حديثه كان صادم بالنسبة لها. طفل جديد؟! غيرها؟! هي بالأساس لازالت ترى نفسها طفلة ألقاها الزمان في نيران قسوته. فمن ذا الذي يمتلك ولو ربع عقل داخل جمجمته وسيوافق على هكذا حديث؟ رفرفت بأهدابها وعقلها يدور ويدور ويدور. وهنا كان السؤال المهم، حيث سألته بنبرة متألمة ساخرة تجيب: -ولو رفضت يا ماهر؟!! إيه؟! هتفضل متجوزني في السر؟! يعني إعلان جوازك بيا مرتبط بأني أجيب لك طفل؟! طب ولو طلع عندي مشكلة مثلاً؟!
لو أنا مش عايزة دلوقتي؟! إيه؟! خلاص كده؟؟!! مش هتعلن جوازك مني؟! صك شفتيه بغضب. لونا شخصية قوية ولسانها معها، هي فقط مردومة بالتراب. تلك الشخصية لو شمّت نفسها وأُزيح عنها الردم وتحررت ستصبح قوية بدرجة مخيفة. ما هي أساساً وهي بعز ضعفها تجابهه أحياناً وتحاصره بالحديث. فعلتها مراراً وتغلبت عليه، وهو لم يتغلب عليها سوى بتخويفها وبالصوت العالي. يعلم أنها جبانة وتخاف. وها هي قد حاصرته من جديد وبقيت تنتظر الرد منه.
ليقول بعصبية: -قولولي أضمنك إزاي قوليلي... أنا مابقتش عارف أعمل إيه عشان أرضيكي. ضحكت بسخرية وألم، ثم سألت: -وانت عايز ترضيني يا ماهر؟!! -هو انتي بجد مش واخده بالك؟! أنا حارق نفسي عليكي؟! عادت برأسها للوراء، سحبت نفس عميق ونظرت بجوارها على النافذة للسحاب. ليقول بغضب: -أنا عايز رد. التفت تنظر له صامتة لثانية، ثم تكلمت تواجهه: -هو انت يا ماهر لما بتعامل جميلة بتعاملها زي ما بتعاملني كده؟ -لأ طبعاً؟ -ليه؟
-دي واحدة غريبة عني. أكيد مش هتعامل معها براحتي زي ما بتعامل معاكي.. أنا مش بحس ناحيتها باللي بحسه ناحيتك.. انتي بتاعتي .. تخصيني. -بجد؟!! أممم.. ومامتك وجنى بردو غُرب عنك؟! حاصرته مجدداً، فأغمض عيناه بغضب. لتقول: -سيبلي فرصة أفكر. -تفكري في إيه؟ -في اللي طلبته مني.. أشوف هوافق ولا... قاطعها يردد: -ولا؟! هي فيها ولا؟! أنا بعت الكل وببيع عيلتي وبايع فلوس بملايين عشانك وانتي تقولي هفكر أوافق ولا؟!
أمام عصبيته وصوته العالي عاد خوفها من جديد. تلجأ دوماً للإنسحاب التكتيكي في أي موقف، لذا حاولت القول: -مش انت عايز يبقى برضايا عشان تبقى ضامن وجودي؟! رجعت في كلامك؟! سحب نفس عميق، يغمض عيناه بغضب مجدداً. وهي عمدت للنوم، ربما مرت ساعات السفر على خير. ***
خرج من بيته بغضب ومن وقتها لم يعد. كان يسير بسيارته في شوارع القاهرة يراها بحلتها الجديدة وقد تغيرت تماماً. باتت مدينة عصرية كلها كباري وأبراج تناطح السحاب كعروس بأبهى حلة. لكن مازال النيل والحواري القديمة بها يفوح منها رائحة المرأة العتيقة بحنانها الفياض، فتصبح القاهرة جامعة بين جمال الشباب ودفء العراقة. مثل جميلة.
فهي قد باتت أنثى فارعة بجسد ممشوق ومنحنيات كيرفيه جبارة. ومع ذلك ظلت بعينها نفس اللمعة البريئة تحملها على وجهها المبتسم دائماً. جسدها مضبوط بالملي، مهتمة به، تسير على أحدث صيحات الموضة. ورغم كل ما تفعله، لازال هنالك جانب طفولي مضيء بها يراه وحده.
لم يستطع مهما قاوم ووجد نفسه في نهاية المطاف يقف أمام مقر شركات خاله. صف سيارته وترجل منها ينظر على سيارتها العالية البيضاء وابتسم. نوع سيارتها يعبر عن شخصيتها ومستوى النضج والقوة التي وصلت إليها. يبدو أن أشياء كثيرة قد تغيرت وهو مسافر لا يدري. دلف للداخل في الصرح الكبير ينظر حوله منبهراً. دوماً كان أخواله ذوي جاه عالٍ على عكس والده اللواء الذي رغم رتبته العسكرية إلا أنه لم يصل يوماً لدرجة ثرائهم بالتأكيد.
كاد أن يسأل عن مكتبها فهو سبب مجيئه بالأساس. لكنه لم يحتج لذلك، فقد وجد مجموعة من الرجال والفتيات يرتدون أفخم الثياب ويبدو على هيئتهم الفخامة والوقار. أصغر شخص فيهم قد يصبح في الثامنة والعشرين مثلاً. وجميعهم يغادرون غرفة الاجتماع بحنق وغضب. يسمع بعض منهم يتهامسون لبعض: (هي فكرانا روبوتات؟ إيه مش عايزة أسمع مشاكل؟ حل مشكلتك.. ماتشوف تيمك يا أستاذ؟ ريتمهم بطيء كده ليه؟ وعمالة داخلة فينا شمال من أول الاجتماع في إيه؟
رفع إحدى حاجبيه متعجباً. كل هذا فعلته جميلة؟! جميلة الصغيرة؟! هل طال به الزمن بالغربة لتلك الدرجة؟! دلف من الباب الموارب ليراها تجلس على الكرسي الذي يترأس طاولة الاجتماعات الكبيرة. ترتدي تنورة زرقاء ضيقة وقصيرة مع قميص حريري أبيض مفتوح أحد أزراره. وشعرها المموج مرفوع بكحكة مهندمة رسمية لأعلى رأسها. تجمع باقي أوراقها تستعد للمغادرة.
بقي واقفاً يستمتع برؤيتها ومتابعتها. وأدرك بيقين أنه قد تأخر بالفعل، بل تأخر كثيراً جداً. لدرجة أن جميلة الطفلة البريئة ذات الصوت المسموع بصعوبة قد حلّت جدائلها وعلى صوتها. وباتت سيدة أعمال تقود بقوة شخصيتها رجال بأشنبة تقف عليها الصقور. تنهد بتعب. كلما رآها راقت له أكثر وأكثر. وأخيراً لاحظت وجود شخص آخر يشاركها المكان من كثرة ما هي مشغولة، لا تلتفت. حدقته باستغراب، تردد اسمه: -رشيد؟!
آه منها آه. تنهد متعباً. بكل دقيقة يتورط فيها أكثر دون أن يدري، وهي لا تبالي. بينما تناديه باسمه هكذا بطريقتها الماسة لوتره تضعفه وتؤثر عليه. بينما جميلة أكملت سؤالها المستغرب: -بتعمل إيه هنا؟ -جيت أشوفك؟ -تشوفني؟! قالتها بحدية وحاجب مرفوع. لتلمع عيناه بخبث ويجيب وقد بدأ يبتعد عن الباب ويقترب منها بخطوات مثيرة مدروسة: -أممم... أشوفك فيها إيه دي؟! مش بنت خالي ولا إيه؟! مررت عينها عليه. لم تكن ساذجة مطلقاً،
لذا ردت بهدوء: -لأ طبعاً، ده انت حتى نورت الشركة. كان قد اقترب منها، وضع يد على الطاولة يقول: -بجد؟ -آه بجد. مال يضع يده الثانية على يد المقعد الذي تجلس عليه، فبات قريباً منها جداً ومحاصراً إياها. ثم سأل بصوت مثير: -طب عيني في عينك كده؟! استفزّها. استفزّها لأقصى درجة. تراه يلعب بها ومعها وهذا ما لن تسمح به. لذا نفضت يده بحدة من على الطاولة، ففاجئته بقوتها وحدتها. ثم وقفت تهتف فيه:
-يعني انت جاي المسافة دي كلها وقاطع القاهرة بالعرض لحد ما وصلت هنا عشان تقولي عيني في عينك؟ راقت له عصبيتها. يراها لذيذة وفي صالحه. لذا سأل: -وفيها إيه؟ -فيها إنك جاي تلعب وتهزر يا رشيد والصراحة أنا مش فاضية لك. التفت له بأناقتها الخاطفة للعقول، تردد بجدية محببة: -زي ما انت شايف عندنا اجتماعات والدنيا مدربكة عشان اللونشينج الجديد بكرة. ربع ذراعيه حول صدره وقال مستمتعاً برؤيتها في تلك الحالة الجديدة عليه، متسائلاً:
-همم؟ لتكمل بصدق وجدية يشوبها بعض الاستهزاء: -فأنا بقترح عليك لو عندك وقت فراغ كده إنك تقضيه مع عيلتك أو في اللعب مع ابنك. غامت عيناه وفهم عليها. هي ببساطة تعيده للواقع في حالة إن صمم هو الانفصال عنه. تخبره أنها واقعية تفضل الواقع وتعيشه. والواقع يقول إنه قد رفض حبها زمان وعاد اليوم رجل متزوج ويعول، وهي ما عادت تلك الطفلة الصغيرة. فاقترب منها ينظر لعيناها، ثم ناداها: -جميلة.. ممكن تهدي وتسمعيني.
جاوبت بنبرة عاديها حيادية: -أنا الحمد لله هادية جداً على فكرة. زم شفتيه من طريقتها المحبطة، ولا يعلم لما قد يتفوه بحديث كهذا. لكنه شعر بحاجته لأن يقوله. لذا تحدث بصوت مبرر يحمل قدراً من الندم والاعتذار: -جميلة أنا زمان لما جيتي لي وقولتي لي إنك بتحبيني وأنا قولت لك الكلام اللي شايفاه إنه يضايق ده كان عندي حق؟ أنا كنت شاب وانتي لسه بنت صغيرة عندها ١٦ سنة يعني مين ممكن يبص لبنت في السن ده ويتخيلها حبيبة وزوجة؟
أنا كان عندي حق. ولو كنت شوفتك ساعتها حاجة تانية غير إنك طفلة كنت أبقى واحد مش مظبوط. اللي قولته هو الطبيعي والمتوقع ورد فعلي كان طبيعي. استمعت له للنهاية، ثم قالت: -عارفة يا رشيد وفهمت ده أكتر لما كبرت وصدقني أنا حقيقي مش بلومك... انت اتصرفت صح واحتويت الموقف وأنا مقدرة جداً تصرفك ده. وقتها عدت الأيام وأنا نسيت خلاص وشوفت حياتي. قست عيناه. لم يروقه حديثها وطريقتها الجادة. تبدو وكأنها تتحدث بصدق وهذا ما لا يريده.
فهتف بضيق: -نسيتيه خلاص ؟! أممم طب ولما هو كده مش بتقبلي الهدايا بتاعتي ليه كل ما ببعتهالك؟ طالما أنا مش فارق معاكي قوي كده؟!! -مش بضايق رجالة عندي على الأكونت. ردت عليه ببساطة متعمدة التقليل منه، مما أشعل غضبه وعيناه. فسأل: -بجد والله؟! يعني طارق ابن عمك مش عندك؟ -مش عندي. صك أسنانه أمام عيناها بغضب تملكه وسأل: -طب وماهر؟ -لسه مش عندي .. بس كويس إنك فكرتني النهاردة هبعتلك فولو.
ابتسمت وهي تكاد ترى الغيظ في عينيه. فابتعد عنه خطوة ثم ولته ظهرها تستعد للمغادرة وهي تردد: -نورت يا رشيد بس زي ما انت شايف مضطرة أسيبك وأكمل شغلي. التفت له قبلما تغادر الغرفة وتقول: -صحيح بعتلك إنڤيتيشن على اللونشينج بتاع بكرة هنطرح وحدات جديدة بسعر الطرح لو حابب تستثمر فلوسك انت والمدام فأنا أولى ولا إيه؟!
ثم غادرت وتركه ينظر عليها معجباً ومبتسماً. فقد صارت جميلة فتاة جميلة وعقلها يساوي ثقله ذهب. مخها تجاري وطريقتها في الحديث خطافة. *** بمجرد وصولها للبلاد تدافعت الرسائل على رقمها القديم. نظرت للهاتف واجتاحتها الشعور بالحزن. فهل أخيراً تذكرتها سما؟ حزنها من سما كان عظيم دفعها لتجاهل رسائلها وحتى الاتصال الذي بادرت به. فتف لها ماهر يسأل بحاجب مرفوع: -مش بتردي ليه؟! مين بيتصل؟ -دي سما صاحبتي. -والله؟
ولما هو كده مش بتردي عليها ليه ولا عشان أنا واقف؟ نظرت له بصمت وضيق، ثم مدت له الهاتف تقول: -تقدر تاخد تتأكد بنفسك طالما شكك فيا كبير للدرجة دي. صك شفتيه بضيق ولم يأخذ منها الهاتف، بل قادها حيث تنتظرهم السيارة التي ستقلهم للمنزل. تقدم يفتح لها باب السيارة يراها تجلس بهدوء. فالتف يجلس بجوارها، ثم يأمر السائق بالانطلاق. نظرت عليه نظرة مطولة، كانت صامتة تماماً، بدت محتارة في أمره. لف رأسه وتلاقت عيناه فسألها:
-بتبصي لي كده ليه؟ -انت غريب قوي يا ماهر؛ لما انت شاكك فيا قوي كده ليه متجوزني ليه مكمل مع شخصية انت شايف إن كلها عيوب وبتتعبك وبتعصبك. أسبل جفناه يتنهد بتعب وقال: -اسألي نفسك.. مع إني جاوبتك قبل كده. ثم أشاح بوجهه بعيداً عنها. فكرة أن حبه لها مقابل بالرفض والنفور باتت تؤلمه قلبه وتجرحه بقوة وقد تعب كثيراً. لذا أعطاها هو القرار النهائي. وصلوا للبيت بعد مدة طويلة سادها الصمت. بمجرد الدخول للبيت سمعت صوت الجد يردد:
-أهلاً أهلاً حمد الله على السلامة. وقفت لونا عند الباب. لا تتقبله. تراه عدوها الأول وأنه هو وماهر وجهين لعملة واحدة. الأولى تسلّت بجدتها ثم جاء حفيده ليتسلّى بها. قد باتت على علم بأن كارما الأجداد تجلت في حياتهم بوضوح، هذا ما توصلت إليه حينما تناقشت مع مستشارتها النفسية. لكنها أقسمت ألا تحيا نفس النهاية مهما كلفها الأمر. -لونااا... جدو بينادي عليكي.
قالها ماهر منبهاً، ثم تقدم لعنده يحتضنه ويقبله. تنظر عليهما كأن أحدهم مرآة للآخر. ماهر هو محمد ومحمد هو ماهر. لكنها لن تصبح هنية ولن تنجب طفلة فتصير رحيل. -مش هتسلمي عليا يا لونا؟!!
قالها الجد وبعينيه الندم. يعلم تمام اليقين أنه هو الجاني عليها وليس ماهر. ماهر لم يفعل سوى أنه قرر قصته. ومع ذلك ولم يستطع منع عيناه من النظر على ماهر بإشفاق. يعلم ما يعيشه الآن متأكد من قوة سحر لونا عليه وتمكنها منه. كيف لا يعلم وهو المتذوق الأول لهذا السحر. يدري بما يعيشه ماهر من لذة ومتعة ما بعدها متعة مع لونا. متيقن من شدة تأثيرها عليه. فلونا ما هي إلا الصورة المكررة من هنية التي لم يشعر بتمام شعوره بالرجولة إلا معها وحدها. وبخسارتها خسر كل متع الحياة وتدمرت نفسيته. على من سيكذب؟
هو مدرك تماماً لحجم الحياة الكارثية التي سيعيشها حفيده في حال ابتعاد لونا عنه. مدرك ربما أكثر من ماهر نفسه. فالتوقع مختلف تماماً عن معايشة الشعور. -تعالي يا لونا سلمي يا جدك. طلب منها ماهر، فتقدم ليبتسم الوراقي وبسره يهتف: (زي هنيه تمام، رغم كرهها ليا كان ليا كلمة عليها)
. هي فعلت بالفعل بعد طلب ماهر. يبدو أنه مؤثر بعقلها الباطن. أخذت تتقدم حتى وقفت بين يدي الوراقي ومدت يدها للسلام الذي لم يكفيه. فقد سحب يدها بقوة ذرعها بين أحضانه رغماً عنها وأخذ يحتضنها بقوة ويغمض عيناه متأوهاً. يشم فيها رائحة ابنته المغدورة وزوجته التي لم يحب غيرها. بينما ماهر يقف بجواره وقد اجتاحه شعور قوي بالضيق. فحمحم بحرج ثم حاول الفصل بينهما. فرفع يده يضعها على كف جده التي يحتضن بها لونا مررداً بضيق:
-أحممم.. ياا جدي.. خلااااص. رفع الوراقي رأسه وأبعد عن لونا وهو يرفع إحدى حاجبيه. فحمحم ماهر من جديد يبرر: -أصلها جايه تعبانة من السفر. -غيران عليها مني يا واد؟ قالها الوراقي ساخراً. فتخبطت ملامح ماهر. ليكمل الجد: -أمك كانت بتسأل عليك روح طمنها إنك رجعت وسيب لي لونا عايزها في موضوع. -موضوع إيه؟ -الله؟! وانت مالك... أما إن أمرك عجيب.. روح لامك يالا روح.
تحرك ماهر على مضض وصعد لوالدته. ليلتف الوراقي للونا يبتسم بإنشراح وهو يرى جمالها البديع. ثم قال: -سبحان مين خلقك. نظرت له ببرود والصمت هو المقابل. ليسألها: -ماهر اتجوزك صح؟ -وكمان عارف! -دخل عليكي؟ -زي ما عملت في جدتي. رشقته بسكين في صدره متعمداً. جعلته يغمض عيناه متألماً. تهاجمه ذكريات الماضي. ثم فتح عيناه بصعوبة وقال: -بس بلاش انتي تعملي زي هنيه وتسبيه وتهربي. -هربت بعارها... اللي هو أصلاً عارك وانت السبب فيه.
-خلاص يالونا ماتبقيش انتي والزمن عليا أنا باخد جزاتي كل يوم بالحياة... وعلى فكرة زي ما أنا غلط هنيه كمان غلطت لما رفضت ترجع لي. -لما رفضت تعترف بالحمل وأنكرت عشان مراتك.. كنت عايزها تعمل إيه بعد ما ولدت وانت مفضل الفلوس عليها وعلى بنتك.. أمي اللي بسببك انت وعيالك فضلت تعاني من الربو طول حياتها. -عارف ... عرفت لما كبرت وجت تعيش معايا. -عرفت؟ عرفت إيه؟!
إنها اترمت وهي عيلة قدام الملجأ بعد ما أمها ماتت وفضلت طول الليل في المطر لما كانت هتموت باعجوبة نجدوها. -ماكنتش أعرف ولما عرفت أخدتها تعيش معايا. هتف مدافعاً. لتصرخ فيه بقهر: -قصدك لما فوقت.. لما شبعت فلوس دورت عليها بس هي كانت عاشت اليتم وأبوها عايش وهي عارفة إنه عايش وعارفة هي بنت مين ومع ذلك عمرها ما فكرت تجي لك... انت حتى لما أخدتها من الملجأ أخدتها غصب عنها وأول ما جالها فرصة تهرب هربت واتجوزت أبويا....
وجه حفيدك يعيد القصة تاني وانت قاعد تطلب مني أبقى زي هنيه. مالت على أذنه وهتفت بشماتة: -على فكرة ماكنتش بتكره قَدّك. قالتها من هنا وتجمد وجه وجسد الوراقي من هنا. يهتف فيها: -ماتقوليش كده. -هي دي الحقيقة. -لاااااا. على صراخه فهرول ماهر يقتحم الغرفة ليصدم وهو يرى هيئة جده. ليتقدم منها يسأل بلهفة: -في إيه؟! إيه اللي حصل يا جدي؟ نظر لها بغضب يسأل: -قولتي له إيه؟!
المقابل منها كان البرود والتشفي. مما صدم ماهر وزادت صدمته وهو يجد جده يحاول التحدث رغم تعبه: -ما قالتش ... حاجة، مافيش حا..جة. -تعالي معايا. جذبها بحدة ليناديه الجد: -خدها لاوضتها ترتاح ماتخافش أنا هاخد الدوا وهبقى كويس.. خدتها لاوضتها يا ماهر وعينك عليها... عينك عليها يا ماهر أوعى تغفل عنها. كان يتحدث بتقطع وتعب، لكن فيه من التحذير ما يكفي للفت انتباه ماهر. فسحبها معه وخرج من الغرفة يصعد بها السلم متسائلاً:
-انتي قولتي له إيه؟ -أهو عندك روح أسأله. -طريقتك مش عاجباني ولازم تتغير. -حاضر. قالتها ببساطة أثارت الرعب داخله، لكنه لم يبين أو يعلق. بل عمد للخروج من الغرفة مردداً: -مش عايز مشاكل يا لونا خصوصاً النهارده، عندنا لونشينج جديد وأنا خاطف كام ساعة عشان أقدر أجيبك من المطار وأرجع أتسحل في الشغل. لو سمحتي لمي الدور.
لم تعقب. كل ما تريده هو أن يبصق كلماته ويذهب من أمامها الآن. وقد فهم ما بقلبها فغادر. لكنه توقف متيبساً يسمعها تردد بصوت قوي ثابت أرعبه: -على فكرة أنا فكرت وقررت. التف إليها ببطء شديد خائف جداً، ثم سألها بعينيه. لتكمل: -مش موافقة؟ ماذاااااااا؟ لم تكتفِ لهنا وحسب، بل أجهزت عليه بقوة: -ومش عايزة حتى إعلان جواز ولا إعلان طلاق. عايزاك تطلقني كده وخلاص.. وكفاية اللي أخدته مني.
إلى هنا وتوقف الزمان. أخذ يقترب منها بخطوات بطيئة خالية من الحياة. وجهه شاحب وعيونه ميتة. يردد: -سمعيني تاني كده قولتي إيه؟ -اللي سمعته يا ماهر... أنا عايزة أتطلق وكفاية عليك اللي أخدته مني. احتدت عيناه واقترب منها يقبض على ذراعها يغرس أصابعه في لحمها هاتفاً: -كفاية عليا اللي أخدته منك؟! هزها بعنف صارخاً فيها: -انتي أصلاً كلك على بعضك بتاعتي.. أخد شوية أخد كتير أعمل فيكي ما بدالي.
همت لتحد عليه تعلمه أنها ليست دمية بين يديه. لكنه نفضها من يده وردد بنبرة باردة متغيرة عن ذي قبل بثواني: -براحتك... مش عايزة أعلن جوازي منك براحتك... بس افتكري إني كنت مستعد أعمل كده وانتي اللي من كل عقلك رفضتي. هم لأن يتحرك مغادراً، لكنها أوقفته: -استنى هنا انت رايح فين؟ انت مش قولت لي براحتك.. يالا كمل وطلقني. أغمض عيناه يردد وهو يحاول تمالك أعصابه: -بلاش تخليني أتهابي عليكي. ضرب بأصابعه على مخها يردد بحدة:
-فكرة الطلاق دي شيليها من دماغك عشان لو السما انطبقت على الأرض مش هيحصل. -انت مش قولت... قاطعها بصياح: -أنا قولت إعلان جواز ماجبتش سيرة طلاق نهائي... أنا خيرتك تجيبي طفل واعلن جوازنا أو ماتجيبيش مش أكتر من كده... أحلامك اللي في دماغك خليها أحلام. أسبلت جفناها بتعب. حاولت التحدث معه بهدوء: -بص يا ماهر...
إحنا مش مرتاحين مع بعض وانت مستقبلك هيبقى أحلى مع جميلة بينكم خطط ومشاريع وملايين وحاجات كتير مشتركة، أنا مش هنكر إني متضايقة منك بس والله مستعدة أسامحك وهعتبر إنك تطلعني سليمة من البيت وتحميني من عمي وإنه ما يتعرضليش تاني وإنك قدرت تطلع بابايا من تحت إيده وبتعالجه في مستشفى كويسة وإنك سفرتني وأجرت ليا بيت دول مهري ومؤخري كمان وكده أنا راضية مش مشكلة بس ننهيها بهدوء ومش عايزة والله أكتر من كده.
كلامها كان يدك حصونه دكاً. دنياه تنهار أمامه الآن. هي ببساطة تريد سحب أنفاسه منه. تظن نفسها مجرد فتاة تزوجها. صدقت كل ظنونه ومخاوفه. لونا فتاة لا يستهان بها. هي فقط كانت بلا شخصية وعلى ما يبدو أنها بدأت تكونها على كبر. وكل ذلك لا يتنافى مع كونها ذكية ولسانها معها. كل ما كانت تحتاجه هو الجرأة والخبرة والتعرف على نفسها لتكوين شخصية. وها قد بدأت تفعل. وبدايتها كانت بمواجهته أو بالأحرى تحديه. فردد بنبرة أخافتها:
-يعني انتي كنتي مسافرة عشان تستقوي بالسفر وتقدري تستقلي بعيشتك مش كده؟ -كله كان برضاك ولغرض معين في دماغك أنا لسه ماعرفوش بس وفيها إيه يا ماهر. تقدمت منه ومسكت يده بكفها تحدثه. أول ما لمسته اقشعر ورفع عيناه لها بلهفة متأثر بها. لتقول: -ليه عايز تاخذ مني كل حاجة؟ ليه تكسرني؟ ماتنهيها بشياكة يا ماهر واعتبرني ذكرى. -ماقدرش... افهمي... أنا روحي فيكي.
لمستها كلماته. لأول مرة يخترق حديث ماهر جدار قلبها. تقسم أنها شاهدت الصدق واللهفة في عيناه كما شاهدت غلالة من الدموع. أسبل عيناه بتعب يكبح دموعه ثم فتحهم يردد:
-كنت مستني أن أضعف الإيمان ترفضي تجيبي طفل كنت هقرص ودنك شوية وبعدها هعلن جوازنا بردو. ما قداميش حل غير كده لأني غصب عني ناوي أكمل عمري معاكي ومش عايز أكمله في السر. كنت هعلن الجواز وأفسخ الخطوبة وطز في أي فلوس أو مصلحة. بس كنتي قولي موافقة، شارياك يا ماهر بس بلاش خلفة دلوقتي.. كنتي بلّي ريقي بأي كلمة، لكن انتي... رفض رفض رفض.
هزت رأسها بجنون. ما عادت تتحمل. كل السبل معه موصدة. يرى نفسه غير مخطئ وكأنه لم يرتكب في حقها أخطاء فادحة ويعاملها بطريقة غير آدمية. فصرخت فيه: -ماتتكلمش كأنك مظلوم وأنا ظالمة.. أنت عارف انت عامل فيا إيه... طلقني وسيبني أشوف حياتي.. سيبني لحد يحبني. انتفض بعيونه اللهب قبض على ذراعها يهتف ويهزها: -قولتي إيه؟ انطقي... قولتي إيه؟ صرخت متألمة: -سيبني يا ماهر. -أسيبك عشان تروحي لغيري. -سيبني بقا حرام عليك سيبني سيبني...
صوت صراخها كان عالٍ أخرج كمال وجنى من غرفتيهما. اتسعت عينا كل من كمال وجنى وهو يراها قد خرجت متسرعة من غرفتها بمنامتها المكشوفة. اتسعت عيناه بصدمة وشهقت جنى برعب لم تتوقع أن يخرج كمال. دلفت للداخل سريعاً تغلق عليها الباب. فيما وقف كمال يحاول استيعاب ما رآه وهل رأه من جنى الصغيرة؟ هل كبرت جنى؟!!! أخرجه من تساؤلاته صوت صراخ لونا المتصل. ليسارع بالدق على الباب ثم اضطر لاقتحام الغرفة بعدها ليحاول الفصل بين
لونا وماهر الذي هتف فيه: -انت إيه اللي دخلك ازاي تدخل كده من غير ما أذن لك؟ -مش وقته يا ماهر... سيب إيد البنت. -هو إيه اللي مش وقته.. واحد ومراته انت مالك؟ نجحت في الإفلات من تحت يديه ولفت تحتمي في ظهر كمال منه. إلى هنا وجنّ جنونه وصرخ بغضب أعلى: -انتي يومك مش معدي النهارده؟! كله كوم وعملتك دي كوم تاني. جذبه كمال يحاول الخروج به من الغرفة مردداً: -تعالى معايا يا ماهر... تعالى. أخرجه من الغرفة بصعوبة إلى أن
وقف في نهاية الممر يسأله: -في إيه يا ماهر.. هو انت على طول معاها كده كله خناق وزعيق… أنا لولا دخلت عليك كان زمانك بلعها. هتف ماهر بحرقة ولوعة: -مش طيقاني يا كمال … البت مسففاني التراب.. حارق نفسي عليها وهي مش شيفاني… مش شيفاني يا كمال... -أنت السبب. -نعم؟ -أيوه… ده البطلة في فيلم ذا ليون كينج حبت قرد… قرد عشان اهتم بيها… وانت أصلاً دخلك معاها كان زفت وتعامل قطران… مستني إيه؟ حد قالك إنها مازوخية مثلاً؟!
صمت ماهر وعلى ما يبدو أن حديث كمال نجح في اختراق عقله فهدأ قليلاً ونظر له ليكمل كمال: -عاملها برومانسية شوية يا ماهر… اهتم بيها واديها الأمان. هي كده ولا كده مش هتعرف تفلت من تحت إيدك. انت ابن عمي وأنا عارفك. لكن رد ماهر عليه كان على عكس المتوقع حين قال: -لا مش هدلع ولا هدادي… أنا اللي يبيعني أبيعه… أنا اديتها فرصتها وهي اللي اختارت خلاص أشوف مصلحتي بقى. -يعني إيه؟! مش هتعلن جوازكم؟ -لا؟ -يعني سلمت وهتطلقها؟
-مستحيل… لونا هتعيش وتموت مرات ماهر الوراقي. ابتعد كمال خطوة عنه يردد: -انت عايز إيه يا ماهر… عايز إيه؟! -عايز أدبها… أنا بقا هربيها وأعرفها إن الله حق. -انت حالة ميؤوس منها… انت عايز تفضل تعبان مع إن الحل والدوا في إيدك. وقف ماهر محتار يفكر في حديث كمال وكبره يمنعه. إلى أن ورد اتصال فرفع هاتفه يبصر اسم المتصل ففتح المكالمة على الفور يقول: -منتصر باشا .. أهلاً وسهلاً.
-أهلا ماهر بيه.. أنا قولت أكلمك بنفسي وأعرفك إننا خلاص جبنا الواد اللي اسمه الدوكش ده وأخد أربعة في أربعة. -بس عايزك ماتعتقوش إلا لما ياخد الحكم المتين ويترمي في السجن. -ماتشغلش بالك انت كله تحت السيطرة. -مانحرمش منك ياباشا.. هعدي أنا عليك بقا. -منتظرك يا كبير… يالا مع السلامة. -سلام. أغلق الهاتف وتنهد بارتياح. ليسأله كمال بشك: -هو في إيه؟! ومين ده اللي عايز تحبسه. توترت ملامح ماهر ثم قال وهو يستعد للمغادرة:
-مش وقته .. لازم أتحرك دلوقتي عشان تجهيزات الحفلة. -هتخلي لونا تحضر. -تحضر أه عشان ترجع بخمس آلاف عريس.. هو أنا ناقص يا كمال؟ انت تجيب جنى معاك وبس سامع؟! لم يجيب عليه كمال، لكن ماهر تحرك مغادراً. مرت الساعات وبصعوبة أقنع كمال لونا بأن تخرج معهم وتذهب للحفل. وهي ارتضت وذهبت لأسباب كثيرة أولها مجابهة ماهر والتمرد على أوامره.
جلست بالحفل. عروس جميلة بأبهى طلة وحلة. كانت ناعمة لذيذة وملفتة. الكل ينظر عليها. وهي تتابع ما يحدث. جلست تتذكر ما سمعته أثناء عودتها من المرحاض. خالها والد ماهر يقف مع والد جميلة خطيبته يبرم عدة صفقات بملايين وقهقهاته العالية الجشعة تملأ المكان. فاخر يقف مع عم جميلة ومعهم رجل ثالث يضحك بقوة. تلك الضحكة تشع بالمال. يفوح منها رائحة مصلحة كبيرة. محمد الوراقي يجلس مع كبارات البلد يبتسم بكياسة ويتحدث بوقار. من يصدق أن هذا الرجل قد فعل بفتاة وطفلتها ما فعله… ضحكت ساخرة بألم. فصدقاً المال ينظف.
لمحت عيناها ماهر خرج من خلف كواليس المسرح الكبير. ابتسمت بلا إرادة وهي تراه يرتدي بذلة تكسيدو سوداء رائعة عليه. شعرت بالمقارنة والغيرة وهي تراه يقدم من جميلة المتأنقة في فستان غالي جداً جداً يعطيها بعض الأوراق يتحدث بمهنية واحترام وهي تجيب عليه بحرفية سديدة ثم تتحرك بثقة تنجز بعض المهام. هي أيضاً توقف بها الزمن. وشعرت بتوقف الأصوات. ترى حياة الكل تسير وهي الوحيدة الخاسرة. عزام وفاخر المتسببين في إصابة والدتها بالربو يجلسون متهنيين بل ويجنون المزيد من المال وهي قد ماتت والدتها. الكل يربح حتى ماهر فاز وتسلى عليها. هي الوحيدة الخاسرة.
وقتها تجلى بأذنها صوت مستشارتها النفسية وهي تعيد عليها آيات استدلت بها: "وما ظلمنا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" تعلق بأذنها وباتت تتكرر: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ولم تخرج من صمتها سوى على صوت ماهر الغاضب الذي تقدم لعندها حينما اكتشف وجودها يردد: -انتي بتعملي إيه هنا؟؟ صراخه لم يرعبها، بل جعلها ترسم على شفتيها ابتسامة رقيقة، ناعمة أثارت رجفته واستغرابه. ثم وقفت تقترب منه لتحدثه. ومن هنا تبدأ فصل جديد في قصتها معه. تقسم أن يصبح في صالحها. لن تصير ضحية كجدتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!