انسحبت الدماء من أوردته، ثلج جسده وتخشبت مفاصله، جف حلقه تماماً وبات كالعلقم، حياته تنهار أمام عيناه. تحرك ببطئ وتقدم منها يحاول التحدث مردداً: -إيه... انتي بتقولي إيه؟ هدرت بعنف شديد تصرخ: -مش عارف بقول إيه يا روح أمك؟ إيه اتطرشت؟!
حاول سحب أنفاسه وهو يسبل جفناه يتغاضى عن سبها له، لا يعلم أن سبها كان اختباراً. لو كان بريئاً مظلوماً فلن يتحمل الإهانة، وبتفاديها علمت لونه فطنته أن سبها لا يضاهي فعلته المنكرة التي فعلها. هي تعلم ماهر جداً، كبره عالٍ وأنفه في السماء يتنفس نرجسية وغرور. ما كان ليسمح لها لولا علمه بأن فعلته شنعاء لا تُغتفر ولا يضاهيها أي سب أو قذف. وهمس برجاء: -أهدي يا حبيبي و... أخرسته تصرخ:
-ما تقولش حبيبي دي تاني، ما تقولش كده تاااني... انت مش هتضحك عليا تاني. رفع كفيه علامة الاستسلام وهو يلوح لها بيده أن تهدأ وردد: -حاضر حاضر مش هقولك كده بس ممكن تهدي وتسمعيني، قوليلي إيه اللي بتقوليه ده؟! جبتي الكلام ده منين؟ -منين؟! هههه، صح هجيبه منين!! ما اللي عمل كده لفقت له قضية وحبسّته. لما لقيته كل شوية بييجي يطلب فلوس، رحت ملفق له قضية محترمة وخلصت منه. ثواني وربطت الأحداث ببعض واستطردت مهمة:
-اااااااه عشان كده؛ عشان كده وافقت إني أسافر لحد ما تعرف هتتصرف معاه إزاي. ولما عرفت جيت بقا تاخدني مش كددده؟ تخبطت معدته من الخوف، بلل شفتيه، متوتر وقال: -لونا حبيبتي، اسمعيني بس أنا... قاطعته تردد: -انت هتطلقني حالاً سامع ولا لأ. سقطت كلمة الطلاق عليها كالنيزك وهشمته لأشلاء ممزقة تنزف. بسيرتها فقط فقد روحه وكيانه وهبط ضغط دمه وانخفض معدل ضربات قلبه. هو غير قادر على سماع طرح الفكرة من أساسه.
اندفع يقترب منها بلهفة، وتحول لمتوسل يصعب على الكافر: -لا... لا يا لونا لا... لأ عشان خاطري لأ، أي حاجة غير الطلاق لا... ما تبعديش عني يا لونا أنا ما أقدرش أعيش من غيرك، ده أنا ما صدقت بدأتي تتقبلي حبي وتتقبلي جوازنا... عشان خاطري لااا. دفعته في صدره بقسوة تردد بغلظة: -مالكش خاطر عندي، وهتطلقني يعني هتطلقني، انت سامع.
تحركت تغادر وتترك له المكتب والشركة. حركة خبيثة، تكتيكية مدروسة؛ فهي غادرت وهي تعلم أنه سيطير خلفها. كانت تسحبه لحيث تريد العراك، لبيت الوراقيين حيث تشاجر معها مسبقاً ونعتها بأقذر الكلمات. رد حق وانتصار.
بالفعل ترك كل ما بيده وخطف جاكيت بذلته وطار خلفها يقود سيارته متتبعاً سيارة الأجرة التي ركبتها. تجمد بخوف وهو يراها متجهة للبيت، متأكداً أنها ذاهبة لتجميع أغراضها لتهجره. وهذا ما لن يسمح به. الأمر أشبه بسحب الروح ساعة الموت، إحساسه ومراودة خياله بفكرة احتمالية ابتعاد لونا عنه تزهق روحه فعلياً وليس مجازاً.
نجحت في سحبه لحيث تريد. الصراخ، ترجلت من سيارة التاكسي تتقدم بغضب للداخل، متأكدة بأنه يتبعها. نواياها كانت مزدوجة وذهنها حاضر رغم خيبة الأمل التي تشعر بها، لكنها لن تمرر الأمر. لديها ثأر أولي لم تكن تعتقد أنها متذكرته.
لكن على ما يبدو أن العقل قد يُخدر بعض الذكريات والأفكار ليعود ويخرجها في الوقت المناسب. وهي لم تنس ذلك اليوم حين نعتها بـ "الوسخة" وما شابهها من كلمات يوم راسلها "طارق أبو العينين". واليوم جاء دورها بما كسبت يداه، هي لم تخطط، بل من أفعاله. كان يهرول خلفها يركض خلف روحه وحياته. دلفت للبيت بخطى واسعة غير مستجيبة لنداءاته المتوسلة، ولجت لغرفته وعلى الفور تجمع أغراضها بهستيرية ممتزجة مع الغضب.
صوت نداءاته صمت آذان الجميع فخرجوا من غرفهم مستغربين، حتى أن الصوت وصل لوالدته طريحة الفراش. نادت ممرضتها ونادتها تسأل ماذا يحدث. الكل اجتمع ووقف يشاهد مزهولاً ما يجري. ماهر الماهر يهرول مرتعب خلف لونا يتوسلها بملامح منكسرة لأول مرة. وكم انخلع قلبه من مكانه وهو يراها بالفعل تجمع أغراضها من غرفته بلا هوادة كأنها لا ترى أمامها. أسرع ناحيتها يعيد إخراج متعلقاتها من الحقيبة وهو يردد: -لا يا لونا...
مش هتسبيني لأ، أنا مش هستحمل تسبيني، أذيني فرصة أشرحلك يا حبيبتي. أكملت ما كانت تعمله وهي تحبط محاولاته وترد عليه بغضب وصوت عالٍ كي يصل للجميع: -تشرحلي؟! تشرحلي إيه؟! تشرحلي قد إيه آذيتني! قد إيه لعبت بيا! قد إيه كنت مش راجل! هز رأسه منهزماً وحاول الكلام: -اسمعيني وحاولي تفهمي شوفي ده حصل إزاي وليه. اقتربت منه تردد بتقزز:
-عملت كده عشان ديوث وقذر و وسخ، انت إزاي بتقدر تقف وتبص على نفسك في المراية، إزاي شايف نفسك راجل يالااا. -اخرصي بقاااا. اتسعت عيناها من وقاحته وردت: -انت إيه، معمول من إيه؟ لسه ليك عين ترد، أنا ماشوفتش أقذر وأبجح منك في حياتي. -اهدي بقا واسمعيني، انتي فاهمة غلط أنا... قاطعته تصرخ: -انت؟!
انت أكتر إنسان آذاني ودمرني من أول الجواز اللي بالغصب والمهر المتجمد تحت صرفتك وفلوسي بتاعتي من أبويا اللي ماعرفش حتى هي فين وبيتي اللي انت سايب عمي حاطت إيده عليه رغم إنك تقدر تتصرف معاه، لحد ما أخدتني الشركة وأمرتهم اشتغل في البوفيه، أخدم على الموظفين بتوعك. وقف مبهوتاً من كم القهر في حديثها. مراجعة أفعاله دفعة واحدة أظهرت كم كان فظاً غليظاً معها. يسمعها وهي تكمل بحسرة ووجع:
-يا مؤمن ده انت رضيت لي إني أروح أشتغل عاملة نظافة في محل ولا إنك تمسكني فلوس أو تجيب لي شغلة كويسة. تقدم منها بندم وهزيمة تحت أنظار الجميع المصدومين من حالته، يرونه ويسمعونه وهو يصرح نادماً: -خوفت، خوفت تقدري تستغني عني فتسيبيني. خطفت حقيبتها تنوي التحرك وهي تقول: -ما انت عملت كل ده وهسيبك بردو. قبض على يدها يوقفها ويمنعها من التحرك: -مش هتسبيني، مش بمزاجك. نفضت يده بقوة: -لأ بمزاجي، هسيبك وهتطلقني، انت سامع.
صرخ بصوت هز جدران البيت والحضور يظهر كم حبه وجنونه بها: -مش هطلقك، مش هطلقك يا لونا. -هتطلقني مش هقعد على ذمتك يوم واحد انت سامع. زاد جنونها وهي تتذكر: -أنا أصلا عيلة هفأ ومغفلة وماعنديش مخ، أنا كنت فين ولا كانت دماغي فين؟! كنت متوقعة إيه من واحد عمل فيا كل ده؟! وكل ما أهرب منك تجيبني، أتوقع إيه من رااااجل وقف سمع راجل تاني جاي يطلب إيد مراته منه وسابه عادي. حمى الدم بعروقه ما إن ذكرته بذلك اليوم وزادت وهي تكمل عليه:
-راجل تاني كان قسمة نصين، ما كانش سابه يطلع على رجليه أصلاً لكن انت ما تقدرش تعمل لطارق أبو العينين حاجة، وقفت عاجز قدامه، ما تقدرش تعمل لجميلة أبو العينين حاجة عشان انت مش... شهقة عالية صدرت عنها قطعت الحديث وصراخ جنا وهم يسمعون صوت الكف الذي هوى من كفه على خدها. كان نفسه عالي، ينهج وعروقه حمراء، بدا وجهه مقزوماً محتقناً بالدماء وتعالت الضربات بدماغه، على ما يبدو أن ضغط دمه قد ارتفع بصورة جنونية.
وهي صرخت فيه وبدأت تفقد عقلها، أخذت تضربه في صدره هي تصرخ فيه تسبه وتتوعده أن تتركه. حررت كل شياطينه وخرج عن طور الوعي وهو يراها تندفع لتخرج من غرفتهما وسط كل الموجودين من عزام وفاخر وجنا وكمال. جنون الموقف وشدته جمد عقولهم ولم يتدخل أحد خصوصاً وأن حالة أي منهما لا تسمح بالتدخل مطلقاً. تحرك خلفها بجنون يلاحقها ومنعها من التحرك. كانت ستهبط الدرج بأغراض قليلة، قبض على معصمها بقسوة يسحبها لعنده:
-تعالي هنااا انتي رايحة فين. -سيبني.. سيبني بقولك. نجح في أخذها لعنده وبدأ يجرها ناحية ممر الغرف من جديد مردداً: -مش هسيبك، انتي مراتي وهتفضلي جنبي منين ما أكون بمزاجك أو حتى غصب عنك. كانت تحاول الفكاك منه بقوة تعادله حتى أنها كادت تنجح وهي تردد بغل وتوعد: -هتسيبني، الله في سماه ما هفضل على ذمة وسخ زيك يوم كمان. -اخرسي. صرخ فيها لم يتحمل سبتها وهي ترد عليه بغل وقد بدأت تركله بقدمها أحياناً وتضربه بيدها مرات
أخرى وهو يحاول التماسك: -مش هخرس انت وسخ وقذر وديوث. -اخرسي وامشي معايا. همست جنا لهم: -ما تتصرفوا وحد يتدخل بينهم يا جماعة بدل ما هما هيقطعوا في بعض كده. لم يحرك أي من عزام أو فاخر ساكناً، بقيا يشاهدان بإستمتاع، بينما كمال حاول التحرك للتدخل ومعه جنا فقال كمال: -سيبها يا ماهر، سيبها تهدى. صرخ فيه: -ماحدش يتدخل. فقالت جنا: -طب سيبها معايا يا ماهر دلوقتي، عشان خاطري، كل كلمة بتتقال بتخسركم بعض. -قولت ماحدش يتدخل.
نجحت لونا في ضربه ولكمه ثم الفكاك منه، تحررت تحاول الهرولة ناحية الدرج. مد يده بعنف وغضب جلبها ثانية لعنده وهي تصرخ فيه تركله بقدمها من جديد ومن جديد تنعته بنفس الكلمات القذرة. احتدم النقاش ومعه يرتفع ضغط دمه، تتعالى الضربات برأسه كالشواكيش وهو يحاول التحمل. صراخه بأغلظ اليمين أنها ستتطلق منه واليوم ليس غداً كان يزيد من ارتفاع ضغط دمه.
فجأة بدأ يتقيأ كل ما بمعدته، لم يلحق الذهاب للمرحاض وتقيأ في الممر. اختل توازنه وبقت قدماه غير قادرة على حمله وصرخت جنا ملتاعة باسمه وكذلك والده وكمال فيما بهتت ملامح لوناً وتخشبت وتوقفت عن الصراخ، مشدوهة من ما يحدث. لم يستطع كمال الانتظار وحاول تحريك جسده الضخم معه بصعوبة يذهب لسيارته ويأخذه لأقرب مستشفى. *** جلس رشيد يعود بظهره للخلف وتفكيره منشغل بها، هي ومن غيرها.
انتبه على صوت طفله يصرخ في أحد الأركان حيث كان يجلس وسط ألعابه يلعب. تقدمت علياء بغضب تردد: -هو انت يعني مش سامعه وهو بيصرخ تقوم تروح تشوف ماله ولا لازم أنا أخرج من نص الدش جري، مش معقول كده. نهض من مكانه يردد: -هو لسه بيعيط، كنت هقوم له انتي اللي مش بتتحملي عليه الهوى. -مم يمكن عشان ابني وعشان هو لسه عيل صغير محتاج مراعية. تقدم منها يجلس لجوارها يلاحظ امتعاض ملامحها وهي تحتضن الولد تهدهده فسأل مستغرباً:
-مالك بس يا حبيبتي؟ رفعت عيناها له بضيق وردت: -بجد مش عارف مالي؟! انت مديت أجازتنا ليه يا رشيد؟ هو ده كان اتفاقنا؟! تلعثم في الرد لتكمل: -إيه سببك عشان أنا مش شايفه حاجة زيادة جادة ولو لاقدر الله في حاجة وحابب تقعد كنت عرفني مش أعرف أخبارك من مرات صاحبك. غضب علياء كان واضح ولم يرض به لذا حاول محايلتها: -عندك حق، وحقك عليا أنا كان المفروض آخد رأيك وأعرفك. اقترب يقبل رأسها وهو يردد: -ما تزعليش بقا مش بحب أشوفك زعلانه.
عبثت بطفولية لذيذة واستدارت بكتفها تردد: -لا زعلانه بردو. -لا كله إلا زعل لولا، إيه اللي يرضيكي وأنا أعمله. وقفت تردد بدلال بعدما عاد طفلها للعب: -شوف انت بقا، أنا هروح أكمل الشاور بتاعي. تحركت لتكمل استحمامها وهو يتابعها مبتسماً وعاد ليجلس على كرسيه، ليلمح من النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة جميلة وهي تخرج من باب بيتهم. وقف على الفور ينزل الدرج يحاول اللحاق بها ليرى لأين ستذهب بثيابها تلك.
خرج من بيته يراها وهي تصعد سيارتها العالية بفستان صيفي ممتاز مزيج من الأبيض والأزرق لا يصلح سوى لجلسة على الشاطئ ومعها حقيبة يد كبيرة. هرول خارجاً يستقل سيارته متتبعها بخفة المنزل ولبس البيت. ظل يتتبعها يراها تخرج عن نطاق القاهرة. لم يستطع الانتظار ولاحقها زيادة يضيق عليها الطريق. وهي كانت تقود وتغني أغانيها المفضلة تستشعر تتبع إحدى السيارات لها لكنها تستبعد الفكرة بكل تأكيد.
ومرور الدقائق لاحظت زيادة تتبعها لا بل بدأت تضيق عليها الطريق، جعدت ما بين حاجبيها، كأنها تعلم تلك السيارة، اه أنها سيارة زوج عمتها التي لا يستعملها إلا نادراً. عملت هوية السائق بالتأكيد، وقد نجح في الالتفاف بسيارته حول سيارتها جعلها تتوقف، ترجل منها وتقدم بملابس البيت المريحة جداً على الطريق الصحراوي وهي بكامل أناقتها تصرخ فيه: -انت اتجننت، إيه اللي هببته ده؟ -نعم؟ هببته؟! رايحة فين يا هانم بلبسك ده؟ -وانت مالك.
-انطقي بقولك. -وأنا بقولك انت مالك. كتف ذراعيه حول صدره يردد: -خلاص ماتقوليش، حلو، خلينا واقفين قصاد بعض كده في الصحرا. صكت أسنانها يغيظ، تعلمه وتعلم بردوه وعنده لذا قالت من بينهم: -رايحة الساحل يوم مع صحابي أوعى من طريقي بقاااا. اعتدل في وقفته وقد نال مراده فردد: -ولما هو كده مش تقولي. -أقول لمين وأقول ليه؟ بابا عارف وموافق مش محتاجة أعرف حد تاني على ما أظن. تقدم ببجاحة تكفي الكون يردد بابتسامة: -تقولي لي انا.
خبثت عيناه وهو يقول: -تقولي لماهر مثلاً، هو فين صحيح ده ولا كأنه خاطبك. -انت أكيد مش هتوقفني في الصحرا عشان تسألني عن خطيبي ولا إيه؟! كلمة خطيبي ضايقته، حاول كبت ضيقه وردد: -صح، اتفضلي يالا قدامي. -قدامك فين؟ -هاجي معاكي. -تيجي فين بمنظرك ده انت عايز تكسفني. نظر على تيشرته القطني وبنطلونه الميلتون بالإضافة لخف المنزل ثم ردد بثقة: -عادي مش مهم، يالا ولا عايزة تفضلي واقفة هنا.
بضيق شديد وجنون من تصرفاته تحركت لسيارتها تطاوعه، تعلم لو لم تفعل ما كان ستحرك ليوم يبعثون. *** وقف الجميع على باب غرفة الكشف في المشفى بقلق، جميعهم، حتى هي كانت قلقة عليه ولا تسأل لما... خرج الطبيب من عنده ومعه كمال فسأل والده: -خير يا دكتور. -مش خير بصراحة، دي بوادر ذبحة صدرية. شهقوا جميعاً وهتف عزام: -نعم، ده شاب صغير لسه وبصحته إيه اللي بتقولوا ده!!!!!
-بقول اللي حصل يا دكتور، ضغط الدم علي عنده بصورة مش طبيعية وحالته النفسية مش كويسة خالص. نكست لونا رأسها أرضاً فيما هتف كمال: -طب هينفع نأخده على البيت؟ -هو ينفع خصوصاً أنه مش محتاج عناية مركزة بس أعتقد الأفضل يقضي الليلة دي هنا تحت الملاحظة خصوصاً أننا أديناه دوا مهدئ. -ممكن نشوفه يا دكتور؟ -أه ممكن اتفضلوا. دلفوا جميعاً عنده إلا لونا لم تكن تريد الدخول، علاوة على عزام الذي لزم يدها بعنف يردد: -اياكي أشوفك جوا.
تدخل كمال: -ما يصحش كده يا عمي. -عمي إيه وزفت إيه، ماشوفتش شكله كان عامل إزاي، بقا حتة شاب لسه في عز شبابه يجرى له كده ولا اللي عنده سبعين سنة. -هاتها جنبي يا كماااال. صرخ عزام: -لا بقا على جثتي، عايزها تعمل بيها إيه؟ -مراتي يا بابا. تحرك كمال ينقذ الموقف وفتح الباب يناديها، فتح الباب لتشرئب رقبة ماهر من فوق وسادته يحاول أن يراها، فأول ما فتح الباب ظهرت وهي تقف بملامح متوترة ولا تزال ذات سحر عليه. ناداها كمال:
-لونا... تعالي. -لا. أسبل ماهر جفناه بتعب وخيبة أمل وهو يسمع رفضها فهبطت رأسه على الوسادة بثقل. حاول كمال معها بهدوء: -يا لونا، جوزك تعبان وعايزك، انتي سمعتي الدكتور بنفسك، لو سمحتي تأجلي كل حاجة ده مش عنده شوية برد. لا تعلم لما قد توافق، ربما هنالك شيء داخلها حسها على أن تؤجل غضبها الشديد وتتقدم تقف معهم بالغرفة ليحسها مستجدياً: -تعالي جنبي يا لونا. لم تستجب فعاود: -تعالي يا حبيبي.
رفع فاخر وعزام شفتيهما مستفزين منه فيما ابتسمت جنا بحنان على شقيقها تتابعه كيف يتحدث معها. مد يده يحاول مسك يدها، لم ترفض لكن بقيت جامدة، لا تستجيب. حاول مداعبة كفها بإصبعه علها تستجيب، لكن لم يحدث، رفع عيناه لهم يردد: -سيبونا لوحدنا شوية. -بس... حاول والده الاعتراض لكنه كتمه يقول: -لو سمحتوا. انسحبوا بعدم رضا فظل معها ينظر لها بخوف واستجداء وقال: -لونا. لم تستجب ليحاول مجدداً: -حبيبي. نظرت له بعدم رضا فقال:
-مش هتسبيني يا لونا مش كده؟ بلاش تبعدي عني يا لونا. هز رأسه بجنون: -أنا ماعرفش عملت كده إزاي؟
بس كنت عايز أجيب آخرك وآخر عمك. وأصلاً كل حاجة جت صدفة، كنت لسه جايلك على البيت لقيت عمك خارج من العمارة وبيتلفت حواليه، شكيت فيه، مشيت وراه، لقيتو خرج من منطقتكم ودخل شوارع مقطوعة، شكيت فيه أكتر، اتسحبت وراه من غير مايشوفني لقيتو بيتفق مع واحد مش مظبوط، ثواني وافتكرته، كان فيه شبه كبير من الراجل اللي دخل بيتك لما جيت لك أول مرة، كنت عايز أسمع ماعرفتش، مشي عمك وأنا دخلت له، لما واجهته قال إن عمك كان بيأجروا عشان يلبسك مصيبة.
أسبل جفناه وجاء الحديث لعند غلطته الكارثية حيث قال: -ما صدقتوش، قولت إيه يضمنلي ما يمكن عشيقك فعلاً وقال كده قدامي بس، كنت محتاج أتأكد بنفسي، اتفقت معاه يجيلك، وأنا داخل، عشان أسمع رد فعلك بنفسي لو خطة أعرف وعشان تدخل على عمك ومايعرفش إنه اتكشف، وعشان… -تتجوزني وما يبقاليش عين أعترض. -لااا…. ما فكرتش في الجواز غير وأنا واقف معاكم جوا، ربنا بعت لي هاجس أنفذ، وحسيت إنها فرصتي. -انت كذاب يا ماهر.
-أنا بحبك يا لونا، بحبك من أول يوم شوفتك فيه، حقي أدافع عن حبي. -وأنا؟! فين حقي؟ مش حقي أختار شريك حياتي اللي يحبني وأحبه. -أنا؟؟ أنا بحبك يا لونا، ماحدش هيحبك أدي والله العظيم، أقسم بالله كنت متفق معاه ومستحلف له لو لمس شعرة منك هقطع رقبته. -مش مبرر، في الآخر شاركت في ترهيبي، وخليت راجل غريب ينط على بيتي بدل ما تحميني، وبعد ده وده أكلت عليا حقي وجمدت فلوسي وما صارحتنيش ولا يوم. مسك يدها يضغطها بقوة مردداً:
-مش هتسبيني، مش هتسبيني يا لونا. نظرت له بجانب عينها، ورفقاً بحالته قالت: -مش وقته يا ماهر، خلينا نتكلم بعدين. حاول التحايل مستغلاً مرضه وردد: -لا وقته، أوعديني إنك مش هتسبيني. -ماشي يا ماهر ماشي. سكنت الأمور مؤقتاً وصمتت تماماً فقال: -نادي كمال خليهم يكتبوا لي على خروج، عايز أروح عشان ماما ما تقلقش. تحركت تنادي كمال واستعد الجميع للمغادرة وكل يحمل ما بداخله داخله. ***
بسرعة جنونية عادت جميلة بسيارتها يتبعها رشيد بسيارته حتى وصلا للبيت بالقاهرة من جديد. ترجل من سيارته بابتسامة كبيرة تملأ فيه وكله سعادة، بالوقت الذي خرجت فيه جميلة من سيارتها تدفع بابها بغضب تغلقه تراه مازال يتتبعها حتى لهنا وقضى على يومها فهتفت فيه: -اللي حصل النهاردة ده مش هيعدي على خير، انت سامع. -سامع. قالها بابتسامته البلهاء المتشكلة على فمه من وقتها، استشاطت غضباً من وده وصرخت بدون كلام، مغتاظة منه ومن بروده:
-ااااااااااااااه. غادرت بغيظ شديد وتركته يتكئ على سيارته متذكراً حين كان يجلس على البحر يراقبها وغفل عنها بتناول الطعام. ذهب يحضر طبق طعام له ولها وحضر لعند الشاطئ يسأل عنها فأخبرته رفيقتها أنها ذهبت بقارب صغير للعب في المياه ، ظل يتابعها وهو يراها تبتعد، زاد قلقه يراقبها، إنها تتعمق في المياه وأصدقائها قد ملوا وانتهوا وخرجوا وهي مازالت تسبح وتتعمق. خلع عنه كنزته وقفز في المياه حتى وصل لعندها يتلقفها بين يديه
في المياه العميقة يردد: -انتي اتجننتي، إيه اللي مدخلك لحد هنا. -وانت مالك، اخرج. -هخرج بس وأنتي معايا. -لا. -انتي غوطتي قوي يا جميلة يالا معايا. -لاا مش عايزة. -يالا يا جميلة. قالها وهو يجذبها من يدها لكنه رفضت تحاول نزع يده بقوة وبلحظتها علت موجة بالبحر جلعتها تفقد توازنها، اقترب يتمسك بها يساعدها، لامسها بطريقة زعزعت كل ثباته وحطمت صبره، اقترب منها بأنفاس لاهثة وهي كذلك تلهث ، ملس بيده على شعرها يسألها بحنان:
-أنتي كويسة؟ هزت رأسها بخوف ومازالت تحاول التنفس من أثر ابتلاعها بعض الماء المالح، اقترب منها يضمها له يطمئن عليها ويطمئن نفسه أنها بخير، لا إرادياً يقترب بشفتيه من شفتيها حتى لامسهم، كاد أن يقبلها، كان سيقبل جميلة لولا أنها استفاقت على ما يهم بفعله. وابتعدت على الفور تزيحه عنها تبعده، تزيحه بعنف صارخة: -انت اتجننت.
أبعدته وسبحت بسرعة لتخرج من الماء غير مستجيبة لنداءاته أو نداءات أصحابها، بدلت ملابسها وجمعت أغراضها ثم تحركت بغضب لسيارتها تغادر المكان وهو خلفها. عاد من شروده بسبب سخونة سطح سيارته بعد ملامستها له، وابتسم، كاد أن يقبل حبيبته لكنها منعته وهربت مبتعدة تكبر المسافات من جديد.
رفع عيناه ينظر على منزله ليجد الأنوار مضاءة فابتسم، استدار حول سيارته يصعد ويقودها مغادراً وبعد نصف ساعة عاد من جديد معه باقة ورد كبيرة رائعة من التيوليب والنرجس ودخل بها بابتسامة عاشقة يقابل زوجته مردداً: -علياء حبيبتي. رفعت أنظارها لتبتسم وتنبهربفعلته التي مست قلبها واندفعت تركض ناحيته كطفلة صغيرة تردد: -دي ليا؟! قبل رأسها يردد: -طبعاً وأنا عندي أغلى من لولا؟! ما تزعليش مني. -مش زعلانه يا حبيبي. ابتسم
بسعادة لأنها صافته ثم صرح: -إيه الجمال ده، وحشتيني على فكرة. رفعت عيناها له وبخجل وكسوف قالت: -وانت كمان. اقترب منها بزيادة يضمها بلا حدود أو ممنوعات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!