هزت رأسها بجنون، لا تفقه حرف من المكتوب. المدون أمامها لاهو أصعب من درس اللوغاريتمات في رياضيات الثانوية العامة الذي لا تستسيغه أبداً. فكرت لثوانٍ وهي تقلب في الأوراق بينما ترددت: "مالي أنا بكل ده، بيحط عليا ابن عزام! ماشي، ماشي يا ماهر." تناولت هاتفها تفتحه لتتصل ببهاء، لكن توقفت أناملها أمام رسالة مبعوثة من المحامي الذي ذهبت له تقول: "مدام لونا لو سمحتي عايز أقابل حضرتك في موضوع مهم مش هينفع يتقال في التليفون."
جعدت ما بين حاجبيها وقررت الاتصال عليه، لكن هاتفه كان خارج التغطية. لم تكد تضع الهاتف جانبها إلا ووجدت باب المكتب يفتح بقوة ويدلف آخر شخص توقعت وجوده أو مجيئه إليها. عزام محمد الوراقي. وقف شامخ طوله ورأسه عالية يطالعها بابتسامة جانبية ساخرة ثم ردد: "مش كنتي جبتي كرسي أصغر شوية يا بنت رحيل، المكتب ده واسع عليكي وإنتي بتلوقي فيه." جاءبته ترد بهدوء رغم نجاحه في زعزعة ثقتها: "معلش، مصير الصغير يكبر." استوت في جلستها تتكئ
ولا ميريت أمون بزمانها: "بس الكبير لما بيقع مش بتقوم له قومة." غمزت له شامتاً تردد: "مش كده يااا... خالو." سحبت نفسًا عميقًا ثم أكملت تشفيها: "جيت ليه، على ما أذن مابقاش ليك حاجة هنا." نظرت لأظافرها تسأله بمهانة: "إيه محتاج فلوس؟ الـ 200 جنيه اللي كرمشتهم لك من يومين خلصت؟ لا لأ لازم تمسك إيدك شوية عن كده، التبذير بتاع زمان خلص، وأنا لو أدّيتك يوم مش هرضى أديك تاني، وإنت عارف، السلف تلف."
استمع لحديثها كله وحاول تمريره مؤقتًا. زم شفتيه بضيق ثم قال: "مالقتيش غير سامح أخو جيلان تحطي صابعنا تحت درسه! كادت أن تتحدث، لكنه هاجمها وأخرسها: "وماتقوليليش جت معاك صدفة، أنا مش ماهر الأبله، ماهر ده طالع لجده، لكن أنا لا، إنتي مش عبيطة ومش بتيجي مع الهبل دوبل زي ما مفهمه الكل، إنتي اخترتي حسام بالذات عشان عارفة بخلافاتي مع أخته." لم تتغير ملامح وجهها كثيرًا، احتفظت بثبات ملامحها ثم جاوبت:
"وأنا هعمل كده ليه يا خالو بس." نجحت في السيطرة، عصبت عزام الوراقي. انتفض من مكانه بغضب يردد: "بت، شوية السهوكة اللي بتاكلي بيهم عقل ماهر مش هيعدوا عليا، والورق اللي معاك ده تسلميهولي والواد اللي اسمه حسام ده أنا هعرف إزاي أتصرف معاه هو واللي بعتته." ردت ببرود: "روح اتصرف معاه، ما عنديش أي مشكلة أنا أخدت مصلحتي منه خلاص." سيطر على غضبه بقوة ثم حاول التحدث بتروٍ:
"بلاش عند، ولعلمك ماحدش هينفعك غيري، حتى ماهر نفسه مش هينفعك." حاول تغيير فكرها، تحدث بنبرة متوسطة لا حابب ولا كاره، يريد عقد مصلحة متبادلة الأطراف لذا قال: "أنا قاطع على كله وعارف كل واحد جواه إيه، تيجي نلعب على المكشوف." نبرته شجعتها، بدا جادًا فردت بلا تردد: "موافقة... بس إيه يثبت لي صدق كلامك وإني مش بوق؟ هز رأسه معجبًا وجلس يتحدث بجدية حقيقية:
"هقولك، يعني أنا مثلاً عارف إنك لا ليكي في شغل الشركة ولا عايزة تديريها، إنتي نازلة تمسكي فلوس وبس، تقعدي على الكيس زي ما بيقولوا، ماهر يدير، أنا أدير، مش قصتك، كل الحكاية إنك عايزة تاخدي فلوس تكفيكي تجيبي بيت وتأمني مصاريفك ومصاريف أبوكي وماتبقيش عايشة على القد، عايزة تتنغنغي وتعيشي هانم." ابتسم بثقة فقد عراها تمامًا، وأصاب الصميم. هي بالفعل كانت تلك نواياها، فحتى ماهر لم يفهم. يبدو أن للسن والخبرة عامل كبير ومهم.
تيسرت مهمته ثم كمل: "أنا جبتك أول مثال عشان تعرفي أنا فاهم اللي حواليا إزاي، وهقولك تاني مثال، أنا." اتسعت عيناها غير متوقعة تلك الجرأة وزادت صدمتها وهي تسمعه يتحدث بشفافية: "أنا زهقت من اللعب هنا وشايفها عمالة تضيق، وفاخر تعبان مش بيبطل قرص حتى في أخوه." أعطته نظرة تحتية من عينيها، غير مستسيغة صدقه وشفافيته المفاجئة: "من إمتى ما علش؟ "مش مصدقة." "طبعاً."
"جدعة، تعجبيني، بصي، أنا هعرف أعمل كل حاجة، كل حاجة حرفيًا إلا حاجة واحدة." تجعدت ملامحها تعصر عقلها في ماهية تلك الحاجة المستعصية عليه فرد بحزن شديد: "نسرين." زمت شفيتها بضيق، هاهي تعود لنفس القصة ونفس المتاهة، القدر يلاعبها ولا ينفك عن إرسال الرسائل لها؛ فحتى عزام الجاحد سيطرت عليه كل عوامل المصلحة والمادة وجعلته يتخلى عن كل شيء حتى والده، إلا حبه لزوجته نسرين (حبه الأول)
. فماذا تتوقع من ماهر سلسل محمد الوراقي وعزام. قطع سيل فكرها وهو يردد: "عايزك تقنعيها توافق ترجع لي." ما يطلبه كان أصعب من أن توافق عليه فقالت: "ودي هعملها إزاي دي، دي مش بتطيق سيرتك." أغمض عينيه بألم ثم قال: "ماعرفش، بس إنتي قريبة منها وهي متعاطفة معاكي.. وإنتي هتتصرفي لما تعرفي إني هساعدك تاخدي فلوسك." "إزاي؟ ضحك وهو يضرب عصفورين بحجر واحد: "هبعتك لواحد معرفه ومسيطر وهو هيظبط لك كل حاجة بكلمة منه."
تنهدت بعدم راحة، رغم صدق كل حديثه إلا أنها لا تستطيع إعطاءه الثقة فجأة هكذا فسألت: "وأنا أصدقك ليه، ليه ماتكونش دي لعبة جديدة منك عشان توقعني." "لا أنا ماحدش هيعرف يساعدني غيرك، مش هينفع أخلي چنا اللي تدخل ولا ماهر لأنها مش هتقتنع، ولا هتقتنع بيكي على فكرة لكن هتتأثر، زي ما قولت لك هي متعاطفة معاكي وكمان هي متأثرة بحكايتك مع ماهر." عضت شفتيها مفكرة فسألها: "هااا، متفقين؟ "لأ."
قالتها بقوة وهي تبتسم تنهي الموضوع تمامًا، لن تخطئ وتثق في عزام مهما كانت محتاجة له. وختمت الجلسة تطرده وتقطع الأمل تقول: "نورتني الشوية دول... يا خالو." انتفض يقف بضيق شديد يستمع لطردها له ولم يستطع الاعتراض بل تحرك بخطى غاضبة يتجه نحو... *** استيقظت محبطة حزينة ويائسة، رغم كل ما تملكه تشعر بأنها أسعد فتاة على كوكب الأرض. قامت تحاول استدعاء النشاط، دلفت للمرحاض بقوة خامدة، اغتسلت ببطء وارتدت ملابسها بضيق.
وقفت أمام المرآة تحاول تخبئة ذبول وحزن ملامحها بطبقات من مستحضرات التجميل. التقطت حقيبتها وتوجهت للمغادرة، تقابلت مع والدتها في ممر الغرف. ألقت عليها تحية الصباح لتمرر الموقف وتمر، لكن على من؟ أوقفتها تقول بحزن وعدم رضا: "رايحة على فين يا بنتي بس؟ "زي كل يوم يا ماما، الشغل مش بيستنى." "شغل إيه يا بنتي، ده إنتي لو جبل كان زمانك اتهديتي، ريحي يوم يا جميلة، أدي لحزنك وقته، ليه المكابرة اللي تقصف العمر دي!
"فين الحزن ده، أنا مش حزينة." "لا حزينة وما فيهاش حاجة." "ماما أنا لازم أمشي دلوقتي." تحركت كي تغادر فأوقفها صوت والدتها التي رددت: "أنا عارفة إنك مش زعلانة على ماهر وإنك ما كنتيش بتحبيه أصلاً." أسبلت جميلة عينيها بحزن، هي بالفعل كذلك، يحزنها خذلانها كل مرة، وإعادة معايشة شعور عدم الرغبة أو التقبل الذي عايشته على مراحل متكررة.
نزلت آخر درج سلم بيتها لتتلاقى مع رافضها البكر، تنهدت بتعب وضيق، هو آخر من تود مواجهته الآن في ظل ضعفها الحالي. وجدته يتكئ على سيارتها والمظهر لا يحتاج للتحليل. هو ينتظرها. تقدمت بجسد مستنزف طاقيًا لتجد القدر يعاندها، رشيد يخرج من خلف ظهره باقة ورد حمراء خاطفة للأنفاس يقدمها لها ويردد بضعف شديد شديد: "أرجوكي يا جميلة أديني فرصة، أنا مش قادر أعيش يومي، عشان خاطري تقبلي بيا." حاولت الصمود وقالت باقتضاب واضح:
"لا يا رشيد، ويا ريت بلاش تقف الوقفة دي تاني، بلاش كل شوية نحرج بعض." تقدم منها الخطوة المتبقية بينهما، الهواء يمر من مساحة تكاد تكون منعدمة، يحاصرها بروحه: "أنا عرفت إن ماهر فسخ الخطوبة." هل يعايرها! أم يستغل الموقف؟! حاول تصحيح الكلام وذوقه يقول: "ربنا رأف بيا وسمع دعائي، أنا مش عارف أعيش يومي يا جميلة، هتجنن عليكي، بلاش أقولك عشان خاطري أديني فرصة عشان أكيد ماليش عندك خاطر، بس أبوس إيدك حاولي."
شهقت بصدمة ورعب وهي تراه يذهب للا محدود، رفع كفها يقبله كأنه يتوسلها أن ترحمه. يردد بلا وعي: "أديني فرصة، أديني فرصة ولو صغيرة، جربي والله ماهتندمي يا جميلة." هزت رأسها بتعب وجنون، لما يفعل ما يفعل؟ ولما الآن بعز حزنها وضعفها وانكسار أنوثتها، حضر ليعطيها دفعة أنثوية يخبرها أنها أنثى مرغوبة، ومرغوبة من رجل رفضها مسبقًا، ربما هي فرصة لا تعوض. نظرت له نظرة خبيثة، شريرة، قاتلة ثم قالت: "بس على شرط." رد بلهفة يسألها:
"موافق." "مش تسمعه الأول! "أي إن كان، موافق." "شرطي إن علياء ما تعرفش بأي حاجة ولا حتى تحس." وهل يعتبر ذلك شرطًا، هو أكثر من حريص على ألا تعرف. هز رأسه مبتسمًا وأخيرًا سيرتاح. تنهد ثم قال: "موافق.... ممكن تقبلي مني الورد." قبلت وأخذته ليقول: "وتقبلي عزومتي على الأكل." "كده كتير." "عشان خاطري." "ماشي... ساعة واحدة بس." "وأنا راضي بيها." ابتسمت فقال: "يالا بينا." قالها وهو يشير على سيارته فردت: "لا هروح بعربيتي."
ارتضت داخليًا وهي تراه يهز رأسه موافقًا وسيوافق على أي شيء تريده، بعدما رضت عليه. تحركت لسيارتها ثم تحركت بها وهو خلفها. *** كان يجلس على مكتبه يبتسم بين الحين والآخر وهو يتخيل وضعها بين أرقام وحسابات هي لا تفقه فيهم شيء. الجزء الخبيث والشرير بداخله جعله يقدم على ما فعل، كان يريد أن ترى نفسها ضعيفة أمامه كما هو دائمًا أمامها.
تنهد بحب، يعشقها الغبية وهي لا تريد أن تصدق، حتى لو كانت طريقة عشقه غبية وأنانية ومستبدة لكنه يعشقها وينتظر منها أن تقبل به كما هو. وبينما هو كذلك تفاجأ بالباب يفتح ويدلف عزام مرددًا: "معلش بقى كان المفروض آخد الإذن من السكرتيرة قبل ما أدخل مكتب المدير الجديد بس قولت إني أبوك بردو مش كده." "كده طبعاً، المكتب نور." ضحك عزام وردد: "مش هتسألني تشرب إيه؟ نظر حوله بضيق ثم ردد: "ما أنا بقيت ضيف بقىاااا."
"لأ طبعاً المكان هيفضل مكانه مهما كان... هطلب لك قهوة مظبوطة." رفع سماعة هاتفه لطلب القهوة لكنه لم يكد أن يفعل فقد توقف على حس والده الذي قال وهو يناظره بغضب: "اشتريت المحامي بتاعي يا ماهر." صدم ماهر وتعلقّت يده بالسماعة في المنتصف، ابتلع ريقه من كشفه السريع ووضع السماعة فيما كمل عزام: "هي حصلت؟! "مين قالك كده، أكيد حد عايز يو... قاطعه عزام يتقدم برأسه وصدره للأمام مرددًا بغضب عظيم: "المحامي نفسه هو اللي قال."
سب ماهر من بين أنفاسه فهل باعه وسلمه هكذا بكل بساطة، لكن عزام فاجأه حين ضحك يقول: "لا ما قالش بعضمة لسانه اتطمن، فلوسك اللي حولتها لمكتبه حلال، إنت اللي ناسي إنك لو طالع عقر وناصح فالفضل ليا، أمال فكرك إنت العيال بتتكب باسم آبائها ليه؟!!! صمت ماهر، الصدمة كانت أكبر من أن يمتلك ردًا أو كلامًا، ووضعيته تلك أرضت عزام لقدر كبير، فابتسم وهو يقول: "عايز تعرف عرفت إزاي؟ أخيرًا استطاع الحديث وأنكر: "كذب، مستحيل أعمل كده."
"حصل، ولولا الغلطة الصغيرة دي أنا ما كنتش هاخد بالي." صمت ماهر فانتفض عزام من مكانه يردد: "المحامي بتاعي أو بمعنى أصح اللي بقى بتاعك، قاعد يلاعبني ويرميلي في كلام يخليني أبعد عن فكرة الطعن على الوصية وقال إيه البت بتاعتك دي تورث في الثلثين!!! طب إزاي؟ هي ليها ورث أصلاً!!!
أمها ميتة قبل جدك وجدك عشان عارف بكده كان عايز يكتب لها على حياة عينه زي ما قال، وعشان يورثها كتب وصية لأنه عارف إن مالهاش تورث فيه، فالمحامي بتاعك بقى لعب على طمعي أنا وعمك وقال إيه هتورث معانا وكمان تنفذ الوصية وتاخد من الثلث المتبقي! وعمك اللي عامل فيها ناصح شربها عادي بس أنا لأ ما عدتهاش." عاد ماهر بكرسيه للخلف، يده ذهبت أوتوماتيكيًا لرقبته، يشعر بالتورط. أقبل عزام عليه يردد: "كل ده عشان الست حلوة بتاعتك؟!
بتبيع أبوك يا ماهر؟! لم يجيب ماهر، وعزام لا ينتظر ردًا، جوابه معه بالأساس فماهر يرد له كارما أفعاله بوالده فما اللوم!! ربما فقط تفاجأ من سرعة دورة الأيام. أرتمى على الأريكة بإنهاك وقال: "وأنا اللي فكرتك هتيجي تقعد معايا تواسيني وتقولي ماتزعلش نفسك يا بابا، أنا مش عايز الوصية دي يا أبويا، ما عاش ولا كان اللي يكسرك." سحب ماهر نفسًا عميقًا، طالما أن والده مازال مصممًا على السير في نفس الطريق فليكن:
"ممكن مش متعود بنقعد مع بعض كتير فما علش، وبعدين يا بابا أنا مش خايف ومش قلقان عليك، إنت عزام الوراقي بردو وأنا أدرى الناس بيك، أكيد حبيبك اللي أنا عارفهم وسايبهم هنا بمزاجي في الشركة جروا بلغوك بالورق اللي بقت لونا ماسكاه عليك، ومن قبل لونا ما أنا عارف وشاهد، إنت وعمي عندكم بره فلوس النار ماتحرقهاش، وأنا لا اعترضت ولا قلت حاجة."
أسبل عزام جفناه بتعب، سوء معاشرته لوالده تلاحقه وهو أذكى من أن يتجاهل العلامات لذا نكس رأسه أرضًا وردد: "هقولها قبل ما إنت تقولها لي، هطلع معاش وأقعد أريح في البيت." أيد ماهر الفكرة وكمل: "كفاية جري، حقك تتمتع بفلوسك." زم عزام شفتيه ثم قال: "بس بشرط." "اتفضل." "تقنع أمك ترجع لي." تنهد ماهر وجن جنونه من طلبه المستحيل وقال: "إنت تكسب القضية أسهل لك." "ماااااهر." "ماهر إيه؟! هو أنا ساحر وبعدين إنت مش اتجوزت عليها."
"جيلان؟! لا ما أنا زهقت منها ورميتها، أنا كنت متجوزها مصلحة أصلاً وده اللي غلبت أفهمه لامك... أول ما أمها ساءت معاشرتها في الضرائب طرقتها." "رميت مين وطرقت مين، تلاقيها سابتك من بعد الوصية لما عرفت إنك طلعت من المولد بلا حمص." "أمال لو ما كنتش عارف بفلوسي اللي بره، أنا قعدت أولول لها إني فلست ومش هلاقي أكل عشان تطلب هي الطلاق فارفض فتخلعني وتتنازل عن كل مستحقاتها."
لم يستطع ماهر وأنخرط في الضحك يضع يده على وجهه بقلة حيلة من والده وتصرفاته... أدمعت عيناه من كثرة الضحك وهو يردد (يانهار أبيض) عاد ينظر لوالده الثابت ينتظر ردًا يفرحه لكنه خيب أمله حين قال: "بابا لو سمحت، سيب أمي في حالها، أقولك روح اتجوز غيرها أنا راضي وهي راضية وكلنا." صرخ عزام بقلة حيلة: "مش عايز، يا أخي أنا عايزها هي، الله مراتي وأنا حر فيها."
"يا بابا أنا مش بقدر أجيب في سيرتك قدامها تقولي أقنعها ترجع لك ده مستحيل... انسى الموضوع ده خالص لو سمحت." وقف عزام بغضب وردد بحسم:
"أنا مش هفضل أتحايل على كل واحد فيكم شوية، الست دي مراتي وبتاعتي ولو عايز من بكرة أعمل لها ورق مرضي وأسافرها بداعي العلاج ونعيش أنا وهي بعيد عنك وعن أختك ومايبقاش قدامها غيري بس أنا مش عايز أعمل كده عشان ما أطينش الأمور بينا أكتر ما هي مطينة، عايز يبقى بالرضا والمسايسة، معاك لآخر الشهر يا تقنعها إنت وأختك يا أنا هتصرف ونفضل هنا نرازي في بعض بقى، ماتنساش شرط الوصية لسه ماتحققش."
ألقى جملته الأخيرة على شكل تهديد محفز ثم غادر. تنهد ماهر بتعب، مواجهة ما كان يتمناها الآن، لكن هذا ما حدث، ثم ضحك ساخرًا فوالده الذي لطالما سخر من والده وحبه لهنية وطريقة تعلقه بها ما هو إلا نسخة منه متعلق بأمه ولكن تعلق والده مختلف، يحبها بطريقته ومنتظر أن ترضى وتتقبل مهما فعل. وبينما هو غارق في تفكيره دلفت سكرتيرته تردد باستغراب: "مستر ماهر، يا مستر، الاجتماع!
استفاق على حاله، لقد تأخر بالفعل، قام من مكانه وهو يبتسم، سيذهب ليرى لونا الغارقة في ورطتها التي صممها لها وكم هو سعيد برؤيتها هكذا. خرج بخطى واسعة يتقدم باتجاه مكتبها، رفع إحدى حاجبيه وكلما تقدم اتضحت له الرؤية أكثر، الهانم مكتبها مفتوح على مصراعيه، موظف داخل وموظفة خارجة. تقدم ليدخل وهو يرى بهاء مساعده هو، يقف على يمينها، وعن يسارها تقف موظفة أخرى، علاوة على واحدة زيادة ضربت كتفه للتو واعتذرت ثم تقدمت تنضم لهم.
جميعهم منكفئين على شاشة الكمبيوتر والأوراق على ما يبدو أنهم يعلمونها شيئًا أو لربما أشياء. هتف بحدة: "في إيه؟! علامة تعجب كبيرة كانت ساطعة على ملامحه خصوصًا وهو يقترب من ذراعه اليمين يسأله: "أنا اتصلت بيك في مكتبك ما حدش رد، ما طبعاً مشغول البيه." نظر للفتيات يسألهم: "وإنتوا بتعملوا إيه؟ لم يترك لهم الفرصة للجواب لأنه تحول بنظره للونا: "أخدتي موظفيني يساعدوكي، حتى دراعي اليمين عرفتي تكسبيه!!!!
ابتسمت ترفع له حاجبيها تلاعبه، رفع حاجب واحد وهو يهز رأسه: "هممم، عظيم عظيم، طيب... على الله تكوني جهزتي." "جهزت." "اتفضلي." *** جلس وهو لا يصدق نفسه ولا عينيه، وأخيرًا جميلة معه وأعطته الفرصة. بوجه يشع حرارة قال: "مش مصدق نفسي، أنا أسعد واحد دلوقتي عشان وافقتي تديني فرصة." ابتسمت بتوتر، ما زالت غير مستسيغة الوضع فهمس: "ردي عليا بأي حاجة." "مش عارفة أقولك إيه؟
"بلاش تقولي إنتي، أقول أنا، جميلة إنتي طيرتي عقلي من ساعة ما شوفتك، لسه الطقم البينك اللي كنتي لابساه ووشك متغرق عرق في بالي مش بيروح لدرجة إني... كاد أن يخبرها عن حلمه لكن فضل ألا يخيفها وهي للتو قد أعطته الموافقة، عمد لإكمال حديثه: "أنا بضرب نفسي 100 جزمة على كل يوم ضيعته بعيد عنك، أنا من ساعة ما رجعت وإنتي مسيطرة على تفكيري... أجمل بنت شفتها عيني.. وقوية، شخصية، بتمشي شغل يغلب فيه رجالة، وجميلة، ورقيقة."
ظل يكملها، طيرها على البساط من رقة كلامه ووصفه لها، إلى أن وردها اتصال، فتح المكالمة. الاتصال كان من ابنه، أول ما قال له (أيوه يا حبيبي) عادت معه لأرض الواقع. وقفت فجأة وانتفض يسألها: "في إيه؟! ردت بتوتر: "هروح الحمام." زم شفتيه وقال: "بس ما تتأخريش عليا." "تمام." تحركت تحت أنظاره وهو يتابعها بعشق شديد يبتسم بحالمية. دلفت المرحاض وغسلت وجهها تقذفه بالماء، نظرت في المرآة تواجه نفسها، توبخها: "بتعملي إيه؟!
بتعملي إيه قوليلي، بتعكي؟ هو ده اللي هيرجع لك ثقتك؟! هتهدي بيت؟! وجاي بعد إيه؟! بتحبيه أصلاً؟؟ ولا أي واحد وخلاص؟؟ يا سافلة." شتمت نفسها كأنها قابلت علياء وقالت ما كانت ستقوله هي. اعتلت في وقفتها تجفف وجهها، تغيرت ملامحها واستحالت لأخرى ثم تحركت مغادرة بخطى واثقة سريعة. تتقدم لتخرج من المطعم لكنها ارتطمت بحائط سد، رفعت عينيها لتراه، إنه بشري غاضب، أسود عريض المنكبين، لكن وسامته لا تمرر له صراخه الغاضب:
"مش تفتحي يا آنسة." "افتح أنت الأول." "يعني غلطانة وبتتكلمي." "إيه هتخرسني مثلاً." تقدم فرد الأمن يتدخل بينهما وعلى ما يبدو أنه يعرفه؛ "خلاص يا أستاذة، خلاص يا كابتن شهاب حصل خير." تركته جميلة بغضب جم، لكنها كانت تريد الفرار قبلما يلحقها رشيد فتحركت وبقي "شهاب" وحده يسأل بجنون: "مش عارف أنا إيه الأهل اللي بقت تسقط تربي دي." ***
في طريق العودة كانت تجلس لجواره تمنع دموعها، الاجتماع كان كارثيًا، ظنت أنها قد حفظت بعد مساعدة الموظفين وكسب ودهم، ظلت طوال طريق الذهاب تراجع وما إن بدأوا حتى اشتغلت التأتأة، كانت في قمة الإحراج وذلك الوغد جلس على رأس الاجتماع يتابعها ولم يلحقها بل كان يتابع مشاهدته واستمتع بضعفها. نظرت عليه بضيق تراه يقود وهو مبتسم، بالطبع متشفي فيها، لكنها كتمت دموعها لن تبكي أمامه وما فلحت… بل بكت. التف لها يسأل بخوف:
"إيه يا حبيبي مالك؟ ظهرت دموع عينيها وقالت: "ما عرفتش أعمل حاجة وكنت واقفة مش عارفة أقول كلمتين." مسح دموعها وردد: "عشان أول مرة بس، لكن كبداية معقولة، بس هل ده اللي مزعلك بس؟! نظرت له بجانب عينها فأزاح خصلات شعرها من على ملامحها وهتف: "ولا عشان حسيتي نفسك ضعيفة قدامي." اغرورقت عيناها بالدموع فمسحهم مجددًا وقال بحنان: "ماتعيطيش، مش عيب يا لونا تبقي ضعيفة قدامي ما أنا كمان ضعيف قدامك."
تغيرت نظرتها، بقت تنظر له كأنها تراه من جديد، مستغرباه، اقتطف قبلة من شفتيها بغتة يقول: "وحشاني ومانعة نفسك عني، بس أنا مش عايز أغصبك، بعد كده كل حاجة بالرضا يا لونا." لم تجب عليه، صمتت، جاءتها رسالة أن هاتف محاميها بات متاحًا فأجلت الاتصال لحين تصبح وحدها. وردتها أخرى فابتسمت، لقد تم نقل والدها لمشفى آخر كما طلبت. سألته مستغربة: "رايح فين؟ ده مش طريق البيت؟!!
"رايحين النادي وكمال وجنا جايين، عايزين نتكلم بعيد عن البيت." *** وصلت جميلة للنادي، لم تحبذ الذهاب للبيت، كان الليل قد حل، ذهبت باتجاه إسطبل الخيول، روحها مخنوقة وبتلك الأوقات تفضل امتطاء الخيل. وقفت على أعتاب الإسطبل تتقدم من خيلها المفضل لتسمع الحارس يمنعها: "بلاش يا آنسة جميلة." "نعم؟! بلاش ليه؟ "الدنيا ليل والكابتن الجديد قال بلاش نطلع الخيل بالليل." "بس أنا عايزة دلوقتي." "بلاش، هيجازيني." "قوله إني أصرت."
صممت بالفعل وأمطت الحصان وخرجت به. خرج الحارس يولول: "ياليلة مش فايتة." ثم عمد للاتصال بالكاتب حتى جاوب: "يا كابتن شهاب، تعالى بقى إنت اتفاهم مع الأعضاء أنا مش حمل مناهدة." *** حضر كل من كمال وجنا فسألت جنا: "خير يا ماهر قلقتني." "اقعدي، اقعد يا كمال." جلس كمال وكذلك جنا بجوار لونا ليقول ماهر بأمر غير قابل للجدال: "كمال، إنت وجنا هتتجوزوا كمان أسبوعين." نعم!!!!!!!
تركتهم مع سلسلة الاعتراضات وتعللت بذهابها للمرحاض، ظلت تتلفت حولها للتأكد أن ماهر لا يتابعها بعينيه كما يفعل دوماً، بلحظتها صدمت بكتف أحدهم فصرخت بألم من شدة قوة ضربته: "ااااااه، سوري، سوري." قالتها سريعًا لشهاب وتحركت لإتمام مهمتها فيما أشاح شهاب بيده وردد بضيق: "ده أنا بقيت ملطشة بقااااا." ثم تحرك بغضب تضاعف مما جرى باتجاه إسطبل الخيول ليرى ماذا يحدث هناك: فيما توقفت لونا وقد اتصلت بالمحامي الذي رد بسرعة:
"فينك يا مدام لونا من بدري." "اتصلت على حضرتك كتير والله كان خارج التغطية." "آه آه كنت فعلاً في مكان مافيهوش شبكة." "خير يا متر؟ "ولو إني كنت عايز نتكلم وش لوش أفضل عشان ده كلام ما بيتقالشي في التليفونات خالص، أفضل تيجي المكتب نتكلم أحسن." "مش هينفع، ماهر مش بيسيبني عشان كده بحاول أكلمك." "طيب يا مدام لونا؟ حضرتك متأكدة إن ماهر بيه متجوزك؟ "نعم؟! إيه اللي بتقوله ده؟! صرخت برعب ليردد:
"أهدي يا مدام، بس، حضرتك ما قدمتيش قسيمة جواز." "عشان لسه ما طلعتش." "ليه ده عدى كذا شهر." "ماعرفش، يمكن مع ماهر وهو اللي استلمهم." "أنا روحت السجل المدني عشان أطلع واحدة بالخبث كده من حد حبيبي هناك وبياخد اللي فيه النصيب، بس مالقاش قسيمة جواز باسمك واسمه، ده يا مؤمنة مافيش حتى عقد عرفي ويتوثق، إنتي متأكدة إنه اتجوزك؟ وإن اللي كان موجود ده كان مأذون حقيقي؟!
تدلت يدها برعب، سقط الهاتف من على أذنها، جف حلقها، برد جسدها وانسحبت منه الدماء، لسانها يردد كلمة واحدة: "شرفي؟!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!