الفصل 14 | من 29 فصل

رواية تائهه بين نيران القسوة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شهد زاهي

المشاهدات
23
كلمة
2,850
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

تقف أمام الشرفة وهي تراقبه يدخل إلى القصر بسيارته الفارهة. لينزل منها بخفة وشموخ، ليستند على السيارة بقميصه الأسود الذي يظهر عضلات صدره القوية وهو يضم يديه. له ينظر إلى الأرض بشرود، لتتحول ملامحه من ألم إلى برود، يتحول إلى شرود. طال لم تستطع أن تكتم دموعها، بالتأكيد هي السبب في هذا الألم التي تسببه له. لا يستطيع اتخاذ قرار تجاهها، لا يعلم إذا كان يريد أن يعطيها هذا اللقب الذي سبق وأخذته، لكن ليس منه، من أخيه.

ملامحه جامدة، يحل موضعه وهي، يشعر أنه مكبل من قبضتيه، يخشي الإقرار بما يدور في رأسه. قلبه يصرخ عالياً بحبها وجسده، عينيه تفضح مشاعره التي يحاول كتمانها، وعقله ينتفض على أثر هذه الذاكرة التي تدور في مخيلته كلما حاول التقرب منها. لقد تعب من كثرة العواصف التي تدور داخله، تحطمه رويداً رويداً. كيف لها أن تتحول من هذه الجميلة الساحرة إلى هذه الشاحبة المهلكة بجمالها الشاحب. لقد عشقها وقلبه يصرخ بهذا، لكن ما هو موقف عائلته؟

لن تلقي منهم إلا النفور. ليغمض عينيه بتعب، كل هذا كان يمكن أن ينتهي لولا تكرمها وغباءها في الحكم السريع المتهور بأنه هرب وتركها. لو كانت دخلت إلى الشركة دقيقة، دقيقة واحدة لم تكن لتؤثر في الزمن. كان هو من سيكون إلى جانبها وهو يتزوجها، ليس مروان. كان هو أول من يمسك يديها بابتسامة عاشقة، مبتعدة عن العالم وما فيه. كان هو من سيأخذها إلى بيتهم الذي سيكبرون فيه كل يوم بعشق جديد يختلف كل يوم. يتجدد ويزداد.

كان سيلمسها ببطء، يتأكد أنها بين أحضانه، يضمها إلى صدره بقوة وهي تنام على نبضاته التي تنتفض بقوة أثر أنفاسها المهلكة لقلبه المسكين. كانت وطنه، وهل يبتعد القلب عن وطنه. كانت... كل هذا اختلف الآن. ليرفع هاتفه وهو ينظر إلى صوتها التي تحتل هاتفه، لم يغلقه ولو لحظة من أجل أن يراها في كل ثانية من عمره. لا يريد الابتعاد عن ابتسامتها التي تقتل قلبه في الصميم، لتعيده إلى الحياة مرة أخرى رغم قتلها له.

قرر إبقائها إلى جانبه، لكن إلى متى؟ سيأتي يوم وستهرب. لن تستطيع الهرب من عشقه، سوف يتخللها بخبث، سوف يتخلل أنفاسها بعشقه. سيتخلل أوردتها ليكون هو الدم الذي يصل إلى قلبها، يضخه من أجلها. سيكون أكسجين عقلها المشوش لكي يجعلها تفكر وتهدأ قبل قراراتها الحمقاء المتسارعة. سوف يسكت عقلها ليظل قلبه فقط له، يفعل به ما يحلو له، لن تكون إلا له.

ليرفع نظره من هاتفه، ليصطدم بزمردتيها التي كانت تتلمس الزجاج بأصابع مرتعشة تحاول الوصول له، لكن لم تستطع سوى لمس هذا الزجاج الذي يفصل بينهم. لترتعش مقلتاها عندما اصطدمت بعدسته. هل يبتعد عنكِ القلب يا حبيبة القلب؟ هل سأقدر على الابتعاد عنكِ؟ هل سأسمح لكِ بالابتعاد عن وطنك؟ لم يحتاج إلى الإجابة، لقد وجدها في حركة شفتيها التي وضحت إجابته بكل وضوح. بالتأكيد لا، فأنا وطنك وأنتِ وطني، نحن نكمل كل منا الآخر.

أنتِ بدون تولاي ستموتين ببطء، وأنا بدونك سوف أموت من كثرة العذاب والألم الذي ينتشر في جسدي. أنتِ دائي ودوائي؟ أنتِ النفس الذي ينقطع كالطير المذبوح عند ابتعادك يا حبيب الروح. ليرفع هاتفه إليه وهو يتصل بها، كانت سيدة القمر كما تتلألأ تحت ضوئه لامعة بنجومه. لتمسك هاتفها سريعاً وهي ترفعه إلى أذنها، ومقلتاها الزمرديتان مثبتتان عليه، ترسل له أحاسيسها، حديثها الذي طال بينهما دون الحاجة للكلام. ليهمس بصوت متحجر:

"يا قمر عالي جمالك، أهلك العيون بسحرك. أنواري تحمل شراستي وحنانك. صوتك نسمة تداوي الجروح. نورك شفاء لقلبي يا سيدة القلب. يا سيدتي." ليجفل جسدها أثر كلمته الأخيرة، يخصها بهذا الشعر الذي تتذمر عليه وتتذكر أنها صرخت بشراسة أنها ليست سيدة قلب أحد ولا حتى قمر، لكن الآن قلبها يعصي أوامرها وهو يهزها بقوة منتفضة. لتغمض عيونها ببطء، وينزلق هاتفها مع يديها بحركة تلقائية وهي تضعه على موضع هذا الذي يخفق بقوه.

نبضتها تنتفض بسرعة عاشقة، قلبها يعزف أجمل الألحان على كلمته. يعزف على أوتارها بمهارة. لم يظن أنه استمع إلى موسيقى أجمل من هذه الموسيقى القابعة من قلبها المهلك. آه منك يا سيدة القلب، سأصاب بسكتة قلبية من كثر خفقان هذا القلب من أجلك ولكِ. أريحيني وارحميني من عذاب عشقك. لتهمس بصوت عاشق تائه، جعل جسده ينتفض وهو يقف مكانه بصدمة. رأتها بوضوح الشمس، جسده ارتعش بتأثر.

تكاد تسمع صوت قلبه وهي تهمس بصوتها الذي يهيم به، فما بالك يا سيدة القلب عندما تهمسين بأجمل كلمات العشق من أجله هو؟ هو أرسلان العمري، لقد نطقت بعشقه حتى وإن لم يكن هذا واضحاً، لقد كان غامضاً مثل عشقهم، جارحاً بجماله، مرّ بحلاوته. "يا روح القلب، يا اسم غير الأسماء. يا قلباً لا يعرف العشق. تخرجني عن المألوف. تسحرني بهذه النظرة. تأخذ روحي يا حبيب القلب."

لتفتح عيونها ببطء، وهي تفتحها على أجمل ما رأت عينيها، يديه التي انزلقت إلى قلبه مثلما فعلت. تستمع لنبضات قلبه مثلما نبض قلبها، كان لحنه يكمل لحنها. لتغمض عيونها بدموع تساقطت، لما لا يريحها من هذا العذاب؟ لو لفظها من حياته كانها لا تعني شيئاً. من أجل اسمه وعائلته، سوف تعتاد على هذا الوجع والألم الذي ينهش قلبها. لو تخلى عن العالم وما فيه، ستتخلى عن نفسها من أجله.

ستتدفق له بابتسامة وهي تتشبث بقلبه، تنجده وتنجد ذاتها من العذاب. لتغلق الخط وهي تغلق الستار، تعلن عن نهاية هذا الألم، وكل منهم بعيد عن الآخر. يفصل بينهم هذا الزجاج، لتخلع ملابسها قطعة بعد أخرى بشرود، ويديها تعدل شعرها وهي تنظر إلى حالتها في المرآة. كيف سوف ينظر لها وهي أصبحت بهذا الشحوب؟ لتدخل أسفل المياه المتدفقة على جسدها بقوة، لتغمض عيونها بتعب وترخي جسدها، مجرد دقائق تفصل بها نفسها عن العالم الخارجي.

تكون به هي وهو فقط، لا ثالث لهم. لتخرج من الحمام وهي ملتفة بهذه المنشفة الضخمة التي تلألأت جسدها بقوامها المتناسق برشاقة تحسد عليها. لتفتح خزانتها تنظر إلى هذا الفستان الذي وجدته أمام غرفتها في صباح اليوم بعد أن تشاجرا، ومعه رسالة مثل الذي حدثها بها أول مقابلة لهم. "ارتدي هذا الفستان ولا تتأخري سيدة القلب. لا يوجد مجال للرفض." لتضعه على السرير وهي تنظر به. كان فخماً رغم بساطته، لأنها مجرد مقابلة عمل.

لا تعرف ما سره مع اللون الأحمر، كل ما يجلبه لها لونه أحمر. لن تعاند الآن وتتحداه بأنها لن ترتديه، لا تريده أن يغضب. ربما حان الوقت لتصلح ما أفسدته بينهم. لترتدي الفستان الذي انزلق على جسدها بنعومة، لترفع شعرها إلى الأعلى وتترك غرتها على وجهها برقة. لتنظر إلى نفسها في المرآة بانبهار. تكون رائعة الجمال في ما ينتقيه له ذوق عالٍ للغاية، أنيق وساحر على جسدها. لترش عطرها بقوة لينتشر في الهواء من حولها.

لتفتح باب غرفتها وهي تنزل بسرعة على الدرج، لتبطئ قدميها تلقائياً وهي تراه يقف أسفل الدرج بوسامته المهلكة. لترفع نظرها له بهيام وهي تستند على درابزين الدرج، تستند عليه، كادت أن تسقط من هول وسامته الفجة. بذلته السوداء الأنيقة مثل جميع ملابسه، قميصه الأسود الذي يترك أول ثلاثة أزرار مفتوحين ليظهر صدره العريض القوي. عطره الذي دخل إلى أنفاسها بكل عجرفة وشموخ. لتتشبث بالدرج أكثر.

ليدير نفسه وهو يصرخ بجنون من جمالها الصارخ الذي اصطدم به. الفستان لم يكن بمثل هذا الجمال عندما جلبه لها. لا يريدها لافتة لنظر الجميع. تباً لجمالك يا ساحرتي. لتقترب منه ببطء، خجل جعل وجنتيها تنتفض بحمرة شهية جعلتها منها مثيرة أكثر من قبل. يريد أن يمسكها، يقلبها حتى ينقطع نفسها. تباً لها، يا اللهي تماسك يا أرسلان. تماسكي يا تولاي.

لتقف أمامه وهو يتأملها من قدميها البيضاء كالقشطة إلى عينيها الزمردية وشعره الذي يتحداه بأن يفكه لها. ليقبض يديه بقوة لكي لا يفك هذه الرابطة التي تحجب جمال شعرها الغجري عن عينيه. ليبتعد عنها بقوة وهو يخرج من القصر بجمود. لترفع حاجبيها بصدمة وهي تنظر إلى أثره. من هذا؟ والله لديه انفصام في الشخصية. أين العاشق الذي أبكاها منذ قليل وجعلها تتزين من أجله وهي تزيل الشحوب من على وجهها لتظهر في عينيه ساحرة الجمال مثلما لقبها.

لكنها لم تعلم بأنها لم تحتاج لأن تعيد ساحرة الجمال إلى نظره في ساحرة من الأساس. ليقف أمام السيارة، لتتقدم له وهي تقبض قبضتها بغضب. لو استطاعت لكمه هل سيحدث شيء؟ على الأقل أهتف بمساء الخير، لكن تصمت وتخرج بعجرفة. يا اللهي. لتركب إلى جانبه، ليدير السيارة بسرعة وهو يقبض على المقود بقوة، يمنع نفسه من أن يجذبها ويقتحم شفتيها بقوة. لن تتحملها هذه الهشة حالياً. لتنظر له بطرف عينيها وهي تراقب يديه هاتفه بجدية.

"ممكن أعرف على الأقل هعمل إيه؟ ليتجاهلها بشرود وهو ينظر لها بصمت. سيعيدها إلى القصر ويحبسها به، هذا أسلم حل لكي لا يرتكب جناية اليوم وهو يلكم كل ما هو ذكر. لتعقد حاجبيها بغضب وهي تهتف بقوة. "انت مبتردش عليا ليه؟ ليهتف بقوة وهو يعيد نظره إلى الطريق الذي أمامه، يكفي أن يبعد نظره عنها. "لو رديت عليكي فمش هرد كلام، فأنا ماسك نفسي عنك حالياً بقدرة ربنا. لو اتكلمتي تاني مش ضامن إيه اللي هيحصل بعدها.

هنتقفش في الطريق، فاسكتي يا سيدة القلب." لتجحظ عيونها وهي تنتفض بخجل. يا لك من وقح يا ابن العمري، وأنا التي أظن بأنك تتجاهلني، لا تريد رؤيتي. لكنك تتحكم في نفسك لأجلي، كما وعدت أنك لن تؤذيني مهما فعلت. يا الله كم أحبك يا وسيم أنت، يا حبيبي. لتحرك حاجبيها باستمتاع وهي تهتف. "اممم، ليه بتجيبلي فساتين حمراء؟ انت بتحبه للدرجاتي؟ ليهتف بقوة وهو ينظر لها متأملاً ببطء. "مابكرهوش قد اللون."

لتعقد حاجبيها بغضب، يكرهه ويجلبه لها؟ ليهمس بخفوت وهو يضع يديه على نبضاته التي كانت تستمتع إلى صوته. "لغاية لما شوفته عليكي... بقيت بعشقه. ملكة نارية بتشتعلي بنيرانك أمام عيوني عشقا. عشقته، جمالك مهلك يا ساحرة." لتنظر له بابتسامة وهي تعض على شفتيها بقوة، تضم نفسها بارتعاش. لقد شعرت بالنيران التي اشتعلت في هذه السيارة من هول مشاعرهم التي ملأت حرارة الجو ولهيب الهواء.

لتهمس بخفوت، لم تظن أنه استمع له، لكن قلبه استمع له قبل أذنه. "أحبك يا ابن العمري." لينحني بالسيارة إلى جانب الطريق بسرعة جعلتها تتمسك بكتفه تتشبث به. ليدير نفسه لها وهو ينظر لها بصمت هامساً بخفوت. "قولتي إيه؟ لتنظر له بدموع وهي تهمس بابتسامة. "أحبك يا ابن العمري... أع... "لم يجعلها تكمل حديثها وهي بعيدة عنه، ليجذبها له بقوة وهو يحتضنها بشراسة منتقماً منها على كل مرة حرمته من هذه الهمسة.

حرمته من لحظات سرقتها منهم، سيعاقبها فيما بعد على كل أخطائها، لكن الآن لا يريد إلا أن تكون بين أحضانه. رأسها ترتاح على قلبه، تغمض عيونها وهي تبكي بصمت داخل أحضانه متشبثة به. "أحبك يا أرسلان العمري... أحبك مهما حصل ما بينا. قلبي مدقش لحد غيرك. مكنش بإيدي أجرحك ولا أوجعك، لكن ده كان بابا حبيبي الأول. مكنتش قادرة أفضل واقفة من غير ما أتصرف. سامحني يا حبيب القلب، سامحني على غبائي." ليسكت كما سكتت هي، أسكتت أنفاس كل منهم.

لكن لن يتحمل أكثر من هذا... لا. لترتعش بقوة بين يديه وهي تبعد نفسها عن أحضانه ببطء هامسة. "غلط يا أرسلان، مش دلوقتي." ليبتعد عنها وهو يتنفس بقوة، ليهمس. "ابعدي عني يا تولاي دلوقتي. متجيش معايا الاجتماع، مش هقدر." لتهز رأسها برفض وهي تهتف بصعوبة. "لا... أنا هشتغل وهكمل شغلي. مش هقبل إنك تصرف عليا أنا وأختي." لينظر لها نظرة ثاقبة وهو يهتف. "أنا مش غريب عشان ترفضي. سواء حالياً أو بكرة كده كده مش هتشتغلي.

اسمعي الكلام ولو لمرة واحدة من غير خناقة." لتنظر له بهدوء وهي تهتف بثبات. "لا مش هقبل برضو يا أرسلان. أنا مش عايزة أتخانق أصلاً. انت عايز تفرض سيطرتك عليا في كل حاجة من أول لبسي لشغلي. وأنا مش هسمح ده. أنا ليا حريتي الشخصية. مجالي اللي بتنفس فيه. أنا ليا حياة تانية خالص حالياً، الله أعلم بكرة هيحصل إيه. مامتك... جوان... أصحابك عمرو ومراد هيتقبلوني كلهم ولا هبقى مكروهة من الكل لأني مرات الأخ الصغير. قصدي طليقته."

لتجحظ عيونه وتقل المسافة التي بين حاجبيه بقوة، ليدير السيارة بسرعة جعلتها تتمسك بكرسيها بقوة. تعلم أن لسانها لقد أخطأت خطأ لا يغفر. لن تسمح له على الأقل يترك لها شيء واحد تقرره في حياتها التي افتتحها بإرادتها، لكنه يسلبها شخصيتها وهي لن توافق على هذا. ليحل الصمت ويبرد المكان بينهم بعد أن كانت النيران تتزايد من حولهم، انطفأت ببرود. تاه كل منهم في عالم آخر، مفترق الطرق. لكن ربما يلتقوا في طريق في نهايته، من يعلم؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...