كان يقود السيارة بسرعة جنونية وهو يجري اتصالاته مع أكثر من طرف، يضرب مقود السيارة كل دقيقة والثانية بجنون، يشعر بالعجز الشديد. ورد اتصال جديد ففتح الهاتف سريعاً يسأل: -ها يا باشا، وصلت لأيه؟ -مش هنقدر نعمل أي محضر غير بعد مرور ٤٨ ساعة. -يا باشا ٤٨ ساعة إيه، أنا أمي مش بتقدر تتحرك، ومش بتطلع من البيت تحت أي ظرف، دي ما مشيتش لما والدي اتجوز عليها، هتمشي دلوقتي، مؤكد اتخطفت. -طب أنت ليك عداوات مع حد؟
-لا، كلها منافسة على شغل بس، مش داخل أنا في الشغل الشمال مع الناس اللي ممكن تعمل كده، لا.. مش عندي عداوات، وهو ده اللي هيجنني. -أنا بعمل محاولة أخيرة عشان أشوف خرجت من البلد ولا لا، بس ده هياخد وقت. -معلش يا باشا تاعبك معايا، بس معلش حاول تستعجل لي الموضوع. -ماشي يا ماهر، بس.. تنهد الرجل ثم قال: -هو عزام فين يا ماهر؟ جعد ماهر ما بين حاجبيه ليسأله الرجل:
-لا ظهر ولا سأل، إحنا جيران بقالنا زمن وأنا تقريباً عارف أبوك وطباعه، مش غريبة الصمت الرهيب ده؟ -سيادتك تقصد إن... قالها ماهر بتيه ممتزج بالغضب ليقاطعه الرجل: -دور وراه ودور ورا عمك، وأنا هعمل اتصالاتي، وإن شاء الله نوصل لحاجة. -متشكر.. متشكر يا سيادة اللوا. وصل للبيت بسرعة قصوى ودلف للداخل يهرول تجاه شقيقته التي جلست تبكي على أحد المقاعد. أول ما رأته رفعت يداها له منتحبة: -ماما يا ماهر، مش لاقيين ماما.
هدهدها يسمح بيداه على ظهرها وهو يحاول أن يفعل معها ما فشل بصنعه مع نفسه: -اهدي، هنلاقيها وإن شاء الله هتكون كويسة. لحظتها دلف كمال من الخارج يفتح الباب بسرعة يسأل: -فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ -مش لاقيين ماما يا كمال. قالتها جنا بنواح، فاقترب ليرى شقيقها يحتضنها له، مرت عيناه على هدهدة ماهر لها وحاول التغاضي يردد: -مش لاقيينها إزاي؟ هي مش بتتحرك خالص. زاد نحيب جنا وماهر يهز رأسه بأسف وعجز شديد ليقول كمال:
-قوم كلم أبوك وشوفوا فين؟ الوضع ده مش مريح نهائي. وقف ماهر يردد: -أنتِ طلعتي أوضة بابا يا جنا؟ -لا. فقال كمال: -اطلع شوف. تحرك ماهر بالفعل ناحية الدرج يصعده بخطوات سريعة، وقد نجح كمال في إبعاده عن چنا واقترب منها هو يفتح ذراعيه مستغلاً للموقف أسوأ استغلال ويردد: -ما تقلقيش ياحبيبتي. بكت من جديد وقالت بنواح: -ماما يا كمال، ياترى إيه اللي حصلها. ضغط بيده على رأسها يجبرها على الدخول لأحضانه وهو يردد:
-بس يا روحي بس.. لا لا ما تعيطيش، إن شاء الله نطمن عليها. أطبق ذراعيه عليها يستشعر بحلاوة وراحة وهي بين أحضانه هو، يحاول تهدئتها والتنعم بقربها مستغلاً الوضع. في نفس الوقت نزل ماهر من على الدرج بغضب شديد وصرخ فيه: -كمااال. رفع عيناه له ليجد ماهر يتقدم منه بغضب ثم ينتزع جنا من بين أحضانه ويجذبها لعنده مردداً: -لم نفسك، أنا على آخري مش فاضيين ندور على دكتور يخيطك. حمحم كمال بحرج ثم حاول التغاضي وسأل: -لقيته؟
-للأسف، كل اللي توقعته صح، بابا لبسه ومعظم حاجاته الغالية مش فوق. ابتعدت جنا عن أحضانه تسأل بضياع: -يعني إيه؟ ارتمى على الأريكة خلفه وردد: -أبويا خطف أمي. صمت رهيب خيم على ثلاثتهم ومرت دقائق... دقائق صمت طويلة حاول كمال قطعها: -طيب.. أنا شايف إنه خلاص مافيش أي داعي للعصبية أو الخوف والقلق. -إزاي بس؟ -أمك مع جوزها اللي هو أبوك، عمل كده من حبه ليها يعني أكيد هي.. قاطعه ماهر بغضب:
-جرب كده تبقى مشلول مش بتتحرك ولا حول ليك ولا قوة، وأنا آخدك أجبرك على حاجات مش حاببها وأقول أصل أنا بحبك، أكيد أمي دلوقتي حاسة بالخوف والعجز وأنها مجبرة وعاجزة وقليلة الحيلة. زاد نحيب جنا وهي تتخيل الوضع ثم قاطعهم اتصال من رقم أحدهم. فتح ماهر المكالمة على الفور ليرد على صوت المتصل: -أيوه يا سيادة اللوا، وصلت لحاجة؟ -بص يا ماهر.. انسى موضوع المحضر وإنك تبلغ والكلام ده. -إزاي بس يا باشا الكلام ده؟
-لأن والدتك خرجت مع والدك اللي هو لحد دلوقتي جوزها، مسافرة بغرض العلاج لأن حالتها حرجة، ماحدش يقدر يتكلم معاه. نظر ثلاثتهم لبعض وعاود ماهر السؤال: -سافروا فين؟ -لندن. هز ماهر رأسه بضيق وقلة حيلة ثم قال: -تمام، شكراً يا سيادة اللوا، جميلك ده فوق راسي من فوق. -عيب ماتقولش كده، أنت زي ابني. أغلق معه الهاتف وهو يضم قبضة يده بغضب شديد يشعر بالتقييد ليتحدث كمال بآخر موضوع من المفترض فتحه أو طرحه بالظرف الراهن:
-إحنا على معادنا في الفرح مش كده؟ رفع كل من جنا وكمال رأسهما له بضيق وصدمة ليردد بتوتر: -إيه؟ أنا... قاطعه ماهر بغضب: -أنت إيه؟ أنت شايف إن ده وقته؟ مافيش إحساس خالص؟ ما تخلينيش أسب لأهلك على المسا، أقولك مافيش فرح خالص. هز كمال كتفيه وقال مصطنع البرود: -الحق عليا كنت عايز أحل لك مشكلتك يا بابا. رمقه ماهر بجانب عينه وبدأ عقله يعمل، فوفر عليه كمال الطريق وقال باختصار:
-أنهي أب ده اللي هيسيب بنته الوحيدة تتجوز من غير حضوره وهو على وش الدنيا. لمعت عينا ماهر فيما أكمل كمال بكل ثقة وتأكيد: -طبعاً هييجي جري، مافيهاش كلام دي. هزت جنا رأسها بدموع وجنون: -لااا كده كتير عليا... أنا مش موافقة وبعدين أنا أصلاً فكرت ع إني مش عايزة الوصية دي... شوفولكوا حد غيري. -وصية إيه اللي مش عايزاها، إحنا هنلعب؟ هتف ماهر بتحذير لتكمل ببكاء: -شوفوا حد غيري... ماهر يعمل فرحه على لونا. -لونا عندها امتحانات.
استغل كمال الموقف وقال مؤكداً: -وبعدين لو الموضوع عن ماهر ولونا أبوكوا مش أكيد هيتحرك، لكن البنت لأ... دايمًا البنت ليها مكانة خاصة عند أبوها وأمها، لو أبوك عرف إن جنا بتتجوز أقسم لك بالله لا ييجي الصبح. تهللت ملامح كمال وهو يلاحظ شرود ماهر وعلامات ترجيح تلك الفكرة الصائبة بائنة على وجهه فقال: -على معادنا بعد أسبوعين؟ قالت جنا بنواح: -لأ بقاااا. التف ماهر ينظر لكمال ثم قال: -ما ينفعش أسبوعين.
تهللت ملامح جنا وصاب كمال الإحباط ليضيف ماهر مقوراً بحسم: -الفرح الجمعة الجاية. -إيييه؟!!!! اعترضت جنا فيما اشتعلت ملامح كمال بالفرحة والغبطة وكمل ماهر مؤكداً: -كلم شركة تنظيم الحفلات، عايز الفرح هنا في البيت، مش في فندق يا كمال، أظن كلامي واضح. -واضح واضح. قالها وقلبه يرقص طرباً فأخيراً سينالها. وقفت جنا تصرخ فيهم: -أنا مش موافقة، يا عالم افهموا، مش عايزة اتجوز عمومًا وكمال تحديدًا، على الأقل دلوقتي. ليرد
كمال بمهادنة لأقصى درجة: -دي مجرد خدعة يا روحي عشان نبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد، أهدي ماتقلقيش، مش كده يا ماهر. -كده أه. هدأها كل منهما فارتمت على الأريكة بغضب وماهر يفكر كيف هو حال والدته الآن؟ ترى ما هو شعورها؟ *** في أحد ناطحات السحاب بلندن على فراش وثير مفروش بالحرير فتحت نسرين عيناها بتشوش وخمول، بدأت تتثاءب وهي تشعر ببعض الدوخة. كادت أن تنادي على مرافقتها التي تمرضها منذ سنوات ظناً منها أنها ببيتها ككل يوم.
لكن عيناها بدأت تتسع شيئاً فشيئاً باستغراب وهي تلف المكان تدرك أنها بغرفة غير غرفتها حتى ملمس السرير نفسه مختلف غير سريرها الذي اعتادت عليه. دارت برأسها لتجد بجنون وخوف وهي تسأل أين هي وكيف أتت لهنا. انتبهت بخوف على فتح باب المرحاض، شهقت بصدمة كبيرة جداً جداً وهي ترى عزام يخرج منه يرتدي بنطالاً حريرياً وكان عاري الصدر تماماً، ابتسم وألقى المنشفة من يده بلا اهتمام ثم بدأ يقترب منها بشوق وفرحة يردد:
-أخيراً صحيتي، صح النوم. تسارعت ضربات قلبها وعلا على أثرها صدرها ثم ابتلعت رمقها وسألت: -أنا فين؟ -في بيتك الجديد مع جوزك. -جوز مين؟!! أنت شكلك جرى لمخك حاجة؟ -لا، لسه الذاكرة تمام ومش فاكر إني طلقتك. تقدم يجلس بجوارها على السرير، شعرت بالرهبة وعدم الراحة خصوصاً وجذعه العلوي كله عارٍ، صار لها زمان لم تراه هكذا حتى أنها انفصلت نفسياً عنه غير مهتمة بالانفصال على الورق كونها لديها فتاة مقبلة على الزواج...
وها قد نالت النتيجة. صرخت فيه وهي تستشعر ملمح جلده على ذراعها: -إيه ده؟ ابعد عني. -إيه؟ عايز أقعد. -روح البس حاجة. ابتسم بتسلية وهو يردد: -تؤ... أنا مرتاح كده. جلس بأريحية تامة لجوارها وتدثر بالفراش معها فصرخت مجدداً: -أنا جيت هنا إززززاي؟ وإزاي ما حسيتش بأي حاجة؟ -الموضوع سهل جداً، أنا اللي كنت سايبك بمزاجي تاخدي وقتك بس أخدتي سنين وأنا مش عايز أضغط عليكي، شكلي بيكده كنت بدلعك. صكت أسنانها ورددت من بينهما:
-جيت هنا إزاي؟ -بسيطة، منوم في العصير، عربية إسعاف للمطار، ورق متجهز عشان انتي محتاجة تسافري بأقصى سرعة عشان حالتك وجوزك اللي هو أنا، هو اللي عامل كل ده، كله معمول حسابه وشرعي جداً... اعترضي بقا. هاجت أعصابها وبدأت تصرخ فيه: -رجعني... رجعني البيت. حاول عدم التأثر بغضبها وصراخها وتحدث ببعض البرود: -اهدي وهدي أعصابك عشان الضغط لازم يكون متظبط، عندك عملية بكرة. -نعم؟!! -زي ما سمعتي.
حاول مداراة ضحكته لكنه فشل وضحك أمامها، شعور نسرين كان مزيج من الغيظ والغضب والإحساس بالعجز، صرخت بقوة أكبر: -بطل برود واستفزاز، أنت بتعمل معايا كده ليييه، رجعني بيتي، رجعني عند ولادي.... أنا غلطانة إني ما رفعتش عليك قضية طلاق لحد دلوقتي بس قسماً باللي خلقني وخلقك أول ما چنا تتجوز هتطلق منك.
-نجوم السما أقرب لك يا نسرين، أنا ما طلقتكيش طول السنين اللي فاتت دي وإنتي مانعة نفسك عني وفضلت صابر تفتكري هاجي أطلقك دلوقتي، مش هتعرفي تطلقي، وريني مين هيوديكي المحكمة. بكت بضعف، صعُبت عليها نفسها، شعور العجز كان المسيطر، لن تستطيع التحرك بالفعل، همست بضعف ودموعها مناسبة: -بتعايرني بعجزي يا عزام! مبسوط كده؟ صك أسنانه واقترب منها بغيظ يردد:
-انتي اللي غبية ومتخلفة ومهما كبرتي هيفضل مخك صغير، هو أنا لما أكون باقي عليكي ومتمسك بيكي أبقى بعجزك وبذلك؟!! هزت رأسها برفض لتصديق أي من كلماته وهمست: -طب لو هو كده وديني عند عيالي، بعدتني عنهم ليه. ثار غضبه كلما تذكر أفعالهم وهتف بحده: -عيالك، دول ولاد كلب. دنا منها وكمّل بنفس الحده: -هما اللي مقويينك عليا، طول ما هما حواليكي مش هتشوفيني وأنا خلاص ما عدتش قادر أطول بالي عليكوا أكتر من كده.
اقترابه منها زاد بداخله الحنين الذي لم ينضب يوماً، نسرين من نوع النساء اللواتي تشبه المشمش كلما زاد عمره زادت حلاوته، مازالت تحمل نفس الملامح المليحة والطله المريحة، مازال عبيرها واحد، خفيف كنسمة صيف معبقة بنسيم الياسمين من شجرة بعيدة. كانت ولا تزال النقطة الوحيدة البيضاء بحياته رغم سوء كل صفاته وتفاصيله، حتى أنه كان يسأل كالمجنون كيف قد يحظى بشخص مثلها، لربما جاءت لتنير عتمته، فقد كانت دوماً الجانب المنير في حياته.
دوماً كان صبوراً ناحيتها يراها منقذه من ظلمة نفسه، هدية أعطيت له ولم تمنح مثيلتها لشقيقه فاخر، بوجود نسرين كان دوماً يرى بنفسه شيئاً جيداً، يرى نفسه مميزاً. اقترب من شفتيها بشغف رجل تخطى سنواته الستين لكن عاطفته لازالت جياشة ناحيتها فقط، عبيرها يخطفه ويسلب أنفاسه، اشتاق لزوجته الكاملة المكملة، الوحيدة التي لها سلطان عليه.
نسرين ورغم عجزها كانت تملك مالا تملكه صبايا بالعشرين، هي قادرة على إثارته من نظرة، لكنها لا تعلم ودوماً متمنعة. وهو يريد تقبيلها الآن، قبله فقط، وواحدة لا أكثر والله فهو مشتاق بجنون لها... ظمآن رغم زواجه وعلاقاته التي كان يبحث فيها عن نسرين ولم يجد، حتى سلم... سلم لكونها مسيطرة عليه سيطرة ما كان يعلم مداها لكن السنين علمته.
بينما نسرين قد اتسعت عيناها بخوف وهلع، تراه لا يتوانى عن تذكيرها بأنها عاجزة أمامه ولن تستطيع التصرف، سحقاً إنه على وشك تقبيلها. اتسعت عيناها بغضب شديد، تذكرت عبيره وهو قريب منها الممتزج برائحة عرقه ودخان سجائره، ذكرى أيام وليالي مرت عليها فقد تزوجته لسنوات من يقدر على نسيانها؟ لكن الحنين لم يغلبها بعد، القهر كان الأقوى فصرخت بضيق شديد: -أنت بتعمل إيه؟ ابعد عنني، أبعد عنننننني.
على صراخها وعلى، كانت تصرخ بقهر وغلب، تتوسله أن يتركها، لم يقدر على الرفض المتواصل وهتف: -إيه؟ مش بتفهمي؟ طب مش بتحسي؟ أنا جوزك وعايزك، لسه باقي عليكي. ملس على خدها المدور وردد بهيام: -لسه مافيش ست قدرت تدخل دماغي غيرك، مافيش واحدة قدرت تعمل اللي بنعمله وتحركيه فيا، أنا خلاص كبرت وعديت الستين وإنتي كمان داخلة على الواحد وخمسين مش آن الأوان بقا نهدا ونعقل؟؟ أغمضت عيناها ليغيب عن ناظريها وهتفت بترجّي:
-سيبني بقاا سيبني. -مش هسيبك واعقلي بقا. صرخت من جديد، ما هي لا يمكنها فعل ما هو أقوى، صرخت وصرخت بجنون، جنون من قسوته جعله يخاف عليها. سحب قميصاً أبيض من على المشجب الخشبي ثم خرج ينادي على أحداهن بلغة أجنبية حتى حضرت فتاة بيضاء شقراء اللون وصغيرة بالعمر ترتدي زي ممرضات. نظرت له بشراسة فقال: -دي الممرضة الجديدة بتاعتك وهتلازمك دايماً. تقدم من الفتاة يحدثها بلكنتها الأجنبية ويطلب منها أن تهتم بها فصرخت فيه نسرين:
-بتكلمها تقولها إيه؟ أكيد بتقولها تحط لي حاجة في الدوا، أنا مش هقعد هنا مش هقعد هنا، أنا عايزة ماهر... فين ماهر. اقترب منها بضيق شديد وقد أعصبته، دوماً تحتاج لابنه ولا تطلب مساعدته، كل دقيقة تؤكد له أنه كان على حق حينما قرر أخذها بعيداً عنهم، ماهر يراعي وجنا تدلل، بالتأكيد لن تحتاجه. همس بنفاذ صبر: -عيالك مش هنا، مافيش هنا غيري، مضطرة تتعاملي معايا، معلش.
ختم حديثه بصحكة سمجة يخبرها أن هذا هو الواقع وغير قابل للتغيير فهمست بنبرة باكية فرأها طفلة صغيرة وهي تقول: -طب هات لي ممرضة بتتكلم مصري. ضحك بحب عليها وعيناه تمر على ملامحها بشغف مشتاق لنسرين القديمة ثم قال: -كان على عيني بس مالقتش. نفذ صبرها فصرخت فيه: -إزاي يعني مصر كلها مافيهاش ممرضة. رفع بؤبؤ عيناه يحركهم في السقف ثم عاد ينظر لها وقال ببرود: -هو نسيت أقولك؟! إحنا مش في مصر، سيبناها، إحنا في لندن يا روحي.
ثم طبع قبلة على جبينها وخرج وهي تعيد الكلمة على شفتيها لتعرضها على عقلها وتحاول أن تستوعب: -لندن؟!!!؟؟؟ *** مرت أيام تتحرك ببطء شديد إلا على لونا التي لم تكن ملاحقة على كم الدروس التي يتوجب عليها مراجعتها. دَلفت لغرفة والدها فوجدته يجلس على طرف السرير شارداً، اقتربت منه تبتسم، وأخيراً عاد والدها لجوارها وعادت معه الأيام الجميلة.
كانت تعلم أنها تشبهه لحد كبير وهو كما هو لكن التعب هد عنفوان ملامحه وحل عليها الضعف وبعض الهزال. اقتربت منه تجلس على الفراش ونادت: -بابا، أنت كويس يا حبيبي. التف لها ثم مد يده يبتسم وجعلها تجلس جواره ثم سألها: -وحشتيني يا لونا، وحشتيني قوي. -أنت كمان وحشتني قوي يا بابا، ماتعرفش أنا اتبهدلت إزاي في بعضك، بس خلاص أنت اهو رجعت ورجع معاك كل حاجة حلوة مش هخاف تاني. التف لها والدها وقال بخوف: -أخدتي الفلوس من عمك؟
تلعثمت وتوترة ملامحها، لا تعلم كيف تخبره أن أموالها تحت يد ماهر حالياً. مع توتر ملامحها أصابه القلق وسأل: -أخدهم منك؟ لونا؟ أوعي، أوعي تكوني أخدتي دوا من اللي كان بيديهولي، ده بيتعب جامد وكان بيخليني خايف. جعدت ما بين حاجبيها وسألت: -دوا؟ دوا إيه ده؟ -مش فاكر.... دوا إيه؟ -اللي بتقول إن عمك كان بيديهولك. -عمك؟ عمك مين؟ لا مش عارف مش...
كانت ستقاطعه مصممة على معرفة كل شيء لكنها تذكرت حديث الطبيب حينما طلب منها أن لا ترهقه وتضغط عليه بالأسئلة التي قد تعيد له الرهبة والتوتر وأن تتركه يأخذ وقته وكلما تذكر شيئاً تخبرها. ربطت على كتفه ثم أعطته الدواء وساعدته كي يتسطح على السرير وينام. خرجت من الغرفة وقررت مهاتفة ماهر الذي فتح المكالمة مع أول دقة: -أخيراً افتكرتي إن ليكي جوز، أفتحي أنا على الباب. -على الباب؟!!
ذهبت لتفتح تراه أمامها، شهقت مفزوعة وهي تشعر به يباغتها وهو يدلف من الباب يغلقه بقدمه ويضمها له يقبلها بشوق غلب كل شيء. يمسح بجسدها على جسده يستشعر حلاوة قربها، أبعدها عنه ينظر لها عن قرب، يرى جمال عيونها وملامحها، اشتاق لحلاوتها وحالة الشد والجذب بينهما ولطراوة جسدها الناعم. -وحشتيني يا قاسية. قالها بولع وهو يضع خصلة من شعراتها خلف أذنها جعلها ترتبك، يرى بعيناه تأثيره عليها.
ابتسم ثم نظر حوله للبيت الذي دلفه منذ عام تقريباً لكن لم تسعه الفرصة ليخبرها أنه: -بيت باباكي شيك، حلو قوي ومريح كمان. -إيه رأيك؟ ذوقي أنا اللي اخترت كل حاجة فيه، كان نفسي بيتي يبقى ميكس مودرن وشيك. قرص خدها ثم قال: -آه بس ده مش بيتك يا روحي، بيتك عندي، هناك ولا أنا عشان سيبتك يومين مع أبوكِ تراعيه لحد ما ياخد على الوضع الجديد هتنسي؟ صمت وما عاد يهتم بردها، جعد ما بين حاجبيه؟ لا يصدق، هل ما لاحظته عيناه صحيحاً؟
لونا تمرر عيناها عليه بشغف ظاهر فيها أنها اشتاقته، أو كأنها معجبة!!! أيعقل؟ ابتسم بغبطة ثم سألها: -بتبصي لي كده ليه؟ وحشتك زي ما وحشتيني؟ لم تجب بالرفض وذلك يكفيه لزوجة عالية المدى، جننته بصمتها ونظراتها التي لازالت تنظر بها له، اقترب هو منها على الأريكة وقال: -وحشتك، أنا وحشتك. -لأ. قالتها وهي تهرب بعيناها منه، شعور بالعار يكتنفها تشعر أنها عديمة الكرامة كونها بالفعل اشتاقت له، لماهر بعد كل ما فعله فيها.
شعر بما لم تتفوه به فقال: -أنا جوزك وأنتي بتوحشيني، نفسي في كلمة حلوة منك. -ماهو مش هينفع. -ليه بس يا حبيبي؟!! -ضميري بيأنبني. -نعم؟؟؟؟ لا بجد نعم؟ أنا جوزك يا بنتي مش بتخوني حد معايا. -مش دي الفكرة. -أمال إيه؟ فركت كفيها معاً وهمست: -أصل أنا بصراحة ناوية أطالبك بفلوسي اللي واخدها وضع يد يا حرامي. حاول كبت ضحكته وإضفاء الجدية لكنه لم يقدر أمام تناقض كلماتها وانفجر ضاحكاً. ضحكت هي الأخرى وكملت:
-مش هينفع أقولك وحشتني وبعدها أطلب فلوسي، حساها حركة واطية مش كده. تعالت قهقهاته تملأ صالة البيت وضمها له وهو يردد: -واطية قوي بصراحة، بس هقبلها منك أهو أي حاجة تبل ريقي. ابتسمت له، غير منصف ما تراه، إنه بالفعل وسيم للغاية وجذاب، حتى كوكتيل أفعاله الغريبة تضيف عليه غموضاً يعزز من جاذبيته.
لم تقدر على مقاومة كل ما تراه، اقتربت منه بنعومة شديدة وبحركة هادئة غير متوقعة أقتربت منه فجعلته يتخشب، يتيبس وهو يشعر بها قد اقتربت منه ووضعت قبلة على عنقه. هااااااا؟!!! رفع وجهه بصدمة وعيناه متسعة، هل قبلته لونا؟!! هل بادرت مرة؟!!!! التف لها مصدوماً لكنها لم تترك له فرصة وقالت: -عايزة فلوسي يا حرامي. لم يستطع وانفجر ضاحكاً منها ومن أفعالها، لا يملك سوى أن يقربها منه يضمها له ويقبلها وهو يضحك عليها بجنون. حاول
التوقف عن الضحك ثم قال: -هديكي فلوسك يا لونا بس... زم شفتيه بضيق وسألها: -هتفضلي معايا؟ -آه طبعاً هو أنا عارفة أفلفص منك... نظر لها بشك، تسليمها غير مطمئن ليجدها تقول: -فين القسيمة يا ماهر. ضحك وقال: -معايا ياروحي. -طب هات نسخة بقا. ضغط على أنفها يردد: -أه يا خلبوصة، عايزة القسيمة عشان ترفعي قضية طلاق، ده بعدك. زمت شفتيها بضيق، دوماً يكشفها بسهولة. مد يده داخل جاكيت بدلته وأخرج هاتفه يفتحه أمام عينها يقول:
-تعالي عندي حاجة عايز أوريهالك. فتح الهاتف لتتفاجأ بوجود فاروق دويدار في فيديو مسجل فسألته: -إيه ده؟ -رد بقوة: الكلب اللي حاول يساومك، خليته يسجل فيديو يعتذرلك فيه على اللي حصل واللي كان بيفكر بس يعمله. اتسعت عيناها، كانت على علم بنفوذ فاروق من كم الرعب الذي أصاب فاخر يومها وسألت: -إزاي؟ ده بيقولوا واصل قوي. -وقذر قوي، والكرسي فداه أي حاجة. فتح التسجيل لتشهق وهي تسمع: -ده بيعتذرلي. ضمها له يردد:
-انتي مع ماهر الوراقي، خلي حد يفكر يجرب يقرب كده. اتسعت عيناها بذهول وضمت نفسها له لا إرادياً تشعر أنه لما لا تنظر للأمور من زاوية أخرى. عليها التوقف عن النظر للموضوع من ناحية الكرامة فقط، ماهر سيحميها ويحمي والدها ولو مؤقتاً. رفعت عيناها له وهي تشاهد الفيديو: -هتديني فلوسي. قبّل رأسها وهو يضغط ضمها له: -هديكي فلوسك. -بجد؟ -بجد بس لازم تيجي معايا….فرح جنا وكمال بعد بكرة. -الامتحان بكرة الصبح. -خلصيه وتعالي على البيت.
نظرت له بتوتر فاقترب منها يقبلها بهدوء شديد وردد: -محتاجك قوي يا لونا….قربي مني. باغتته تسأل: -لقيت مامتك؟ سحب نفس عميق ودارى عنها القصة مجيباً: -أيوه.. كله تمام…خضيني في حضنك بس. قربته من أحضانها ولأول مرة تغمض عيناها مبتسمة. *** كل شيء يتبخر من بين يديه، كل ما بناه يتحطم، بداية من بيته وصولاً لثروته وجميلة.
وعلياء صممت على السفر لرفع القضية هناك، عزم على اللحاق بها، يعلم بمدى تأثيره عليها لكن قبل كل ذلك عليه تسوية الأمر هنا مع حبيبته…..جميلة. رآها تدخل لأسطبل الخيل، يقسم ألا يضيع الفرصة هذه المرة. دلف لها في الظلام وبداخله يدور سيناريو فيلم البحث عن فضيحة. *** أقيمت الأفراح في بيت الوراقيين… فرح دُعي عليه الجميع حتى صلاح أبو العينين وطارق.
وتقدمت لونا تدخل الحفل بفستانها الرقيق من اللون البني ولم يقدر أحد على رفع عينه فيها فقط نظرات إعجاب بجمالها لكنها لاحظت أن هنالك نظرة مهابة وقيمة باتت مضافة ولكم أسعدها ذلك الشعور. جلست من بعيد تراقب الجميع تنظر على طارق يحضن ويقبل كل فتاة تقترب منه وبعضهن مكثن في أحضانه لدقائق كاملة.
وماهر هناك يقف بعيد يرحب بالضيوف، نظرت رضا صرخت بها عيناها وملامحها، ماهر يصنع مسافة بينه وبين أي فتاة غير مسموح لغيرها باختراق تلك المسافة. ضحكت ساخرة تهز رأسها وسألت: -ماذا لو صنع القدر لها ما اختارته حين رأت يوماً أن طارق أفضل من ماهر لأنه فقط يعاملها أفضل؟ وماذا عن باقي الصفات والتصرفات، إن كأس الخمر لم يفارق يد طارق منذ دلف للحفل. مال كمال على أذن ماهر يهمس له: -أبوك جه زي ما توقعنا. تهلل وجه ماهر
ليكبت كمال فرحته ويقول: -بس من غير أمك. -إيه؟!! كنت متوقعها منه والله، أبويا وأنا عارفه.. زم شفتيه بضيق وعجز فأضاف كمال: -أنا حاطت له ناس تمشي وراه ماتقلقش، ما خلصتش لسه. حانت منه نظرة على جنا فابتسم وهو لا يصدق أنها تزف له بالأبيض وقد ارتدته خصيصاً له وقد نالها.
تحرك واقترب منها يمضي سهرتهما لتمر الليلة عليهما تركها فيها تتصرف على حريتها، حتى أنها نامت هانئة بأن ما اتفقت عليه صار، تلك الزيجة ما هي إلا وسيلة لإتمام شروط الوصية ولسرعة الوصول لوالدتها. فتحت عيناها في الصباح تتثاءب بخمول وتنظر حولها لترى معالم غرفتها الجديدة. لم تكد تنهي تثاؤبها حتى وجدت كمال أمامها بروب حريري مفتوح ظاهر منه صدره وجسده الضخم بفارق حجم كبير يجلس أمامها يخبرها بهدوء: -صحيتي يا روحي؟
عايز حقي الشرعي… يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!