الفصل 33 | من 46 فصل

رواية سيطرة ناعمة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
28
كلمة
4,746
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

في اجتماع سري هام ومغلق، جلس عزام وشقيقه فاخر مع محاميهما. ينظرون له بترقب وهو يقرأ ما بيده من أوراق ويحتسي قهوته. وضع الفنجان وهو يهز رأسه بهدوء: "هممم، لا تمام تمام." فسأله فاخر بوجه يشع لهفة: "ايه متر؟ في أمل نكسب القضية؟ "وامل كبير كمان؟ "بجد؟! اعتدل المحامي في جلسته وقال بهدوء:

"في خطين ممكن نمشي فيهم. أولهم القانوني والمضمون، وهو إن الوصية دي باطلة وغير واجبة النفاذ لأنها بتتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتعتبر تعسفية وظالمة. وإن أبوكم من حقه يوصي ويوزع بس مش أكتر من الثلث والباقي يروح للأبناء والزوجة لو كانت الزوجة موجودة. وفي حالتكم دي هنقدم طلب طعن في المحكمة وإن شاء الله هيتحكم فيها لصالحكم." "ونأخد كل الورث من تاني؟ "لأ، هتاخدوا الثلثين والثلث تتنفذ فيه الوصية." "نعم؟!

خرج اعتراض قوي من كل من عزام وفاخر في آن. ويكمل أحدهما: "ثلث ايه وثلثين ايه؟ إحنا عايزين الورث كله؟ وأضاف الآخر مؤكداً: "دي فلوسنا إحنا مش هنتنازل عن تلت لحد." ابتسم المحامي يقول: "لا ده كمان لونا بنت رحيل هتشارككم الثلثين اللي خارج الوصية." "نعم؟! كمان؟! يعني تورث من الثلثين وتورث من الوصية؟! لأ طبعاً مش موافقين. شوف حل غيره يا متر؟ فلوسنا وفلوس أمنا تورثها البت دي بتاع إيه؟! اتصرف يا متر، أكيد عندك حل غيره."

تنهد المحامي يقول: "الحل التاني إن شروط الوصية ماتتنفسش وساعتها نقدم بطلان بيها وكل واحد ياخد حقه." خرجوا من عنده مصممين وعاقدين النية. نظر كل منهما للآخر فقال عزام: "كده لونا وماهر مش متجوزين. ما فضلش غير جنا وابنك."

"جنا وكمال أمرهم سهل. جنا لسه صغيرة وكمال عربيد وبتاع ستات. الخوف الكبير من المدلدق ابنك الي وراث جده في حب الخدامات. واختفاء القسيمة من السجل مش قضية، ممكن يروح يكتب عليها من أول وجديد. ده واقع في حبها من الدور الحداشر." فكر عزام وسأل بخوف: "تفتكر؟! أكد له فاخر: "انت مش شايف. كانت هتجلطه ورقدته في المستشفى وقايم من تحت الأجهزة يسأل فين زفته، وخد الكبيرة." "إيه؟

"البيه واخد ميعاد من صلاح أبو العينين النهارده، شكله رايح يفسخ معاه الخطوبة." فكر عزام في تلك المصيبة قليلاً، لكن ضربت عقله فكرة أخرى ليسأل: "وانت عرفت منين؟! فااااخر، انت بتجسس على ابني؟! "بذمتك ده وقته؟ "اه وقته رد عليا." "بقولك إيه يا عزام، دماغك بقا وكفاياك تمثيل. ده إحنا لسه نازلين من عند المحامي ومتفقين عشان مانخليش عيالنا يورثوا فماتعيش الدور الله يباركلك." ثم تركه وغادر غير مهتم بهتاف عزام أو غضبه. ***

وقف من على كرسيه بغضب بطيء يثير الخوف يسألها: "عيدي تاني يا روحي كده قولتي إيه؟ ابتلعت لعابها في خوف وحاولت البيان بالجلد فردت بعزم مزعزع: "زي ما سمعت، رفعت عليك قضية طلاق." عض على شفتيه بقوة، يجاهد ألا يفتك بها ولو فتك فالمكان غير مناسب. لكنه ما فلح، انتفض فجأة بطريقة أثارت رعبها يقول: "اتجننتي يا لونا ولا أنا اللي دلعتك بزيادة، طلاق إيه ده اللي بتتكلمي فيه؟ استفزها لأقصى حد فصرخت فيه:

"بطل استفزاز وبجاحة بقا، دلعتني!! هو الذل وقلة القيمة والمعايرة بقت دلع وأنا ماعرفش وبتبطر! أنا من ساعة ما عرفت وأنا بقف قدام المراية أعياط وأسأل نفسي إزاي هونت عليه؟! إزاي أصلاً في حد ممكن يهون عليه حد ويهمل معاه كده؟! ده انت كل يوم كنت بتعايرني! كنت بتحفظني فكرة إني سافلة وقليلة الأدب، أنت نجحت لدرجة إنك زرعت جوايا الشك في نفسي، أنا جه عليا وقت بقيت بردد الكلام اللي بتقولوا عليا." رغم تعاطفه الكامل معها والخوف

من خسارتها إلا إنه رد: "خلصتي؟ "بقيت ثابتة ليتقدم منها، ببطء... بطيء مثير. اندهشت وهي تراه يقترب منها يحاوط خصرها ويلفح بأنفاسه بشرتها، قريب أكتر من الممكن لدرجة الخطورة. وضع يديه حول عنقها والأخرى تحكم في رأسها وألتهمها في قبلة شرهة اجتاحت مشاعرها، اختبرتها وأججتها. أبتعد عنها يلهث، ينظر لها بعينين لامعتين من نشوة الانتصار، همس أمام ملامحها الناعسة بصوت رجولي:

"طلاق مش هطلق، انتي بتاعتي وهتفضلي بتاعتي، ومش هعاقبك المرة دي على اللي عملتيه، شكلك دلوقتي وإنتي بين إيديا يغفرلك." اتسعت عيناها وقد مسكت بالجرم المشهود ذائبة، متسيبة المفاصل أمامه، لم تنفر ولم تصرخ وتبتعد، فابتسم بسعادة ونجاح، لقد دمغها وانتهى. رفرفت بأهدابها، عقلها يعنفها وهو يدرك لقد باتت (مدام ماهر الوراقي) ، فإلى أين هي ذاهبة.

مال من جديد بأريحية يدفن رأسه في تجويف عنقها يتعمق في تقبيله مطمئناً، يعلم بانتهاء الرفض. أبتعد يبتسم بتلذذ ونجاح مردداً: "لسه عايزة تطلقي؟ قالها وعيناه تجوب بشغف على ما تخبئه من أجزاء يحفظها، يلتهمها التهاما، ضايقها بتجريده لها وتعرية ضعفها، هتفت بنبرة باكية مهزومة: "أيوة لسه عايزة." ضحك بحنان وقرص مقدمة أنفها ثم ردد: "مممم طب عايزه كام للمحامي، هههههه."

تمادى كثيرا بثقته في نفسه مقابل ثقتها، ما كان عليه أن يستفزها ويضخم انتصاره لكبريائه ورجولته على حساب كبريائها وأنوثتها خصوصا بعدما صار ولم يمر عليه الكثير. وحتى ذلك هو لم يدرك، انغمس في كبره وما يحبه ويحتاجه، إثبات انها له وأنه هو المسيطر سيطر عليه فمد يده يزيح فستانها من على كتفيها ليظهر نهديها المنتفخين أمامه بسخاء سخنة وهتف: "ماتيجى يا لونا نرجع البيت ندخل أوضتنا بدل ما نتشاف في الشغل بوضع مخل كده."

كانت لحظة مضيئة توقفا عندها........ صراع السلطة والسيطرة كان على أشده هي تحاول وهو يحاول، لكنها خسرت جولة أمامه ولم تنكر، بل كانت صادقة مع نفسها، بات لماهر سيطرة كبيرة عليها وهي التي ظنت أنها وحدها من تملك السيطرة الناعمة. ابتعدت عنه وهي ترفع ثوبها على صدرها ببطء في محاولة لاستعادة الثقة وإضافة الغواية فتقول: "مش هرجع ومش هنفضل في أوضة واحدة تاني، أنا عندي دلوقتي شغل وحاجات لازم أعملها."

التفت لتخرج فتحرك خلفها يقبض عليها يمنعها من فتح الباب، ثم لفها يستند بها عليه وقبض على فكها بعنف ظهر فيه الشبق وسيطرتها هي عليه ليهتف: "هعلمك كل حاجة بكرة، تعالي معايا نروح، أنا مش عارف أعمل حاجة ولا أشتغل، انتي مسيطرة على دماغي وتفكيري." ابتسمت بفوز لو إنه ضعيف لكن صبرها، أبعدت يده عن فكها وقالت: "مش محتاجة تعليمك، هشوف حد يعلمني." أبعدت يده بنجاح ثم همست مضيفة: "لونا مش مجنونة عشان تسيب صابعها تحت ضرسك."

ابتسم معجباً لتغمز له بعينها: "كبرنا بقا واتعلمنا." عض شفتيه ومن عينه يقفز المجون والجنون والهوس: "يخربيتك، لو كنتي قبل كده عجبتني قيراط كل يوم بتعجبيني أربعة وعشرين، بس ماشي." أبتعد عنها خطوة يقول: "العبي يا لونا. عاجبني لعبك قوي بجد والله أنا حقيقي عايز أقعد أتفرج وأشوف لونا ال... لم ينطق الكلمة لكن فحواها واضح كان سيقول (العبيطة أو الساذجة) وهي تعلم. أكمل مراده: "هتعمل إيه؟! ويا تسلميلي يا أسلم لك."

نجح في إثارتها فردت: "موافقة." "اتفقنا." تقدمت لتخرج ليقول: "ماقولتليش صحيح يا عسولة، هتقولي إيه للمحكمة، إيه سبب طلب الطلاق، همم، معاكي قسيمة جواز ليا، ولا فيديو مع واحدة ولا يمكن بضربك؟! فكرت بتيه لثواني ثم لملمت شتات نفسها تجيب: "المحامي مش هيغلب، هما شطار قوي في الحاجات دي." رد بثقة وقوة: "مش هطلقك يا لونا، مششش هطلقك." "بااي يا ماهر." ردت عليه بابتسامة واثقة وبرود ثم غادرت، ليقف يغلغل أصابعها

في شعره الكثيف يردد: "باي يا ماهر؟! والي ولع ماهر مين يطفيه، اه يابنت الجزمة، بس ماشي... ماشي.. أنا هوريكي انتي لعبتي بمين." تقدم من مكتبه يجلس عليه ثم يرفع سماعة تليفون مكتبه يهاتف سكرتيرته: "دينا، كلمي بهاء يجيلي حالا ومعاه الورق اللي قولت عليه، حالا يا دينا واطلبي لي قهوة." أغلق الهاتف معها ومازال دمه يغلي وهو يردد: "أنا يحصل معايا كده، على آخر الزمن ماهر يحصله كده، والله لأربيكي يا لونا." ***

جلس يحتسي قهوته يضع قدم فوق الأخرى، هاتفه يدق متواصل، نظر للهاتف بضيق شديد، فتاة تلاحقه منذ عودته. غبي غباء لا يوصف، كان عليه أن يعلم أن ما كان يفعله ومعتاد عليه بالخارج لا يسير بالداخل كما المعتاد، فهناك فتاة عرف عليها حينما سهر ليلة بالساحل مع أصدقائه القدامى ومن يومها وهي تطارده ولم ينفع معها الحظر ولم تردعها الرفض.

بص القهوة من فمه وانتفض جسده مرة واحدة وهو يرى جنا، الصغيرة تنزل من على الدرج وجسدها يهتز معها بهذا اللبس. وقف بغضب يصرخ فيها: "يانهار أسود ومهبب، إيه اللي انتي لابساه ده." اتسعت عيناها بغضب منه وردت: "أنا عايزة أفهم انت مابتنزلش تروح شغلك ليه بدل ما انت قاعد وشغلتك تقفلي يومي من أوله؟؟ ده أنا كنت جايه أقولك صباح الخير ياقفيل." التهبت عيناه من الغضب و رد عليها: "صباح الخير؟! وهييجي منيم الخير بالفستان الأحمر ده؟!

أحمر يا جنا؟ لابسة أحمر!! نظرت له كأنها تخبره أنه مختل أو معتوه ثم تلفتت حولها تسأل: "إيه؟! قي تيران بتعدي من هنا وأنا ماعرفش." أغمض عينيه بغضب وردد بأمر لا يقبل النقاش: "هغمض عيني وأفتحها ألاقيقي طلعتي غيرتي الزفت ده يالااا." "خليك مغمض بقا سلام." فتح عيناه بصدمة وزاد غضبه وهو يراها تخرج وبالفعل تجاوزت الباب فصرخ فيها: "جنااااااااااا." لحقها يلزم يدها وبغضب أستوقفها: "بكلم نفسي أنا؟! إيه ماحدش قادر عليكي."

حاولت نفض يده عنها تردد: "انت مالك انت، الفستان ده أساساً اشتريته مع ماهر وماما شافتني وأنا نازلة، انت دخلك إيه؟!!!! "عافية وافترا، وهتطلعي تغيري الفستان يعني هتطلعي تغيري الفستان سواء بالذوق أو بالعافية." "بقولك إيه جو انتي مراتي يابت ده مش هيخيل عليا ده أنا عارفه كل نرفاتك يا كمال." ها هي تعيد سد الطريق في وجهه، وجهه رغماً عنه لا يتحايل عليها بطريقة أخرى؛ لذا عمد للبرود وردد:

"شاطرة برافو عليكي ذاكرتك حلوة، أنا رجعت في كلامي ومش عايز أنفذ الوصية، أنا مش هعرف أدخل عيش الزوجية بعيلة بعد كل الستات اللي من كل شكل ولون اللي عرفتهم دول، هتكلم معاكي بصراحة بس من غير زعل." صمت لحظتين يثير أعصابها ثم كمل بوقاحة فجة وثقة لا متناهية: "بصراحة كده واحد زيي محتاج ست كاملة مكملة، بلاش أظلم نفسي وأظلمك؛ فقولت يا واد يا كمال بلاش تخسر جنا وخلينا ولاد عم أحسن."

صمتت ببلاهة، تشعر أنها وهي أنوثتها وكبرياؤها قد تم سحقهم للتو لكن لا تملك ردا. "بس ده ما يمنعش إنك هتطلعي تغيري الفستان ده عشان أنا بنت عمي مش فرجة يالا يا چنچونه يا قمر." حسها بلطف متنافي مع نواياه الداخلية لها بعدما مل من هدهدتها، نظرت له بصمت لمدة دقيقة كاملة ثم تحركت بغضب وعزم تجاه سيارتها تقودها وهو خلفها يغلي من شدة الغضب بعدما خرجت بتلك الهيئة اللافتة، فهرول ناحية سيارته مسرعاً كي يلحق بها ويوقفها.

سارع بسيارته يلاحقها، هي تقود وهي تقود حتى ضيق عليها الخناق وصرح في الشارع بصوت عالٍ: "قدامي على البيت بدل ما ألم الشارع علينا، يالاااااا." صوته كان عاليا سبب فضيحة وبدأت سيارات الجيران تقف تتطلع عليهم، كمال متبجح لدرجة عالية ولن يصمت إلا بعودتها معه. *** عادت في المساء بجسد مثقل متعب تجر قدميها جراً، كادت تدلف لغرفتها لولا صوت الخادمة التي أوقفتها تقول: "ست لونا." "نعم." "نسرين هانم عايزاكي."

آآآه، والدة ماهر تريدها وهي الشخصية الوحيدة بذلك المنزل الذي لا تحبذ مواجهته، كيف وبأي وجه ستقابلها بعد ما فعلته بوحيدها؟! وقد تهربت كل تلك الفترة المنصرمة من رؤيتها أو زيارتها رغم تعودها على فعل ذلك منذ قدمت للعيش معهم. حكت رأسها وهي تردد: "أنا لازم يبقى لي بيت لوحدي بقا، أو آخد بيتي من عمي." تقدمت بخطوات مرتبكة تتقدم من غرفة نسرين تفتح الباب لتراها تنام كما المعتاد وعيناها على الباب تنتظرها:

"كل ده عشان تجيلي يا لونا؟! تقدمت لونا تجلس بصمت لكنها ما عادت تنكس رأسها بل ردت بلا مراوغة: "كنت بتجنب نتواجه." ابتسمت نسرين وقالت: "اتغيرتي يا لونا، رفعتي راسك وعينك مابقتش في الأرض." "دي حاجة تضايقك؟! ضحكت نسرين عالياً بطريقة خطفت بال لونا ثم ردت: "بالعكس، كنت أحب إن مرات ماهر الوراقي تبقى مخربشة، زي مابتحاولي تبقي كده." "بحاول؟! "أه لسه، بس هتوصلي طالما بتحاولي يبقى أكيد هتوصلي إن شاء الله." تلاشت بسمتها

فجأة وتحدثت بغضب تردد: "لكن وانتي بتحاولي بلاش تدوسي على ابني، بلاش تخليني أندم، لو كنت أعرف إن البنت اللي هربتها عشان تروح لحبيبها هتتجوزه وتجيب منه البنت اللي تعذب ابني ماكنتش هربتها." ضحكت لونا بحزن ودموع مكتومة تردد: "يااااه. أنا أم يا لونا وعمر ماحد هيبقى أغلى عندي من عيالي." تنهدت ثم قالت: "ماهر بيحبك يا لونا، خليكي في طوع جوزك أحسن، وأنا هنسى اللي عملته ولو إنه لا يتغفر ولا يتنسي."

"والي ماهر عمله معايا بيتغفر ويتنسي عادي؟! "لأ، بس اللي قبلنا قالوا إيه؟! الراجل بحر والست سد، يعني الست هي اللي بتحلق وتحافظ، وما تبصليش البصة دي أنا مش هاجي على أواخر عمري وأبقى ظالمة، ماهر غلط وغلط كتير، كتير قوي ياستي، بس في النهاية إيه؟ هو متجوزك وعرف الكل والنهاردة رايح يفسخ خطوبته وبعد أربعين جدك هيعمل إشهار وفرح، في النهاية هو متجوزك قدام الكل، خليكي محترماه قدام الكل وبينك وبينه ابقي قصقصي ريش طيرك."

"ريش طيري؟!!! رددتها بعدم استساغة أو اقتناع. وإنما جلست تفكر فيما قالته تعرضه على عقلها. وتفاجئت بفتح الباب وماهر يدلف منه يردد بابتسامة جذابة تليق برجل ماهر: "مساء الخير على قطاقيطي الحلوين." كان لذيذا بما يكفي لأن تلف نسرين رأسها بابتسامة للونا كأنها تسألها بعينها (بقا ده يتحسر بذمتك؟! نظرة جعلت عينا لونا تتعلق بماهر الذي مال ليطبع قبلة عميقة على رأس والدته ثم يقول وهو يخرج مغلف شيكولاتة فخم من جيب جاكيته:

"أحلى شيكولا لأحلى نسرين في الدنيا." ابتسمت له ومدت يده لتجذب يده تقبلها ثم قالت: "ربنا ما يحرمني من دخلتك عليا يا حبيبي." نظرت للمغلف ثم للونا وله تقول: "أخس عليك؟! أمال فين بتاعت لونا مش تجيبها زي ما عودتني أنا وجنا." ضحك ماهر وتقدم يلتصق بلونا يضمها له مردداً: "انتو كتاكيت يا حبيبتي إنما هي خلاص بقت إسترونج إندبندنت لونااا." وقفت من مكانها تنوي المغادرة فناداها: "لونا." التفتت على مضض لأجل خاطر نسرين

فقط فابتسم بسماجة يردد: "حضريلي الحمام يا حبيبي." تماديه في البرود كان كفيل بجلطتها، كورت قبضت يدها وردت: "مش بعرف." نظر لوالدته بحزن مصطنع وهو يزم شفتيه ويقول: "أنا آسف يا ست الكل بس مضطر أسيبك دلوقتي وأقوم آخدها وأوريها الحمام بيتحضر إزاي." ابتسمت نسرين تردد: "روح يا حبيبي ربنا يهدي سركم." خرج من غرفة والدته وهي كادت أن تتحرك لغرفتها لكنه لم يترك لها الفرصة، بات يعلم كل أفكارها فلم يسمح لها وحملها فجأة

وذهب بها تجاه غرفته فصرخت: "نزلني يا ماهر." "لأ." "نزلني يا ماهر بقولك." "لااا بقولك." صار بها لحد غرفته ودلف للمرحاض يوقفها في حوض الاستحمام ويفتح عليهما الماء، وشرع في خلع ملابسها عنها والماء قد بلل كليهما وبدأ في تقبيلها قبلة صغيرة: "بس بقا واسمعي كلام جوزك." "إيه اللي بتعمله ده." قالتها بأعين متسعة لما يفعله بتصميم شديد غير مبالي بكل ما مرا به من أحداث ليجيب:

"لاقيت مراتي راجعة من الشغل تعبانة وجسمها مخشب قولت أفكوهولها تحت الدش." حميمية لمساته فصلتها ورويداً رويداً تسلل لعقلها فكرة أن لماهر سيطرة عليها، سيطرة جامحة وقوية وليست ناعمة مثلها. ورغم كل ذلك يحسب لها أنها لازالت تقاوم سحر تلك اللحظة وسحر رجل كماهر الوراقي. مظهرها أسفل المياه كان مغري ومغري لدرجة لا تقاوم فجذبها من خصرها لتلتصق به وهمس أمام شفتيها: "كفاية هجر بقا، وحشتيني." رفعت عيناها له ليردد:

"والله بحبك، وأنا آسف، على فكرة أنا لسه راجع من عند أبو جميلة وفسخت الخطوبة، لو بلعب بيكي ماكنتش هضحي بجوازة زي دي، بلاش بقا سيرة الطلاق، أنا كنت هروح فيها." همت للتحدث وتعد له بلاويه معها لكنه ابتلع شفتيها بقبلة تمنعها عن الكلام نهائياً. أغلق صنبور المياه وجذب منشفة بيضاء كبيرة لف بها مفاتنها ثم حملها ليخرج بها من المرحاض. وضعها بدلال على الفراش وجلس لجوارها يمشط لها شعراتها المبللة وهو يقول: "هممم، هتسامحيني بقا؟

"لأ." ردت بصراحة فقال: "عجيبة قوي، جسمك أبيض قشطة وقلبك بلاك أسود." "قلبي أسود على قد الغلطة يا ماهر." التفت له ببطء ونظرت له ثم قالت: "أقولك حاجة وبصراحة؟ هز رأسه يحسها على الحديث فقالت: "أنا مش بصدق إنك بتحبني، برغم إني عارفة أنا قد إيه حلوة ودايماً بسمع الكلام ده، بس مش قادرة أصدق إن واحد زيك بيحبني." "ليه يا لونا! والله العظيم بحبك." هزت رأسها والدموع بعينيها ليقول: "اهدي يالونا، اهدي وتعالي نامي."

مسحت عينيها كطفلة وقالت: "لأ هروح أنام في أوضتي." ضربها بخفة على رأسها وقال: "أوضتك هي أوضة جوزك ومش عايز تخلف، يالا نامي." نظرت له بحذر فقال: "مش هعمل حاجة عايز أنام في حضنك بس، يا مفترية لسه خارج من دبحة ومحتاج رعاية." لانت ملامحها كأنها موافقة لكنه قال: "بس البسي حاجة ماتناميش جنبي كده أنا لحم ودم بردوا وانتي وحشاني أصلاً."

وقفت تبدل ملابسها بعيد عن عيناه التي تأكلها أكلاً لتعود وتنام بأحضانه بضمير يؤنبها فهي لم تستمر في موجة ثورتها ليوم كامل وبالنهاية رضخت لماهر. صبرت نفسها وطيبت كرامتها أنها ستفعل فقط الليلة لأنه مريض ولن يتركها وبالصباح ستعود لونا التي تريد أن تكون عليها. أما ماهر فعودة لونا لأحضانه سربت الدفء لخلياه وسقط في النوم بسرعة أكبر مما يتخيل. ***

كانت تجلس على سريرها منهارة من البكاء، نفس الدرس ونفس الكف، كلما ظنت أنها كبرت وما عادت تلك الفتاة الصغيرة يعود القدر ويفعل فعلته معها، وها هي قد رفضت من جديد، رفضها ماهر وفسخ خطبتهما.

نيران الكرامة المهدورة والخذلان يقتلانها وما ضاعفهم أضعاف مضاعفة هو أنها هي من خطبت وده هي ووالدها، لازالت تتذكر مظهر والدها وهو يدخل من البيت مدلدل الكتف مثقل الكاهل وهي كانت تنزل الدرج كي تحظى بالعشاء مع والديها لتتوقف أقدامها على الدرج مع صوت والدتها التي استقبلت زوجها تسأله: "مالك يا صلاح في إيه؟ "ارتمى بثقله على الأريكة يردد: "ماهر الوراقي كان لسه عندي في المكتب، كان جاي يفسخ خطوبته من جميلة." اتسعت

عيناها وشهقت والدتها تسأل: "ليييه؟! "ماعرفش، ماعرفش… مش عارف أقول لجميلة إيه، دي هي اللي كانت متحمسة وملمحة لي." صمت اثنتيهم لتتفاجأ بوالدها يضيف بعجز وكأنه يأس: "رشيد كان مكلمني عايز يتجوزها وبيقول إنه…" قاطعته زوجته وهي تضرب صدرها بعويل: "يانهار أبيضّ، رشيد اللي متجوز وعنده عيل." رد وكأن بضاعته قد بارت ويبحث عن حل: "بيقول بيحبها بجنون لدرجة بيحلم بيها كل يوم وانتي فاهمه بقا."

"انت بتقول إيه يا صلاح، هو عشان ماهر رفضها نقوم نرمي البنت، انت لو عرضت عليها عرض رشيد أصلاً يبقى كأنك شتمتها وبتقول لها العيب منك." هز صلاح رأسه يضربه بيده كأنه يفوق حاله: "صح، صح، استغفر الله العظيم إيه اللي بفكر فيه ده." عادت من شرودها على صوت رسالة على هاتفها، عيونها مغرورقة بالدموع وأنوثتها مبعثرة وإذ بها تتفاجأ برسالة نصية من رشيد عبر رسائل الـ SMS يطلب منها ويرجوها أن تقبل عزيمته على العشاء.

نظرت للهاتف بأعين مشوشة من الدمع وعقل غير متزن من الصدمة التي تلقاها في الحال. *** تقدم بخطى تغلي من الغضب تجاه غرفة الاجتماعات، صباح يوم جديد محمل بكل أنواع المشاكل والمفاجآت صنعتها له مصيبته المتدلعة. بداية من استيقاظه وهي ليست بجواره ثم علمه بمغادرتها للشركة دون إذنه أو حتى انتظاره، وصولاً للآن فالهانم تعقد اجتماع هام مع كل رؤساء الأقسام.

اقتحم الغرفة ليجد لونا تترأس طاولة الاجتماعات والكل يهمس مبتسماً هاتفاً باسمها، صمّت أذنيه وهو يسمع بهاء مدير الحسابات والذي من المفترض أنه ذراعه اليمين يردد بحماس وشكر وحرارة: "يااااه، أخيراً حد حس بينا، شكراً يا لونا هانم، إحنا بنشكر حضرتك على زيادة المرتبات دي." "زيادة إيه اللي بتتكلموا فيها." قالها صاحب المال الذي يوزع دون علمه. توقف بهاء يرد: "لونا هانم، عملت لنا زيادة على المرتبات عشرة في المية على المرتب."

"نعم؟!!! قالها بحده وهو ينظر ناحية لونا التي أضافت مبتسمة: "مش بس كده، أنا كمان هقلل ساعات العمل يعني بدل ما بتخلصوا عشرة هتخلصوا تسعة." "نعم؟! لم يسمع أحد اعتراضه فقد وقف الكل يحلف ويتحالف بلونا وما فعلته. أوقف الكل وهتف بصوت جهوري: "بس، كفاية فوضى." تقدم منها يردد بغضب: "مين اللي سمح بالكلام الفارغ ده." "أنا." "إزاي؟! "بالتفويض اللي معايا."

"التفويض، أه عظيم قوي، طيب، التفويض اللي معاكي بيحدد مهامك في بعض قطاعات الشركة مش كلها + إن الميزانية اللي تحت تصرفك في التفويض مش هتكفي الزيادة اللي حضرتك ماشية توزعيها، ودلوقتي كل واحد على شغله." علت علامات خيبة الأمل على وجوه الموظفين وخرجوا من الاجتماع فبقت معه وحدها. أخذ يقترب منها وهي تردد بغضب: "تاني بتلعب معايا تاني؟ مديني تفويض ملوش لازمة."

"قولت لك ماهر مش بيرمي في أكل عيشه، عايزة تلعبي هسيبك تلعبي بس في حدود المعقول، عايزة تقلبي علينا الموظفين." "ماشي يا ماهر، هعمل ميزانية جديدة بزيادة جديدة وهزودهم بردو." همهم بتوعد ثم قال: "طيب حيث كده بقا، روحي على مكتبك هتلاقي بهاء سايب لك أوراق صفقة جديدة لينا مع شركة إماراتية عشان مشروع رأس الحكمة عايزك بقا كده زي الشاطرة تراجعيه وتجهزي بريزنتيشن على مستوى عالي نقدمها لهم، يالا يا ست الشريكة ورينا شطارتك."

ناظرته بأعين نارية وقابلها هو بنظرة مستخفية، تبادل نظرات أعلن الحرب لنرى لمن ستكون السيطرة. تحركت تجلس على مكتبها لتعلم حجم التحدي المميت، ماهر يضربها فوق دماغها، فالأوراق الموجودة أمامها كلها أرقام ومصطلحات لا تفقه منها شيء. حاولت التوصل لحل وإلا تنهار وتهزم، رفعت هاتفها وقررت الاستعانة ببهاء ذاته لكن توقفت أناملها أمام تلك الرسالة المرسلة لها من رقم محاميها وما تحتويه بداخلها. يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...