صباح يوم جديد. -مش عايزة أكل حاجة. قالتها رحيق بعدما وجدته يضع صينية الإفطار أمامها على الفراش، ثم تابعت وهي ترفع عينيها المتورمتين من فرط البكاء لتنظر في عينيه مباشرة، قبل أن تهمس بنبرة ضعيفة: -هكلمه إمتى؟ جلس أمامها على الفراش قبل أن يهتف بجدية وعلى وجهه علامات الجمود الواضحة: -إحنا مش اتفقنا أي حاجة أطلبها تنفذيها بدون نقاش وإلا هقول أخوكي كل حاجة.
لوت شفتيها بإشمئزاز، ونظرات الكراهية تشع من عينيها بوميض ملحوظ، ثم مدت كفها ناحية الصينية لتلتقط منها عدة لقيمات قبل أن تأكلها بصورة سريعة، لتبعد عنها الصينية وهي تبتلع الطعام بصعوبة واضحة، ثم هتفت بنبرتها المبحوحة قائلة: -هكلمه إمتى؟ أخرج هاتفها من جيبه قبل أن يهتف ببرود، وهو يضغط عليه عدة ضغطات، ليتفحص تعابير وجهها الشاحبة بإهتمام: -دلوقتي، والدتك إتصلت بيكي كتير أوي، أكيد عايزة تحذرك من أخوكي. جحظت عيناها بصدمة
قبل أن تهتف بإستهجان: -هي ماما ممكن تكون عرفت! هز كلا كتفيه قبل أن يجيبها بصوته الأجش، لتلمع تلك الدموع بعينيها مرة أخرى: -ممكن لية لأ؟ ثم تابع بهدوء وهو يضغط على الهاتف عدة ضغطات، قبل أن يضعه على أذنها قائلاً: -خدي كلميه، وزي ما اتفقنا. قبضت على الهاتف بخفة وبعد عدة ثوان همست بثبات: -الو. أتاها رده فإزدردت ريقها بتوتر، قبل أن ترد عليه بنبرتها التي لا تطمئن:
-معلش يا بلال حصلتلي مشكلة هبقى أحكيلك عليها، ومع الأسف مقدرتش أكلمك. كادت أن تتابع حديثها ولكنها وجدته يهمس بنبرة لم يسمعها غيرها: -إفتحي الـ Speaker. فتحت مكبر الصوت بكفها المرتجف، ثم تابعت بنبرة شبه هادئة: -فاكر الكافيه اللي اتقابلنا فيه هنا قبل كده يا بلال؟ أتى رده عليها بنبرته اللعوب التي جعلت برق يرمقها بإحتقار، رأته هي في عينيه لتطرق رأسها بحرج: -طبعاً، وهو اليوم ده يتنسي؟
دي كانت أول مرة تزوغي من أخوكي وتجيلي نتقابل يا روحي. لعقت شفتيها بإرتباك، قبل أن تهمس بضيق، وهي تزفر بحنق: -هنتقابل فيه كمان ساعتين. أغلقت الخط بعدها مباشرة، وهي تلقي الهاتف على الفراش، ثم ضمت كلا ركبتيها لصدرها بصمت مريب، بينما هو يتابعها بنظراته التي تحولت خلال ثوان من نظرات مشمئزة إلى أخرى مشفقة على حالتها التي لم يتوقع أبداً تدهورها إلى تلك الدرجة، إزدرد ريقه قبل أن يهتف بلهجة آمرة وهو ينهض ليلج لخارج الغرفة:
-كُلي... عايز أرجع ألاقي الأكل كله خلصان. تابعته بنظراتها الغير مفهومة، وبعد لحظات تعلقت أنظارها بالهاتف وعينيها تلمع بوميض قوي، وفجأة تراجعت عن تلك الفكرة، نعم فهي لن تحذر بلال، يكفي ما حدث لها بسببه، كل ما تفكر به الآن هو الهروب من ذلك الحقير، ولكن ماذا عن شقيقها؟ ماذا عن والدتها التي علمت عنها كل شيء؟ وبتلك اللحظة انهمرت عبراتها بلا توقف... لم تكن تتمنى أن تعرف والدتها أي شيء عن حقيقتها المخجلة، الحيرة تكاد
تقتلها وهي تسأل نفسها: هل عشقت بلال أم لا؟ ماذا عن إياد؟ كورت قبضتها بعنف وهي تطبق جفنيها بألم شديد لتتابع أسئلتها! من هي برواية الجميع؟ هل هي الشريرة ذات الشخصية الكريهة؟ أم إنها البطلة المعشوقة؟ أم هي الفتاة الطيبة التي تنتظر رجل ما لينتشلها من وسط كل ذلك؟ أم إنها جميعهم؟ وفجأة مر على بالها أهم سؤال: لما لم يخبر برق شقيقها بوجودها معه؟ أم إنه ينتظر بلال ليسلمه لشقيقها وهي معه؟ *** -ممكن تهدي؟
أكيد هنلاقي حل لكل ده... بس أرجوكي إهدي. قالتها سيليا بتوتر، وهي تربت على ظهر بيسان برفق، فردت وقتها والدة زوجها باكية وهي تخفي وجهها بين كلا كفيها: -مش عارفة أوصل لحد من عيالي، مصيبة لو يكون تميم أذى أخته! فركت سيليا كلا كفيها قبل أن تهتف بتساؤل بعدما مرت تلك الفكرة مباشرة على رأسها: -تعالي نسافر ليهم، مش هما في إسكندرية زي ما بتقولي. إتسعت حدقتاها قبل أن توافقها الرأي قائلة: -صح عندك حق، يلا لازم نسافر دلوقتي.
هبت بيسان واقفة لتركض ناحية غرفتها، بينما سيليا تزفر بضيق وهي تهمس بنبرة خافتة: -لولا إني خايفة من المشاكل ومن كلام الناس كان زماني هربت من بيت المجانين ده. *** -سيليا... بنتي. همست بها سندس بعدما فتحت عينيها مباشرة، فوجدت ابنها يحيي يركض ناحيتها صائحاً بـ: -هدي نفسك يا ماما، الدكتور قال بلاش عصبية. تلاحقت أنفاسها وهي تعتدل في جلستها قائلة والدموع ملتمعة بعينيها خشية من إصابة فلذة كبدها بأي ضرر: -بنتي، سيليا فين؟
لعق كلا شفتيه بحيرة وهو يتأمل حالة والدته التي كانت على وشك الانهيار، ثم هتف بعد عدة لحظات وهو يقترب منها ليربت على ظهرها بحنو: -أبوس إيدك إهدي وأنا أوعدك بليل هاخدك ونروح نشوفها. هزت رأسها رافضة وهي تصرخ بـ: -دلوقتي يا يحيي، أنا مش هسيب بنتي في المصيبة دي. كادت أن تنهض ولكنها أوقفها قائلاً برجاء: -يا أمي أرجوكي إسمعي الكلام، إنتي تعبانة دلوقتي، إهدي كده وصدقيني بليل هاخدك ونروح.
أومأت له بقلة حيلة وهي تمرر كلا كفيها على وجهها بحزن لتتسائل بعدها بحيرة: -يا ترى إنتي عاملة إيه يا بنتي؟ *** -ياقوت. صاح بها زاهر بعدما نهض من على فراشه يبحث عنها، فدَلفت هي للغرفة لتجيبه قائلة: -في حاجة يا زاهر؟ إزدرد ريقه قبل أن يرد عليها بنبرته الهادئة: -كـ..كنت بدور عليكي. رمقته بتأفف، فشعر هو بضيقها، لذا صاح بتوتر: -إنتِ لسه زعلانة من اللي حصل امبارح؟ أنا مـ... قاطعته بقسوتها المعهودة وهي تصيح بنبرتها الحادة:
-هتطلقني إمتى؟ إزدرد زاهر ريقه مجدداً قبل أن يرد عليها والعبرات تلمع بعينيه: -نتطلق! نتطلق لية؟ عقدت كلا ساعديها أمام صدرها قبل أن ترد عليه بنبرة باردة: -طالما مش بتنفذيلي طلباتي يبقى تطلقني. فرك كلا كفيه بتوتره المعتاد قبل أن يرفض قائلاً بإرتباك: -ياقوت إحنا متكلمناش في موضوع الشغل ده قبل الجواز، وحالياً أنا رافضه لكذا سبب منهم إني مش عايز أقعد لوحدي ومش متعود أقعد لوحدي، وبعدين هتشتغلي لية ما بابا بيدينا كل شهر..
قاطعته مجدداً صارخة بنبرة جحيمية لا تتقبل النقاش: -وأنا مش هستنى فلوس من حد أنا عايزة أنزل أشتغل عادي جداً زي أي حد. زفر ببعض من العصبية وهو يشعر بعنادها الذي أصبح يتحكم في حياتهما، كان يتقبل كل ذلك حتى لا ينغص عليها حياتها ولكن بات الأمر غير محتمل، لذا وبعد عدة لحظات من الصمت صاح هو بثبات: -لا يا ياقوت مفيش لا شغل ولا طلاق. زفرت بإنفعال قبل أن تصرخ بإهتياج والشر يتطاير من عينيها:
-إنتِ كمان بتتحكم فيا، مش كفاية وافقت أتجوزك. أطبق جفنيه بألم وهو يحاول تحمل كلماتها القاسية تلك، ثم مد كفه ناحية ذلك الحائط الذي بجانبها، ثم سار بحذر حتى خرج من الغرفة، بينما هي تخرج خلفه صائحة بنبرتها المهتاجة: -إنتِ هتسيبني وتمشي؟ رُد عليا زي ما بكلمك وبطل أسلوبك البارد المقرف ده..
وفجأة إبتلعت بقية كلمتها بذعر عندما وجدته يستدير فجأة ليقبض على فكها بعنف، فشـهقت هي بصدمة وهي تنظر لتعابير وجهه الحادة بتوتر، ثم إنتفض جسدها بصورة مفاجأة عندما صاح هو بإحتدام أفزعها: -متستغليش محاولتي في إني أكون كويس معاكي بالطريقة دي، مش عشان محترم زعلك ومشاعرك تهينيني كده وتفتكري إني مش قادر أخليكي تعيشي في جحيم... فوقي. ثم تابع بنزق وهو يشدد قبضته على فكها: -الأعمى اللي مش عاجبك ده ممكن يدمرك يا ياقوت.
أكمل بقلة حيلة وهو يتركها: -بس أنا مش هعمل كده. إزدردت ريقها وأنـفاسها متلاحقة فأخذ صدرها يعلو ويهبط من فرط لهاثها، بينما هو يردف من بين تنهداته الحارة: -عشان أنا بحبك يا ياقوت. إستدار للخلف وهو يتابع سيره تجاه غرفة أخرى، بينما هي تحاول استيعاب ما حدث منذ قليل، كانت تظن إن لهجتها الصارمة تلك ستؤثر على شخصيته الضعيفة لكي لا يرفض لها أي مطالب، ولكن خاب ظنها لتحاول وقتها أن تجد خطط بديلة! *** -إتأخرت لية دي!
قالها وهو ينظر في ساعة يده بتأفف، وفجأة وجد النادل يقترب منه وعلى وجهه تلك العلامات الماكرة، فتسائل هو بعجرفة: -خير؟ رد عليه النادل بلؤم وهو يتفحصه بنظراته الخبيثة بعدما أخرج تلك الورقة الصغيرة من جيبه: -في واحدة برا قالتلي أديك الورقة دي. إلتقط منه الورقة ليفتحها قبل أن يتفحصها بعينيه فوجد محتواها (أخويا شكله عرف كل حاجة وشكله كمان موجود هنا وبيدور عليا، إطلعلي برا الكافيه هتلاقيني مستنياك) ...
عقد حاجبيه بعدم فهم وهو يشعر بعدم إطمئنان شديد خاصة من نظرات ذلك النادل الغير مريحة، فتنهد بعمق قبل أن ينهض من على كرسيه وهو يتجه ناحية الخارج بخطواته البطيئة وشعوره بعدم الأمان يزداد، تقدم بخطواته للأمام وفجأة وجد عدة رجال يقتربون منه، ففهم وقتها إن هناك فخ ما منصوب له خاصة عندما عنّت نظراته تجاههم ليجد برق معهم، فركض وقتها بأقصى سرعته و خلفه هؤلاء الرجال وبرق! -مش كنا استنينا لبليل أحسن؟
قالها يحيي ببعض من التوتر وهو يسير بجانب والدته التي تجاهلت ما يقوله من الأساس. لتتقدم بخطواتها تجاه الحارس قائلة: -عايزة أقابل بنتي سيليا. نهض الحارس باحترام، هاتِفًا بلباقة: -سيليا هانم وبيسان هانم سافروا يا سندس هانم. عقدت حاجبيها بذهول، قبل أن تتساءل بصدمة قائلة: -سافروا! سافروا فين؟ رد عليها الحارس تلقائيًا بابتسامة خفيفة:
-كل اللي أعرفه إنهم كلهم حتى تميم بيه سافروا اسكندرية، بس هي والهام لسة مسافرين من يجي ساعة كدة ولا حاجة. أومأت للحارس عدة مرات وهي تستدير للخلف لتسير قائلة وهي توجه حديثها لابنها: -يلا بينا. سار بجانبها وهو يتساءل قائلاً: -هنروح فين؟ ردت عليه بصرامة لا تتحمل النقاش: -هنسافر لبنتي اسكندرية. كانت تأكل بعض اللقيمات من على تلك الصينية وفجأة توقفت عندما استمعت لباب الشقة الذي ينفتح.
فظنته برق ولم تهتم، ولكنها هبت واقفة بصدمة ظهرت على تعابير وجهها ما إن وجدت شقيقها تميم يدلف للغرفة. لتجحظ عيناها بذعر، وجسدها يرتجف بهلع!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!