في عقلك الطيب تعتقده غير واعي، لكنه كان واعي، رشيد مدرك على ما يفعله وكل خطوة يخطيها. هو يريد جميلة، إنها تأجج رجولته، تؤلمه، تسكن أحلامه. باتت بأيام قلائل مسيطرة على تفكيره ومهيمنة على حواسه، ولم يزد رفضها ولا مبالاتها به سوى شوقه العاصف. أيامه بالبلاد باتت معدودة، وإجازته على وشك الانقضاء، وهي تشعله ولا تعطيه وجه، وهو بات غير قادر على الابتعاد.
لأيام وليالٍ وهو يراقبها عبر نافذة غرفته وهي تخرج بالصباح أو تعود في المساء متأنقة بزيها الرسمي، كتلة من الأنوثة تسير على الأرض تستفز أي ناظر قد يراها. فانقلبت أيامه لجحيم وهي لا تبالي، وربما لا تدرك حتى ما فعلته. وبات غير قادر على العودة لحياته السابقة كما كان يعيش قبلما يجيء للقاهرة ويلتقي بها بعدما كبرت. اندلع الخوف يفتك أحشائها وهي تدرك أنه معها الآن بغرفتها وقد شاهدها بهيئتها تلك.
لا ويقترب منها والتصميم بعينه، تراهم وهما يأكلان جسدها أكلاً. اتسعت عيناها برعب وصرخت فيه: "رشيد؟ أنت بتعمل إيه هنا؟ ودخلت هنا إزاي؟ صرخت بالأخيرة علّ الحارس يسمعها، لكنه هتف: "بعته للبوابة الرئيسية يجيب لي حاجات." إذا فقد خطط ودبر، ارتاعت أكثر، صرخت فيه: "وإيه اللي جايبك هنا وبتقرب كده ليه؟ هجم عليها بخطواته يسأل: "ما جيتيش العشا ليه؟ "وأنت مالك." صرخت برعب وهي تتعرقل في قدم الكرسي فتسقط عليه، ليدنو منها مهاجماً:
"ما جيتيش عشان أنا موجود، عشان ما تشوفينيش، عشان أنا بأثر فيكي. لو مش فارق لك كنتي جيتي عادي مش كده؟ "لا مش كده." "كذابة." دنا منها زيادة وهمس أمام شفتيها: "بتهربي مني ليه؟ "أنت بتحلم." إنه مقبل على شفتيها، كان يميل عليها ليقبلها، فدفعته وصرخت وهي تدفشه في صدره بكل قوتها. ارتد خطوة للخلف أثر دفعتها العنيفة وهتف: "وليه ما تقوليش إن أنتِ اللي بتكابري؟ وقفت لتبتعد عن الكرسي وتعدم أي فكرة لان يميل عليها على كرسي أو سرير.
نجحت وابتعدت لتفر ناحية الباب تفتحه، لكنه أوقفها يمنعها بقوة موجعة، مسك بها ثم قربها لعنده يهزها بغيظ وهو يصرخ فيها: "رايحة فين؟ تعالي هنا." "امشي يا رشيد، امشي ارجع لبيتك ومراتك وابنك، بلاش تهور." صرخ بجنون: "أنا لسه ما تهورتش... بس أوعدك أعملها." ردت برعب: "ليه؟!! أنا عملت لك إيه؟ "أنتي؟!!! قبض على يدها وقربها منه يردد: "أنتي مجننانى...
رعب عيناها أيقظه، حاول محاولة أخيرة، ربما هنالك شيء عليه فعله وهو لم يجرب للآن، لذا خفف قبضته واعتدل في وقفته بعدما كان يهم بالهجوم عليها، وجرب: "طيب، جميلة أنا آسف وندمان على اللي حصل زمان، بندم كل يوم وأنا بشوفك قدامي. لو ما كنتش صدقتك يومها وعملت كده كان زمانك ملكي دلوقتي، ويمكن ده عقاب من ربنا ليا. ويا ستي أنا بقولك أهو أنا غلطان وندمان ومش وش نعمة عشان رفضت واحدة زيك."
كانت تسمعه وهي تهز رأسها بوفض، غير متقبلة كلامه. عكس ما توقع كانت النتيجة، تهز رأسها رافضة. جذبها بعنف لتصبح ملامحها متقاربة من ملامحه يهتف من بين أسنانه: "ارجوكي تنسي اللي حصل وخلينا نفتح صفحة جديدة." دفعته بعنف والخوف قد سيطر عليها من هيئته المختلة وهتفت وهي تحاول الفرار منه: "صفحة إيه؟ شكلك مجنون فعلاً، أنت متجوز وعندك ابن." جذبها لعنده من جديد ومسك وجهها بكفيه يثبتها أمامه كأنه يحاول إقناعها:
"الشرع محلل لي أربعة، أنا مش أول واحد يعملها، أنا هتفاهم مع علياء وابني مش هيحس بأي تقصير... عشان خاطري وافقي." "أنت مالكش خاطر عندي وروح حلل في الشرع بعيد عني، أنا اللي مش عايزة أتزوجك." كانت تتحرك بهلع تحاول فتح الباب ونجحت، لكنه أحبطها وأغلق الباب ثم جذبها لعنده يردد بأنفاس لاهثة: "لا أنتِ بتقولي كده عشان زعلانة مني، حقك، أنا عارف إنه حقك، خدي وقتك واتدلعى براحتك بس في الآخر وافقي... "هتوافقي."
"أبعد عني، عيب اللي بتعمله ده، بتتهجم على بنت خالتك في بيتها." "بنت خالي ما خلتليش طريقة غير كده، أنتِ جننتييينييي." صرخ بالأخيرة وهو ينظر عليها، لانت ملامحه وهو يتحسس بيده لجلد بشرتها الطري ينظر على فستانها الجميل مردداً: "قمر، فستانك تحفة عليكي... وشعرك جنان، وشخصيتك قوية، عيونك فيها أسرار خطفاني... أنا أكبر مغفل في الدنيا." حاولت التحدث معه بروية وهو هادئ هكذا: "امشي...
امشي يا رشيد وأنا والله مش هقول لحد على اللي أنت عملته." رفع إحدى حاجبيه يردد: "ما تقوليش هقول أنا." "يعني إيه؟ ابتعد عنها يردد: "هسيبك يومين تفكري." "يعني إيه كلامك ده وأفكر في إيه؟ أنت متجوز وعندك أسرة وأنا مخطوبة." "يعني هي دي مشكلتك بس؟! توقف بها الوقت لدقيقة وهو كاد أن يبتسم، لكنها عادت تهز رأسها: "لا... أنت لو آخر راجل مش هتجوزك." "ما أنا هبقى آخر راجل بس في حياتك." "بتحلم." صرخت فيه بضيق فرد:
"هتجوزك يا جميلة." "مش هيحصل وامشي اطلع برا." حك فكه بضيق ثم قال: "همشي... همشي عشان أسيبك تفكري." نظر لها بهدوء وهي ما زالت خائفة من أي تهور قد يفعله، اقترب من جديد فانتفضت ومالبس أن شهقت مصدومة وهي تشعر به اقترب يميل عليها بهدوء يقبل وجنتها ثم همس: "بحبك يا جميلة." اتسعت عيناها من فعلته وتصريحه تنظر له بذهول تراقب وقوفه الثابت مع نظرة الإعجاب بعينيه ثم رحيله الهادئ من الغرفة. وبدأت تسأل نفسها هل اعترف رشيد بحبها؟!!
وهل هذا ما تريده؟؟ أم ماذا تريد بالأساس. استيقظت صباحاً بنشاط عالٍ وتأنقت في فستان رقيق بلون الروز ووقفت تصفف شعرها أمام المرآة. لف في السرير يبحث عنها كي يسحبها لأحضانه ويستغرق زيادة في النوم، لكنه لم يجد من يحتضنه. مرر يده على الفراش يشعر ببرودته فانتبه واعتدل من فراشه يتثائب بخمول يبحث عنها لتثير انتباهه وهو يراها متأنقة جاهزة للخروج، فهتف مستغرباً بصوت ما زال خامل من النوم: "صباح الخير يا حبيبي." التفت
له ترد بابتسامة مشرقة: "صباح النور، كل ده نوم." وقف عن فراشه يتثائب من جديد ويرد بكسل: "آآآه... كل اللي عيشته معاك كوم، وإنك تنامي معايا في سريري اللي طول عمري بنام فيه لوحدي كوم تاني، نمت نوم." أبتسمت له ليبادلها الابتسامة وهو يمرر عيناه على جمالها غير العادي ثم سأل: "إيه الجمال ده كله، لابسة ليه من بدري كده... لابسة ليه أصلاً؟ حد يلبس مع جوزه." هزت رأسها بجنون منه تردد:
"إيه اللي بتقوله ده، أنت المفروض في حالة حداد جدك ما كملش أسبوع ميت." جذبها لصدره يردد: "الحزن في القلب ودي نقرة ودي نقرة، وبعدين هو كان جدي لوحدي، لابسة بينك وجدك ما كملش أسبوع." "جدك أنت." لم يعجبه حديثها وقال: "لونا... الراجل دلوقتي مات وبقى بين إيدين ربنا وما يجوزش عليه غير الرحمة، وبعدين ده سايب لك ورث كبير قوي." "ورث مشروط يا حبيبي، مربوط بيك العمر كله."
جذبها من خصرها يلصقها بنصفه السفلي وهو ينظر على شفتيها مردداً: "قوليها تاني كده؟ "إيه؟ "حبيبي.. عارف إنك ما تقصديش بس أهي أي حاجة منك." نظرت له بكبر ليقول: "قولي بقا يابت... قولي أي حاجة." "تؤ." همست بدلال ثم ابتعدت عنه فجأة تنثر عطرها ليجذبها مجدداً في الوضع السابق ويهمس أمام شفتيها: "وحشتيني يا بت... ماهر وحشته لونته وهيموت عليها." جاوبت محذرة: "بس يا ماهر لازم أنزل." "تنزلي! قالها بحاجب مرتفع،
فهزت رأسها مؤكدة ليقول: "تنزلي على فين إن شاء الله." "على شغلي." قالتها بثقة فبهتت ملامحه لثوانٍ، وبعدها حاول استجماع عقله وسأل: "ما شاء الله أنتي اشتغلتي؟ جلبت صندلها الخفيف ترتديه وهي تحدثه دلالاً على حرصها على الوقت: "آه." "فين؟! "في شركتي.. أنت غريب جداً." "شركتك؟!!! "أيوه." "آيـوه!!!!!! وقفت وقد انتهت من ارتداء الصندل تعيد إسدال ثوب فستانها الرائع ثم قالت: "ورثي من جدي." ابتسمت بسماجة ترد: "الله يرحمه."
التفت لتتحرك، لكنه مسك ذراعها ولفّها أعادها لعنده ولم يبالي بشهقتها وهتف: "ده مين اللي قال كده ومين هيسمحلك أصلاً." "ماهر عزام الوراقي." اندهشت ملامحه وهو يسمعها، في الوقت الذي اتسعت فيه ابتسامتها كون أن حيلتها الجديدة التي تعلمتها نجحت من أول تطبيق فعلي لها، وأردفت تكمل: "أنت اللي هتسمحلي وأنا عارفه." عزمت على إكمال جرعتها فكملت:
"أنا بقيت عارفاك، أنت بتحبني مبسوطة، وأنت عارف أني هبقى حابة أرجع الشركة اشتغل وسط ناس نضيفة وأكمل تعلم الجرافيك في شركتي تحت عين جوزي، فـ أنا قررت أرحم جوزي أصلك عارف منين ما أروح ألف عين تبص عليا وأنا جوزي غيور... غيور قوي.. بيهد الدنيا لو حد بصلي، أروح أنا أخبط دماغي في الحيطة وأقول مش بتعدي ليه؟! ماهي حيطة... فليه العند لما ممكن أعمل كل ده تحت عينه ورعايته ويجيب لي كمان سندوتشات شاورما لحمة اللي بحبها وحواوشي."
ضحك يعض باطن فمه، رغم فطنته لعبتها إلا أنها أحرجته بحديثها الذي كان مقنعاً، فعلام العند؟! همس أمام شفتيها يقول: "أجيب لك كل اللي نفسك فيه، عايزة إيه؟ اندفعت تردد: "عربية بورش حمرا." "نعم؟!!! "أنا عارفة إنك كريم وسخي ومش هتستخسر في مراتك عربية صح." ضحك، لعبته جديدة، لكنه همس: "أجيب لك... ما أنتِ بقيتي مليونيرة." فهتفت على الفور: "لاااااا." ارتفع حاجبيه وهو يسمعها تقترب منه وتصرح: "أنا عايزة فلوسي صحيحة على بعضها."
قهقه عالياً يصفق بيده من شدة الضحك ولا يستطيع تمالك نفسه. لدرجة أن عيناه قد أدمعت وحاول التحدث من بين ضحكاته يقول: "يا بنت اللذين... مش معقول.. هههه ماشي يا لونا... أجيب لك عربية وسيبي فلوسك صحيحة على بعضها." لم تصدق أن حيلتها التي بالأمس فقط علمتها لها مستشارتها النفسية قد فلحت، فاقتربت منه تردد غير مصدقة: "وحياة أمك؟! "بنت؟! هتجيبي سيرة أمي... هرجع في كلامي والله." "لاااا ده أمك دي حبيبتي." "أنتِ اللي حبيبتي....
هاتي حضن." ضمها بحنان واحتياج لحضنه يشعر بطراوة جسدها الغض وقماش فستانها الغالي وشعرها المتطاير من فرط نظافته وخفته، إنها نسمة صيف باردة ومنعشة، جميلة ومحظوظ أنه نالها. أخرجها من أحضانه يكاد صدره ينفجر من فرط الفرحة والشعور بالفوز، إنها له والأمور تمام، الفوز بلونا كان الأعظم بحياته، وهنيئاً له من كانت لونا فوزه، الطلة لوجهها خير وصحة وجمال، إنها تنعش روحه وتعيد شبابه. مسح على وجهها وشعرها يتشابك مع أصابعه فيقول:
"استنيني هلبس وننزل مع بعض نروح الشغل، إيه رأيك؟ "حاضر... على ما تخلص هكون حضرت لك الفطار." "طب ما تيجي تحميني أنا محتاج حد يحميني." هزت كتفيها تردد: "وقح." "بس لذيذ.. وربنا لذيذ." ابتسمت رغماً عنها، ثم قالت: "بصراحة؟ هز رأسه ينتظر ردها لتنفجر في الضحك وهي تصرح: "آه." ضحك بسرور، فأخيراً لانت لونته. خرجت من الغرفة بشقاوة وهو استدار يتحرك للمرحاض يردد: "بموت فيها بنت اللذين... هتعمل فيا إيه تاني."
تحركت بخفة فراشة تهبط الدرج تذهب للمطبخ تساعد الطباخ في إعداد الفطور ببعض الأشياء البسيطة ثم خرجت ومعها كوب نسكافيه لتجد فاخر وعزام يجلسان في بهو البيت. ابتسمت باستمتاع؛ إنها فرصتها... فاقتربت تستغلها. دنت منهم تردد: "إيه ده؟ خالو فاخر وخالو عزام! قاعدين كده ليه زي المطلقين! احتدمت عيناهما بمجرد ظهورها أمامهما وصولاً لكلامه وفحواه، وهي لم تبالي بل أضافت: "صحيح قلبي عندكم، بقيتوا لا شغلة ولا مشغلة." وقف فاخر يردد:
"أنتِ عايزة إيه يابت أنتِ على الصبح." "الحق عليا، الحق عليا إني قلت أجي أشوف معاكم فلوس للنهاردة ولا لأ؟ بس ماتشيلش هم! هفطركم معانا عادي وخد... حد مد إيدك ماتتكسفش." أخرجت من حقيبتها عملة ورقية فئة الخمسين جنيهاً، كورتها بكف فاخر تردد: "عشان لو حبيت تشرب لك حاجة ولا تجيب سجاير، خد ماتتكسفش ومش هقول لحد." هب ليهجم عليها يلقنها درساً: "آه يا بنت الو...
قاطعه عزام الذي كان يجلس يتابع كل ما يحدث بصمت تام إلى أن نطق مردداً: "فاااخر." نظر كل من فاخر ولونا له، فوقف قائلاً: "إيه يا فاخر هتمد إيدك عليها، ألحق عليها يعني... ده بدل ما تاخد منها الفلوس وتقول شكراً." "شكراً!!!! هتف فاخر بضيق وهو شيئاً فشيئاً يفهم نوايا شقيقه، وقف عزام واقترب من لونا يردد:
"شكراً يا حبيبتي، طلعتي أصيلة، تمام زي أمك رحيل، وأنا اللي كنت فاهمك غلط وفاهم إنك شريرة وناوية على طمع، ماتعرفيش كبرتي في نظري أد إيه لما عملتي كده شكراً، وشكراً على الفطار." رفعت إحدى حاجبيها غير مرتاحة لنعومته المستجدة وهتفت: "وصيتهم يرودوا لك البيض... شكلك بتحبه." حاول الابتسام يداري اصطكاك أسنانه من الغيظ، فتحركت من أمامهما لا تستطيع المكوث أكثر من ذلك في مكان واحد معهما. وما إن فعلت حتى جذب
فاخر شقيقه من يده يعنفه: "إيه؟ قلت بقت مرات ابني وزيتنا هيبقى في دقيقنا وهتلعبها خارصة لوحدك، لاااا ده أنا عظيم بيميني أهدم المبعد على دماغ من فيه." ضحك عزام: "مرات ابني؟ طول عمرك غشيم ومتهور، البت دي مش لازم تعرف إني عارف إنها مرات ماهر، عشان نحبها صح، وأنت خف شوية واتعدل معاها، دي الحصان الرابح بعد ما أبوك ضيعنا... لو هدينا فاروق دويدار بيها هيدينا تسهيلات في السوق ومن البنوك تخلينا نبدأ من تحت تحت الصفر بحبه."
"وليه ما تقولش نطعن على الوصية." "وليه مانعملش الاتنين، بس المحاكم سكتها طويلة، فاروق دويدار سكته مختصرة." جمع فاخر الحديث برأسه وشعر أنه الصواب، فنظر لشقيقه يسأل: "طب ما تنور أخوك، ناوي على إيه؟ "هقولك بس تنفذ اللي أقوله من غير مناهدة." "حاضر." بعد رحيل الجد لم يعودوا يجتمعوا على الفطور، جنا بجامعتها وكمال خرج من بعدها ووالدته مريضة وجيلان تركت البيت لعزام، فلم يتبقَّ سواهما ليقول:
"يالا نبقى نفطر في الشغل طالما مافيش غيرنا." سحبها معه وخرج يقود السيارة وهي لجواره كانت سعيدة تشعر بالانتصار. أخرجت هاتفها من حقيبتها وبدأت تضغط على الشاشة لمدة، فسألها: "حبيبي مشغول عني في إيه؟! أبتسمت ترد: "ببعت رسالة لصاحب الشغل في روما بعرفه إني خلاص، مابقتش عايزة الشغل عنده وأخيراً هخلص منه ومن تحكماته." وفي النهاية ختمتها وشتمته. ضحك بجنون على تصرفاتها ثم ردد:
"يانهار أبيض، طب بتسيبي الشغل وماشي لكن ليه تشتمي الراجل؟! "عشان تنح وكان مضيقها عليا أنا بالذات وكان دايماً مراقبني أنا بالذات، ليه شايفني حرامية؟! ارتفع حاجبه بضيق (يراقبها وحدها دون غيرها وتركيزه منصب عليها؟! هل كان معجباً بها ومراقبته ما هي إلا اهتمام صامت من رجل بارد؟!!
ظل عقله يدور ويدور إلى أن وصلا للعمل، ترجل من سيارته ونظر لها وجد على وجهها سعادة حقيقية، لأول مرة تقريباً يرى صدق مشاعرها، فاقترب منها يحاوط خصرها بتملك مردداً: "نورتي شركتك يا لونا هانم." سحبت نفس عميق بعد ما استمعت لكلماته.. شركتك.. لونا هانم، هذا ما يناسبها ولا يناسبها ما هو أدنى... كما قال والدها. أخرجت نفسها العميق بتهمل ثم تقدمت تدلف معه للداخل وهو يسحبها من يدها تحت أنظار الجميع.
دلف لغرفة مكتبه يغلقها عليه وسكرتيرته معه قائلاً: "هاتيلي كل الشغل المتأخر وكل العقود وورق الحسابات وخدي مدام لونا قسم الجرافيك." "مدام." همست بها دينا مستغربة، لكنه لم يملك فرصة للتوضيح حيث هتفت لونا معترضة: "أنت مش هتعملي مكتب." نظر لها وقد اتسعت حدقتا عينه مستغرباً وحاول ألا يضحك ثم قال: "لأ." "ليه؟! نظر لدينا وقال: "روحي أنتِ دلوقتي شوفي شغلك واطلبي لنا فطار."
خرجت دينا فنظر للونته ليجدها تنظر له بضيق، مد يده جذبها لعنده يجلسها على قدميه ثم داعب شفتيها بأصبعه يقول: "الجميل بتاعي مكشر ليه؟ "عايزة مكتب، زي بتاعك." "أنا ما قعدتش على مكتب زي ده غير لما بقيت عارف كل مكتب من مكاتب الشركة دي شغال إزاي أو على الأقل عندي فكرة، وأنتي كمان مش هيحصل معاكي كده غير لما تتعلمي." اقتنعت على الفور، ما كانت بحاجة للتدليل، لونا تقتنع بالحجج وحجة ماهر كانت قوية لذا غادرت منفذة على الفور.
مر الوقت عليهما إلى أن حضر الفطور كما أراد، ثم طلب من دينا أن تذهب وتنادي لونا. لكنه هب من مكانه متذكراً حينما قالت له أن معظم العاملين بشركته كانوا يغازلونها، تحرك بغضب لعندها يدعي أن يلتقي بأي من هؤلاء كي يلقن كل واحد منهم درساً.
لكنه وقف خلف زجاج المكتب وقد انمحى غضبه وحلت مكانه ابتسامة صغيرة وهو يراها عبر الزجاج تجلس بجوار مدير القسم يملي عليها بعض الأوامر يراقبها بإثناء، فهي تعمل بجد وشغف تريد التعلم وتطبق بسرعة وتتقبل النقد والتوجيه لأنها تريد التعلم.
هز رأسه بضيق يدرك كم كان غبياً وهو من منع السعادة عن نفسه وليس هي، فلونا لم تكن تحتاج سوى الحب والحنان والاحتواء وبعدها ستتفتح بين يديه كالوردة الجميلة ببرعم صغير، وها هي من مجرد رشة صغيرة بدأت تزهر وتعطي الكثير تضيف على حياته السرور، حتى لو لم تبادله يكفيه رضاها عنه. استيقظ من نومه ينهج بلهث يدرك بما كان يحلم. مدد الملاءة حول خصره ثم نظر على جزعه السفلي وردد بضيق: "يعني خلاص على آخر الزمن يحصل معايا كده."
عاد برأسه للخلف يستند على الفراش وتفاصيل حلمه وهو يجامعها لا تغيب من مخيلته، تتكرر فتلهب أنفاسه، مسح بيده على كفه يردد: "أنا كده عندي مشكلة ولازم أدور لها على حل.. مش هقعد أتفرج على نفسي وأنا كده... مش هينفع... لازم حل يا رشيد." نفض غطاء السرير من على قدميه ودلف للمرحاض يستحم متطهراً ثم خرج من البيت. كان سيذهب له بمقر عمله لكن لمح سيارته تصف أمام المنزل فدلف للداخل يسأل عنه. جلس أمامه في مكتبه
ببعض التوتر لكن خاله هتف: "صباح الخير يا رشيد، مالك كده شكلك متضايق." "أنا... أنا عندي مشكلة كبيرة قوي يا خالي وعايزك تقف جنبي وتساعدني." استرعى خاله القلق وسأل بريبة: "خير يا رشيد... عندك مشكلة في شغلك اللي برا ولا إيه؟ قول وأنا رقبتي سدادة من جنيه لعشرة مليون." "لا يا خالي مش عايز مساعدة في شغلي." استوى خاله على كرسيه يردد:
"مانا بردو استغربت، أصلك طول عمرك رافض تشتغل معانا وصممت تسافر بالفلوس اللي معاك وفتحت شغل برا ودايماً كنت رافض مساعدتنا فشغلك مع إننا بنعملها مع الغرب، الله!!! أمال عايز إيه عشان أحل لك المشكلة اللي عندك." استجمع قوته مع بعض البجاحة ليردد بثبات: "عايز جميلة." "إيه؟!!! دلف بسيارته داخل الحرم الجامعي يهاتفها عدة مرات وهي لا تجيب. توقف بغضب وهو يراها تجلس مع مجموعة من الشباب والفتيات تضحك على إحدى النكات.
نهشه الغضب وعرفت الغيرة طريقها إليه، تقدم عندها يهتف: "اتفضلي معايا." "كمال؟! جيت هنا إزاي؟؟ وإزاي سبوك تدخل عادي؟ "يالااا يا جنا." نظرت حولها بتوتر تشعر بالإحراج، زم شفتيه بضيق كونه وضعها بموقف كهذا ثم حاول التحدث بروية: "يالا يا جنا لو سمحتي." كادت أن تتحرك لولا صوت إحدى الفتيات التي وقفت تقول: "طب مش تعرفنا بنفسك... مدت يدها تردد: "أنا فريدة صاحبت جنا." "أهلاً وسهلاً... أنا كمال ابن عم جنا." "أهلاً وسهلاً."
"أهلاً... يا يا جنجونة." ارتاحت قليلاً مادام قال "جنجونة" يعني أنه عاد لوضعه الصحيح معها ونسي تخريفات الزواج تلك التي كان يهذي بها مسبقاً. لذا تحركت معه بلا خوف ليجلسا بالسيارة ويقودها يخرج من الجامعة ونطاقها كله ثم يقف على جانب الطريق يشد فرامل اليد ويضغط عيناه فظهرت على ملامحه علامات الغضب المكظوم ثم ردد من بين أسنانه: "مين الولدين اللي عندك على إنستغرام دول، هااااا." صرخ فيها لتنتفض ثم هتف: "ردي." "انت مالك."
"انطقي أحسن لك، دول عاملين رياكت على كل صورك، معجبين مش كده؟ "انت مااااالك." "هو إيه اللي أنت مالك أنا ابن عمك وهبقى جوزك." "وأنا مش موافقة." "توافقي أو ماتوافقيش مش قصتي دلوقتي أنا عايز أعرف مين دول وصفحتك مفتوحة للجميع ليه أصلاً الصفحة هتتقفل من بكرة والباسورد هيبقى معايا أنتِ فاهمة ولا لأ."
اتسعت عيناها وهي تسمعه، إنه العجب العجاب، من تمرمغ يأخذ الفتيات من الشرق والغرب حين أحب تحولت شخصيته اللطيفة،، سيغلق على حبيبته بالضبة والمفتاح، بالطبع يخشى أن يجري معه ما فعله بغيره، زير النساء كمال الوراقي... ناداها محذراً: "حبيبي... سيبي النسكافيه ده وتعالي افطري." تقدمت لتجلس بجواره لكنه سحبها لعنده يقول: "طب ما تيجي على رجلي وأكلك." شهقت بخجل: "ولما حد يدخل علينا."
"ماحدش يقدر يدخل غير لما يخبط وبعدين ما يدخلوا، واحد حر في مراته." نظر له بصمت ليقول: "أنا خارج بعد شوية... عندي مشوار." "رايح فين؟! "هقابل بابا جميلة، لازم أنهي معاه كل حاجة بشياكة كده أفضل، أنا لازم أعلن جوازي منك بقا، ونعمل فرح بعد كام شهر عشان حالة الوفاة اللي عندنا.. بس أنا عايز أعملك فرح بصراحة، فرح يليق بلونا." أبتسمت له باتساع تستقبل كلماته متقبلة ثم همست:
"وأنا على ما تخلص هروح أزور بابا، الدكتور بيقول إن كتر مقابلاتي بيه الأيام اللي فاتت من ساعة ما رجعت من برا حسن حالته، صحيح بيطئ بس بيتحسن." "روحي يا حبيبي، هبعت معاكي السواق.... بس تخلصي فطارك الأول." "حاضر." كادت أن تشرع في استكمال طعامها لكن دقت دينا على الباب فانتفضت لتقف لينهرها مردداً: "إيه يابت ده هو أنا شاقطك ماتثبتي أنتِ مرات ماهر الوراقي." ضمها من خصرها بزيادة وقال: "أدخل."
دلت دينا لتتسع عيناها بصدمة من وقاحة مديرها المستجدة وهي تراه يجلس فتاة على قدميه ويطعمها في فمها لتتعلثم مرددة: "سسس.. سعادة الوزير فففاروق دويدار برا جاي يقابل حضرتك." "آه دخليه على طول." قالها بحماس بعدما وضع الطعام و وقفت لونا تبتعد عن قدميه وهي تردد: "فاروق دوي.. دويدار... أنا سمعت الاسم ده قبل كده." "يمكن في التليفزيون ماهو وزير." "يمكن."
ليذلف فاروق بكيسه وفخامته نافخاً ريشه عين على ماهر وعين ماكرة على لونا التي ما إن أبصرته حتى وقع قلبها بين قدميها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!