاول التخلص من شعور التوتر الذي داهمها بصورة مفاجئة بتلك اللحظة: -أ.. أنا "ياقوت" شغالة في صيدلية دكتورة "سيليا" هي قالتلي أجي على العنوان ده وأديكي الدوا ده.
أكملت جملتها لتمد ذراعها بالحقيبة البلاستيكية بعدها مباشرة تجاه "بيسان" التي ابتسمت بخفة لتلتقطها منها قائلة بترحاب: -أهلاً وسهلاً. ابتسمت "ياقوت" بصورة هادئة وكادت أن تتحرك لتغادر المكان ولكن "بيسان" أوقفتها عندما هتفت بإصرار واضح بنبرتها: -إيه ده انتِ هتمشي ولا إيه! مينفعش تيجي هنا من غير ما تدخلي وتشربي حاجة. اتسعت ابتسامتها المجاملة وهي تهز رأسها رافضة:
-ميرسي جداً لذوق حضرتك بس أنا فعلاً مش هقدر ورايا شغل ولازم أرجع تاني. قبضت "بيسان" على ذراعها برفض صائحة بنبرة صارمة لا تتحمل النقاش: -أنا قولت مينفعش تمشي يعني مينفعش تمشي. لازم تدخلي تشربي حاجة.
تنهدت "ياقوت" بحنق عندما رأت إلحاحها العجيب. وكادت أن ترفض بعجرفة ولكنها تذكرت هوية تلك المرأة. فهي والدة زوج ربة عملها وبالتالي لن تستطيع رفض أي طلب لها وإلا ستخسر عملها الذي لن تجد غيره بالتأكيد خلال تلك الفترة. لذا وبمنتهى قلة الحيلة أومأت لها بتبرم أخفته بابتسامتها الخفيفة. لتدلف بعدها مع "بيسان" التي رحبت بها قائلة: -يا أهلاً وسهلاً.
سارت "ياقوت" معها تجاه غرفة الصالون التي دلفتها لتجلس بعدها مباشرة على تلك الأريكة الفاخرة. وبتلك اللحظة صاحت "بيسان" بهدوء: -أنا عاملة عصير مانجا تحفة لازم تدوقيه... تمام؟ أومأت لها عدة مرات قبل أن تهتف بلباقة: -زي ما حضرتك تحبي. أومأت لها "بيسان" بخفة قبل أن تخرج من الغرفة. بينما هي تهمس بنبرة غير مسموعة ولكنها تدل على غيظها الشديد من ذلك الموقف الذي وقعت فيه:
-أنا كان مالي بحماتها ولا مرات أبوها. ما كانت تروح هي ليها! وفجأة تعلقت أنظارها بتلك الصورة الموضوعة على الحائط. فجحظت عيناها بصدمة وهي ترى ذلك البغيض الذي لم تنس ملامحه ولو ليوم. وبتلك اللحظة دلفت "بيسان" ولم تشعر بها بسبب انهيارها الذي ظهر عندما صرخت بهلع وهي تتراجع للخلف لتنكمش على نفسها برعب صائحة بتوسل وهي تبكي بهستيرية: -إبعدوه عني لا. اتسعت حدقتا "بيسان" وهي تتراجع بخطواتها للخلف قليلاً متسائلة بصدمة:
-حصلك إيه يا بنتي؟ وضعت كوب العصير على الطاولة وهي تنظر تجاه صورة "إياد" التي كانت نظراتها مصوبة ناحيتها. وكادت أن تتابع حديثها بتساؤل. ولكنها توقفت عندما قبضت "ياقوت" على ذلك الكوب لترميه ناحية إطار الصورة بمنتهى العنف ليتحطم زجاجه وهو يقع على الأرضية ليزداد تحطمه. بينما هي تتابع صراخها باهتياج وجسدها يرتجف بقوة. لتخبئ بعدها وجهها بكلا كفيها بارتعاب شديد: -لا متخليهوش يقرب مني هو وصاحبه ده لا.
إنتحبت بألم وهي تحاول التنفس بصورة طبيعية، وكل ذلك وسط شهقاتها التي تتعالي بصورة سريعة. وفجأة شعرت بكف "بيسان" التي ربت على ظهرها، فإزدادت رعشة جسدها وهي ترفض صارخة بعصبية وعروق نحرها تبرز بوضوح: -متقربيش مني، إبعدي عني. إنتفضت "بيسان" مبتعدة وهي تلاحظ سوء حالة تلك الفتاة، لذا إلتقطت هاتفها من على الطاولة وهي تضغط عليه عدة ضغطات قبل أن تضعه على أذنها قائلة بخوف: -"سيليا"، إلحقيني بسرعة. *** -مش ناوي تتكلم؟
قالها "برق" بعد صمت صديقه الذي طال لعدة دقائق. فرد وقتها "تميم" وتعابير وجهه الباهتة تنكمش بأسي: -عمري ما كنت أصدق إنه كدة يا "برق". ثم تابع بإستياء وهو يطرق رأسه بحزن ليخفي عبراته التي إلتمعت بعينيه لتوضح مدى صدمته التي لم يستطع تجاوزها حتى الآن: -فضلت مش مصدق كتير، بس كل حاجة ضده. كل حاجة بتقول إنه كان ***.
عقد "برق" حاجبيه بعدم فهم، وكاد أن يتسائل بفضول، ولكن توقف عندما وجد صديقه ينظر في عينيه مباشرة وعبراته تتهاوي على كلا وجنتيه. فهمس هو بتلعثم وهو يزدرد ريقه بصعوبة بالغة: -سامعك.. ي..يا "تميم"، كم..كمل. إرسمت على ثغره ابتسامة جانبية مريرة قبل أن يهتف بعدم استيعاب مازال يسيطر عليه حتى الآن:
-مصدقتش "سيليا" لما قالت إن "إياد" كان بيحاول يعتدي عليها، حتى "بلال" لما اعترف وقال إنه كان ناوي على كدة، عقلي مش راضي يستوعب دة. جحظت عيناه بصدمة قبل أن يهمس بدهشة: -إية؟ تابع "تميم" بنبرته الباكية وهو يمرر كلا كفيه على وجهه ليجفف عبراته الغزيرة: -"سيليا" وقتها طلبت الطلاق، بس أنا رفضت وطلبت منها تفضل معايا! فغر "برق" فمه بتعجب قبل أن يتسائل وهو يتابعه بنظراته المشدوهة: -لية طلبت منها دة؟
رد عليه "تميم" وهناك نيران تشتعل بكلا عينيه بوميض مخيف لا يبشر بالخير، لينظر لصديقه بنظراته النارية المرعبة: -عشان لسة مش مقتنع بإن "إياد" عمل كدة. أنا لسة متأكد إن في حاجة غلط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!