«عمرو» عندما رآها تخرج من الغرفة، «ارتاحى شوية انتى لسا متبرعة بكيسين دم». «نور» نظرت إليه وابتسمت له، تمنت لو كانت تلك الأجواء العائلية موجودة دائمًا. وقفت «نور» تحاول مجابهة الإغماء الذي يهاجمها بقسوة. قالت لأخيها بابتسامة ثقة: «احنا القوة بتمشى فى دمنا يا عمرو متقلقش اختك قوية، خلينا ندعى يقوم بابا بالسلامة بس». أومأ لها «عمرو»، وتردد في داخله صورة شقيقته في طفولتها وصورتها الآن.
بالنسبة إليه، كانت شقيقته ميتة، والآن أصبحت حية في بضع دقائق، ووالده أُصيب وهو الآن في المستشفى. كل هذه المفاجآت كثيرة على عقله. دخل «عمرو» و«نور» غرفة الانتظار، حيث كانت العائلة بأكملها تنتظر استيقاظ «رعد». وقفت «حور» راكضة تجاه ابنتها وأمسكتها قائلة بقلق: «ليه جيتى عطول كده يا حبيبتى، المفروض تقعدى شوية ترتاحى والا هتتعبى». ردت «نور» قائلة: «انا بخير يا ماما، ده هما كلهم على بعض كيسين دم بس محصلش حاجة يعنى».
وضعت «حور» يدها على صدرها بحركة الأمهات الشعبية قائلة: «يا حبيبتي يابنتي كيسين، لا تعالي بقا اقعدي هنا متتحركيش انا راجعة كمان شوية». جلستها وذهبت مسرعة. نظرت إليهم «نور» قائلة باستغراب: «هيا مالها قلقانة كده ليه، ايه حصل». نظر إليها «عمر» قائلاً بضحك: «هيا دى امنا هتتعودى هتتعودى متقلقيش». نظرت «نور» إلى «مالك»، فوجدته يرمقها بنظرات غاضبة للغاية، لكنها لم تفهم لماذا ينظر إليها بتلك الطريقة.
نظرت إلى يديه، فرأته يعتصرها من شدة الغضب، ووجدت ورقة بيده يضغط عليها بعنف. لكن لا يهم، ستفهم من «مالك» لاحقًا ما يحدث، والأهم الآن هو صحة والدها فقط، وأن يعودوا جميعًا إلى القصر معًا. *** ذهبت «حور» متجهة إلى كافتيريا المشفى لإحضار بعض العصائر والطعام لابنتها لتعوض ما فقدته من دماء. رن هاتفها معلنًا عن اتصال من «فيروز»، ففتحت الهاتف قائلة بترحيب: «الو السلام عليكم». ردت عليها «فيروز»
السلام قائلة بود: «وعليكم السلام، حور انتى ف القصر دلوقتى؟ قالت «حور» بحزن: «لا ف المستشفى حاليا يا فيروز، للاسف حصل هجوم على القصر ورعد اتصاوب برصاصة ودلوقتى ف العمليات». وضعت «فيروز» يدها على فمها من الصدمة. نظر إليها «سيف» بقلق، كان يعلم أن عودة «ملاك» ستجلب معها الكثير من المصائب، لكن ما الذي حدث؟ ردت عليها «فيروز» قائلة بقلق: «ربنا يقومه بالسلامة يارب، انتو ف اى مستشفى». قالت «حور»: «احنا فى مستشفى المدينة».
فردت «فيروز» قائلة بعفوية: «واحنا كمان هناك، خلاص انا جايالك دلوقتى». قاطعتها «حور» قائلة باستغراب: «انتو كمان هنا؟ ليه خير؟ "فيروز" تنظر لزوجها قائلة بهدوء: "حاجات كتير حصلت، خلاص لما أشوفك هحكيلك كل حاجة. قولولي انتوا غرفة كام؟ "حور" ترد قائلة وهي تأخذ الأشياء من الكافتيريا وتغادرها: "إحنا في أوضة الانتظار اللي قبال أوضة العمليات رقم 155." "فيروز" تغلق الهاتف بعد أن اتفقوا أن تلاقيها بعد نصف ساعة من الآن.
"سيف" يسألها بلهفة قائلاً: "خير إيه اللي حصل؟ وهما هنا بيعملوا إيه؟ "فيروز" تضع يدها على يديه قائلة بهدوء: "ممكن تهدأ بس عشان التوتر والقلق مش كويسين عليك. اللي حصل أنه حصل هجوم على القصر ورعد اتصاب وحالياً هو في العمليات." "سيف" يبدأ بفصل الأجهزة عنه ليقوم. "فيروز" توقفه قائلة بقلق: "إيه اللي أنت بتعمله ده يا سيف؟ لو سمحت بطل جنان." "سيف" يرد قائلاً ببعض الألم:
"أنا كويس يا فيروز متقلقيش. إحنا لازم نروح ونكون معاهم في الأزمة دي. رعد صاحبي ورفيق دربي مستحيل أكون جنبه في المشاكل دي." "فيروز" تحاول تهدئته قائلة: "يا حبيبي هو حد قالك مش هتقف جنبه؟ بس أنت لسه خارج من عملية مينفعش تتحرك كده غلط على صحتك. ووعد مني هروح دلوقتي وأخليك تكلمهم واحد واحد صوت وصورة كأنك هناك وتكلمهم بنفسك، ها؟ قولت إيه؟
"سيف" يومئ لها موافقاً، فهو يشعر بألم شديد الآن. لا لا يستطيع الاحتمال أكثر، يشعر بمعدته تتقطع إرباً إرباً. "فيروز" تنظر إليه بقلق ثم تشهق بخوف قائلة: "جرحك بينزف تاني. هروح أنادي الدكتور حالاً." وتخرج تركض لمناداة الطبيب كي يضمد جرح زوجها مرة أخرى. "حور" تدخل عليهم بالطعام. تقترب من "نور" قائلة بحنان: "يلا يا حبيبتي كلي دول عشان تعرفي تصلبي طولك."
"نور" تنظر بصدمة إلى ما تحمل والدتها. تقسم أنها جلبت محلاً بأكمله داخل هذا الكيس الذي تحمله. "عمر" يقول بضحك محاولاً تغيير تلك الأجواء: "أيوه بقى يا معلم جيت خدت الدلع كله من أول يوم. طيب يا حجة إحنا مالناش في الحب جانب ولا إيه؟ "نور" تجاريه فقد فهمت أنه يحاول إخراج والدتها من حزنها ذلك قائلة بتزمر: "ملكش دعوة ياض. أمي بتاعتي ودلعها ليا لوحدي." "حور" تنظر إليهما قائلة:
"على فكرة بطلوا الجو ده عشان مقفوشين. وبعدين أنا جايبة ليكم كلكم عشان محدش كل من الصبح." "نور" ترد قائلة بهدوء: "أنا مش جعانة يا ماما، كلوا أنتوا." "عمر" يرد هو الآخر قائلاً: "وأنا برضه مش جعان يا أمي، كلوا أنتوا." "عمرو" و"رحمة" يقولان في آن واحد: "وأنا كمان مش جعان/ة." "عمرو" و"رحمة" ينظران لبعضهما البعض. "عمرو" يبعد وجهه عنها غاضباً منها. "حور" تنزل ممسكة بشبشبها قائلة بنبرة الأم المصرية الأصيلة:
"قسماً بالله اللي ما هياكل لهكون مطرقعاله بأبو وردة ده على قفاه. والكلام ليكم كلكم فاهمين؟ الجميع ينظرون لبعضهم البعض، ثم لمنظر "حور" الذي لا يبدو أنها تمزح على الإطلاق. "أحمد" يقول: "طبعاً الكلام ده للأولاد بس صح؟ "حور" ترد عليه بصرامة: "للكل يا أحمد، للكل. هعد لثلاثة ولو لقيتكم لسه قاعدين كده هتشوفوا الوش التاني. واحد.. اتنين... الجميع يركضون لذلك الكيس يلقطون أي شيء في أيديهم ويعودون ليجلسوا مرة أخرى.
"حور" تنظر إليهم بانتصار. يقطع ذلك الجو العائلي خروج ودخول الممرضات بسرعة شديدة لغرفة "رعد" مما دب القلق في قلوبهم جميعاً. يركضون جميعاً للخارج ليوقفوا ممرضة. "عمر" يسألها قائلاً: "خير، إيه؟ بتجروا كده ليه؟ الممرضة ترد بلهفة وهي تريد المغادرة: "المريض نبضه بيقل جداً، وسعوا فوراً ممكن نخسره في أي لحظة." "عمر" يقف متصنماً حاله كحال الجميع بعد ما سمعوه. الممرضة تدفعه راكضة لتجلب ما أمرها الطبيب بجلبه لإنقاذ المريض.
"نور" تقف بعينين دامعتين. تنزل تلك الدمعة من عينيها للمرة الأولى في حياتها. استفقده بعد أن استطاعت الاجتماع به بعد صعوبات كثيرة. استفقده وهي لم تشبع منه بعد. لا لا يا رب احفظه واحميه. لا أريد أن آتم مرة أخرى. لا أريد أن أعيش بدون أب مرة أخرى.
"مالك" ينظر إليها ليصعق مما يراه. لأول مرة يرى "نور" تبكي. "نور" التي قتلت المئات بدون أي رفّة جفن الآن تبكي. حن قلبه لها بل حزن لأجلها رغم غضبه الشديد منها. لا يستطيع أن لا يشاركها وجعها الآن. "مالك" يقترب منها يأخذها واضعاً يده على كتفها يهدئها. "نور" تفاجئه وهي تخبئ وجهها بأحضانه قائلة بضعف لأول مرة يظهر بصوتها: "مش عايزة أخسره يا مالك. مش عايزة آتم تاني."
"مالك" يعانقها بشدة كما لو أنه يريد أن يدخلها داخل قلبه. كم أن دمعاتها تلك تؤلمه كما لو أنها قطرات ماء نار تسقط على قلبه تحرقه. "عمر" أيضاً يعانق والدته قائلاً: "اهدئي يا ماما. أكيد هيبقى كويس، متقلقيش، أكيد هيبقى كويس." يغمض عينيه كم يتمنى حقاً أن يصبح بخير. "خسرنا المريض.. خسرنا المريض." "حور" تتمسك في "عمر" قائلة بصراخ وبخوف شديد ودموع بدأت بالانطلاق من مقلتيها: "يعني إيه خسرنا المريض يا عمر؟ يعني إيييييه؟
"عمر" حدقته تهتز بتردد وخوف وقلق وحزن في آن واحد. لا يعلم ماذا يرد على والدته لأنه لا يصدق أن والده قد رحل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!