أجهشت بالبكاء المرير وهي ترمي نفسها على الفراش لتخفي وجهها بكفيها، لتحارب وقتها تلك الذكريات الكريهة التي داهمتها بلا رحمة. لتتذكر وقتها ذلك الأحمق، وذلك البيت، وذلك اليوم. بينما "بيسان" تدخل الغرفة بخطواتها المتوترة وهي تتساءل قائلة بنبرة لطيفة: -سيليا، انتِ كويسة؟
جزت على أسنانها وهي تكتم صوت بكائها ليخرج منها وقتها ذلك الأنين الخافت، وهي تتمنى لو كان لديها قدرة على البوح بكل ما ينغص عليها حياتها، بكل ما يؤلم قلبها، بكل ما يحرق روحها المسكينة. بينما "بيسان" تلاحظ تلك الحالة الغريبة التي كانت فيها، لتقترب وقتها منها بخطوات مترددة، لتجلس بجانبها على الفراش، ثم مدت كفها بارتباك، لتسحب كفيها من على وجهها، فوجدت تلك العبرات تغمر وجنتيها. لذا صرخت هي وقتها بصدمة، فهي ولأول مرة
تراها بتلك الحالة المزرية: -سيليا، حصلك إيه؟ صرخت باكية بألم، وهي ترمي نفسها بين أحضانها، لتنتحب بحرقة وهي تتشبث بملابسها. بينما "بيسان" تربت على كتفها بعدما جحظت عيناها بعدم تصديق. أتلك هي الفتاة القوية التي تزوجها ابنها؟ ما الذي حدث ليجعلها في حالة انهيار تصيب المرء بالدهشة هكذا؟ لاحظت ارتجاف جسدها العنيف، فاحتضنتها بحنان هامسة بـ: -كل حاجة هتبقى تمام، اهدي، كفاية عياط وبـ...
وفجأة قاطعها "تميم" الذي دخل الغرفة بخطواته الراكضة كالثور الهائج، فسألته هي غاضبة بملامح عابسة، بينما "سيليا" تتشبث بها وهي غافلة عن كل شيء: -عملت فيها إيه؟ كادت أن تتابع صارخة باهتياج، ولكنها توقفت عندما وجدته يخرج من إحدى الأدراج سلاحًا ناريًا ليضعه بجيبه، فهبت هي واقفة تاركة "سيليا" التي جففت عبراتها سريعًا لتتابع وقتها ما يحدث. بينما "بيسان" تصرخ برعب: -واخد المسدس ده وهتعمل بيه إيه؟
كاد أن يتركها غير مكترث لها، ولكنها أوقفته عندما قبضت على ذراعه لتجعله يقف قبالتها، وهي تتابع صارخة بتساؤل: -رد عليا السلاح ده واخده ليه؟ أجابها بنبرة مهتاجة والشر يتطاير من عينيه، بينما "بيسان" المصدومة تتابعه بعدم تصديق. أما "سيليا" فهي ما زالت تتابع ما يحدث لتفهم وقتها ما يقصده زوجها: -بنتك مسافرتش لخالها، خالها مش في إسكندرية أساسًا. عقدت حاجبيها لتحاول تجاهل ما يرمي إليه بحديثه قائلة: -أمال سافرت لمين؟
تحرك وقتها ليسير بخطواته السريعة صائحًا بـ: -ده اللي أنا هعرفه، بس لو طلع اللي في دماغي صح مش هرحمها يا ماما. تسمرت بمكانها وهي تراه يخرج من البيت، وفجأة شعرت بدوار عنيف فترنحت في وقفتها وهي تستند على باب الغرفة. بينما "سيليا" تنهض من على الفراش سريعًا لتتجه ناحيتها صائحة بوجل: -انتِ كويسة؟ ازدردت "بيسان" ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تهمس بهلع، وقد امتقع وجهها: -هاتيلي تليفوني بسرعة من أوضتي.
عقدت "سيليا" حاجبيها ببعض من التعجب قبل أن تتركها وهي تؤمئ لها برأسها عدة مرات، بينما "بيسان" تتمتم بإصرار والدموع تلتمع بعينيها: -حتى لو كان اللي بيقوله صح، لازم أنقذ بنتي. *** -هروح فين بس الكام ساعة دول؟ قالتها "رحيق" وهي تزفر بحنق، ثم سحبت خلفها حقيبتها الكبيرة وهي تتنهد بعمق، هامسة بـ: -كنت ناقصة الزفت اللي اسمه "برق" ده!
وفجأة وجدت سيارة تمر بجانبها فألقت عليها نظرة سريعة قبل أن تكمل سيرها، ولكن لفت نظرها ذلك الرجل الذي أخرج رأسه من النافذة قائلاً بجدية: -مش انتِ "رحيق" أخت "تميم"؟ عقدت حاجبيها بذهول قبل أن تتوقف لتتوقف السيارة معها، اقتربت منه هامسة باستفسار وهي تشعر بعدم الاطمئنان ولكن فضولها الأحمق منعها من إكمال سيرها لتعرف هوية ذلك الشخص الذي يعرفها: -أيوه خير؟
كاد أن يرد عليها، بينما هي تتابعه باهتمام واضح، وفجأة وجدت رجلًا ما يكمم فمها من الخلف ليسحبها تجاه السيارة بصورة سريعة أصابتها بالفزع الشديد، فظلت تحاول المقاومة ولكنها لم تستطع خاصة عندما أخذها بالفعل لداخل السيارة لتشعر وقتها برجل آخر يلف تلك القماشة على عينيها لتصبح الرؤية لديها معدومة. *** -مبتردش دي ليه؟ قالها "بلال" بعصبية وهو يغلق هاتفه ليضعه بجيبه، ثم دخل لغرفته بذلك الفندق وهو يتمتم غاضبًا:
-المفروض بقى أعمل إيه بعد ما الهانم مردتش عليا؟ مرر كفيه على وجهه بعنف، قبل أن يرمي نفسه على تلك الأريكة متسائلاً بحيرة: -ياترى "تميم" عرف بالحقيقة؟ *** -يابني ريحني ورد عليا بقى! قالتها "سندس" وهي تسير خلف ابنها لتتابع بعدها وهي عابسة الوجه: -لا ماهو انت لازم تفهمني كل حاجة وإلا مش هسيبك. حاول "يحيي" الهروب بعينيه من عينيها التي تراقبه بلا توقف، ثم رد عليها بجمود: -كل حاجة بس إيه يا ماما؟
محسساني إن في مصيبة، مفيش أي حاجة صدقيني. وبتلك اللحظة أصبحت نبرتها حادة لتصرخ وقتها بنزق: -انت هتخبي على أمك ولا إيه؟ ما تنطق يالا. زفر بنفاذ صبر قبل أن يصيح باهتياج وهو ينظر في عينيها مباشرة: -أقولك إيه؟ أقولك بنتك قتلت واحد عشان تسرقه وابن خالته جه عشان ينتقم منها وهو عيلته واتجوزها عشان كده؟ أقولك إيه ولا إيه؟ جحظت عيناها بصدمة وهي تتراجع بخطواتها للخلف لتهز رأسها رافضة تلك الفكرة من الأساس، ثم تساءلت صارخة
وهي تلطم على وجنتيها: -اللي بتقوله ده صح؟ ازدرد ريقه بصعوبة قبل أن يومئ لها وهو يطرق رأسه ليصيبه شعور الندم عما قاله. بينما هي تتلاحق أنفاسها قبل أن تصرخ بنبرة مهتاجة: -لا.. لا، بنتي متعملش حاجة زي دي، انت أكيد كداب. رفع رأسه قليلًا ليتابع وجهها الشاحب بتوتر ملحوظ، ليهتف بعدها مباشرة بتوجس: -ماما.. قاطعته صارخة بتلعثم، وهي تقع على الأريكة جالسة بعدما لم تتحمل قدماها حملها: -ب... بنتي... بنتي في...
في خطر أكيد هما عايزين يأذوها. اللمعت الدموع بعينيها قبل أن تهمس بأسى: -سيليا. فقدت الوعي بعدها مباشرة، فصرخ وقتها "يحيي" بذعر وهو يركض ناحيتها: -مـامـا. *** -رد على مامتك. قالها ببجاحة بعدما حل وثاقها، فرمقته هي باحتقار، صارخة باشمئزاز واضح بنبرتها التي ظهر فيها النفور: -تميم مش هيرحمك يا برق، لو عرف اللي عملته ده مش هيسيبك. أغلق هاتفها ثم رماه بإهمال على الأرضية، ثم اقترب ليجلس أمامها على ذلك الكرسي الخشبي قائلاً
بثقة أصابتها بالصدمة: -تميم لو عرف إني خطفتك هيشكرني. تفحصته بعينيها جيدًا قبل أن تصيح بذهول: -يعني إيه؟ رد عليها وابتسامته تتسع أكثر، بينما هي تفغر فمها بعدم تصديق، لتحاول استيعاب إن كل ما خططت له خلال تلك الفترة كان بلا جدوى:
-بما إني عارف إن خالك مسافر الفترة دي ومش في إسكندرية، وبما إني عارف إنك سافرتي إسكندرية ومفهمة أخوكي إنك رايحة لخالك، قولت بقى أكلم خالك أقوله إن تميم زعلان عشان مكلمتوش ومجيتش فرحه وكده، واكيد طبعًا خالك كلمه وفهمه إنه مسافر برا. اتسعت حدقتاها وهي تهز رأسها رافضة بهستيرية، هامسة بـ: -أكيد لا، أكيد انت بتكدب، أكيد معملتش كده. ازدرد ريقه وهو يحاول تجاهل حالتها التي على وشك الانهيار تلك، ثم صاح بثبات
وهو يرمقها بكراهية زائفة: -لا هي دي الحقيقة، وضفي على كده حكيتله كل حاجة وكل اللي بينك وبين بلال... هو صحيح مصدقش بس أكيد لما عرف كدبك ابتدى يشك فيكي. نهض ليوليها ظهره بعدما شعر بضعفه الأحمق يظهر على تعابير وجهه ما إن رأي عبراتها المصدومة تنهمر على وجنتيها بلا توقف، ثم تابع بهدوء مصطنع ولكنه مستفز: -وأنا كمان اللي خليت صاحبتك تمشيكي من بيتها، قوليلي بقى تحبي أكلم أخوكي ولا تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف؟
لاحظ صمتها الذي طال فاستدار لها ليجدها تهمس بصعوبة واضحة: -تميم... ل..لو عرف..هيقتلني. ارتسم على ثغره ابتسامة جانبية متهكمة، قبل أن يجيبها بنبرة مستهزئة: -عنده حق، بصراحة أنا لو مكانه كنت دفنتك مكانك مش بس قتلتك.
ارتجف جسدها وهي تتوقع رد فعل شقيقها وحالته الحالية، ثم انكمشت على نفسها برعب، وهي تدفن وجهها بكفيها، لتهز رأسها بهستيرية رافضة كل ما يحدث، لتتمنى أن يكون ذلك ما هو إلا مجرد كابوس ستستفيق منه بأي لحظة. وفجأة أفزعتها نبرته الباردة وهو يهتف بـ: -واضح من سكوتك إنك عايزاني أكلم أخوكي فعلًا، مفيش أي مشكلة.
وجدته يتجه ناحية هاتفه ليلتقطه، فوجدته يضغط عليه عدة ضغطات، لذا هبت واقفة وهي تتجه ناحيته راكضة، وفجأة تعثرت قدمها لتقع أمامه وهي تلتقط كفه لتقبله عدة مرات صارخة بتوسل من وسط عبراتها التي غمرت وجنتيها: -أبوس إيدك أخويا هيقتلني. سحب كفه من بين يديها قبل أن يهتف بثبات، وهو ينظر في عينيها مباشرة: -يبقي تنفذي اللي هقولك عليه بدون نقاش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!