صرخة مدوية أطلقتها لونا بعدما وجدت نفسها وسط قبيلة من الفئران داخل غرفتها. انتفضت واقفة برعب شديد وشعور التقزز والغثيان يتملكها، لا تعلم ماذا تفعل. ظلت تصرخ بعزم ما فيها من قوة حتى انتحب صوتها تنادي عمها أو حتى الناس، لكن ما من مجيب. هرولت سريعاً وهي تصرخ بعدما التقطت مأزر بأكمام على منامتها البيضاء.
وهربت باتجاه شقة عمها، وأخذت تقرع الباب وترن الجرس بأن، لكنه كان يقف خلف باب الشقة يراقب رعبها وهلعها من العين السحرية، يراهن أنها في خلال دقائق ستفر هاربة. وكما توقع، فلونا وبعدما فقدت الأمل تحركت بسرعة تغادر البناية كلها وخرجت للشارع ترتدي المأزر فوق المنامة القطنية وبقدميها خف منزلي صغير. والمارة بالشارع ينظرون عليها بتعجب، يحلقون مستغربين تصرفات تلك الفتاة.
على ما يبدو أن ما يشاع عنها صحيح، فلا توجد فتاة عاقلة تخرج من بيتها بهيئة كهذه. كانت على يقين تام بنظرات الناس عليها، وهي تسير دائبة بجلدها من بحلقتهم فيها، لكن ما باليد حيلة. وصلت بصعوبة بالغة لمنزل صديقتها الوحيدة سما، ودقت الباب. لكنها تفاجأت بابنها الصغير يخبرها أن والدته ذهبت لعملها ولا يوجد بالداخل سوى والده. أغمضت عيناها بتعب شديد، لا تعرف كيف تتصرف. لقد بات من المستحيل الاحتماء ببيت رفيقتها الوحيدة.
فمحمود زوجها يرفضها تمام الرفض، وبالأساس سما تحدثها دون علمه. لن تقدم أبداً على صنع مشكلة لصديقتها، بل هي بالأساس لن تعرض نفسها للإحراج من قبل محمود. صكت أسنانها بخوف ورعب، ولم تجد بد أمامها سوى حل واحد. "انت اتجننت يا راجل؟ "بقا هو ده اللي اتفقنا عليه؟ "رايح تجيب لها شوية فيران؟ "بقا هو ده اللي هيخليها ما تعتبش هنا تاني يا دكري؟ رمقها أنور بامتعاض ثم قال: "كنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟ مانا كان لازم أتصرف."
"فين الجدع اللي كان هييجي لها البيت؟ تكلم أنور بابتسامة الأرجيلة وقال بغيظ: "ابن الهرمة ساحب عليا عالي وعايز دوبل الفلوس." "أديله، خلينا نغوراها خالص بدل ما هي كل يوم والتاني ناطة لنا زي فرقع لوز." "ابن الوسخة مابيردش عليا أصلاً." "وبعدين؟ "هتعمل إيه ولا توصله إزاي؟ "البت دي بنت كلب ودماغها صرمة... هترجع أنا عارفة... انت لازم توصله أو شوف غيره." "لاااا... خليكي ناصحة... أهم من الشغل تظبيط الشغل...
الواد ابن خالها جه ولمحه، مش هينفع نجيب حد غيره." هزت زوجته كتفيها وقالت ببكاء: "عادي... رجالتها كتير... وكل يوم والتاني مدخله راجل شكل... فاجرة بقا." نظر لها أنور وعيناه تلمع بوميض الشر وهو يسحب أنفاس أرجيلته ثم ردد: "خليني أستف الكلام في دماغي كده عشان مانبوظش كل حاجة." وقف يتابع جده الذي خرج من العناية المركزة وانتقل لغرفة عادية. نائم على سريره ذاهب في ثبات عميق، والممرضة تحقن له الأدوية في المحلول الموصل بوريده.
ثم التفتت له تقول: "الحقنة التانية بعد ساعتين... ألف سلامة عليه." "هو هيفضل نايم كده؟ "أنا مش فاهم حاجة." "فين الدكتور اللي متابع حالته؟ "أمال لو ماكناش في مستشفى خاصة بقا." حاولت الممرضة امتصاص غضبه وقالت بهدوء تحسد عليه: "اهدأ نفسك يا فندم... الدكتور جاي لحضرتك دلوقتي، هو كان عنده من نص ساعة بس ماحدش كان موجود... عن إذنك."
زفر تعب سيطر عليه، هو بالفعل قد انشغل باله بالفون منذ دقائق ولا أحد معه، فوالده وعمه ذهبا لمتابعة العمل قائلين أن البركة فيه بغيابهما. فتح عيناه منتبهاً لدقات خفيفة على باب الغرفة، فتحرك يفتحه لتتسع عيناه بصدمة وهو يرى لونا تقف أمامه بتلك الهيئة. فما كان منه سوى أن مد يده وسحبها لعنده بالداخل، ثم أغلق الباب والتف لها يطالعها بأعين متسعة هاتفاً: "أنتي اتجننتي؟!! ازاي تمشي كده في الشارع." بكت...
بكت بحرقة كطفلة صغيرة تنظر أرضاً وتفرك أصابعها بتوتر شديد. شق قلبه مظهرها، ولا يعلم لما وكيف فعل، لكنه اقترب منها بامتعاض يضع كفه على رأسها يدفعها داخل أحضانه الدافئة. وللعجب، أن لونا المتمردة سكنت للحظة وهي تشهق في البكاء، بينما ماهر يمرر يده على ذراعها وظهرها وكأنه يحاول تدفئتها وتهدئتها هامساً: "ششششششششش."
ألجمتها الصدمة وتنبه عقلها حين أدركت ما يحدث وأنها بأحضان ماهر الآن، لتنتفض من حضنه سريعاً وتبتعد عنه فتقف متوترة تنظر أرضاً. لعن من بين أنفاسه ليدرك أنه هو من كان متدفئاً بها وقد سلبته ذلك حين ابتعدت. اقترب منها الخطوة التي ابتعدتها وسأل: "إيه اللي مخرجك كده." تعالت شهقاتها وحاولت التحدث من بينها تقول: "صحيت... صحيت من النوم لاقيت البيت كله فيران." "نعم؟ فيران إزاي يعني؟!! "والله ده اللي حصل."
ربع كتفيه حوله، فبدا متحفزاً، غير مصدق، ومن ثم أردف: "وبعدين... كملي." "أخدت الروب عليا وطلعت أجري، روحت لجارتي بس مالقتهاش، وماكنتش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه، ف... ف... فكرت أروح البيت عندكم، بس خوفت، قولت أجي ع المستشفى أكيد مش هتطردوني من هنا." "لا ممكن نطردك عادي." اتسعت عيناها برعب لتقابل وجهه الجامد الذي سألها: "ولما انتي خرجتي بالجامعة والروب جيتي لحد هنا إزاي؟ "أخدت تاكسي و... قاطعها هاتفاً: "نعم؟
وكنتي مع سواق التاكسي بالبجامة والروب اللي لازقين عليكي دول؟!!! هزت رأسها بخجل لتسأل بشك: "وحاسبتيه بأيه بقا؟ طالعته بجهل، لم تفطن مقصده بعد، لكنها جاوبت: "ماحاسبتوش لسه، هو مستني تحت، قولت له إن أخويا مستنيني وهينزل يحاسبه." "أخوكي!! قالها بضيق شديد وتحرك بعدها مغادراً الغرفة، لكن مالبث أن عاد يفتح الباب ويطل منه محذراً: "إياكي تخرجي لحد ما أجي... بحذرك... فاهمه؟ "حاضر."
تحرك مغادراً، وهي تقدمت تجلس على أقرب كرسي مقابل لسرير جدها، تضع وجهها بين راحتيها وقد تعبت من كل ما يجري معها، فقد باتت غير قادرة على التحمل، صد. أصبحت خائرة القوة، بينما ما زال خلفها شوط كبير، فهي لم تفعل شيئاً. لم تؤمّن عمل ولا بيت، ولم تستعد أموالها من عمها، ولم تتوصل أين والدها. هي حتى لا تعرف من أين تبدأ. وفي خضم تلك التوهة والضغوط، تم الدق على الباب دقة واحدة فقط، ومن بعدها دلف الطبيب يقول: "صباح الخير...
أخبار مريضنا إيه... اقتطع حديثه مرغماً وهو يواجه سحر لونا وردد بلا إرادة: "بسم الله ماشاء الله." وقفت مرتبكة، لا تعرف كيف تتصرف، هي لا إرادياً فقط وضعت يدها على طرفي المأزر تلملمه من عند الصدر وتحمه حول رقبتها، لكن جمالها كان لوحده صارخ، فلتداري ما تداري، هي جميلة ومغوية مهما فعلت.
تقدم الطبيب بابتسامة شخص يرى لوحة فنية بديعة الصنع لا تقدر بثمن، وحاول قياس نبض محمد الوراقي ومتابعة حالته، لكنه غير قادر، فعينه تسرح منه لعند تلك الدلوعة، فسألها: "أنتي قريبة المريض؟ بصعوبة خرج صوتها: "أيوه." "يقربلك إيه بقا؟ "جدي." "أنتي اسمك إيه بقا؟ "لونا." "بجد!!! ده الحقيقي؟ "أه." ابتسم بعذوبة ثم قال: "ماتقلقيش يا لونا جدو هيبقى زي الفل." "لا هي مش قلقانة خالص... اتفضل يا دكتور تعبناك."
شعر الطبيب بالتوتر والحرج، فلجأ لأن يغادر سريعاً، وترك تلك اللينة مع ذلك القاسي، يقف والشر يتطاير من عيناه المظلمة، يقول من بين أسنانه: "هو أنا مش قولتلك ماحدش يشوفك بالشكل ده؟ انتي اتجننتي؟ "انت قولت لي ما أخرجش من الأوضة، أنا كنت قاعدة لاقيته دخل و... فأكمل هو بغل: "فقعدتي تتسايري معاه وكمان عرف اسمك... إنتي إزاي سهلة كده؟! اتسعت عيناها بغضب شديد لتقول: "انت بتقول إيه؟! "بقول إيه؟ واضح إنك متعودة دايماً...
ده أنا حتى نزلت مالقيتش تاكسي ولا حاجة، واضح إنه خد حقك مبلول ولا إيه؟ تحفزت كل خلاياها وعلى تنفسها بصورة واضحة، ولم يكن بوسعها فعل شيء سوى أنها تحركت مغادرة لتترك له المكان هو وأفكاره عنها، لكنه قبض على ذراعها ومنعها يقول: "استني عندك... انتي رايحة فين؟ "سيب أيدي... سيب بقولك." "لو مش عايزاني أكسرها لك هي ورجلك اللي فرحانة بيها دي تخرصي خالص وتترزعي هنا ماتتحركيش انتي سامعة."
دفعها بعنف على الأريكة الوحيدة الموجودة بالغرفة، فارتمت فوقها برعب وجلس مقابلها، يهاتف شقيقته: "ألو... أيوه يا چنا... لا أنا كويس وجدك كويس ماتقلقيش... عايزك تجيبي لي لبس من عندك." شمل لونا بنظرة متفحصة وقال بجرأة: "لا أكبر من مقاسك نمرتين." شهقت لونا بحرج شديد، بينما هو كبت ضحكته وحاول الظهور بثبات، يرد على سيل أسئلتها: "چنا... مش عايز كلام كتير، أنا دناغي ورامة أصلاً...
تجهزي اللي قلت لك عليه وتبعتيه مع السواق يا چنا، ماتنزليش وتسيبي ماما... سامعة؟ ماشي يا حبيبتي سلام." أغلق الهاتف وألقاه بجانبه. ماهو كتلة من الفخامة، تجلس وتتصرف بكاريزما عالية، له هالة من الهيبة تخصه وحده. أبعدت عيناها عنه، ما كانت تتمنى أن تصبح علاقتهم هكذا. ترى كيف بكل حنو ورعاية يعامل شقيقته، بينما هي... صمتت ولم تكمل، ترددت داخلها: (هي جت عليه يعني)
بينما جلس ماهر على كرسيه يطالعها متأملاً، فرغم عنه جمالها يستدعي الأعين لمطالعته. حرفياً عيناه تأكلها، يمررها عليها من قدميها لرأسها ببطء وتروي، ثم من رأسها يعود لقدميها بنفس البطء الشديد، وذاكرته تشرد منه لبضع دقائق قد مرت حين خرج من المشفى يبحث عن سيارة الأجرة ولم يجدها، فأقترب منه أحد أفراد الأمن يسأل: "في حاجة ياباشا؟ "لا بس المفروض في تاكسي وأقف مستنيني هنا عشان أحاسبه بس مش لاقي حاجة." ليرد الشاب بلهفة:
"يا خبر يا باشا... هو تبعك؟ "يعني كان هنا فعلاً؟! "أيوه وكان مستني حسابه من الآنسة اللي كانت معاه بس هي اتأخرت قوي وبتاع الونش جه وكان هيكلبش له العربية فقال يمشي هو مش حمل تمن المخالفة، وادي جزاء اللي يعمل خير... لو أعرف يا باشا إنها تبعك كنت دفعت أنا والله." ربط ماهر على كتف الشاب يقول: "حصل خير حصل خير." عاد من شروده على صوتها الذي قررت أن تخرجه وليحدث ما يحدث: "بطل تبحلق فيا كده... عيب أنا زي أختك." (أختي؟
" هكذا ضحك ساخراً بداخله ولم يستطع كبتها فقال: "بس يا عبيطة." "عبيطة؟!!! لا ده انت زودتها قوي." رمقها بتسلٍ وقد راقه غضبها، لينتبه للباب الذي يدق، فيقول: "قومي ادخلي الحمام واقفلي عليكي." لكنها ومن شدة غضبها منه لم تتحرك، فعاد: "قومي يالا واقفلي على نفسك." "لا هقعد عادي، مانا كده كده سهلة." "قومي يا لونا أحسن لك." لكنها عاندت ولم تقوم.
لهم واقفاً من مكانها كأنه ينتوي لها، فتنتفض سريعاً وتفر ناحية الحمام تغلق بابه عليها. وأخيراً تثنى له الضحك، تشق الضحكة فمه وتملأ صدره بانتعاش. ذهب باتجاه الباب يستلم كيس الملابس من السائق، ومن قاحته فتش فيه، ينظر على أشياءها الخاصة، ثم يبتسم بإعجاب. على ما يبدو أن لماهر شخصية أخرى غير تلك التي يعرفها، فهو قد فتح عليها الباب لتصرخ في وجهه: "انت ازاي كده... مش المفروض تخبط." فرد ببرود وبابتسامة مستفزة: "تؤ." ناولها
الكيس الكرتوني ثم قال: "جبت لك لبس بس... صمت يزم شفتيه ثم أكمل: چنا ماعرفتش تنشن صح، شكلهم هيبقوا ضيقين عليكي بدرجة." اتسعت عيونها الجميلة من وقاحته الفجة، تلتقط من الكيس وتصرخ في وجهه: "انت بأي حق تكلمني وتعاملني كده... مين اداك الحق ده؟ ليرد بتجبر وتملك: "أنا أديته لنفسي." ثم أمرها: "عشر دقايق وتكوني برا... فاهمه يا .... لونا." نطق اسمها بخصوصية... خصوصية تخصه وحده. وذهب ينتظرها على الكرسي بالغرفة وهو شارد.
من العجب أن تتفجر بداخلك بوادر لأشياء ماكنت تعرفها عن نفسك، بل من المرعب أنك تمتلك شخصية أخرى خاصة بك لا تستطيع إظهارها للعلن. والأشد رعباً هو ذلك الشخص الوحيد الذي تتفجر معه كل تلك الخفايا، ما إن تراه وتقابله، فتتجلى معه كل ما تخفيه وتحبذ إطلاق العنان لشخصيتك الدفينة التي اكتشفتها للتو، وللعجب بعد أن تلك الشخصية هي من تعطيك جرعة اللذة التي تحتاجها كي تحلو الأيام. فتباً للونا.
أسند رأسه على الكرسي من خلفه متنهداً وقد أتعبه ما اكتشف، ليتعب أكثر وتنتفض كل خلاياه الرجولية بعدما فتح الباب وطل "الملبن" من خلف الباب. المأزر وخف المنزل كان أرحم. فقد أرسلت شقيقته فستان نهاري بلون البنفسج الناعم يتلف حول قدها المياس بروعة تفتن، وهي بالأساس تسير بخطوات متهادية تفتك به وبأعصابه. هز رأسه وما عاد قادر على التحمل، ليأمرها بإرهاق شديد: "أرجعي البسي اللي كنتي لبساه." "بس." صرخ فيها: "مابش...
سمعتي أنا قولت إيه." "مش هروح إيه قلة القيمة دي وبعدين أنا حرة." ثم تقدمت تجلس على الأريكة بعناد شديد، مالبث أن تحول لضيق تحت نظراته المتفحصة، وهي تحاول تحريك الملابس حول صدرها، ليسأل بضحكة وقحة: "قولت لك المقاس ضيق." أهدته نظرة نارية جعلته يقهقه عالياً، فقالت بجنون: "ياريت واحد محترم زيك ما يكلمش واحدة سهلة زيي؟ ولا انت بحالات؟!
قالتها تذكره بغضبه واتهاماته التي لم يمر عليها الكثير، ليقف من مكانه ويتحرك ناحيتها، لكن أوقفه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال من والده. ليجيب على الهاتف: "ألو." "أيوه يا ماهر... جدك عامل إيه." "والله يا بابا حقك تيجي تشوفه بنفسك." "مانت موجود والموجود يسد، ولا مش مخلف راجل مثلاً انت في المستشفى وأنا في الشغل، ولا هو كل حاجة لازم تقف يعني؟ رفر ماهر بتعب ثم قال بمهادنة: "ماشي يا بابا...
جدي كويس وخرج من الرعاية بس لسه نايم مش هيصحى دلوقتي وأنا معاه أهو." "طب بقولك إيه... كلم چنا اختك ولا چيلان يجوا يقعدوا معاه وتعالى لي انت على الشركة.... مجدي أبو شقرة وعايزين نفاتحه في الموضوع إياه." ألقى ماهر نظرة على لونا ثم همس من بين أسنانه: "بردو يا بابا مصمم؟ قولت لك إن أنا مش صغير عشان أتجوز بالطريقة دي." ليرد عليه والده بقوة وتصميم:
"ماهو عشان انت مش صغير فلازمك جوازة تليق بيك، ومافيش أكبر من عيلة أبو شقرة عشان نناسبها، أنا ما صدقت... ده هيعلي أسهمك في السوق، العيلة دي مش أي حد بيقدر يقرب ناحيتها... رمق ماهر لونا بنظرات غير مفهومة، هو يستمع لبقية كلام والده: بس البنت بقا عينها كانت هتطلع عليك في آخر حفلة كنا فيها وبقت عماله تتلزق فيك وتفتح معاك أي مجال للكلام، وده هيخليها هي اللي تضغط على أبوها وهيوافق، أنا عارف مش بيرفض لها طلب أبداً...
وبعدين في إيه مالك كده... هو انت عايز إيه غير واحدة من نفس بيئتك ومستواك وصغيرة وغنية وتقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك، تفتكر هتبقى بتدور على إيه تاني مش فيها... اعقل يا ماهر وتعالى يالا عشان أنا كده كده لمحت له وهو فهم وشكله مرحب، فNo way نرجع في كلامنا." فهم أغلق المكالمة مع والده، ثم نظر للونا بصمت طال وطال. طال لدرجة أنها خافت وسألت: "في إيه؟ ليقول بأمر واضح شديد اللهجة: "قومي يالا هروحك." "إيه."
"إيه.. هوديكي بيت أبوكي." لتقول بخوف: "بس أنا خايفة من عمي والفيران، على فكرة أنا والله مش كده ومش زي ما بيقول عني، خليني أروح بيتكم." رفض بأعين قاتمة غامضة ثم أردف: "عمي فاخر هناك مش هيسيبك." صمت لثواني وأكمل بأعين موحية: "ولو أنا مش معاكي كله هيدوس عليكي." رسالته كانت واضحة وضوح الشمس، فهمتها، هي ليست بغبية. فيما أكمل هو: "تعالي بقا نشوف في فيران في شقتكم أصلاً ولا دي كمان كذبة زي أجرة التاكسي."
نزل كلامها عليها كالكهرباء زلزلها، لكنها لم تكن تملك أي خيار، فنهضت قائلة بحزن شديد وكبرياء ينمو لها داخلها: "لأ شكراً أنا هعرف أروح لوحدي." نبرتها قطعت وتينه، علم ما باتت تكنه له، لكن لا يبالي، على الأقل حالياً، أجل كل شيء، هو في عجلة من أمره، وقال بحده غير قابلة للجدال: "أنا مش بناقشك... يالا." دلف معها للشقة التي كانت تلمع كالزجاج، رمقها بنظرة اتهام واضحة، لتقول بلهفة وتبرير: "والله والله كان... "شششش أخرسي...
تعرفي تخرسي... أنا لولا إني مش فاضي لك كنت دفنتك مكانك... تقعدي هنا ماتتحركيش وأنا رايح مشوار ساعتين تلاتة وهكوه هنا.... فاهمه." لم تجب وهو لم ينتظر ردها، بل تحرك مغادراً، وذهب حيث صف سيارته بعيداً في الشارع العمومي، ليشتبه بأحدهم ومشيته... كأنه يعرفه. همهم متذكراً، فهذا الرجل هو عم لونا، مشيته مريبة، لما يتلفت خلفه هكذا. لا يعرف، لكنه تحرك خلفه يتتبعه حيث ذهب.
بينما كانت لونا تجلس في شقتها حيث أمرها ماهر، وهي بخوف نفذت، لا تملك أية خيارات، لكنها حاولت مهاتفة سما، ربما دلتها على حل آخر غير الانتظار وتحمل الإهانات، فقد باتت مدركة أن ماهر لن يتقبلها كأخت له، وأخوالها يرفضونها، وجدها الوحيد القادر على شملها بالحماية، فهو طريح الفراش بالمشفى، لا تعلم متى سيفيق.
لم تكد تلك المسكينة أن تكمل مكالمتها، فقد تفاجأت بدق الباب، لتصرخ برعب وهي تجد أحدهم يكمم فمها عن الصراخ، بينما يقول عمها الذي وقف بكشف وجهه لجوارها، يفح الغل ونفاذ الصبر من صوته: "مقفلة كل الشبابيك والبلكونات، لا ناصحة يابت... هندخلك هندخلك وديني لاخلص منك." حاولت لونا الصراخ من جديد، ليقول أنور للرجل العريض: "شوف شغلك بس بالهداوة لحد ما أكلم اللي اسمه ماهر."
خرج وأغلق الباب، تاركاً ابنة أخيه مع رجل غريب يكممها، وهاتف ماهر الذي كان يصعد السلم بالأساس، فقال: "ماهر باشا... كويس إنك جيت... الفاجرة رجعت تاني ومعاها عشيقها... مابتسلاهوش يا باشا ولا بتكتفي... أنا غلبت... دي كمان مش راضية تفتح لي الباب." دفع ماهر الباب بكتفه عدة مرات إلى أن كسر، ليجد لونا تقف وقد حررها الرجل من ذراعيه، ليصرخ أنور: "شوفت بعينك أهو يا باشا."
هرول ماهر ليهجم على الرجل، لكنه سارع بالركض نحو الشرفة، فتحها وهرب منها سريعاً، ليعود ماهر نحو لونا بخطوات متثاقلة، كأنه سينقض عليها، لكن صبر أنور كان قد نفذ، فقال: "البت دي مش هتقعد يوم في البيت ده، وقسمًا بالله لاتخرج من هنا بفضيحة، أو أقتلها وأغسل عاري بيدي." ليصرح ماهر: "عنك أنت... حرام تدخل فيها السجن." صمت بترقب ثم قال: "اتصل هات المأذون." "هاااااااااه؟!!!! فصرخت لونا: "لااااااا.... مستحيل أوافق...
مستحيل أنا بكرهك." "مش أكتر مني." ثم نظر لعمها يأمره: "يالا اتصل بالمأذون قولت لك." وضعت لونا يدها على فمها برعب تقول: "لاااا حرام ماتعملوش فيا كده... ده عايز يجوزني لمقاول أكبر مني بـ 15 سنة ومتجوز مرتين، ماتعملش فيا كده يا ماهر." "أهو اللي رضي بيكي وبعارك يا وسخة." رمقه ماهر بنظرة نارية جعلته يرتجع للخلف وصمت، ليقول ماهر: "كلم المأذون وهات الباقي من عيلتكم.... أنا العريس."
كلمة كانت الأشد رعباً للونا، التي بهت لونها وشعرت بالضياع أكثر. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!