افتر قلبه من رؤيتها هامدة أمامه على الفراش، دموعها تنزل منها على خديها تنظر للسقف ولا تجيب على ندائاته. نظر للطبيب بضعف وسأله بخوف شديد: -هي مابتردش ليه يا دكتور؟ انخلع قلبه وسأل: -لا تكون فقدت النطق؟ -لا لا مافقدتش النطق ولا حاجة، بتتكلم عادي. فصرخ بجنون وقلة حيلة: -امال مالها مش بترد وجسمها متلج ودموعها نازله.
-يا باشا حالتها النفسية زي الزفت، بس هي بتتكلم وكل حاجة، ردت عليا وانا بكشف عليها، الواضح انها مش عايزه ترد عليك أنت. -مش عايزة ترد عليا؟ قالها بتعب ووجع شديد ثم نظر عليها تائه بشدة. خرج الطبيب مستأذناً وهو يراه يقترب من فراشها، يدنو بقدميه على الأرض وبات بمتسواها يشرف بجسده العريض عليها وردد: -حبيبي، ردي عليا، مين قالك عني كده؟
أنا صحيح فيا العبر بس مستحيل اضحك على بنت، أي بنت مش عشان قريبتي ولا عشان بحبك، مستحيل، ردي عليا مين قالك عني كده. أغمضت عيناها ودموعها منسابة لا تجيب مجدداً، فاض كيله وصرخ: -ردي عليا يابنتي، ايه الي وصلك الكلام ده. ظلت على صمتها ولم تجب عليه، تبكي فقط. يأس من الحصول على رد منها، هز رأسه بحزن شديد، وقف من مكانه ثم تحرك مغادراً ليخرج الغرفة وقبلما يخرج إستدار لها ينظر عليها بحسرة. خرج ليجد كمال بإنتظاره
ينتظره بأسف فسأله ماهر: -عملت إيه؟ -الي بتقولوا حقيقي يا ماهر، قسيمة الجواز مش موجودة. -ازاي ده؟ هي سايبه؟ ده سجل مدني. -ماهر، انت سيد العارفين، أي حاجة ممكن تتعمل برشوة جامدة. -دي قضية فساد كبيرة، شوفلي مين الكلب الي عمل كده. -ماشي بس هتعمل إيه مع لونا. تنهد بتعب ثم قال: -أنا معايا قسيمة، طلعت واحدة قبل ما لونا تسافر. -طب الحمد لله.
-الحمدلله، بس لازم اعرف مين عمل كده الي يعمل كده ويدفع رشوة كبيرة زي دي لازم يبقى ليه إستفادة من ال... توقف عن الحديث وقد تلاقت أنظاره مع كمال ونظراته الأسفه التي تخبره انه قد توصل هو الآخر لما وصل إليه تفكيره فبدأ ماهر يردد: -أبوك وابويا؟ عشان الوصية؟!!! معقول؟!! زم كمال شفتيه بضيق وردد: -اصلا يا ماهر مين يعرف بجوازك من لونا غير انا وانت وجنا وامك وعمك. ضيق ماهر عيناه: -أستنى أستنى...
ابويا يوم ما تعبت وروحت المستشفى وقولت قدامه دي مراتي ودخلوها هو لا اتصدم ولا اتفاجأ كأنه كان عارف. وضع كمال عيناه أرضاً يشعر بالخزي وماهر يردد بجنون: -ازاي يعملوا كده؟؟! هو اللعب يوصل للشرف؟! لو البنت دي مش بنت اختهم ومش مهم شرفها عندهم فهي مراتي يعني شرفي!!! ازاي؟!! قولي ازاي يعملوا كده؟!!! لم يستطع الإنتظار وخرج مندفعاً من المشفى وكمال وجنا يحاولان اللحاق به لكنه لم يجيب على نداءاتهم فتحرك
كمال نحو سيارته وقال لجنا: -خليكي انتي مع لونا هي مالهاش حد وانا هروح ورا ماهر. هزت رأسها بتعب شديد، تشعر بالمرارة والخزي جراء أفعال من هم من المفترض سترهم. بخطى واسعة غاضبة خرجت من الاجتماع تصرخ: -انت ايه الي عملته ده؟ شكلك اتجننت؟ امشي اطلع برا، برااااا. احتدت عيناه، ما كان ليسمح لها: -انتي أزاي تعلي صوتك عليا، شكلك اتجننتي، انتي فكراني موظف من الموظفين بتوعك، لمي نفسك يابت بدل ما ألمك. شهقت بصدمة كبيرة وحقيقية،
لو ضربها كف لكان أفضل لها: -بت؟! أنا بت؟! وتلمني ازاي يعني؟ هتمد أيدك عليا مثلاً؟ -لولا أنك بت كنت عرفتك مقامك كويس بس انا ابن بلد قوي وافهم في الاصول، واتعلمت مامدش أيدي على بت. -بت؟ -أه بت، وآنا غلطان اني جيت لك لحد هنا. تحرك من أمامها بغضب فيما التفت هي حولها لترى أين الأمن والسكرتارية مما يحدث، وإذ بها تراها تتقدم منها مهرولة وبيدها كوب من النسكافيه الساخن فهتفت بحده: -والله؟
سايبه مكتبك واوضة الاجتماعات ورايحة فين؟ سايباها كده وكالة من غير بواب الي يدخل يدخل مافيش حد يقوله رايح فين؟ -أنا أسفة بس، كنت بعمل قهوة و... لما مشيت كان كله تمام ماعرفش ان حد هيدخل في العشر دقايق دول. -عشر دقايق دول؟ طب مخصوم منك عشر أيام نظير العشر دقايق دول. اتسعت عينا الفتاة وتقدمت تجلس على كرسيها بحسرة: -هو الشهر فيه كام عشر أيام. دلف لداخل البيت بخطى واسعة لا يرى أمامه وصرخ بعلو صوته: -عمممي...
يا عزام بيه، فاخر بيييه. خرج له كل من عزام وفاخر كل من غرفته وصرخ والده: -ايه في ايه؟ بتنادي بالطريقة دي ليه؟ انت اتجننت؟ اهتزت شفتيه من شدة الغضب والبرودة في ردهم ثم هتف: -اتجننت؟ أنتو لسه شوفتوا جنان؟ بتمحوا قسيمة جوازي من مراتي؟ عملتوا كده ليه؟ كل ده عشان الورث؟ ايه مش مكفيكم الفلوس الي برا؟ نظر كل من عزام وفاخر لبعضهما ثم قال عزام: -الجوازة دي كانت غلطة من البداية ودايماً الكبار بيلموا من ورا الصغار.
تدخل فاخر بغضب وحده يسكته: -عزام، ايه الي بتقولوا ده، احنا مانعرفش حاجة عن الكلام ده أصلاً. -وانا هخاف منه ولا إيه؟ هز رأسه بجنون صرخ فيهم: -انتو ايه؟ ماتسمعوش عن حاجة إسمها الشرف؟ العرض؟! تبادلوا النظرات الباردة، وحده عزام من كانت عيناه مهتزة مختلفة عن نظرة فاخر الامبالية وقال: -انا مش عارف انت حارق قلبك على ايه ولا عشان مين؟
الحلوة الي بتقول عليها شرفك دي واخده ميعاد من فاروق دويدار وطلبت عربية جت لها من ساعة وزمانها قاعده معاه دلوقتي على النيل بتتعشى، وانت عارف فاروق دويدار بقا لما يحط عينه على واحدة بيبقى غرضه منها إيه ونهاية العشوة دي إيه؟ مال على أذنه يهمس بفحيح: -سرير في فندق أكيد. ابتعد ليقسم انه يرى النيران في عينا ماهر، وسأله بصوت هادئ هدوء قاتل مخيف: -وعرفت منين انه في حد كلمها وأنها رايحة تقعد مع حد يا... عمي.. يا محترم.
اتسعت عينا فاخر، يشعر بوقوعه في ورطة ووصل إحساسه لماهر الذي قال: -مراتي كانت معايا في مكتبي وسايبها دلوقتي في المستشفى تعبانه مش قادرة تتحرك. هز رأسه بجنون وقال: -ايه بقا حكاية فاروق دويدار دي؟ نظر كل من عزام وفاخر لبعضهما، نظراتهما كانت متباينة، فاخر يستنجد به أن يلحقه بالحديث وعزام كان غاضب فقد تخطاه وتخطى تحذيراته وأرسل رقم هاتف لونا لفاروق رغم اتفاقهما وتشديده على ألا يفعل. وأمام نظراتهما والصمت اللعين التف
ماهر ينظر لكمال ويقول: -ماتزعلش مني لو حسبت لك أبوك. لم يستطع كمال الرد، فبما سيرد وهو لا يملك الرد، بل كان ينظر أرضاً بخزي وحزن شديد على ما توصلوا له. فيما تقدم عزام بغضب من فاخر يقبض على تلابيبه وصرخ فيه: -هو ده إتفاقنا؟ بتوسخ يا فاخر. نفض فاخر يده عنه وردد: -بوسخ؟ انت هتعيش الدور؟ فكك من الشويتين دول ده انت الي جايب رقم بتاع السجل. -بس انا ليا أخر، قولت لك ماتبعتلوش رقمها.
لم يستطع كمال سماع المزيد وغادر بأسف، شعور ممتزج حزن وأسف على حاله وخزي شديد كونه سليل تلك العائلة. عاد لها في المشفى ودلف ليجد جنا تحاول إضحاكها وهي تحاول كي لا تحرج جنا لكنها لا تقدر. طوال طريقه وعقله يردد حديثها له في المكتب واعترافاتها، لا يصدق ما قالته، ومشفق جداً عليها.
اقترب منها يلاحظ ذبولها، لا يشعر بل يعلم أنه سبب ذبول تلك الوردة، لونا الجميلة التي تصيبك بسهم خارق ما إن تقع عيناك عليها، من سرت عيناه كلما نظر لها ومنها إشتم أطيب ريح، من كانت رغم عندها وحرصها الشديد منه لينة طيبة المعشر، بعيون كلها أسف أقترب منها وهي تنظر للجهة الأخرى لا تشعر بأحد، كل ما يغلفها هو الشعور بالعار وأنها خاطية. تقدم بقلب مفتوح وناداها: -حبيبي. لم تجب، فقط تنهدت فها هو قد عاد، أغمض
عيناه بحزن ونادى من جديد: -لونا، بصي لي. لم تعطي أي إشارة وجنا تتابعها بحزن وشفقة، تقسم أن تلك الفتاة جبل وهي لو كانت محلها لما تحملت مطلقاً. التف ماهر حول السرير يردد: -لونا حبيبتي بصي لي وبلاش تعملي معايا كده. أغمضت عيناها بحسرة فعن أي أفعال يتحدث، هي بالأساس ترى تفسها قليلة الحيلة لا تملك ما تفعله سوى أن تبكي. زم شفتيه بضيق شديد وقال: -أنا مستحيل اعمل كده وانتي أشرف بنت في الدنيا، بصي حتى.
مد يده يخرج ورقة كبيرة مطوية من جيبه وواصل حديثه متضرعاً يتوسلها كأنه يسترضيها ويعطيها حقها منه هو حتى تتشبع روحها المهانه وترضى: -دي قسيمة جوازي منك، صحيحة ومش مزورة وعليها ختم، طب فاكره... فاكرة ازاي عملت تقييد لإقامتك في روما ومنعتك عن الشغل؟ خطف أنفاسها وتفكيرها وتركت النظر للفراغ وبقت عيناها متعلقة به بلهفة آلمته، لهفة متهمة بالإعدام تبحث عن خيط لبراءتها. هز رأسه بجنون ودموع في عيناه يكمل بنفس النبرة المسترضية:
-أنا كان معايا نسخة، ومحتفظ بيها دايماً، وهاخدك ونروح للمأذون أكيد عنده نسخ، وكمان دار المحفوظات، أما الي عمل كده أنا مش هرحمه. اغرورقت عيناها بالدموع، بدأت تبتسم وسمحت له أن يتمسك بيداها وهو يردد: -لونا انتي عرضي وشرفي، لازم تبقي عارفه ده، مهما كنت عايز اكتفك واقيدك وأربطك جنبي مش هعمل كده يا لونا مستحيل. على صوت بكائها، بكت كطفلة مجروحة ضائعة وقالت: -يعني انت ماعملتش كده يا ماهر؟ تألم قلبه
عليها ومد يده يسمح دموعها: -لا يا لونا لأ مستحيل، مستحيل اعمل كده، ده انا بايع الدنيا عشانك وبغير عليكي من الهوى. -بس المحامي هيكذب عليا ليه؟ زم شفتيه بأسف ثم قال: -مش بيكذب، في لعبة اتلعبت علينا، بس مش عايزك تقلقي، انا عارف هتصرف ازاي. كادت أن تتحدث من جديد لكن دلف الطبيب يردد بحفاوة: -لا عال عال، ده احنا إتحسنا خالص أهو، هي زيارة ماهر بيه بتغير المرضى كده؟ ده انا أخده أعالج بيه باقي العيانين بقا. ابتسمت
فابتسم ماهر ثم سأل الطبيب: -هي مالها يا دكتور؟ -لا لا دول شوية تعب وإرهاق مع الحر وقلة الأكل والنوم سببوا لها إغماء... كمان عندها نقص شديد في فيتامين دال ملخبط لها كل حاجة. وقف من مكانه يردد: -نعم؟ عدل الطبيب من وضع نظاراته وسأل: -في ايه يافندم؟ -في ايه ايه؟ يعني هي مش حامل؟ -لا مش حامل. هز رأسه بجنون وسأل: -لا ماعلش اتأكد. -يا سيدي متأكد وفاحصها بنفسي... وعامل سونار على معظم الوظايف.
-فاحص إيه، تعالى دور هنا ولا هنا يمكن تلاقي حاجة بص كويس. -ابص كويس؟ بقولك مافيش وكمان عملنا تحاليل وفحوصات مافيش حاجة، اهدى. أعطاها الطبيب بعض الأدوية ثم خرج فاقترب ماهر منها يسأل: -فين الحمل بقا؟ -حمل إيه هي لونا حامل؟ سألت جنا ليقول ماهر منتبهاً: -يا نهار أبيض، انتي لسه هنا ماروحتيش، الساعة بقت ١٢ يالا عشان ماما، انا هبات مع لونا. لم يكد ينهي الكلمة حتى وجد الباب يفتح ودلف منه كمال يقول بغضب:
-بكلمك مش بتردي يا هانم. تدخل ماهر بغضب: -إيه هانم دي، كلمها عدل ياحبيبي. -يعني انت عاجبك كده؟ زفر بضيق ثم قال: -إحنا على ميعادنا يا ماهر. -ماشي يا كمال على ميعادنا. نظر كمال لجنا ثم قال: -يالا. لم تجب عليه بل سحبت حقيبتها وغادرت فنظر كمال لماهر وأشار عليها: -ولما أجيبها من شعرها بقا؟ -ليه عدمت رجالتها ولا حاجة؟ وانا هسمي عليك لما تعمل كده مثلاً؟ استمعت لونا لما يقوله بحسرة ولم تعقب، غادر كمال ليبقيا معاً.
ابتسم لها بشوق وعشق، وقف من مكانه وعيناه عليها كأنه ينتوي لها على نية، التف حول السرير يردد: -وقعتي قلبي عليكي. أصبح بجوارها على الفراش في لمح البصر يرفع الغطاء عنها ثم شاركها الغطاء والفراش، حمل ثلاث أرباع كتلتها على جسده يحملها هو وهو يحتضنها له مردداً: -بقينا لوحدنا، وأثبت لك ان مافيش أي حاجة من اللي وصلك صح، أظن بقا الوقت بقا مناسب عشان تعيدي لي تاني كل الكلام الحلو الي قولتيهولي في المكتب من تاني.
ابتسم بعشق خالص وهو يلاحظ عيناها تزوغ منه تشعر بالتورط وتلعثمت في الحديث وهي تسأل: -كلام إيه؟ مسح بكفه على شعرها وهمس بسخونة: -الاعترافات الي تجنن الي قولتيها كلها مرة واحدة. -أنا؟ -أيوه أنتي؟ -قولت إيه؟ سحب نفس عميق ثم بدأ يردد: -قولتي أنك بدأتي تتعودي على وجودي في حياتك وقولتي انك بدأتي تحبيني. -أنا؟ سألت بتوتر فردد: -أممم، بتحبيني يا لونا زي ما بحبك؟ -لا دي كانت لحظة شيطان ورجعت في كلامي.
-مش مصدقك، نظرة عينك مابقتش زي الأول، بتحبيني؟ عاود سؤاله بصدق فهزت رأسها بضيق شديد من نفسها ثم هتفت: -لأ. -متأكدة؟ -لأ. قالتها بنبرة باكية ليضحك بتعب ثم قال: -ليه يابنت الناس، عماله تتوهينا ليه؟ أنا بحبك وعايزك. ضيق عيناه ثم سأل بضيق: -لونا انتي صحيح كنتي مركبه اللوب الي بيمنع الحمل ده؟ وانا الي كنت هاخدك أكشف عليكي أشوف مش بتخلفي ليه بعد ما فتشت وعرفت ان مافيش شرايط منع حمل؟ -أنت بتفتش ورايا؟
-أنتي الي رايحه تعملي حاجة زي كده من ورايا؟ على حسب فكري يعني انه مايصحش. -ماكنتش عايزه أخلف طول ما انا كده. -كده اللي هو ازاي؟ -خايبه وضعيفة ومش بعرف أعمل حاجة غير أني أعيط. -انتي عارفه يا لونا رغم أني شوفت بنات كتير وعرفت بنات بتدور مؤسسات ويمكن في سن أصغر مني ومنك الا اني عمري ما شوفتك ضعيفة، انتي قوية، وذكية وبتعرفي تلعبي بالكلام، طب أقولك على سر. -قوول. همست بحماس ليكمل:
-أنا لما ببقا داخل عليكي بحوار بعمل مية ألف حساب ليكي ولأسألتك الوجودية وازاي هرد عليكي واقنعك وببقى عامل حساب ردودك، ممكن تبقي قليلة الخبرة بس انتي مش عبيطة وانتي عارفه ده كويس وعلى فكرة كمان، أنا أه بحبك بس عارف انك مش طيبه. رفعت كلتا حاجبيها فكمل: -لا مش طيبة ويتفات لك بلاد لكن انتي مش مؤذية وده كفاية. شعر ببداية سريان إنتعاش على ملامحها من مجرد كلمات بسيطة قالها فكمل:
-انتي يا لونا لو كملتي تعليمك وقعدتي في الشغل سنة والتانية ومش هعرف أسد عليكي، أنا عارف ومتأكد. شردت بعيناها ثم سألت: -تفتكر؟ لم يجيب، وطالما أنها قد حلت عقدة لسانها فحان وقت الأسئلة المؤجلة لذا باغتها يسأل: -لونا ياحياتي، عرفتي منين موضوع القسيمة؟ كانت تعلم انه سيدور ويدور إلى أن يتوقف مطرح ما يرغب فجاوبت:
-المحامي، ماكنش معايا قسيمة جواز ليا لما طلبها مني، وانت ماكنتش هترضا تديهالي لو طلبتها، شرحت كل ده للمحامي وهو راح يطلعها بمعرفته. لا تعلم لما فسرت لما تجلى الضيق على ملامحه وقالت: -أنا كنت نسيت الموضوع، وكنت هوقف كل حاجة وهسكت واسيب الايام تعدي بينا. باغتها من جديد بالسؤال التالي الأهم: -ولما هو كده، نقلتي ابوكي من المستشفى من ورايا ليه؟ -ماكنش مرتاح فيها، حبيت أنقله، هو انت حابسه ولا حاجة؟
سؤال مهم تريد جوابه هي الأخرى فالأجابة سيترتب عليها أشياء كثيرة وهو كان فطن لكل ذلك لذا كذب مجاوباً: -لأ طبعاً، بس استغربت وكلامك مع أفعالك كانوا متناقضين منين بتحبيني وهتكملي ومنين بتغيري مكان باباكي. -قولت لك ماكنش حابب المكان. تحركت على الفراش تبتعد عن جسده وهي تردد بدلال وتمنع: -وبعدين مين قال اني بحبك دي؟ قالتها وهي تضع رأسها على الوسادة لتنام، مال بجسده عليها يهمس في أذنها:
-أنتي، في المكتب وماتقوليش ماقولتش أو سمعت غلط لأني سمعت كويس جداً والجملة دي أنا مستنيها من وقت طويييل قوي. -قولتها، بس كنت بلاعبك، لحظة شيطان وراحت لحالها، ربنا يسامحني. داعبت يداه معدتها يردد بجسد مشتعل عليها: -وانتي ربنا هيسامحك ازاي بعد عمايلك دي معايا، قومي لي هنا. -ياريت تقوم عشان جسمك ماشالله والسرير ده لفرد واحد مريض وانا محتاجة أنام. -والله؟ -وطفي النور، تصبح على خير.
زم شفتيه وصك أسنانه بغل وذهب ليطفئ الضوء لكنه التف لها من جديد يسألها: لونا، انتي تعرفي منين فاروق دويدار؟ وكنتي رايحة تقابليه فعلاً. وكعادتها جاوبت: -والله ما اعرفه، انا شوفته صدفه في الحفلة الي حضرتها فاكر، و امبارح لقيته بيكلمني وانا ماعرفش جاب رقمي منين وطلب أروح أقابله خصوصاً انه جاب سيرة بابا ومكانه، خوفت وماردتش أعمل كده وجيت لك، بس انت عرفت منين؟ تقدم منها بغضب يقبض على ذراعها وقد عاد ماهر الذي
تعرفه ونسى تعبها وإرهاقها: -وازاي تروحي تقابلي راجل غريب. -ماروحتش والله. -ليه ماجبتيش تجري عليا تقولي لي. -موضوع القسيمة كان مسيطر عليا أكتر من موضوعه... سيب أيدي يا ماهر بتوجعني. ترك يدها بغضب ثم جلس يردد: -الراجل ده وسخ وبتاع نسوان ولما بيحط واحدة في دماغه مش بيسيبها الا وهي لحم على عضم وسيرتها على كل لسان كمان، مش عايزه يلمح طيفك وانا هتصرف معاه، فاهمه؟
هزت رأسها بخوف شديد وأغمضت عيناها لتنام ومن العجب العجاب أنها ولأول مرة حمدت ربها في سرها لوجود ماهر، متأكدة أنه سيحميها شر ذلك الرجل ويحل القصة متكفلاً بها كلها ولا حاجة لها لحمل الهم فهي خلفها ماهر. عادت من عملها تتشاجر مع ذباب وجهها، ما حدث اليوم أمام الموظفين كان كارثي علاوة على شعورها بتأنيب الضمير تجاه تلك الفتاة فقد خصمت منها ثلث راتبها تقريباً نظير غلطة من الوارد أن تحدث.
و إذ بها تجده ينتظرها وكأنه بات عملها الأسود، ومن غيره رشيد بهيقف قاطعاً طريقها في الممر بين بيوتهم، ينتظرها بضيق شديد كله إصرار. وقفت بغضب وهي تراه يعترض طريقها وقالت كأنها تحذره: -ايه اللي موقفك كده؟ أوعى من طريقي. فهتف بحده: -ده بدل ما تعتذري؟ -أعتذر؟ أعتذر على إيه أنت أتجنتت؟ -أتجننت؟ لا لسه؟ بس ممكن أتجنن عادي، انتي ازاي تسبيني ملطوع في المطعم وتمشي حتى من غير ما تقولي. -أوعى يا رشيد من سكتي ده أخر تحذير ليك.
-أنا الي بحذرك يا جميلة، أنا خلاص حطيت عيني عليكي واعتبرتك بتاعتي، خلينا نتجوز بالرضا. قالها وهو يقطع الخط الفاصل بينهما ويقترب منها فهتفت بحسم: -لا ده انت شكلك أتجنتت. جن بالفعل وقال وهو يندفع يقتحم مساحتها الآمنة: -أه وانتي بتاعتي، أنتي الي جننتيني، مش بعد ماسيطرتي عليا هسيبك... صوت كف قوي صدح من يدها أثر ضربها له، جعلته يتيبس مصدوم يضع كفه على وجهه مكان صفعتها لا يصدق وهي إشهرت إصبعها في وجهه محذرة بقسوة:
-حذاري، حذاري توريني وشك صدفه حتى، خاف على نفسك مني، انت مش قدي، فاهم. صرخت بالأخيرة ثم تحركت بغضب تجاه بيتها وهو يقف مصدوم تماماً لا يعلم بالمصيبة الأخرى التي تنتظره بعد مراقبة علياء له ورؤيتها كل ما جرى عبر نافذة بيتهم المطلة على الحديقة الواسعة. صباح يوم جديد. جلس في مكتبه بالعمل يدقق على أوراق بعض الصفقات ثم هاتف شقيقته ليطمئن على لونا التي تركها معها صباحاً: -ايه يا حبيبتي وصلتي؟ -اه بس لونا مش هنا. وقف
بصدمة من على كرسيه وسأل: -مش موجودة؟ مش موجودة إزاي؟ أسألي في المستشفى، الممرضة ولا الحسابات. -سألت يا ماهر وقالوا مشيت. -مشيت؟ ازاي يعني من غير إذني ومن غير ما تقول؟ راحت فين؟ -أكيد راحت البيت هروح انا بقا. -ماشي، لما توصلي لها كلميني. أنهى المكالمة ثم جلس على كرسيه بغضب شديد يهز ساقيه بتوتر. نزل الدرج ينتوي الذهاب خلفها، يعلم أنها تذهب للنادي بيوم الثلاثاء صباحاً لتقابل صديقاتها. وبعد الأنتهاء من الدرج وجد علياء
تنتظره على كرسيها تردد: -رايح فين؟ -مشوار وراجع. -اوكي يا بيبي، بس قبلها عندنا مشوار بسيط للسفارة. -ليه؟ -عشان نطلق يا روحي. -أيه؟ -إيه؟ مصدوم؟ ماكنتش عارف اني هشوفك في يوم ولا فاكرني مش واخده بالي من تصرفاتك ومن نطراتك ومن كلامك ولا همسك بأسمها كل يوم وانت نايم، كل ده وانا بكدب نفسي واقول ليه؟؟ ماهي كانت قدامه؟
رشيد بيحبك يا عليا وياما حفي وراكي، بس انا شفتكم امبارح، شوفتك وهي بتصدك وتضربك بالقلم وانت بتحاول تتهجم عليها، شوفتك. تخشب جسده واتسعت عيناه وبدأ يردد بخوف: -عليا، لأ يا حبيبتي لأ أنا… قاطعته بغضب: -أنت؟ إيه؟ خايف تخسرني؟ ولا خايف تخسر نص ثروتك؟ -نعم؟!!! عند سيرة المال يتحول الجميع، تغيرت نبرة صوته على الفور فضحكت علياء بسخرية ألم ثم قالت:
-إيه يا روحي، انت ناسي، أنا معايا الجنسية يعني يطبق عليك القانون، الزوجة بتاخد نص ثروة جوزها عند الطلاق ولا الحب والغرام نسوك القانون يا بيبي؟؟؟؟؟ مازال يجلس على نار في إنتظار أخبار من شقيقته تطمئنه على وجودها ببيته ليطمئن ويكمل عمله بهدوء ويؤجل حسابها على فعلتها لحين عودته في المساء. انتبه بلهفة على رنين هاتفه برقم شقيقته ففتح الهاتف يسأل: -روحت؟ -ماهر لونا مش هنا. -مش هنا ازاي؟ راحت فين؟ -مش دي المشكلة بس؟
المشكلة ان معظم حاجتها مش هنا وشنطتها الي وحاجتها الي انا وديتها لها المستشفى إمبارح مش هنا كمان. -نعم؟!!!! طب أقفلي أقفلي. أغلق الهاتف وهو على شفا خطوة من الجنون والخوف معاً يسأل أين ذهبت ولما. تحرك من على مكتبه وهو لا يعلم من أين يبدأ ويبحث عنها وإذا فجأة يرده اتصال من رقم عمها الذي لم ينير هاتفه منذ أخذها من البيت. فتح الهاتف على الفور ليصله صوته الغاضب محتجاً: -بقى كده يا باشا؟ بتلحس وعدك ليا؟ هو ده إتفاقنا؟
-إتفاق إيه ولحس إيه؟ في إيه يا جدع انت؟ -في إيه؟ بقا مش عارف؟ هو انا مش جوزتك البت وسلمتك الفلوس نظير ما وعدتني انك هتسيبني قاعد في البيت هنا من غير عوق. -حصل وانا نفذت في إيه بقا؟ -أه اعملهم عليا بقا. -لم نفسك يا جدع انت انا مش هفضل ساكت لك كتير، انت اتجننت عشان تكلمني بالطريقة دي؟ في إيه؟
-في ان مقصوفة الرقبة جت وجايبه بلطجية وداخله ومعاها أبوها وخرجوني من البيت عافية وقالت لي لو هويت هنا هخلي الرجالة تكسر لك رجلك وجوزي هيوديك ورا الشمس زي ما عمل في الدوكش، بتهددني بيك وانت عامل نفسك مش عارف حاجة؟ بتلاعبوني.
كانت عيناه متسعة، توقع تحولها فهي بعد كل وقعه تقف بكم خطوة تغيير جريئة، هذا ما عرفه عنها، لكنه أبداً لم يتوقع أن تقدم على تلك الخطوة، وتعرف مسجلين وتتصرف وحدها، والمتطرف في الأمر انه طرب حينما استمع لعمها وهو يخبره أنها قد احتمت فيه واستخدمته كدرع واقي وهددت عمها بمن هو زوجها، ذلك اللقب العائد عليه. ففرح كالطفل الصغير وعض شفتيه معجباً بحركتها الجديدة ثم قال وهو يحاول كبت ضحكاته:
-بنلاعبك أه وعلى الله تفكر بس تهوب ناحيتها، انت تلاقيك عرفت انا عملت إيه في الدوكش لما فكر يلعب معايا. اهتز صوت أنور بهلع ونبرة متراجعة: -طب وانا ياباشا هروح فين ولا أعمل إيه؟ -ماعرفش… هو انا خلفتك ونسيتك ولا حاجة؟ أحمد ربنا اني لسه سايبك عايش بعد الي كنت بتعمله فيها. ثم أغلق الهاتف في وجهه وهو يعض شفتيه من الإثارة والجنون بفعلتها يردد: -يابنت المجنونة يا لونا!!! عملتيها ازاي دي؟ بلطجية؟؟ ده احنا إتطورنا قوي.
هز رأسه بجنون، وجنون أزيد لأن فعلتها لم تغضبه بل زادت شغفه بها. وقف من مكانه كي يذهب لعندها. دلف حيها الراقي ليجدها تلقي من نافذة الطابق الثالث كل أغراض عنها من كراسي بالية وأرجيلته النتنة وكذلك ثيابه. توترت ملامحها قليلاً هي تراه يترجل من السيارة ويدخل البيت. أغلقت الباب على والدها بعدما نام من أثر الدواء ثم التفت له تراه يدخل من باب الشقة المفتوح: -لا وفاتحة الباب، قلبنا جمد.
-ماحدش هيقدر يقرب لعندي، مانا مهدداهم بماهر الوراقي. قالتها بحنكة، خطة تغيير مدروسة خالية من التهور وهو بالفعل ابتسم، حركاتها وكلماتها مست قلبه ورضت رجولته فهأدت من حدة رد فعله، هي ما عادت تتصرف برعونة وتهور مثل عام سابق حين التقت به لأول مرة هنا في نفس المكان. رد ماهر بابتسامة صادقة: -جدعة، عجبتيني، بس بردو ده مش هيخليني أبداً أنسى وأغفر إنك أخدتي هدومك كلها يعني سيبتي بيت جوزك ومن غير إذنه.
تقدم ليرى والدها غافياً على فراشه من خلف الباب المراب فقال: -وخرجتي أبوكي، أيه ناويه على إيه يا لونا. -أبقى قوية يا ماهر، كده كده امتحانات الثانوية قربت. -إيه جايه تعتكفي هنا، لا تكوني عايزه تجيبي مجموع وتدخلي طب؟
-بتتريق عليا، ده حق مشروع على فكرة، بس انا مش بضحك على نفسي وعارفه الواقع، انا لاحقه السنة في اخر شهر يعني لو نجحت يبقى الحمد لله على كده انا عايزه بس امشي في اي مراحل تعليم مش مهم درجة الكلية… سيبني هنا يا ماهر، خليني أجي لك بمزاجي. -إيه الي بتقوليه ده؟ أنا مش هسمح لك ت… قاطعه اتصال من جنا ففتح الهاتف لتقول بهلع: -الحقني يا ماهر…. ماما مش في أوضتها. -نعم؟!!! ازاي؟ هتتحرك ازاي؟ ردت بخوف وجنون:
-مش عارفه.. مش عارفة يا ماهر تعالى بسرعة انا مش فاهمه حاجة ولا عارفه اتصرف ازاي؟؟ طار عقله من دماغه وسابقت قدماه الريح وتحرك على الفور مغادراً ليرى تلك الكارثة يتبعه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!