الفصل 35 | من 46 فصل

رواية سيطرة ناعمة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
27
كلمة
4,599
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

برود جسدها كان واضح، أطرافها ترتعش، هل ضاعت وضاع آخر ما تبقى للفتاة؟ تقدمت بخطى ثقيلة وجسد مات من البرودة، أنفاسها ترتعش، تراه وهو يجلس أمام شقيقته وكمال يحاول السيطرة على انفعالات جنا وإقناعها، حريصًا على مصلحتها. تقدمت وهو يلاحظها فيبتسم، لم تحرك ساكنًا ولم تتغير ملامحها، بقيت تائهة تشعر بالضياع وعقلها ليس معها، الأمر يشبه بمن ضرب بغتةً على مؤخرة دماغه بعصا غليظة أو شاكوش.

فقط تنظر له بصمت، عيناها لا تتزحزح عنه، أيعقل أنه بكل هذه الحقارة، بالأساس لما قد يفعل ما فعل، هل يكرهها! وإن كان، لا يوجد مستوى من الكره قد يصل لهذا الحد من الأذى والخداع. أحشاؤها تتلوى عليها وقلبها يؤلمها، رفعت عيناها منتبهةً على صوته وقد علا بينما يحاور شقيقته التي وقفت محتجة. هي غير مبالية بما يقال ولا بقراراته المفاجئة بشأن زواج كمال وجنا، فليتزوجا أو لا، هي عيناها متعلقه بملامح ماهر تسير عليها،

قلبها يؤلمها وعقلها يصرخ: لماااااا. تهز رأسها بطريقة واضحة، الأمر أشبه بالذبح، مهما كانت سيئة ومهما رآها الجميع سيئة، لا تستحق مثل هذا العقاب، كانت تنتظر الحب، وقد أوشكت على تصديقه. تتساءل كيف خدعها، كيف استطاع، وما يؤلم بشدة هو ما اكتشفته للتو، ألم عظيم في قلبها، تريد أن تبكي، هل صدقت بحب ماهر، والأنكى هو أنها على ما يبدو أحبته؟! اكتشاف الحب في وجع الخديعة، وهل هذا وقته؟!!!!

إنه لأمر غريب وقصة عجيبة، روحها الآن تصرخ، وقلبها ينبض، والدنيا تدور بها، تدرك ما كانت لا تفهمه. عيناها عليه، تكتشف، أحبته، وأحبت تعلقه العجيب وتمسكه المفترى، وباتت تتدلل ليزيد في إثباته وتشبثه، في لحظات الضياع فقط تتمثل الحياة الوردية، هنا فقط بدأت تتخيل لو لم يفعل ما فعل، ولو كان زواجهما صحيحًا لزادت في دلالها وباتت متكئة عليه، لتحايلت على الظروف وجعلته يحقق رغباتها، لربما اختلفت قصتهما واختلفت النهاية.

وانقسم عقلها لنصفين، نصف يتخيل حياة وردية ونصف يصرخ يسألها: ولما لم تفعلي من البداية. عادت لتتذكر بدايتها معه، كم وكيف حاولت كسب وده وهو كان صريح العداء، وجاءت الخاتمة، فحتى فعلته الوحيدة التي كانت تذكر نفسها بها دوماً (كونه صمم على زواجهما ولم يلعب بها) اتضح أنها خدعة. وسؤال عظيم يطرح نفسه، ماذا ستفعل؟ وهل ستواجهه؟ وإن واجهته وأنكر؟! وماذا عن وضعها الآن.

هزت رأسها برفض، تاريخه معها حافل ومشرف، ما عادت تثق به، ماذا ستأخذ من المواجهة وهي باتت على علم به وبتصرفاته، ربما لو علم لزاد من تبجحه وفرض المزيد والمزيد من القيود، فقد فعلها مسبقًا، بالتأكيد لن يتوان عن فعلها من جديد خصوصًا بعد علمه بكشفها له. قرار نهائي....... لن تواجهه، عليها أن تتصرف وتصرف حالها.

انتفضت على ملمس يده على شعرها وخدها، وهو اتسعت عيناه من رد فعلها، فقد لاحظ تعلق نظراتها به لا ترمش عنه، في البداية ابتسم بحب كونها تتأمله بشغف هكذا، لكن ما لبث أن تحولت ملامحه للقلق الشديد وهو يلاحظ شحوب وجهها وتبدل ملامحها تبدو بحالة غير جيدة، فاقترب يتحسسها مطمئنًا عليها وهو يسأل: -مالك يا روحي!

لكنها فاجأته برد فعل غريب وغير متوقع، وتحولت أنظار ثلاثتهم عليها، وجميعهم مستغربين رد فعلها لمجرد لمسة ماهر لها، فهم اعتادوا اقترابه الحميمي منها دوماً وأمام الجميع وهي كانت دوماً متقبله. نظروا لبعض ثم لماهر الذي بادلهم النظر يرى أنهم يلاحظون ما لاحظه، فاقترب منها خطوة وسأل: -حبيبي، أنتي كويسه؟! لم تحتج مجدداً على كلمة حبيبي وما عادت تصرخ، إنكتم حسها، واعتاد قلبها الألم.

هزت رأسها بخفقات قلب عالية من الخوف وعقل مشتت يشعر بالضياع، وقفت تقول بصوت مختنق يود البكاء: -محتاجة أروح الحمام. -استنى هوديكي بلاش تمشي لوحدك شكلك تعبانة. هزت رأسها فصمم: -لا استنى. تدخلت چنا: -هتروح معاها حمام البنات إزاي يا ماهر، استنى هروح أنا. صرخت بلا وعي وضيق: -هروح لوحدي. اتسعت عيناه خصوصًا جنا، فشعرت لونا بضيق بسبب صراخها عليها وهي التي أرادت مساعدتها لتحاول الاعتذار منها؛

-أنا آسفة، أنا بس عايزة أبقى لوحدي، مش هتأخر. قالتها وتحركت تغادر على الفور، تسير وهي تحبس دموعها بصعوبة. *** اندفع بغضب ناحية الأسطبل ليرى العامل يقف بحيرة شديدة فسأله: -إيه اللي حصل يا عم منصور؟ -والله يا كابتن شهاب حاولت أمنعها لكن هي صممت ودي بنت راجل تقيل في النادي والبلد كلها. زاد غضبه وهتف: -تقيل على نفسه هو مافيش رحمة بالحيوانات، هي فين الهانم؟ -خرجت بالخيل للمضمار، هتعرفها لوحدك ماهو مافيش غيرها هناك.

تقدم وكله غضب ليرى تلك الفتاة عديمة الرحمة والبصيرة، اقترب من المضمار وهو يراها ترمح بالخيل هنا وهناك يناديها: -يا آنسة، أنتي يا آنسة. لكنها لم تجب، لم تكن تسمعه فتوسع بخطاه وقد زاد غضبه خصوصًا وهو يراها تزيد من سرعتها، تمكّن أخيرًا من لحاقها فصرخ: -وقّفي حالاً. التفت تنظر له فظهرت ليردد: -هو انتي!!! طب تعاليلي هنا بقا.

تعرفت عليه على الفور، إنه نفس الشاب الذي صدمته في الصباح، لا تعلم لما خافت منه، لكنها رفضت التوقف ليس عنادًا وإنما رهبة منه. بين أنيابه بغضب ثم اقترب: -قولت لك اقفي، حالااا. هتف أخيرًا بحسم مخيف، هزها، كان له هيبة جعلتها تنصاع له رغم عندها. لكنها لم تترجل بعد من على الحصان فاقترب منها صارخًا: -انزلي. -مش نازلة. -قولت لك انزلي. مد يديه ونزّلها رغماً عنها، اقترابه منها أثر فيها لكنه أخرجها من لحظتها على صوته الغاضب:

-انتي إيه؟ مافيش أي إحساس بالمسؤولية، طب مافيش حس؟ إزاي تطلعي بالحصان بالليل. اتسعت عيناها من فجاجته معها وصراخه الغير مبرر فصرخت فيه هي الأخرى: -انت إزاي تعلي صوتك عليا كده، انت اتجننت. جن جنونه فظهرت شخصية الشعبي من داخله: -بت لمي نفسك. أشارت على نفسها: -بت؟؟ أنا بت؟!

-وبت مستهترة كمان، ومش عندها إحساس خارجة بحصان زي ده بالليل رغم إن الحارس قالك ممنوع لكن انتي شكلك متدلع على حس أهلك، بس هما أهلك دول ماعرفوش يربوكي يقولوا لك لما نخبط إنسان نعتذر بأدب والحصان اللي هو روح مش بنطلعه بالليل في ساحة نورها عطلان بقاله فترة خصوصًا لو كان الحصان ده بالذات مش متعود على الطلوع بالليل و واخد على ضوء النهار بس. اهتزت من حديثه الصائب وردت: -أنا ماكنتش أعرف.

-عشان مش عايزة تسمعي غير لنفسك وبس، مالراجل كان بيفهمك لكن انتي أخدتي الحصان وطلعتي. نظر على الحصان وشعر إنه منهك وليس بخير فقال: -اتفضلي، الحصان تعب من تحت تصرفات حضرتك، واضح إن مافيش ذوق مع البني آدمين ولا رحمة بحيوانات مش بتعرف تتكلم وتعترض، الحصان ده لو بينطق كان سب لك. لم تتحمل كل تلك التتابعات من الأحداث وختمها بحديث ذلك المهيب، أدمعت عيناها وهي التي كانت قوية دوماً وفرت من المضمار مغادرة بخطى تسابق الريح.

شعر بتأنيب الضمير حيالها وحدث نفسه: -هي هتعيط بقا وهبقى أنا الغلطان؟ نظر على الخيل بتعاطف شديد يمرر كفه عليه متأثرًا بحالته الصحية: -عيلة متدلع. حرك الخيل رأسه فنظر له وسأل: -أنا زودتها؟! تحرك الخيل يعطيه ظهره فحرك كتفيه كطفل أرعن: -ماهي عيلة مستفزة الصراحة. صهل الخيل وأعطاه ظهره فقال برعونة: -ما زودتهاش ومش بعتذر لحد أنا، خليها تخبط دماغها في الحيط. شد الحصان وعاد به للأسطبل ليجد جاكيت من الجينز موجود على

أحد الكراسي وسأل الحارس: -بتاع مين ده يا عم منصور؟ -مش عارف بس ماحدش جه من بعد العصر إلا الآنسة جميلة. جميلة… اسمه جميلة، اخشوشنت ملامحه من جديد وتقدم غير مبالٍ بجميلة البلا تربية. *** اندفعت تركض للمرحاض تفتحه وتدلف وهي لا ترى أمامها تقف عند أول حوض تفتحه لغسل وجهها المغرق من البكاء في نفس اللحظة التي رفعت فيها جميلة وجهها بعدما صدمته بالمياه. لتصدم كل منهما بوجود الأخرى، في مفارقة عجيبة من القدر.

وقفت كل منهما لثوانٍ تنظر للأخرى، كل منهما محطمة وكل منهما باكية متجاورتان عند حوض واحد تغسلان وجههما بالماء من دموع الهزيمة والإنكسار. نظرات متبادلة من الغيرة، كل واحدة ترغب بأن تصبح مكان الأخرى. لونا تريد أن تصبح جميلة المتعلمة المثقفة الذكية ذات الشخصية القوية والملامح الجميلة، تربت على الإتيكيت والمعاملة الراقية والكل يحسب لها ألف حساب، تدير شركة فيها آلاف الرجال والسيدات بقبضة من حديد.

وجميلة تتمنى لو كانت مثل لونا، فتاة جميلة مدللة، تتعامل بفطرة وأنوثة ممتلئة، مميزاتها قليلة ولا تملك سوى جمالها وفطرتها لكنها مرغوبة من الكثيرين، ومن يرغب لونا يرغبها لنفسها، لكونها لونا رغم كل ما تفعله ورغم أن ما ستقدمه في المقابل هو صفر لأنها لا حسب ولا مال ولا جاه حتى جمالها من الممكن أن يتكرر، ترى لونا فتاة محظوظة خصها الله بهالة تجذب لها الرجال دون انتظار مقابل، على عكسها ورغم حسنها الذي تعرف قدره العالي لكنها دوماً كانت تعاني من كونها "باكدج" عرض مغري جدًا.

من سيأتيها بالتأكيد سيأتيها لأنها مثالية، فمن سيرفض فتاة ذات درجة عالية من الجمال بشهادة جامعية عالية وابنة عائلة ذائع صيتها ووالدتها سيدة منزل درجة أولى وبالتأكيد ابنتها مثلها. تتمنى لو كانت مثل لونا، لا تملك سوى جمال ناعم مدلل بفطرة لم تجد استخدامها مئة بالمئة وهالة من القبول تجعلك تتغاضى عن كوارثها.

كانت ترغب في أن تكون فتاة تصنع كارثة كل دقيقة ولا تجيد التصرف وكل من حولها يبادرون بمساعدتها لأنها معروفة كونها لا تحسن التصرف، لكنها كانت وللأسف ذكية سريعة البديهة عندها حسن تصرف لدرجة أن والدها نفسه لا يقبل على مساعدتها أو القلق عليها. نظرات ناعمة، صامتة، متبادلة من أربعة عيون بنية متقابلة: -أنتي كويسه؟!

صوتان صدرا بنفس اللحظة على مضض لكن الإنسانية تحكم، صمت مر وكل منهما لم تجاوب على الأخرى بل صدمت من المبادرة والسؤال، مرت لحظتان من الصمت ثم: -محتاجة مساعدة؟!

عات كل منهما تتحدث في النفس اللحظة، لكن أي منهما لم تجب على الأخرى وخرجت جميلة فيما بقيت لونا واقفة تحاول استيعاب كارثتها الأكبر من كل شيء بينما تجفف وجهها وتستند على حافة حوض الاغتسال، رن هاتفها المحمول برقم غريب، حالتها لم تكن تسمح ولا مزاجها وما كانت ستجيب لكن تميز رقم الهاتف المكون من أربع أرقام لعب بعينيها وفضولها والتشويق لذا فتحت المكالمة ترد بصوت مبحوح: -ألو. تنهيدة ساخنة حارة كانت بالمقابل

ورد بصوت يظهر عليه التحرش: -أووف، صوتك يخبل. اتسعت عيناها من الوقاحة وصرخت: -إيه ده انت مين يا حيوان. -تؤ تؤ، أنا بحب القطط المخربشة بس من غير شتيمة يا لولو. -قطط إيه ولولو مين، انت مين ياراجل أنا وعايز إيه؟ -هممممم، أنا فاروق دويدار يا قطة، وحشتيني، وكنت ناوي أكلمك من زمان بس قولت أستنى، أصل أنا كده دايماً أسيب المزاد يعلى وأتدخل أنا في الوقت المناسب. -أنا مش فاهمة حاجة وأسفة مضطرة أقفل معاك لأن… قاطعها يردد:

-يا ترى باباك مرتاح في المستشفى الجديدة؟! علت أنفاسها وسألت: -أنت عرفت منين؟! تلاعب صوته وسأل: -ولسه عايزة تبيعي شركة الأخشاب؟ ضحك بصوت عالي وهو يستمع صوت تلاحق أنفاسها الخائفة: -أممممم… عايزة تعرفي عرفت إزاي؟! قابليني بكرة في العنوان اللي هبعتهولك دلوقتي، ماتتأخريش عليا يا لولو عشان مابحبش الانتظار، هبعت لك لوكيشن على الواتساب، بااااااي. تخدلت يداها بالهاتف وهي تهز رأسها: -كتير عليا، كتير والله. لتنتبه على صوت جنا:

-لونا، مالك يا بنتي، اتأخرتي قوي، ماهر برا مستني مش عارف يدخل وقلقان عليكي جدًا. حقًا؟!!! هل قلق عليها!!!! أشياء كثيرة متناقضة وأفعال تصيب الجنون، مصيبتها الكبرى هو أنها كانت ترى بعينيه اللهفة والحب واضحان لدرجة الإقناع، لدرجة أنها صدقته وسلمت. -بقيت كويسة، بس عايزة أروح. نطقت بتعب وخرجت مع جنا لتجده بالفعل ينتظرها بالخارج وأول ما خرجت اقترب منها على الفور وكوب وجهها بين كفيه يسألها باهتمام وحنان بالغ:

-مالك بس، كنتي كويسة إيه اللي حصل يا روحي! -عايزة أروح. قالتها باختناق كلما زاد تمثيله، عقلها سيصاب حتمًا بالجنون من أفعاله وتناقضات الواقع. -نروح يا روحي يلا. كلماته ستجننها بلا شك، من تصدق، هو أم الواقع؟! قادها لحيث سيارته وجعلها تجلس برعاية بجوار مقعد السائق، تقدمت جنا لتجلس فقال كمال: -رايحة فين؟ -اللهم طولك يا روح، هركب عشان أروح. -روحي بس معايا. تدخل ماهر: -كلنا رايحين يا كمال، سيبها. -تروح معايا.

-كلها أسبوعين يا عم كمال وابقى اعملنا الحبتين دول مش وقته مراتي تعبانة. -ماشي يا ماهر بس خليها تيجي معايا، محتاجين نتكلم. نظرة من ماهر على لونا وأخرى على چنا ثم قال: -ماشي، بس قدامي بعربيتك يا حبيبي. قالها بابتسامة واسعة سمجة اغتاظ على أثرها كمال ثم تحرك ليتحرك ماهر أيضًا. *** جلس في سيارته يقود وهي كالكرسي الذي تجلس عليه لا تنطق، زفر بضيق ثم قال:

-لازم نسمع كلام ماهر، أنا خايف لو ماحققناش شروط الوصية ممكن بابا ولا عمي يدقوا معانا دقة نقص. لم تجب أو تعطيه رد فقال: -طب ردي عليا طيب قولي أي حاجة، قولي حتى لأ بابا مايعملش كده، هو أنا بكلم نفسي. هتف الأخيره بحدة جعلتها تلتف له بحدة مماثلة وقالت: -كلم نفسك أحسن ما تكلم عيلة ما تملى عين حد يا دكتور كمال. حانت منه ابتسامة انتصار كون أن حديثه شغلها ثم قال:

-جنا، خلينا عاقلين، وجواز العقل مافيش أحسن منه، أنا عارف إن نفسك تفتحي براند ملابس وشنط باسمك والفلس دي هتساعدك وانتي معدية السن القانوني يعني هتستلميها فورًا، اعتبريه اتفاق، صفقة أو تبادل منفعة، وأنا عن نفسي أقدر أقطع لك على نفسي عهد إني لا هقرب منك ولا هلمسك ولا أعاملك معاملة المتزوجين. كان اتفاق رائع، رائع جدًا، بينها وبين تحقيق حلمها الذي رفضه والدها وماهر عقد زواج، نظرت له بجانب عينها وسألت: -وعد؟ هز رأسه مؤكدًا

يبصم بالعشرة: -وعد طبعًا وكلمة رجالة. -صدقتك، موافقة. كتم ضحكته، يقسم إنها طفلة، إقناعها كان أسهل مما تخيل. *** تقدم بغضب شديد يجلس على أحد البارات يطلب الخمر ليلتف له طارق المصدوم: -رشيد؟ -طارق؟ -يخرب عقلك بتعمل إيه هنا؟! ولا أنا عشان جبت مرة رجلك خدت على هنا؟! -زهقان ومش طايق نفسي وكنت عايز أشرب كاسين وماعرفش أماكن غير هنا. -إيه، الكلام على إيه؟!! جميلة؟ -عرفت منين؟ -طارق يعرف كل شيء. -طارق.

-براحة يا عم، شوفتكم الصبح انت وبوكيه الورد اللي كان معاك، شكلك كان مسخرة، مش خايف علياء تشوفك! تنهد بحزن: -أعمل إيه؟! بحبها. -طب وعلياء مراتك؟ -بحبها برضو. -يا ولااا. -مش مصدقني أنا عارف، بس بحبها ومش هقدر أستغنى عنها، بس بموت في جميلة وعايزها عايز أتزوجها، أنا حالتي صعبة قوي يا طارق…. ماتكلم لي عمك مش أنا ابن عمتك برضو.

-أكلمه عشان يهزقني، أقوله جوز بنتك لرشيد الأكبر منها بأد كده ومتجوز ومخلف، وبعدين بلا حب بلا بطيخ ماتجيبليش السيرة دي. رفع رشيد إحدى حاجبيه وسأل: -ده الكلام على وجع بقا، قولي قول مين علمت على ابن أبو العينين الوحيد. -بنت الجزمة، هي فاكرة نفسها مين عشان تفضل عليا الزفت اللي اسمه ماهر ده، وشكلها مبسوطة ونسيتني أصلاً بس أنا ماسكتش. -عملت إيه؟ -عملت لها بلوك. -هي كانت بتكلمك؟

-لا، بس عملته عشان تشوف إن عملته وتعرف إني عارف لا تفكر نفسها فارقة معايا يعني. -وهي مش فارقة؟! -لأ طبعًا، أنا طارق أبو العينين. نظر رشيد على الفتاة الشقراء التي تقف عن يمينه تداعب شعرات صدره والأخرى السمراء التي تبتسم وتعطيه الكأس ثم ردد: -لا واضح واضح. تنهد ثم قال: -بس انت هتكلم لي عمك، مش هتخليني عني. -يوووه، خلاص يا عم طيرت أم الكاسين من دماغي، هكلمه انزل من على ودني بقا.

-ماشي هات الكاس ده والبنت السمرا أنا بحب السمر ونفسي جزعت من البيض. *** لا يعلم ماذا بها، وما طرأ عليها، كانت منذ ساعات معه بالشركة تناكفه، ماذا حدث؟ أكل ذلك بسبب إخفاقها في تقديم الاجتماع! صممت على النوم وحدها بغرفتها بعدما بدلت ملابسها وأخذت مسكن للصداع، ذهب لغرفة والدته مقرراً فتح الموضوع معها. تقدم منها يطبع قبلة على رأسها مرددًا: -مساء الفل يا ست الكل. -مساء النور يا حبيبي.

-عاملة إيه النهارده… جبت لك أحلى شيكولاتة في الدنيا. -تسلم وتعيش يا حبيبي. -أممم.. ماما.. كمال وجنا خلاص هيتجوزوا. -بس جنا مش موافقة يا ماهر. -أنا أقنعتها. -يا ماهر كمال صحيح طيب وأنا مربياه معاك بس بصراحة هو.. -كبر وعقل خلاص يا ماما وجنا بنتك مش سهلة برضو. -بس.. -ماتقلقيش يا ست الكل ولو مارتاحتش هطلقها منه. -طلاق إيه بس يا حبيبي هو إحنا بنجوز عشان نعيش ولا عشان نطلق.. ولا من امتى كان عندنا حد بيطلق.

ها قد ذهبت به لمربط الفرس، أجلى صوته بصعوبة ثم ردد: -ماما، في موضوع كده كنت ..يعني…أحممم.. بصي.. بابا جالي تاني… وعايزك ترجعي له. تحولت ملامحها على الفور وسألت: -عايزني يعمل بيا إيه، أنا خلاص. اقتحم الغرفة يردد بصوت غاضب: -هو إيه اللي يعمل بيا إيه، الله، مراتي وعايزك، هغنيها. اتسعت عيناه من اقتحام والده الغرفة ووقف يحاول إخراجه: -بابا لو سمحت. -بلا سمحت بلا ماسمحتش بقا. -يا بابا… المواضيع ما بتتحلش كده.

حاول إخراجه فتقدم معه لكنه ما زال يصرخ ويقول موجهاً الكلام لها: -ماشي بس خلي بالك أنا صبرت عليكي كتير، وأكتر من كده مش هصبر، قدامك أسبوعين اللهم بلغت.

خرج من الغرفة بصعوبة ونظر على والدته وجدها تغمض عينيها بحزن وقلة حيلة، اقترب منها يحاول إخبارها أن أفعال والده ليست إجبارًا وإنما حب كبير لها، لكنها لم تتقبل أي من كلماته، ولأول مرة يوضع بمحل لونا ويعرف كيف ترى تصرفاته المطابقة لتصرفات والده وكم كان مخطئًا وربما سيواجه نفس المصير. *** صباح يوم جديد، وجد نفسه يجلس في سيارته أمام مقر شركات والدها كونه لم يستطع الحصول على عنوان منزلها.

ترجل من السيارة ودلف للداخل ليسمع صوت صراخ عالٍ وأوامر صارمة صادرة من صوت أنثوي، فتح الباب وبيده الجاكت. صوت صرصور الحقل دوى في المكان والأنظار كلها التفتت له حتى هي صمتت بصدمة وحرج، تقدم وهو ينظر على نظرات الموظفين يشعر بالحرج لكن فات أوان التراجع، يتقدم ويتقدم حتى توقف عندها حيث كانت تقف تترأس اجتماعًا هامًا وأعطاها الجاكت مضيفًا: -وقع منك امبارح واحنا مع بعض في الأسطبل. -في الأسطبل. صوت صدر هامسًا من أحد

الموظفين فأكمل يزيد الطين: -أصل الدنيا كانت ضلمة. -ضلمة؟؟؟؟؟ -براااااااااا. صرخت فيه بعصبية وغضب ترى نفسها متورطة مع أحدهم للتو بلا أي مقدمات. ***

جلست تحاول التفكير، جسدها مرتجف لا تريد مقابلة ذلك الفاروق، تخاف منه وينقبض قلبها من مجرد ذكر اسمه وقد تعلمت من خطأها المسبق يوم فتحت مجال وقابلت طارق، ما زال صوت ماهر وهو ينعتها ب"وسخة" يتردد بأذنها يذكرها بدرس لم تتعلمه على يد والدها الطيب المشغول دوماً بتعب والدتها ولم تعطيهم الحياة الفرص فأخذته على يد ماهر. وهمست: -عرفت طارق، ونمت مع ماهر وأروح أقابل راجل جديد، أنا كده أبقى وسخة فعلاً؟!

هزت رأسها بجنون، مصير ما كانت تتمناه، حفرة عميقة حفرت لها وما كانت تتوقعها، الجميع يقودها نحوها، نحو الهلاك. تحدثت بخوف: -أنا لازم أسيب البيت ده، لازم أرجع بيتي وأطرد عمي، ده اللي كان المفروض يحصل من زمان… صح، محتاجة كده، بس لازم حد يساعدني، أعمل إيه، مين؟ ماهر مش هيرضى يساعدني، ماهر عايزني دايماً ضعيفة. فكرت قليلاً ثم قررت، ستطلب مساعدة فاروق دويدار، رجل ثقيل مثله بالتأكيد سيفعلها برمشة عين.

وقفت لتبدل ثيابها، خرجت بخطى واثقة، طلبت سيارة من تطبيق ترحال. جلست بالمقعد الخلفي تفكر ماذا ستقول وكيف تطلب منه، يتراود لعقلها كلام جنا صباحًا عن ماهر وكيف سهر لجوارها ليلاً وخرج في الصباح بعدما أوصاها عليها… كل شيء سيصيبها بالجنون، هي على شفا الجنون بالفعل.

لا تعلم متى وكيف، لكنها الآن تخطو خطوات واسعة غاضبة داخل شركة الوراقي وقد خلفت موعدها ووعدها لفاروق دويدار مقررة، لن تذهب، ولن تصبح قذرة، لن تصبح لعبة في أيدي الرجال. حاولت وحاولت لكن لوّنا ميولها مباشرة وهي فتاة مباشرة، مباشرة جدًا إن أحبت ظهر عليها وإن كرهت ظهر عليها. طوال الليل وهي نائمة على سريرها تمثل النوم لكنها كانت تفكر كيف ستلاعب ماهر وتنتقم منه على كل ما فعل، تقسم إنها لن تخبره ستصبح غامضة، غير سهلة، مخيفة.

ولم تمر ساعات وها هي تفتح الباب على ماهر بمكتبه وتواجهه مباشرة: -انت صحيح اتجوزتني من غير جواز يا ماهر؟؟؟ انتفض من مقعده كالمسلوع يردد: -انتي اتجننتي؟! إيه اللي بتقوليه ده؟!!!! صرخت بدموع:

-مش هتضحك عليا تااااني ولا هتاخدني بالصوت تاني، إزاي عملت كده، إزاي تعمل في أي بنت كده، عملت إيه عشان تحولني لمومس، أذيتك في إيه، ليه كل ده حرام عليك… حرام عليك، أنا كنت صدقتك، أنا كنت بدأت أتعود عليك وأحبك، أنا منعت اللوب اللي كنت مركبانة وبدأت أفكر أخلف منك ونستقر وكفاية جري وحرب، ليه عملت كده، ليه؟ ليه حرام والله حرام، بس أنا ه…

اقترب منها يسمعها مصدومًا من كمية الاعترافات الموقفة للقلب والتي قالتها رغماً عنها، علاوة على اتهام خطير لا يعلم عنه شيء ولم تكمل حديثها بل سقطت بين يديه وسقط معه قلبه وهو يصرخ باسمها..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...