خطوة يتبعها خطوة قوية عنيفة دلف بها ماهر داخل المقر الرئيسي لشركة الوراقين. التقى بمدير الحسابات المالية الذي قابله بوجه متجهم. ليسأله ماهر وهو مستمر في السير ناحية المصعد: -عملت إيه؟ -الهانم طالبة كل كشوفات الحسابات من ٢٠١٩ ومعاها محاسب كده مش عارف منين ونازلين في الحسابات تدقيق ومش بس كده. ضغط على زر الطابق الثالث في المصعد بعدما دخله وسأل بملامح لازالت متجهمة: -إيه كمان؟
-الهانم طالبة مؤتمر صحفي مش عارف ليه وعندها جلسة تصوير جوا الشركة كمان نص ساعة مش عارف ليه وطالبة اجتماع جديد بكل رؤساء الأقسام وبردو مش عارف ليه! -نعم؟ -أنا آسف، أنا عرفت إنك تعبان وضغطك مش ظابط، ألف سلامة بس بجد اللي بيحصل ده، سوري يعني... عبث. هو بالفعل كذلك، عبث. لونا التي لم تكمل تعليمها ولم تنهي حتى ثانويتها العامة تجلس لتدير شركة بحجم شركة الوراقي! خرج من المصعد يردد بغضب مكظوم: -هي فين؟ -في مكتب حضرتك.
-في مكتبي! حصلت! تقدم يفتح الباب لينسى كل ما قيل له وترتفع حجم كوارثها بعينه التي التهبت بالنيران وهو يجد فاتنته جالبة كل الكوارث وسبب ذبحته تجلس بفستان كريمي ناعم وهيئة أنيقة ساحرة كأنها في حفلة شاي. رائحتها الذكية الناعمة تلف الغرفة لفاً. والكارثة الأزيد هي هوية ذلك المحاسب الهمام، فمن بين كل رجال العالم لم تجد من تسند له هكذا مهام غيره، ذلك البغيض "حسام" شقيق جيلان.
لم يعد يبالي بالكوارث التي ولدتها للتو، أجلها مؤقتاً بما تبقى لديه من كارثة أذكى وأشد. اقترب منهما وهي للحق انتفضت، مازال له هيمنة وسيطرة عليها، رؤيته تظهر خوفها. حاولت التجلد والثبات ولكن عبثاً، خصوصاً وهي تراه يتقدم بخطوات واسعة وعينه تقدح شرراً. يقبض على ذراع حسام ويجره بغضب هاتفاً: -إيه اللي موقفك لازق فيها كده؟ وإيه اللي جايبك هنا أصلاً؟ -أنا اللي طلبته.
صدح الصوت عن لونا التي وقفت بتحدي تدافع عن من طلبت هي مساعدته وأقحمته فيما ليس له به شأن. وقد أشعل ذلك النار في ماهر أكثر وأكثر. الأسد أسد مهما توعك أو تعب، فهو يتقدم منها بظهر مفرود وصدر منفوخ وخطوات ثابتة كفهد عينه على غزالة. اقترب منها حتى وصل لعندها، شدها من يدها وانتشلها لعنده وأخذ يهزها بضيق شديد متسائلاً: -إيه اللي بيحصل هنا ده؟ أنا عايز أفهم. -والبيه ده بيعمل إيه هنا في شركتي وعلى مكتبي؟
حاولت الظهور بمظهر الثبات رغم تلوي مصارين معدتها من الخوف والقلق. قالت وعينها بعينه مصححة: -اسمها شركتنا. -الله... ده حلو قوي الكلام ده. صمت ثواني وهو ينظر أرضاً يهمهم لثواني وما لبث أن رفع رأسه وعاود هزها بعنف: -مين بقى قالك الكلام ده؟ لا تكوني مفكرة إنها سايبة! نظرت له بقية مشدوهة وأعين متسعة.
هو بالتأكيد لديه انفصال حاد في الشخصية، فهو بالأمس فقط كان يتوسلها كي تظل لجوارة، لكن من يقف أمامها الآن هو شخص آخر متبدل، مختلف، ربما ليس بإنسان، بل جبروت وقوة ظهر لها قدمين. فهم معنى تعبيراتها دون أن تحتاج للكلام وهمس بخطورة: -ماهو مش بيريل في أكل عيشه. ارتدت خطوة للخلف فكمل بجبروت أشد: -لحد عند الفلوس وبتجيلي الفوقة. التفت تنظر على حسام ثم عادت بعينيها قوية لماهر تردد:
-حلو بردو، أنا أحب قوي اللعب مع الفايقين بيبقى أمتع. لم يبالي لحديثهما، وإنما نظره على فستانها الناعم الذي زاد جمالها جمالاً ثم ردد: -إيه بقى اللي انتي لابساه ده؟ -مالكش فيه. -والله... آه... ده عظيم قوي. جذبها بزيادة وهمس في أذنها يقول: -لما أنا ماليش فيه يبقى مين اللي ليه؟ ماشية تستعرضي نفسك؟ جاء لعند نقطة ضعفها وضغط. ولأنها معتادة على الدفاع عن نفسها من هجوم من يظنون بها السوء ردت مبررة: -أظن الفستان مقفل ومحتشم.
وهو كذلك بالفعل لكنه حلو عليها وزاد حلاها. فخصها بعينيه وقلبه يحترق شوقاً ونظر بغيره شديدة القسوة ناحية حسام يشير عليه مردداً: -الشخص ده بيعمل إيه هنا ومين اللي جابه؟ تقدم حسام يقتحم الموقف وردد بثبات: -لونا اللي طلبتني. -الله. هتف بها ماهر كأنه يتوعدها. فأثر حقاً رعبها وزاد وهو يقربها منه بعدما شدها من ذراعها يقول: -قوليلي يا مراتي يا حلوة الفكرة دي كانت فكرة مين؟ ابتعدت عنه بضيق تكره تهكيره لأفكارها.
فهي وقبلما تغادر المنزل جلست بتردد على فراشها قبلما تقرر القيام والذهاب للعمل كي تشق لها طريق فيه. تلاعب به ماهر وأبوه وهي بالأساس لا تملك الخبرة ولا حتى التعليم. فكرة اللجوء لحسام لم تكن فكرتها، بل من اقترحتها عليها هي صديقتها سما التي كانت تحدثها عبر الهاتف في مكالمة طويلة وسألت: -اعمل إيه يا سما؟ أروح فين ولا أجي منين؟ فلوسي مجمدة، سفر وهيعاند بعد اللي حصل، حتى ورثي حاطت إيده عليه، أنا عقلي واقف ومش عارفة أتصرف.
-انسى، تعرفي تسافري تاني على الأقل دلوقتي. لازم تعرفي تتصرفي مع ماهر وتاخدي يا فلوسك يا ورثك، حاجة منهم على الأقل. -أنا مش هيشفي لي ناري غير إني أنزل الشركة معاه أناطحه راس براس. -فكرة بردو. -أيوه بس هعمل كده إزاي وأنا زي ما انتي عارفة مش بفهم في شغلهم، أنا مش مخلصة حتى ثانوي. -لازم تشوفي حد ثقة تبعك أنتِ مش تبعُه ينزّل معاكي ويعلمك الشغل. يبقى فاهم في الإدارة والحسابات عشان يمشي معاكي واحدة واحدة. جلست
تفكر وتفكر إلى أن قالت: -فاكرة خناقة عزام مع مراته؟ فاكرة لما قال لكمال إنه متجوز جيلان بس عشان أمها وأخوها شغالين في الضرايب. جعدت سما جبهتها تردد: -أيوه فاكرة، تفتكري هيفيدك؟ -هجرب. -أيوه بس ده تبع جيلان، اياكي تثقي فيه. -لا طبعاً، بس هو اللي أعرفه دلوقتي. مش عارفة أصلاً هيقبل يساعدني ولا لا، هشوف لسه. أغلقت المكالمة مع سما وبعدها هاتفت جيلان تطلب منها رقم حسام شقيقها.
ولم تتأخر جيلان بالطبع، فما جرى لهو من حسن حظها. عادت من شرودها منتفضة على صوته الصارخ: -ياترى المدام هيمانه في إيه كده؟ -ولا حاجة... ردت بثبات. ليعاود سؤالها: -ممكن أفهم إزاي تنزلي من غير إذني وجاية هنا تعملي إيه والبيه بيعمل إيه هنا معاكي في مكتبي؟ -نزلت أشوف فلوسي وشركتي دايرة إزاي وأديرها. -ده مش رد على سؤالي يا مدام. وبعدين شركة إيه اللي تديريها؟ إنتي مش عارفة تديري حياتك أصلاً عشان تديري شركة بحجم شركة الوراقي.
ضربها بمقتل، غلبها فأغرورقت عيناها بلمعة الدموع وقالت وهي تجاهد ألا تبكي: -عندك حق، أنا ضيعت نفسي ودمرت مستقبلي. زلزلته هي الأخرى، كانت تقصده مستعيرة بالكلمات، غرضها واضح وهي تقصده. صعب عليه حالها، قصد تعنيفها ولم يقصد إهانتها لكن الكلمات خرجت منه هكذا فغرست بجرحها. لتجرح هي رجولته وهي تخبره أن زواجها منه دمرها ولم يعزها. لكنها رفعت رأسها مكابرة: -بس أنا خلاص مش هقعد أعيط على اللي راح وخليني في اللي جاي.
ابتسمت بتوعد ثم فسرت: -الشركة دي كفيلة تعوضني. زم شفتيه وسأل: -عايزة إيه يا لونا؟ -مكتب زي بتاعك، أو تسلفنا مكتبك لو حابب. زم شفتيه بضيق، يراها طفلة تعلقت بلعبة لذا دللها كي تنزل من فوق أذنه: -عاملة كل ده عشان مكتب؟ ماشي يا لونا هعملك مكتب. -دلوقتي. -استغفر الله العظيم يارب، حاضر. نظر على حسام الذي يعرف وقد رآه مسبقاً وهو يبدي إعجابه الشديد بجمالها وقد كسر له كفه في السلام يومها وقال: -والأستاذ ده هيفضل منورنا كتير؟
-اسمه أستاذ حسام وكتر خيره أول ما طلبته ما اتأخرش. جز على أسنانه بغيظ وغيره وهو يردد: -ما اتأخرش؟!! وجبتي رقمه منين؟! تنهدت بتعب ثم قالت: -لو سمحت يا أستاذ ماهر تكون مهني أكتر من كده وتقدر إن ده مكان شغل. ولو ما عرفتش تقدر وتبقى بروفيشنال. ياريت تفكر نفسك إننا هنطلق وانت مالكش أي حكم عليا. استعرت عيناه والتهبت من جديد وهو يراها ويسمعها تعاود فتح تلك السيرة. تقدم كي يقبض على ذراعها وهو يردد من بين أنيابه: -تاني طلاق؟
تاني طلاق؟ ماسمعش الكلمة دي على لسانك تاني أبداً إنتِ سامعة ولا لأ. -والواد أبو قميص مفتوح ده يمشي حالاً، هغمض أفتح ألاقيه اختفى من الشركة. -وإلا عظيم بيمين أكسر الشركة كلها فوق دماغك. في إيه يابت مش هعرف أحكمك ولا إيه؟ انحشر أي حديث في حلقها، أنى لها به الآن، صمت. لم تجد ما قد ترد به على حالته السوقية تلك. وأنقذها دخول دينا تسأل إذن لدخول ضيق مهم ينتظره. فرصة جعلتها تفر هاربة وتذهب بحسام للمكتب الذي عُد لها سريعاً.
تعلم بعد انتهاء اجتماعه مع ذلك العميل سيتفرغ لها ويأتي لعندها يقف فوق رأسها. لذا بدأت العمل بجد واجتهاد تستمع من حسام تعليماته وتحاول السير عليها وتنفيذها قدر الإمكان. بعد مدة ليست بقليلة وقف حسام مقابلها يردد: -الورق ده يودي في ستين داهية. -ورق إيه ده؟! استرعى انتباهها بل على الأدرينالين في خلاياها خصوصاً وهي تسمعه يجيب: -في تلاعب كبير بالأرقام والحسابات. دي قضية تهرب ضريبي من العيار التقيل. ابتلعت
ريقها برعب وهلع ثم سألت: -لا براحة وواحدة واحدة عليا فهمني. -بصي يا ستي، الشركة مغيره في أسعار مواد البنا والخامات. كمان بايعه وحدات كتير من تحت الترابيزة ومش ثابتة ده على الورق. ده غير إن المشروع أبو ٨٠ يعملوا بـ ٦٠. ده غير الأراضي اللي اشتروها بطرق مش ولا بد. بصي كمان هنا. أشار لها على بعض الأوراق يقول: -في تحويل مبالغ كبيرة تمت على فترات متتالية وعلى كذا بنك برا. تهرب ضريبي واضح للشمس. صمتت
بقلق ومرت دقيقة ثم سألت: -ومين اللي ممكن يشيلها؟ رفع لها إحدى حاجبيه. صمت لثانية هو الآخر يشملها بنظرة غير راضية ثم رد: -بتسألي عن حد معين؟ تلعثمت في الإجابة ثم قالت: -جاوبني لو سمحت... ماهر هو اللي شايل الشركة ومعروف إنه هو اللي بيعمل كل حاجة. تنهد بنفس عالي ثم قال:
-ماهر طول الفترة اللي فاتت كان يعتبر بيشرف على كل حاجة وبس. صحيح له صلاحيات كتير، إنما هو بينفذ وبس. لكن أي ورق، أي إمضاء كانت باسم عزام محمد الوراقي، والده. ناولها الأوراق ثم قال: -وبصي هنا، تتبع تحويل الفلوس رايح لحسابات في كذا بنك باسم فاخر عزام الوراقي. لمعت عيناها وفتحتت فيهها بفرحة وهي تردد: -يا حباااايب قلبي. قالتها بفرحة عارمة وكأن أحدهم وضع لها أعدائها تحت يدها وسن لها سكيناً. ***
أخذه الجلسة لفترة طويلة، كان اتفاق هام حرص على إتمامه بأكمل وجه. وأخيراً انتهى ليتفرغ لمصيبته الكبرى ويرى كيف سيتصرف معها. وبينما كان يتحرك ويخرج من مكتبه ذاهباً للبحث عنها إذ به يجد كل الموظفين، بعضهم ملتف حول بعض يتداولون الهواتف وأحياناً كل اثنين معاً بجنب يتهامسان وهما يشاهدان جوالهم. نظر حوله بغضب لحالة التسيب التي أصابت موظفيه بعدما كانوا رمزاً في الانضباط والإنجاز وهتف بصوت غاضب: -هو في إيه؟
الأساتذة سايبة مكاتبها وواقفة كده ليه. اقتربت منه دينا على الفور وتركت زميلتها التي كانت تقف معها وهرولت ناحيته فسألها بغضب: -هو في إيه بالظبط أنا عايز أفهم في يومكم اللي مش عايز يعدي ده، هما واقفين كده بيعملوا إيه؟ -بيتفرجوا على الفوتوسيشن اللي عملتها لونا هانم. نطر أذنه مرة ومرتين ثم سأل عله سمع خطأ ثم سأل: -عملها مين؟ -لونا هانم؟ -لونا هانم؟ عامله إيه بقا؟ عيبي تاني؟ -فوتو... قاطعها يكمل عوضاً عنها: -فوتوسيشن؟
يعني أنا سمعت صح؟ يعني بهاء الصبح ما كانش بيهزر؟ قلبناها ستوديو ليلة العمر هنا ولا ده أوبن كافيه. تحرك بغضب يذهب ليرى بأي ركن تفعل جريمتها وإذ به يتوقف عند إحدى الفتيات وهي تمسك هاتفها فاتحته على صورة لها في معظم الصفحات الترويجية مدفوعة الأجر على السوشيال ميديا. ظاهرة فيه بفستانها الذي حذرها من جمالها فيه مما يعني أن الصورة طازة وهي لا تطيق الانتظار.
مكتوب فوقها "لونا حفيدة عائلة الوراقي والتي لم تكتف بكونها فتاة العائلة المدللة بل طموحها قادها لأن تصبح المدير الرسمي والتنفيذي لشركة الوراقي جروب". طار عقله ولم يبق أي برج منهم بمكانه بسببها. خطتها تعدت مجرد الترضية ورد الاعتبار. لونا بالفعل بدأت تخرج عن جناحيه بل وتحاول التحليق بعيداً، بعيداً جداً وهذا ما لن يسمح به. نزل غرفة الاجتماعات التي ظهرت بالصورة بالتأكيد تتصور هناك. تقدم ليدخل لكنه
استمع للمصور الرجل يردد: -أووه واوو... هايل بجد، أيوه ارفعي وشك ليا كده، هايل، شفايفك اه، انفخيها شوية، مش ممكن. صوت أفيش الكاميرا وبعدها صوته يقول: -حضرتك ماشاء الله عندك هالة كده مش ممكن. أنا صورت مصريين وعرب وأجانب بس قليل قوي لما يعدي عليا حد زيك كده جمال وطاقة ودلع وأنوثة و... لا لا، ما عاد يتحمل وتقدم يدخل الباب بقدمه ويقتحم غرفة الاجتماعات ليرتج المصور من مكانه ويختل توازنه. تقدم يقبض على أحد معدات التصوير
بغضب وغشم وهو يصرخ: -إنتي بتعملي إيه هنا، إيه المسخرة دي. انتفضت برعب وهي تراه يكسر كل شيء حولها ويتقدم من المصور بطريقة غوغائية يقبض على مؤخرة عنقه مردداً: -بتعمل إيه هنا! وإيه ده! صرخ بحدة أعلى: -بتعملي إيه يا حلوة، آه عشان كده جاية ولابسة لي فستان صغير على الحب، وقاعدة تتقصعي والبيه يسبل، خروف أنا مش كده. ثبتت مكانها بخوف ليردد: -إيه اتشليتي، قومي اتحركي معايا يالااا. كسر حوله باقي المعدات وهو يقول:
-قومي يابت من مكانك وتعالي لعندي عشان لو جيت لك مش هخلي فيكي حتة سليمة. تفقد ما بيده: -الله! كاميرا؟! اااه، بتعملوا إيه. ابتلعت رمقها ثم حاولت إحباط أي خوف وردت: -إيه في إيه! إيه الطريقة دي؟ -طريقة؟ ده إنتي يومك أسود. أشار لها بصرامة يقول: -قدامي. تقدمت وهو خلفها يتوعد أن يعلمها الأدب وهي تجاهد مقاومة للخوف تحاول أن تظهر بمظهر الثبات حتى تصل لما تريد. ***
وقفت أمام ماكينة الإسبريسو تضع بها الكبسولة وعقبها شارد مع شقيقها قلقة عليه فلم تضغط جيداً. انتظرت نزول القهوة فلم تنزل. ظلت تتفقدها لكن تأخرت ولا تعلم العطل من أين فبدأت تضرب على جسم الماكينة بنفاذ صبر تسألها: -فيه إيه! مالك إنتي كمان ماتتظبطي معايا. شعرت بجسد صلب ينطبع على جسدها وهو قريب منها للغاية. أنفاسه مقابلة لأنفاسها وفمه في أذنها يهمس بحرارة: -متعصبة على المكنة المسكينة دي ليه، مش قدك.
ابتلعت ريقها بخوف والتفت لترى كمال يقف خلفها ملتصقاً بها يرتدي قميص أبيض مفتوح وعضلات صدره بارزة ظاهرة لدرجة أنها لامست كتفها فسببت القشعريرة ببدنها كله. التفت له بنصف جسدها ليبتسم وهو يلاحظ تأثرها بوجوده وهيمنة حضوره عليها ثم قال: -الصغنن بتاعنا متعصب ليه؟ بللت شفتيها. حاولت إخراج الحديث وألا تقف هكذا كالكتكوت المبتل بلهاء بحضرته. حمحت ليبتسم بثقة ثم قال: -مش بتردي عليا ليه؟ -حمم...
مافيش، بس كنت بحاول أشغل ماكينة الإسبريسو مش راضية تشتغل. اتسعت ابتسامته، شعر وكأنها فرصته فقال: -طب إيه رأيك تيجي وأعزمك برا على أكبر فنجان إسبريسو في الدنيا. كادت أن توافق لولا أنها شغلت عقلها سريعاً وردت بقوة: -لأ. تجهمت ملامحه وسأل بحزن حقيقي: -ليه؟ ليه يا جنا؟ ليه رافضة حتى نقعد نتكلم مع بعض؟ مهما كان إحنا في الأول والآخر ولاد عم.
-وأنا كنت بقعد معاك وأتكلم وأهزر لما كان الكلام في ولاد عم. لكن إنك عايز تاخدني نقعد برا عشان تغسلي دماغي فده مش هيحصل... سلام يا كمال. تحركت تخطو بخطواتها لترك له المكان إلا أنه تحرك لعندها يوقفها يحاصرها وهو مقربها من جسده العريض. عينه على شفتيها ومرة على عنقها يسأل بأنفاس ساخنة: -رافضاني ليه يا جنا؟ ليه رافضة جوازنا؟ رغم توترها من وقفتها تلك وملامستها له إلا أنها ردت مجاوبة:
-لأن أنا مش هتجوز بالطريقة دي، مش هعيش عيشة المصالح والجوازات الباكدج دي. أنا مش هتجوز عشان وصية وورث يا كمال حتى لو طلعت من المولد بلا حمص. لمعت عيناه وهو يبتسم لها ويقول: -بس أنا مش متجوزك عشان الوصية يا جنا. عصبها كذبه ومراوغته. تراه كاذب فصرخت فيه: -يعني إنت عايز تفهمني إن كمال اللي لفها من شرقها لغربها وعرف بنات من كل الدنيا جه يتوب عند جنا وعايز يتجوزها. اتسعت عيناه من مقصدها وما يدور عنه بخلدها ليسأل:
-وليه لأ يا جنا؟ -عشان إنت كمال الوراقي. عيب يا كمال ده أنا جنا، جنا اللي عارفة وشاهدة على كل قاذوراتك وبلاويك. إنت عرفت ستات ما تعرفش تعدهم يا كمال، وجاي بقا تتوب عندي؟ انسى يا كمال. تركته مبهوتاً وغادرت. عقله يلف ويدور متى واين والمهم كيف وقع وكيف سيتصرف. وكما هو ظاهر فالطريق لجنا طويل جداً وصعب. *** دفعها داخل مكتبه بغضب شديد وهي تصرخ فيه: -إنت إيه اللي إنت بتهببه ده؟ -أهبب؟ شكل لسانك ده عايز قطعه، وأنا جاهز.
ابتعدت تحافظ على مسافة آمنة ثم قالت: -ياريت تهدى لا يطق لك عرق، إنت راجل داخل على ذبحة والي بيموتوا دلوقتي الصغيرين بلاش تحصل جدك. -عايزني أموت يا لونا؟ عايزة تخلصي مني؟ -لأ. تحركت تهز كتفيها وتقول: -الموت راحة وأنا مش عايزالك ترتاح. ولو على الخلاص فإنا هتصرف. توجس خيفة وسأل: -هتتصرفي إزاي؟ -مش ده المهم دلوقتي خالص، أنا جايلك في حاجة أهم. تعجبت عيناه وتعلقت بها يتابعها وهي تخرج من حقيبة يدها ورقة تعطيها له ثم تقول:
-اتفضل، أمضي. -إيه ده؟ -تفويض بالإدارة ليا؟ -نعم يا حياتي!! أنا بحبك آه ومش هطلقك أهين بس تفويض بالإدارة ده تنسيه وتطلعي من عندي هنا تحذفي كل الصور والإعلانات اللي نزلتيها. إيه عايزة تبقي نجمة مجتمع ولا هتقدمي على عضوية مجلس الشعب؟ وإيه الكلام الزفت اللي نشرتيه ده؟ بقيتي الرئيس التنفيذي للشركة امتى؟ عايزة تضيعي مصداقية الشركة وتخلي أسهمها في الأرض؟ نظرت له بثبات تعجب له كأنه يرى لونا جديدة خصوصاً
وهي تعيد القول بثبات: -خد أمضي التفويض يا ماهر أحسن لك. -أحسن لي!! ولو ما وافقتش. ربع يديه أمام معدته يتابعها بترقب لتزهل ملامحه وهو يسمعها تقول: -لو ما وافقتش هجري زي الأرنب الشاطر للنيابة وأقدم لهم واجب وطني. مش بعيد يطلبوا مني يجندوني بعد ما أقدم لهم أكبر قضية تهرب ضريبي في مصر. إيه رأيك، تحب تبص على الورق كده. أخذ منها الأوراق مصدوماً. كيف ومتى توصلت لونا لهنا.
بعد نصف ساعة كان يجلس وهي أمامه ومعهم المستشار القانوني للشركة يوقع لها التفويض على مضض وهي تبتسم بانتصار. همت لتقف وهي تردد: -حلو قوي ده. نظر لها بصمت فيه الإعجاب والتعجب ثم قال: -برافو يا لونا، شاطرة عرفتي تعمليها، بس خليكي عارفة إن التفويض ده له شروط. لم تهتم وقالت بعدم اكتراث: -مش مهم ومش وقته، أنا هروح بقا أكمل شغل. مثلت أنها كادت أن تتحرك ثم وقفت تضرب جبهتها بيدها تردد: -اخخ، كنت هنسى، حاجة كمان أخيرة.
ضغط على أعصابه وسأل: -إيه تاني يا لونا؟ -معلش يا ماهر ممكن تسلفني كام ألف؟ ضحك بتعب وسأل: -ليه إن شاء الله. ابتسمت بسماجة ثم ألقت قنبلتها في وجهه: -عشان أقدر أسدد عربون للمحامي فلوس القضية اللي رفعتها عليك. نهض من مكانه ببطء وصدمة يحاول استيعاب أن ما سمعته أذناه صحيح. وهي وضعت يدها على فمها تتصنع الدهشة وهي تردد: -أوبس.. سقطت، أقولك، مش أنا رفعت قضية طلاق عليك. يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!