وضعت كفها على قبضته الملتفة حول عنقها بعنف، ثم حاولت سحبها بشراسة وهي تغرز أظافرها بكفه، بينما هو يتساءل بلا وعي وهو يشدد قبضته على عنقها غير مكترث لما تفعله، بينما وجهها يزداد شحوبه: -قتلتيه ليه!؟
سعلت عدة مرات وهي عاجزة عن الرد عليه، ثم حاولت تحريك ساقها لتضرب معدته بصورة عنيفة ولكنها لم تستطع وكأن هناك شلل ما أصابها، فظلت هي تتابعه بعينيها التي كانت تميل للحمرة الواضحة، فتركها هو فجأة لتسقط هي على الأرض بعدها مباشرة وعينيها جاحظة بصورة واضحة من فرط الصدمة، كان سيقتلها بالفعل! إزدردت ريقها بصعوبة وهي تمرر كفها على عنقها ببطء، ثم رفعت رأسها لتجده يرمقها بكراهية ونفور واضحين، فهتفت هي وقتها بلا وعي:
-هو اللي حاول يعتدي عليا و.. توقفت عن الحديث عندما وجدت عينيه مظلمة بتلك الصورة المرعبة التي تصيب المرء بالقشعريرة المفرطة، بينما هو يباغتها بكفه الذي قبض على مقدمة قميصها ليسحبها للأعلى، فنهضت هي تلقائيًا وهي تضع كلا كفيها على صدره لتحاول إبعاده عنها، ثم نظرت في عينيه مباشرة لتجد بها صدمة لم تراها من قبل، وفجأة وجدته يهمس بصعوبة ملحوظة: -قولتي إيه!؟
لعقت شفتيها قبل أن تجيبه بنبرة مرتجفة، لتداهمها وقتها تلك الذكريات الكريهة لتتذكر ما حدث لها بذلك المكان: -إنتَ قولت إنك مش هتصدق ولا كلمة أقولها. تفحصها بكلا عينيه قبل أن يصرخ بإهتياج رافضًا استيعاب ما قالته من الأساس: -إنتِ إزاي تتهمي "إياد" بحاجة زي كده!؟ استطاعت السيطرة على عبراتها الخائنة لتصرخ بعدها بإنفعال وهي تنفض كفه من على قميصها: -إنتَ اللي إزاي كنت مخدوع في إبن خالتك!؟
تراجع بخطواته وهو يستدير للخلف ليتذكر طباع إبن خالته التي كانت شبه غير جيدة، فهو كان يعشق النساء بالفعل بالإضافة إلى كونه رجل لعوب، ولكنه كان يظن إن تلك الطباع لن تحثه أبدًا على إيذاء غيره، ربما كاذبة! ... ولكن هناك صدق شديد في عينيها! ... كيف تكذب بمهارة هكذا!؟ .. كيف تصطنع الأسى واليأس بتلك البراعة!؟
.. الحيرة كادت أن تقتله، ولأول مرة يشك بـ"إياد"، بأقرب صديق إليه، وعندما مرت تلك الفكرة برأسه شعر بالغضب والإشمئزاز الشديد ناحيتها، لذا استدار للخلف مجددًا وهو ينوي قتلها تلك المرة ولكنه توقف عندما وجدها جالسة على الأرض وهي تضع وجهها بين كلا كفيها، وجسدها يرتجف بعنف، اقترب بخطواته البطيئة وتوقف فجأة عندما استمع لصوت إنتحابها، فهمس هو وقتها بتردد:
-"سيليا". استمع لهمهماتها الغير مفهومة، فاقترب منها أكثر وهو يجثو على ركبتيه ليستمع لصوتها الهامس بوضوح: -مكانش قصدي أقتله هو اللي كان عايز يعتدي عليا، هو السبب.... مكانش قصدي أقتله. تفحص حالة الانهيار التي كانت فيها بنظراته المتمعنة فهتف بنفسه وقتها بصدمة: -مستحيل ده يكون تمثيل!
وضع كلا كفيه على رأسه ليضغط عليه بقوة، فشعر تلك اللحظة بالتشتت الشديد الذي جعله عاجز وغير قادر على فعل أي شيء، ظل هكذا يلقي عليها نظراته المصدومة، وبعد عدة لحظات نهض ليتحرك بخطواته السريعة ليخرج من المكان فأوقفته هي صارخة برفض:
-متسيبنيش هنا. صوب نظراته ناحيتها ليجدها ترمقه برجاء من وسط عبراتها التي غمرت وجنتيها، ولأول مرة يراها بذلك الضعف، هو اعتادها قوية، شرسة، لا تهاب أي شيء، ولم يكن يظن أن وجودها بذلك المكان سيجعلها في حالة انهيار غير متوقعة هكذا، اقترب منها بخطواته البطيئة لينحني بجذعه للأمام وهو يقبض على كلا ذراعيها ليجعلها تنهض فعلقت عيناه بعينيها التي التأمت بهما الدموع، وبتلك اللحظة شعر برغبتها في الهروب من عينيه، بالتأكيد فتاة مثلها لا تريد أن يراها شخص ما في ذلك الضعف المزري!
تركها بعدما احترم مشاعرها تلك، وبتلك اللحظة عادت إليه بعض من صفاته القديمة، بينما هي تخرج من المكان بخطواتها الراكضة لتصعد لسيارته وهي تتعمد إخفاء ملامح وجهها، بينما هو يخرج من المكان وعلى وجهه علامات الحيرة الواضحة! -سمعتك بتتكلمي مع حد، هو في حاجة؟ قالتها "رحيق" وهي تهبط الدرج بخطواتها المتكاسلة، فردت وقتها "سماح" بجمود أصابها بالدهشة:
-في مشكلة لازم أقولك عليها يا "رحيق". ارتشفت "رحيق" من كوب الشاي الدافئ عدة رشفات قبل أن تهمس بنبرة شبه مرتجفة: -مشكلة إيه!؟ ردت "سماح" بأسي مصطنع، بينما "رحيق" تتابعها بتمعن وهي تشعر بكذبها وبوجود شيء ما خفي: -بابا جاي من السفر بكرة وهيقعد معايا هنا في البيت، وبصراحة كده مش هينفع تقعدي معايا بابا لو عرف يعني.. قاطعتها "رحيق" بصرامة لا تتقبل النقاش وهي تعود بخطواتها للخلف لتصعد الدرج:
-خلاص فهمت، هلم هدومي وأمشي إنهاردة. تابعتها "سماح" وهي تتوارى عن أنظارها لتزفر بعدها براحة شديدة، ثم التقطت هاتفها لتضغط عليه عدة ضغطات قبل أن تضعه بأذنها قائلة: -كلوا تمام، هي هتمشي إنهاردة. -شكلي حلو؟ قالها وهو يحاول البحث عنها بكلا ذراعيه الممدودين فتلمست هي أحد كفيه وهي ترد عليه بنبرتها الرقيقة: -أيوة. مرر كفه الآخر على قميصه وهو يحاول أن يخفي توتره عندما لمست هي كفه لتقبض عليه بيدها الصغيرة، ثم همس بتلعثم:
-د... ده القميص الأسود صح؟ .. إنتِ إختارتي الأسود؟ أومأت له قائلة بتعجب: -أيوة الأسود. هز رأسه عدة مرات بوجوم، فسألته هي بعفوية: -مش بتحب الأسود!؟ أومأ لها عدة مرات فسألته هي تلقائيًا: -طب هو عندك ليه!؟ فرك كلا كفيه بعدما ترك يدها بإرتباك كعادته قبل أن يرد عليها بتوتر: -بابا هو اللي اشتراه. تنهدت بعمق قبل أن تهتف بهدوء وهي تتجه للخزانة:
-بسيطة هجيبلك لون تاني. فتحت الخزانة لتلتقط قميص آخر لونه أبيض، ثم اتجهت ناحيته قائلة بتردد وهي تعطيه القميص: -تحب أساعدك تلبسه؟ أجابها بإنفعال أصابها بالذهول لتتابعه بنظراتها المشدوهة:
-لا أنا هلبسه لوحدي زي ما عملت قبل كده. رفعت حاجبيها بصدمة وهي تنسحب بصورة هادئة لتخرج بعدها من الغرفة وهي تغلق الباب خلفها، بينما هو يخلع قميصه ببطء، ثم أخذ يرتدي الآخر وهو يزفر براحة، ثم وضع كفه على تلك الندبة الموجودة بوضوح على بطنه لتداهمه تلك الذكريات الكريهة. (عودة للوقت السابق)
-بــابا متسيبنيش، يا بابا. صرخ بها الطفل "زاهر" بنبرة ألمت حنجرته وهو يحاول التشبث بوالده الذي خرج من البيت الذي يحترق راكضًا، بينما هو يشعر بتلك الحرارة المرعبة التي تزداد، هو حتى لا يستطيع تحسس الحائط خشية من أصابته بأي حروق، ولكن من سوء الحظ تعثرت قدمه ليقع على وجهه صارخًا بألم لم يعرف من أين أتى، ثم فقد الوعي بعدها مباشرة!
-لا طبعًا، "سامر" إحنا مش هقول حد إن إبننا اتعرض لاعتداء ولا حتى إتحرق، إيه عايزة الناس تعرف إن سعادتك سيبت إبنك وجريت زي الجبان!؟ فتح الصغير جفنيه ببطء ليستمع لما قالته والدته بوضوح، وفجأة شعر بتلك الوخزات المؤلمة ببطنه فأخفض كفه ليتحسس بطنه فوجد ذلك الشيء الغريب موضوع عليها، فعقد حاجبيه بألم شديد لم ينتبه له أحد والديه، وبتلك اللحظة استمع لرد والده الغاضب:
-بقولك إيه متوجعيش دماغي، ما هو زي الفل أهو. ردت عليه "روفيدا" بإهتياج جعل الصغير ينكمش على نفسه بخوف: -نفذ اللي بقولك عليه، أنا مش عايزة حد يعرف بإصابة الولد وخصوصًا أهلك اللي هيخلوني أنا اللي غلطانة، كل اللي عايزاك تقوله هو إن البيت اتحرق وإنتَ الولد كنتوا برا، وكمان متقولش دلوقتي استني يعدي أسبوع كده لغاية ما الولد يخف شوية. (عودة للوقت الحالي)
شعر بالباب ينفتح فأغلق أزرار قميصه سريعًا قبل أن ترى ندبته تلك، بينما هي تخفض نظرها سريعًا ما إن رأته ما زال يرتدي قميصه، ثم تنحنحت هاتفة: -يلا بينا. تنهد بعمق قبل أن يومئ لها عدة مرات، بينما هي تقترب منه لتقبض على كفه برقة ليخرجا من البيت سويًا. -إنتِ فين؟ قالها "بلال" بتساؤل بعدما استطاع وأخيرًا الاتصال بها، فردت هي وقتها بتلهف: -إنتَ اللي فين؟ رد عليها بعجرفة وهو يزفر بضيق:
-"رحيق" مش وقته تردي على سؤالي بسؤال، إنطقي وقولي إنتِ فين؟ ردت عليه بنبرة خافتة أثارت دهشته: -أنا في إسكندرية. عقد حاجبيه متسائلًا بتلقائية: -عند خالك؟ ردت عليه نافية على عجالة: -لا، تعالى إنتَ بس وكلمني أول ما توصل وهقولك هنتقابل فين عشان في مصايب كتير حصلت. زفر بامتعاض قبل أن يرد عليها صائحًا: -خلاص أنا هجيلك دلوقتي.. سلام.
-"سيليا" أ.. أنا. قالها "تميم" بتلعثم وهو يرمقها بتفحص، فردت هي عليه بصرامة رافضة الحديث معه من الأساس، لتخرج بعدها من السيارة مباشرة: -لو سمحت أنا مش عايزة أسمع كلمة منك. تابعها وهي تخرج من السيارة بنفس حيرته وفجأة قاطع شروده صوت رنين هاتفه الذي تعالى بصورة مزعجة، فأخذه من جيبه ليرى هوية المتصل، فوجده خاله يريد التواصل معه من خلال إحدى التطبيقات (ماسنجر) ، فرد هو وقتها سريعًا هاتفًا بمجاملة:
-واحشني يا خالو. وبخه خاله بمزاح قائلًا: -واحشك، هو أنا لو كنت واحشك كنت متكلمنيش كل ده!؟ تنهد بعمق قبل أن يهتف بأسف: -معلش بقى يا خالو إنتَ عارف كنت مشغول الفترة الأخيرة دي. رد عليه بصوته الأجش وهو يقهقه عدة مرات: -ماشي يا عم، مبروك. تنهد مجددًا قبل أن يهتف بهدوء: -الله يبارك فيك. ثم تابع بتلقائية وهو يخرج من سيارته: -قولي "رحيق" عاملة إيه عندك؟ طال الصمت لعدة ثوان قبل أن يرد خاله بدهشة ظهرت في نبرته بصورة ملحوظة:
-"رحيق"! ... عندي فين!؟ رد "تميم" بلا تفكير وهو يعقد حاجبيه بشك: -عندك في إسكندرية! رد وقتها خاله بنبرته المشدوهة لتصيبه تلك الصدمة: -أنا مش في إسكندرية أساسًا، ومعرفش حاجة عن "رحيق"!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!