أجاب "وسام" بسعادة: -لا بكرة إيه ده، حتى خير البر عاجله. أنا بقول تجيب المأذون دلوقتي. استدارت "وجد" تجاه صديقتها والغضب يليح على وجهها، صارخة بها: -مأذون إيه وكلام فاضي إيه، وبعدين إنتي مالك بتتكلمي ليه؟ هو كان حد خد رأيك؟ مط "داغر" شفتيه قائلاً بجدية مصطنعة: -وأنا شايف كده برضه. وما كاد أن يتحرك من مكانه حتى نادت "وجد" باسمه، فألتفت ناظراً إليها بعيون متسائلة عما تريده. -داغر. -نعم!
أقتربت منه بخطى هادئة، مقاومة تلك الابتسامة التي تكافح للظهور على شفتاها. فقلبها يكاد يخرج من مكانه، خفقاتها بتزايد مستمر لا يتوقف، تشعر بأن صوت خفقاتها يصل إليه. لا تريده أن يشعر بسعادتها، وقلبها الذي يقفز لوقوفه أمامها وإصراره على الزواج بها. فكم تتلهف للفصح عن مشاعرها الجامحة، والتي لن تخبره إياها بذلك الوقت. فهي لم تسترد حقها منه بعد.
فل تلقنه درسًا أولاً، وبعدها ستغمره بحبها، معبرة له عما يعتريها من عشق وجنون به. ستخبره كيف لم تغب صورته من أمام عينيها، وكيف كان يقتحم أحلامها. تلك الأحلام التي كانت تصبرها قليلاً. فقالت بجمود مصطنع، رغم لهفتها لسماع إجابته على سؤالها: -أنا عايزة أفهم إنت عايز تتجوزني ليه؟ عايز مني إيه؟ رمش بعينيه عدة مرات، مبتلعاً ريقه، عينيه معلقة عليها. لن يجيبها بالآن، وسيفعل مثلما كان يخطط منذ أربع سنوات.
فسـتعلم مدى حبه لها عقب عقد قرانهم. سيخبرها بشوقه واحتياجه إليها، ما إن تصبح داخل أحضانه، قريبة من قلبه. قلبه الذي لا يزال يخفق حتى الآن لأجلها، هي فقط. سيخبرها بأنها الأنثى الوحيدة على وجه الأرض التي استطاعت سلبه عقله وقلبه. فهي حبه الأول والأخير، والذي لن يتنازل عنه مرة أخرى. يعترف بأنه كان أحمقًا، ولكن لن يعيد الكرة مرة أخرى.
كل هذا دار بخلده، فظلت هي تتابع عينيه التي تفضحه وتفضح عشقه لها، تريد منه أن يقولها ويعترف بمشاعره، فغمغمت باستفزاز: -هتفضل ساكت كده كتير؟ أنا عايزة إجابة، عايز تتجوزني ليه يا داغر؟ مش سبق وكنا هنعملها، وساعتها استغنيت عني؟ عايزاني أوافق المرة دي كمان؟ عشان تسبني من تاني مش كده؟ انطق! اتكلم ورد عليا، متفضل ساكت كده. قاطعها مغمغماً بخفوت:
-مش هيحصل يا وجد. مش هيحصل. كل اللي حصل وكل اللي فات هنساهولك. هعوضك، هخليكي أسعد واحدة. إنتي بس وافقي وربنا شاهد على كلامي يا وجد. أدمعت عين "وسام" وأقتربت من "وجد" التي كانت تنظر إليه بحيرة، لا تعلم أتـوافق أم ترفض، تشعر بتشتت يغمرها لأول مرة. فقلبها يحثها على الموافقة، وعقلها يرفض ويأبى الخضوع له. غمغمت "وسام" من خلفها:
-وافقي يا وجد عشان خاطري، نفسي أفرح بيكي. وبعدين إنتوا الاتنين بتحبوا بعض، يبقى كفاية عند. كفاية اللي حصل، أرجوكم. الواحد مش عارف هيعيش قد إيه، فبلاش تضيعوا أحلى سنين عمركم، وبعد كفاية أرجوكم. عدى أربع سنين يا وجد، وأظن مدة كفاية أوي. غير إنه لو مش شاريكي بجد وعايزك، ما كان استناكي لحد دلوقتي. غيره كان ممكن يتجوز ويعيش حياته ويأسس عيلة، بس هو معملش كده.
تنهد "داغر" براحة بعدما استمع لحديث "وسام" ورأى نظرة الحنين والتأثر بعين "وجد"، عالمًا بأن حديث صديقتها أثر بها. مرت عدة ثوانٍ من الصمت، تسارعت خلالها وتيرة أنفاسه، رامقاً "وسام" بنظرة سريعة، والتي كانت عينيها معلقة على صديقتها، تنتظر إجابتها على أحر من الجمر.
فابتلع ريقه، ضاغطاً على شفتيه بقسوة، متحدثاً بحزم، محاولاً الثبات وعدم إظهار توتره الذي اعتلاه، منتظراً موافقتها على الزواج به. ولكن جاءت إجابتها التي جعلته يتحول من ذلك الشخص العاقل إلى شخص مجنون متهور مندفع، كل ما يفكر به هو عدم ضياعها من بين يديه. -مش موافقة يا داغر. سامعني؟ مش موافقة. ضم قبضته بغضب، متمتماً من بين أسنانه بلهجة صارمة متحدية لا تليق سوى به: -مش بمزاجك يا وجد. سمعاني؟
مش بمزاجك. وبالليل هجيب المأذون وهنكتب الكتاب. أنهى كلماته وهو يتحرك سريعاً من أمامها، مغادراً القصر وهو يكاد يطيح بأي شيء أمامه. فاقتربت "وسام" التي تملكها الغيظ مما تفعله تلك البلهاء، فصاحت بها: -أنا عايزة أفهم إيه اللي إنتي بتعمليه ده بالضبط؟ إنتي بتفكري إزاي بس عشان أبقى فاهمة. رمقتها "وجد" بنظرات جامدة باردة، سريعاً ما تحولت لابتسامة. ماكرة خبيثة
"وسام" عقدت ما بين حاجبيها بدهشة من ابتسامتها تلك، مغمغمة بعدم فهم. -ايه الضحكة دي يا وجد؟ انتي بتضحكي بالطريقة دي ليه؟ انتي في حاجة في دماغك صح؟ والله العظيم حرام عليكي، انتي مش شايفة هو متشحفط عليكي ازاي يا باردة يا اللي معندكيش ريحة الدم انتي. دوت ضحكات "وجد" بالمكان بأكمله، فجذبتها "وسام" بانفعال من ذراعيها. -انتي بتضحكي على ايه؟ انا عايزة افهم. ورفضتيه ليه مدام بتحبيه ها؟
أجابتها بابتسامتها الماكرة صاعدة باتجاه غرفتها. -اومال أوافق بسهولة وأريحه بالساهل كده؟ لازم يتعب شوية، ده انا وجد برضو. *** ولج "امير" داخل مكتب "عمر" مغمغم بصوت مبحوح متحشرج، بعدما أوصلته الخادمة مستأذنة بالرحيل. -صباح الخير يا عمر. خير طلبتني ليه؟ كان "عمر" جالسًا خلف مكتبه، فأغلق الورق أمامه، رامقًا "امير" بنظرات ذات مغزى وغير مألوفة بالنسبة لأمير، الذي اندهش من اتصاله المبكر ومطالبته بالمجيء.
زم "عمر" شفتيه وتمتم. -قولي يا أمير، لقيت البنت اللي كنت بدور عليها امبارح ولا لسه؟ توتر "امير" وغمغم. -لـ لسه ملقتهاش، بس هلاقيها، هتروح مني فين يعني. وما كاد يكمل حتى قاطعه عمر مغمغمًا ببرود. -قولي بقى مين دي وبدور عليها ليه وهربت منك ليه؟
ابتلع امير ريقه، لا يريد الإفصاح عن حقيقة الأمر، فـ "عمر" إذا علم ما يفعله وطبيعة عمله، سيلغي تلك الشراكة قبل أن تبدأ، وهو يحتاج تلك الشراكة وكثيرًا، فهي ستكون كالستار على أعماله المشبوهة، والتي جعلته يصل لتلك المكانة المرموقة بمساعدة بعض الرجال من نفس نوعيته، والذين قد يفعلون أي شيء من أجل الحصول على المال. -ايه يا أمير؟ هو القط أكل لسانك ولا ايه؟ فتمتم أمير بتلعثم ملحوظ.
-دي مراتي، متجوزها عرفي وعايزة تطلق، وأنا بحبها ومش حابب إننا ننفصل، أنا مش متخيل حياتي من غيرها، أنا هتجنن وأعرف راحت فين دي، كأن الأرض انشقت وبلعتها. رفع "عمر" حاجبيه وابتسامة جانبية ساخرة ترتسم على وجهه، ونهض من خلف مكتبه مقتربًا من أمير، منصتًا إلى أكاذيبه، فتوتره وتلعثمه جعلاه يكشفه بسهولة. -متقلقش، حورية في الحفظ والصون. جحظت عين "امير" ورمقه بصدمة سيطرت على كيانه، شاعرًا بأنه لا يستطيع أن يتفوه بحرف واحد.
فقال عمر بسخرية لاذعة. -مالك مصدوم كده ليه؟ وسريعًا ما تحولت سخريته إلى غضب عارم وأعمى، ممسكًا إياه من ملابسه، مغمغمًا بغضب من بين أسنانه. -هو حد قالك قبل كده إن عمر الزغبي مختوم على قفاه يااض؟ ده أنا أسيح من عشرة زيك، وبعدين مالك خرع كده وبتتهته في الكلام؟ انشف يااض! تنهد "امير" وصاح بغضب زائف، رغم ذلك الخوف الذي تسلل إليه، محاولًا التحرر من قبضته الفولاذية. -ايه اللي انت بتقوله ده؟ أنا مش فاهم انت بتكلم عن ايه؟
وبعدين إيه الطريقة اللي بتكلمني بيها دي؟ هو أنا شغال عندك؟ ازداد غضب "عمر" وتمتم بصياح ممزوج بغضب بركاني. -مستنضفش إني أشغلك عندي يالا، وبالنسبة للشراكة فخلاص بح يا روح أمك، أنا ميشرفنيش أشتغل مع أشكالك يا بتاع الاستروكس انت. ابتلع ريقه زافرًا بضيق، بعدما دفعه عمر محررًا إياه. -استروكس ايه وزفت ايه؟ انت جبت الكلام ده منين؟
-من حورية يا روح أمك، وبصراحة أنا ممنون ليها إنها فوتتني وخلتني أشوف حقيقتك قبل ما أتدبس في أي شغل معاك. فتحرك عمر من مكانه وتناول ذلك الورق من على الطاولة، ممزقًا إياه إلى أشلاء أمام نظرات امير، مغمغمًا. -وادي الورق أهو، ودلوقتي تطلع بره، وحورية متقربلهاش، انت فاهم؟ هنا ولم يتحمل أمير ما يحدث، وذلك الأسلوب الحاد الذي يتحدث به عمر معه، فهو ليس بأقل منه، بل يعتبر نفسه الأفضل والأذكى، فصاح بغضب لا يليق به.
-طب وديني وما أعبد وحياة حورية عندي لدفعك التمن وغالي أوي يا عمر يا زغبي عشان تكلمني بالأسلوب ده، وبالنسبة لحورية فهي متخصكش، حورية دي بتاعتي أنا، فمش انت اللي هتقولي أعمل إيه ومعملش إيه، ومتقلقش، هعزمك على فرحنا. أنهى كلماته، وما كاد يتحرك حتى قام عمر بإمساكه من الخلف، والغضب يتطاير من عينيه، متمتمًا بجانب أذنه.
-تعزمني دي مش حلوة، عندي الأحلى منها، وهي إني أزورك في المستشفى وأنت مدشدش وجسمك كله مش قادر تحركه، عشان تعرف وتتعلم إزاي تتعامل معاها يا حيوان، أصلك مش هتخرج من هنا غير على المستشفى، أصل رجالتي هيقوموا معاك بالواجب وزيادة، وابقى سلملي على العيانين والدكاترة يا أمير استروكس. *** بمكتب "رائف". وما أن دلف المكتب وكاد أن يبدأ يومه ويحل مكان "داغر"، الذي هاتفه مخبرًا إياه بسفره للإسكندرية، محاولًا إرجاع وجد.
زفر "رائف" وحرك رأسه بيأس، متمتمًا بخفوت. -أنا مش عارف وجد دي عملت فيك يا داغر!!!!! صدح رنين هاتفه، فاخرجه من جيبه مجيبًا عليه بعدما وجده رقمًا غير مسجل، فأجابه الطرف الآخر، والذي كان صوتًا أنثويًا مغمغمًا. -ازيك يا رائف. عقد ما بين حاجبيه وتمتم. -مين معايا؟ تنهدت وقالت بلهجة ساخرة. -مش مهم مين، المهم إني عارفاك وعارفة مراتك كويس أوي وعارفة بتعمل إيه من وراك. رفع حاجبيه وقال بلهجة صارمة حادة.
-أه، انتي شكلك بتسلي وقتك وأنا مش فاضي للكلام ده. وما كاد يغلق حتى تمتمت الأخرى مهرولة. -اسمعني بس، ده أنا عندي ليك كلام هيخليك تبقى عايز تجيبها تحت رجلك الخايبة دي.... تمتم مرددًا تلك الكلمة بدهشة، سرعان ما تحولت لغضب عارم. -خاينة!!! ما تحترمي نفسك. قاطعته مغمغمة ببرود:
-مراتك مبتحبكش، مراتك بتحب ابن عمك داغر ومن زمان قوي، ولحد دلوقتي لسة بتحبه، وهو عارف الكلام ده كويس ومش راضي يقولك حقيقتها عشان، يا حرام، عارف إنك بتحبها. بس بصراحة أنا مش هاين عليا أسيبك مخدوع فيها وأنت بتحبها الحب ده كله. ولو مش مصدقني، روح قولها الكلام ده في وشها وأنت هتعرف تميز وقتها إذا كان كلامي كدب ولا حقيقة. أغلق "رائف" الهاتف في وجهها وخرج من مكتبه مهرولاً باتجاه سيارته. بالطرف الآخر.
كانت بغرفتها تحاول الوصول لداغر منذ وقت طويل، تحاول إخباره بما حدث وتهديد "مي" المباشر لها، ولكنه لا يجيبها. فتأففت بغيظ وصاحت بغضب: -لا مش وقت إنك متردش عليا خالص. وعضت على شفتيها بتفكير، وسريعاً ما أرسلت له رسالة نصية مذكور بها ما يلي: -داغر رد عليا ضروري، الموضوع مهم. مي مرات عدي شافتني وأنا خارجة من أوضتك وسمعت كلامي معاك، ودلوقتي بتهددني. أنت لازم تتصرف.
وما إن أرسلت الرسالة حتى انتظرت عدة ثوانٍ وقامت بمهاتفنه مرة أخرى، فأجابها تلك المرة متمتماً: -نعم! -هو إيه اللي نعم! أنت مقرتش الرسالة ولا إيه؟ بقولك مي عرفت كل حاجة، شافتني خارجة من أوضتك وسمعتني وأنا بعترف لك بحبي ليك يا داغر، أنت لازم تتصرف وتطلعني من المصيبة دي، وإلا عليا وعلى أعدائي. ولو حصل الكلام ده، هقول إنك أنت كمان بتحبني وبتسادلني مشاعري وشجعتني على كده. صاح بها "داغر" متمتماً بانفعال:
-إنني هبلة يا بت ولا في ف دماغك حاجة عشان أبقى فاهم؟ وبعدين أنت فاكرة إيه؟ ده حتى لو هي مقالتش، أنا كنت هقول لرائف. أنا مش هسيبه على عماه، لازم يعرف حقيقتك، هو يستاهل واحدة أحسن منك تحبه بجد وتقدره، لكن أنتِ متستاهليش راجل زي رائف. صاحت به بجنون: -يعني إييييييه! فاكرين إنكم ممكن تخلصوا مني بسهولة؟
وبعدين رائف مستحيل يصدقكم، رائف بيحبني، مجنون بيا، بيبوس إيده وش وضهر عشان وافقت عليه، ده ياما حفر ورايا عشان وأنا مكنتش بعبره عشانك. بس أنا هوريك يا داغر وهتش... ما لبثت أن تكمل حتى وجدت الباب يُفتح على مصراعيه ودلف منه "رائف" وصدره يعلو ويهبط من الغضب، وكيف لا بعدما استمع لحديثها الذي جعله يشعر بأن حياته انقلبت رأساً على عقب. فمن عشقها منذ أن وقعت عينه عليها متيمة ومغرمة بآخر...
آخر لا يكون سوى ابن عمه. ولم يكفيه ما فعلته بل تتحدث عنه، ترى حبه وعشقه لها ليس إلا ضعف. فكم هي غبية، تحب من لا يشعر بها. جارحة من كان يتمنى رضاها. لا تعلم بأن أفعاله معها ما هي إلا عشق جارف لها. فهو ليس ضعيف الشخصية ولن يكون ذلك الشخص الذي قد يُذل من أجل الحب. فليذهب حبه إلى الجحيم، وكذلك هي، فلن يكون لها مكان بقلبه من بعد الآن. فما سمعه يكفي بأنه يجعله نافراً، كارهاً لها.
اقترب منها بهدوء مخيف جعل الذعر والهَلَع يتمكنان منها، مستنتجة استماعه لحديثها من ملامحه الغاضبة. فأغلقت الهاتف بوجه داغر وحاولت الحديث، فخرج حديثها متقطعاً متمتمة: -ر... را... رائف، أنت فاهم غلط، أنا... اسودت عيناه وجذبها إليه من ذراعيها بعنف وقسوة متمتماً: -أنتِ طالق يا ياسمين، طالق، طالق. أنهى كلماته وصفعة قوية من يديه تدوي على وجهها جعلتها تترنح من مكانها بصدمة، مغمغماً بصراخ عنيف:
-ودلوقتي مبقاش ليكي مكان هنا، لمي هدومك وروحي على بيت أبوكي، مش عايز أشوفك تاني. ارتجفت شفتاه وتطلعت إليه بنظرات مشتعلة، مغمغمة وهي تقترب منه رويداً رويداً: -همشي يا رائف، بس قبل ما أمشي لازم تعرف إني عمري ما حبيتك ولا حسيت ناحيتك بحاجة، وأنت كنت مغفل كبير، فاكراني واقعة لشوشتك، وأنا أصلاً كنت بعشق داغر. أنا عمري ما حبيتك، أنا محبتش غير داغر. مسألتش نفسك خلفتش منك ليه لحد دلوقتي، ها؟
قاطعها وهو يجذبها من خصلاتها بعنف، ومن قوة قبضته كاد أن يخرج خصلاتها بين يديه، فتأوهت بوجع شديد: -ااااااااه يا حيوان شعري. لم يتأثر بصراخها وتأوهها الشديد، ولزم الصمت مكتفياً بجذب خصلاتها، مخرجاً إياها من غرفتها، فتجمعت كل من سعاد وهدى ومي وآلاء التي خافت من تلك الصرخات. أما مي، فارسمت ابتسامة ساخرة شامته، سريعاً ما أخفتها. فصاحت سعاد وهدى، واللذان حاولا تحرير خصلاتها من بين يديه: -سيبها يا رائف، في إيه؟
تجاهلهم رائف، منزلاً إياها من على الدرج، مغمغماً بغضب وصراخ عالٍ: -متدخلوش، دي واحدة خاينة، متستاهلش، محدش ليه دعوة. اقترب بها من الباب وقام بفتح الباب، دافعاً إياها أمام الباب، مغمغماً: -هو ده مكانك، وده اللي تستاهليه، تستاهلي واحدة خاينة، وابقي قولي لابوكي رائف طلقني عشان بحب راجل غيره يا ***. في المساء. دلف "إسلام" غرفة آلاء، وغمغم بمرح: -سااامو عليكم. تنهدت "آلاء" وغمغمت بضيق وهدوء: -أهلاً يا إسلام، تعالي.
اقترب منها إسلام، وأغلق الباب من خلفه، وغمغم: -عاملة إيه دلوقتي يا علاء؟ قطبت جبينها وقالت بدهشة: -علاء! أومأ لها "إسلام" مؤكداً حديثه: -أيوه علاء، أنتِ مش شايفة بقيتي عاملة إزاي؟ يا حاجة علاء. ارتسمت ابتسامة بسيطة على محياها، مغمغمة: -أنت مفيش فايدة فيك وفي طولة لسانك دي. أخرج إسلام لسانه بطريقة مسرحية، وغمغم بعدما انتهى من تلك الحركة:
-اهو شوفتي مش طويل، يا حاجة علاء، وعارفة هفضل أقولك علاء لحد ما تخرجي من أوضتك وتفرفشي بقى، عايز أشوفك أحسن من الأول وتعيشي حياتك، ده أنتِ لسه في عز شبابك. رفعت حاجبيها وابتسمت بسخرية، قائلة بتهكم: -ومين قالك إني مبقتش كويسة؟ أنا الحمد لله أحسن وعاجبني نفسي كده وعاجباني وحدتي. -عاجباكي! ده من انهي ناحية لمؤاخذة، وبعدين انتي لازم تخرجي من أوضتك اللي بقت زي السجن دي. تنهدت طويلًا مغمغمة:
-ريح نفسك يا إسلام، عشان أنا مش هتغير ومش ناوية أرجع آلاء القديمة. آلاء القديمة خلاص مبقاش ينفع ترجع. مينفعش بعد كل اللي مريت بيه أعيش وأكمل حياتي عادي ولا كأن حصل حاجة. انت متعرفش إيه اللي بيحصلي. ده كل يوم بيجيلي عايز ياخدني معاه، عايز يموتني يا إسلام. رمقها بعدم فهم من حديثها الغامض وقال باستفسار: -مين ده يا آلاء؟ فغمغمت بتلقائية:
-باسم يا إسلام، كل يوم بيجيلي في المنام مش عايز يسيبني بقاله أربع سنين، كل يوم بشوفه. قاطعها إسلام مغمغم: -آلاء، كل اللي بيحصلك ده كوابيس مش أكتر، صدقيني وسببه اللي انتي عملاه في نفسك ده. طب عارفة عندي ليكي خبر هيفرحك جدًا ومش بعيد تقوليلي أخرجك كمان. نظرت له باستفهام، فأكمل مغمغم: -وجد رجعت يا آلاء، واللي أنا عارفة إن داغر مش ناوي يسيبها ترجع المرة دي وتسيبنا تاني، وهيتمسك بيها ومش بعيد تلاقيها جاية تعيش معانا.
اتسعت عيناها وابتسمت بسعادة تزورها للمرة الأولى، مغمغمة: -انت بتكلم جد يا إسلام؟ -الا جد ده جد الجد كمان. بالإسكندرية وبداخل منزل مجدي الأسيوطي. وأثناء مشاهدة سحر ووسام للتلفاز، شعروا بأصوات غريبة آتية من الخارج، وكذلك وجد اللي كانت واقفة بالمطبخ تحضر لها شيئًا دافئًا تشربه بعدما رحلت الخادمة. خرجت وجد من المطبخ مغمغمة بدهشة: -إيه الأصوات دي؟ فصاحت وسام بخوف: -مش عارفة، أنا خايفة. فصاحت وجد:
-ما تنشفي يا بت، مالك طرية كده ليه؟ إيه اللي كل شوية خايفة خايفة؟ ابتلعت وسام ريقها ونظرت لسحر اللي لا تقل عنها خوفًا، وغمغمت بخفوت وصل لمسامع وجد: -لا ده انتي مش طبيعية، وهو المفروض إني مخافش واحنا مهددين من واحد زي مصطفى ده. ده أنا كنت هعملها على نفسي وهو بيكلم معاكي. بذات الوقت كانت قد تحركت وجد باتجاه الباب، وما كادت أن تفتحه، فصاحت بها سحر بذعر: -انتي هتعملي إيه؟
متفتحيش الباب يا مجنونة انتي، افرضي بعت مجرمين ولا حاجة هيخلصوا علينا. تنهدت وجد متجاهلة حديثها وفتحت الباب، وما إن فتحته حتى شهقت بخوف عندما وجدته يقف أمامها وابتسامة على وجهه. فابتلعت ريقها محاولة إعادة ثباتها مرة أخرى، فغمغمت وهي تجز على أسنانها: -هو انت. ابتسم لها مجيبًا إياها: -أيوا أنا، هو انتي مستنية غيري ولا إيه؟ مش قولتلك هتيجي بليل وهنكتب الكتاب. جاءت سحر ووسام من خلفها بعد ما وصل صوته إليهم.
فصاحت سحر بضيق: -إيه ده؟ حد يعمل كده؟ خضتنا يا شيخ، وبعدين فين البواب، وإيه الأصوات اللي بره دي؟ انت بتعمل إيه؟ أومأت وجد بغضب متمتمة: -البواب ده مفيش فايدة فيه، دي مش أول مرة، أنا هوريه. وما إن غادرت باب القصر وكادت تخطو بقدميها عدة خطوات حتى وقفت مكانها مدهوشة منبهرة مما تراه عيناها، وكذلك وسام وسحر، فكل منهم جحظت عيناها بانبهار. فالتفتت وجد إليه قائلة بصوت مبحوح خرج بصعوبة: -إيه اللي انت عامله ده؟
ابتسم لها بحنان مغمغم: -عجبك؟ أولته ظهرها متحركة من مكانها وعيناها تجول بالحديقة، فقد جعلها بأكملها مليئة بالورود الحمراء والشمع وإضاءة خافتة جعلت الحديقة أكثر رومانسية تجعل أي امرأة تذوب بعشقها، فاتسعت ابتسامتها رغمًا عنها وهمهمت بدون وعي: -كل ده عشاني أنا! أجابها وهو يقف وراءها تاركًا بعض المسافة بينهم والسعادة تلوح على وجهه لرؤية سعادتها: -أكيد عشانك يا وجد.
ابتلعت ريقها من صوته الحنون الذي يبثها الراحة والأمان، فالتفتت إليه حتى تنظر بعينيه، فوجدته جالسًا على إحدى ركبتيه مخرجًا إحدى العلب القطيفة الحمراء والتي بداخلها أحد الخواتم باهظة الثمن، قائلًا بحب مناجي ربه بسره أن توافقه ولا تكسر بقلبه الذي لا يريد سواها بقربه: -توافقي تتجوزيني يا وجد وتكوني مراتي وحلالي وأم ولادي؟
لمعت الدموع بعينيها وظلت تتطلع لكل شبر متأملة إياه، وخاصة تلك اللحية التي تزين وجهه وتلك السبابة التي تضيء وجهه، وما كادت أن تجيب حتى اقتربت منهم وسام مهرولة قائلة بتحذير مخربة تلك اللحظة: -وحياة أمي لو رفضتي لهجيبك من شعرك، الواد تاعب نفسه وعاملك جو شاعري، يلا بقى وافقي. وكزتها وجد بذراعيها مغمغمة بابتسامة: -ملكيش دعوة انتي، ومين قالك إني هرفض؟ ثم نظرت تجاه داغر الذي لمعت عيناه ببريق من السعادة، مغمغمة:
-موافقة يا داغر، بس الخاتم تلبسهولي بعد ما نكتب الكتاب. ابتسم لها ناهضًا من مكانه يتمنى ضمها داخل أحضانه بتلك اللحظة، ولكن استطاع تمالك نفسه ومشاعره المتأججة المشتعلة، فستكون بين أحضانه الليلة مخبرًا إياها بمشاعره منذ رآها، فغمغم وقلبه يكاد يخرج من بين أضلعه: -والمأذون برة واتنين شهود حضرتهم، هنكتب الكتاب ونرجع القاهرة. أومأت له بسعادة موافقة على حديثه. وبعد مرور بعض الوقت. غمغم المأذون بتلك الكلمات:
-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!