قطبت جبينها بدهشة مغمغمة بشرود منتشلة ذلك الكارت من يد صديقتها. -مجهول!!!!! وسام بأستنكار: -ده مين المجهول اللي بيحبك ده؟ ده لو داغر عرف الموضوع مش هيعدي على خير. أماءت آلاء برأسها مغمغمة بتأييد على حديث وسام: -أيوه يا وجد وسام معاها حق داغر مش لازم يعرف. أغمضت وجد عينيها وتنهدت بضيق: -مفيش غيره ده أكيد مصطفى. اتسعت عين وسام وقالت وهي تضرب جبينها: -إيه الغباء ده؟
أزاى نسينا مصطفى مفيش غيره أكيد هو. وجد متريحى نفسك من كل ده وسبيله فلوس خاله يشبع بيها. الفلوس مش هتفيدنا بحاجة لو حصلك حاجة أو اتأذيتي عشان خاطري يا و... قاطعتها وجد مزمجرة بها بشراسة: -مستحيل مجدي مسبليش كل حاجة من فراغ. وبعدين أنا عايزة أرجعله ولو حاجة بسيطة من جمايله عليا. ***
فتح داغر باب مكتب رائف على مصراعيه فوجده جالسًا خلف مكتبه يقلب بهاتف بملامح مقتضبة يشوبها الحزن والألم. فرفع عينيه عن هاتفه رامقًا داغر بنظرات باردة مثل الجليد متقنًا إخفاء غضبه من رؤيته أمامه. فعاد ينظر لهاتفه مرة أخرى. فأقترب داغر بعدما أغلق الباب من خلفه مقتربًا منه واقفًا أمامه. -رائف لازم نكلم. أجابه دون النظر إليه باقيًا على وضعه: -مفيش كلام عشان يتقال. انتشل داغر الهاتف من يديه دافعًا إياه على المكتب متحدثًا
بهدوء مصطنع: -رائف أنا مليش ذنب في اللي حصل مش أنا اللي قولتلها تحبني أنا زي زيك بالضبط و... نهض رائف من مكانه ملتقطًا هاتفه مرة أخرى ووضعه بجيبه بعدم أكتراث وقطع حديث داغر قائلًا بنبرة تغلفت بالألم:
-متكملش يا داغر أنا عارف الكلام اللي انت بتقوله ده. أنا مش زعلان منك أنا زعلان على نفسي مش أكتر. زعلان على حبي اللي راح لواحدة متستهلش. زعلان على السنين اللي كنت مغفل فيهم فاكرها بتحبني وهي بتحبك انت. بتحب صاحبي وأخويا. عارف إن ملكش ذنب بس أنا كمان مليش ذنب. أنا مبقتش عارف أتعامل معاك وكفاية كلام في الموضوع ده.
تحرك مغادرًا من أمامه عقب إنهاء حديثه. فتابعه داغر بعينه يفكر بحل لذلك الجفاء الذي أصبح بينه وبين صديقه والذي كانت زوجته السابقة سببًا به. *** طرقت الباب وانتظرت استجابة شقيقتها. ففتحت ندى باب المنزل فدلفت حورية للداخل وارتمت على الأريكة بأنهاك. أغلقت ندى الباب واقتربت منها مغمغمة بدهشة: -إنتي إيه اللي جابك من الشغل بدري؟ رفعت حورية يديها وأزالت حجابها الذي يغطي خصلاتها الحريرية قائلة بسخرية:
-مبقاش في شغل خلاص. أنا سبت الشغل مع عمر ده مسموش شغل أصلًا ومش هاخد منه غير وجع القلب. امتعضت ملامح ندى وقالت بأستنكار: -إنتي بتهرجي مش كده؟ سبتي الشغل مع عمر بالذمة ده اسمه كلام؟ إنتي بتهرجي يا حورية. ده الواحدة نفسها يجيلها فرصة زي اللي جاتلك دي وأنتي بتسيبيها كده بالساهل. أغمضت حورية عينيها واضعة وجهها بين يديها قائلة بنبرة ذات مغزى:
-مش هتفهمني يا ندى مش هتفهمي أنا عملت كده ليه. بس ده أكيد أحسنلي ميت مرة من الشغل معاه. أنا مش ناقصة وجع قلب كفاية اللي أنا فيه. -أنا فعلًا مش فهماكي بس اللي أنا فهمته إنك فقرية. رفعت الأخرى ناظرة لها وابتسامة بسيطة ترتسم على محياها مؤكدة حديثها: -أنا فعلًا فقرية. نهضت من مكانها متجهة لغرفة والدتها المريضة والتي نادرًا ما تنهض من فراشها. فأغمضت ندى عينيها تلوم نفسها على حديثها ذلك. هرولت خلفها ملحقة بها قبل أن
تدلف غرفة والدتها متمتمة: -حورية أنا آسفة مش قصدي اللي فهمتيه بس زعلانة عشانك وعشان ضيعتي الشغل ده من إيدك. رفعت حورية يديها تربت على كتفيها مغمغمة بحنان: -متقلقيش هلاقي غيره ربنا كبير وأكيد مش هينساني. *** في المساء. نظر بساعة يديه متأففًا بضيق ورفع عينيه مرة أخرى يراقب باب البناية الذي ستخرج منه متلهفًا للقائها.
اتسعت عينه وابتلع ريقه بتوتر وهو يراها تتهادى في سيرها مقتربة منه بدلالها المعتاد. فتحت باب السيارة وجلست بجواره وابتسامة شغوفة على محياها قائلة برقة مصطنعة: -أتاخرت عليك؟ ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه وعينيه لا تكف عن التطلع عليها وتفحص هيئتها: -بصراحة أه أنا مستنيكي بقالي كتير. بس مش مشكلة هعديهالك عشان إنتي لسه جديدة ومتعرفنيش ومتعرفيش إن أكتر حاجة بكرهها هي التأخير. شهقت بصدمة مصطنعة واضعة يديها على
فمها بطريقة مسرحية متمتمة: -يا خبر أنا حقيقي آسفة وإن شاء الله مش هتتكرر تاني. تنهد مطولًا مغمغمًا وهو يشير برأسه تجاه البناية: -صحيح إنتي عايشة مع أهلك؟ حركت رأسها بنفي قائلة بأسف وحزن يلوح على وجهها:
-لا أنا عايشة لوحدي يعني تقدر تقول إني يتيمة. بابا وماما ماتوا وأنا عندي ١٥ سنة وبعد ما ماتوا عشت مع خالتي بس طبعًا جوزها مرحمنيش ومسبنيش في حالي وأول ما جتلي الفرصة إني أسيب لهم البيت عملتها وكنت عايشة مع واحدة صاحبتي وبعد كدة حبيت أستقل بنفسي وأعيش لوحدي والحمد لله عملتها زي ما إنت شايف كده. نظر لها عدي بأسف وقال بتأثر زائف وهو يتحرك بالسيارة: -الله يرحمهم بس أنا متأكد إن والدتك كانت زي القمر. اتسعت ابتسامتها مضيقة
عينيها قائلة باستفسار: -اشمعنه؟ قال بمرح: -يعني عايزها تبقى مخلفاكي ومتبقاش قمر؟ ابتسمت له ابتسامة واسعة واكتفت بذلك وأدارت وجهها تجاه النافذة وهمهمت في سرها وهي تقلب عينيها: -يخربيت تقل دمك يا شيخ. لا وفاكر نفسك دمك خفيف. *** ظلت تلك الأصوات الصاخبة تقتحم وحدتها وشرودها. فخرجت من غرفتها بعدما اعتراها الغضب ونفذ صبرها. فوجدت شقيقتها جالسة أمام التلفاز فصاحت: -إيه يا ندى! إيه الدوشة دي مش معقول كده.
أجابته ندى بلا مبالاة، واضعة تركيزها بالكامل بمشاهدة ذلك الفيلم. "دي الشقة اللي قدامنا، عاملين يشيلوا في العفش ويحطوا في الجديد، وزعقت فيهم من شوية قالولي ربع ساعة بالكتير ويخلصوا، بس أظاهر مفيش فايدة فيهم. اطلعي زعقي فيهم، أنا صدعت ومش عارفة أركز في الفيلم." تحركت حورية من مكانها وفتحت باب المنزل صائحة بهؤلاء العمال الذين يخلون المنزل من الأثاث. "إيه يا عم أنت وهو، صدعنا خلاص والواحد عايز ينام ومش عارف منكم."
أجابها العامل وهو يرفع يديه ماسحًا حبيبات العرق عن جبينه قائلاً بإنهاك: "خلاص يا مدام، إحنا نزلنا العفش وهنطلع الجديد، وإن شاء الله مش هياخد مننا وقت." تأففت حورية قائلة: "طب ياريت بسرعة شوية، أنا أمي تعبانة ومحتاجة راحة." أومأ لها العامل معتذرًا لها: "إحنا آسفين، بس ده شغل يا مدام وهنخلصه ونتوكل على الله. أصلًا الساكن الجديد مستعجل أكتر منك، وزي ما أنتِ شايفة بنحاول ننجز." تنهدت قائلة: "ربنا يعينكم. عن إذنك."
أغلقت الباب وهي تتحرك باتجاه شقيقتها. "حورية تعالي اتفرجي معايا، الفيلم تحفة ولحد دلوقتي معرفناش مين القاتل، بس حاسة إنه هيطلع جوز البطلة." رمقتها حورية بنظرات نارية، فأزدردت ندى ريقها قائلة: "إنتي بتبصيلي كده ليه؟ انتي هتتحولي يا حورية ولا ايه. أغمضت حورية عينيها متنهدة بنفاذ صبر، رافعة رأسها للأعلى مغمغمة: -يارب صبرني يارب. وبعد مرور بعض الوقت، صدح رنين هاتفها، فصاحت ندى:
-قومي قومي، تليفونك بيرن، شوفي مين بيتصل عليكي. نهضت من مكانها ملتقطة هاتفها، ناظرة به فوجدته عمر، فأبتلعت ريقها، وبدأ ذلك الصراع بين قلبها وعقلها، فقلبها يخبرها بأن تجيبه وتستمع لصوته الذي يشعرها بالأمان، أما عقلها فنهرها معنّفًا إياها على مشاعرها التي تريد الانجراف خلف قلبها.
توقف هاتفها عن الرنين، فزفرت براحة، وما كادت أن تضعه مكانه مرة أخرى حتى بدأ بالرنين مرة أخرى، فزمّت شفتيها، ورغمًا عنها أجابته، واضعة الهاتف على أذنيها، مستمعة إلى صوته الحنون: -انتي مبترديش علطول ليه؟ أنا عايز أفهم! هدأت من روعها، واستجمعت قواها، وقالت ببرود وشراسة: -وأنا عايزة أفهم أنت بتتصل ليه؟ أنا مش قولتلك مـ... قاطعها قائلًا: -وأنا مسمعتش أي حاجة من اللي قولتيها، وافتحي الباب، أنا على الباب وعايز أتكلم معاكي.
اتسعت عيناها، وقالت وهي تنظر تجاه الباب: -أنت بتقول إيه؟ وباب إيه اللي أنت عنده؟ -باب بيتك يا حورية، يلا افتحي عشان عايز أتكلم معاكي. كزّت على أسنانها قائلة بقسوة: -أنت عايز إيه مني بالظبط؟ أنت بكده هتسبب لي مشاكل أنا في غنى عنها، امشي يا عمر لو سمحت. قاطعها بحدة وانفعال طفيف: -مش ماشي يا حورية، وهتفتحي وهتكلم معاكي.
زفرت وأغلقت الهاتف بوجهه، واقتربت من الباب وفتحت له، فوجدته يقف أمامها، يطلع عليها باشتياق، وعيناه تلمعان ببريق العشق. ابتلعت ريقها بعدما سارت رجفة طفيفة بجسدها لرؤيته يقف أمامها، وابتسامته الجذابة ترتسم على محياه، فقالت: -أنت إيه اللي جابك؟ أنت عايز مني؟ تنهد مسندًا كتفيه على الحائط بجواره: -عايزك يا حورية، هكون عايز مين غيرك يا وجعة قلبي. اتسعت عيناها لصراحته، أو بالأصح لوقاحته، فكيف يتحدث معها بتلك الطريقة؟
من أين جاء بتلك الجرأة؟ امتعضت ملامحها بشدة، واسودت عيناها قائلة: -أنت إزاي تكلم معايا بالطريقة دي ها! اعتدل بوقفته، وقال وهو يشير تجاه ذلك المنزل من خلفه: -هو أنتِ هتقضيها أسئلة ولا إيه؟ وبعدين أنا عايزك تباركيلي على بيتي الجديد. جحظت عيناها للمرة الثانية، وفرغ فاها، وقالت بصدمة: -هو أنت الساكن الجديد! رمش لها بعينيه عدة مرات مؤكدًا حديثها، مغمغمًا بابتسامة ماكرة:
-أيوه أنا، ومدام مبقاش فيها شغل ومبقتيش شغالة معايا، قولت أجي أقعد قدامك وأملى عيني منك، ولا بلاش. جاءت ندى من خلفها، وابتسامة بلهاء على وجهها عندما استمعت إلى صوته، فاقتربت منه قائلة بسماجة: -وأنا أقول العمارة منورة ليه! التفتت حورية تجاهها صارخة بها: -ندى، خشي على أوضتك ومش عايزة أسمع صوتك، يلا اتحركي. كزّت ندى على أسنانها واتجهت تجاه الصالون مرة أخرى، فكادت أن تتحدث حورية فقطاعها عمر:
-شرسة أوي أنتِ، براحة على البت شوية. -امشي يا عمر، امشي من قدامي، مش طايقة أشوفك. رفع حاجبيه، وأخرج مفتاح المنزل من جيبه، قائلًا بمرح وابتسامة واسعة، وهو يقف أمام منزله ويفتح باب المنزل: -كدابة يا حورية، عينك بتقول غير كده، عينك فضحاكي يا حورية. قال الأخيرة وهو يغمز لها بعينيه، مغلقًا باب المنزل تحت صدمتها التي سرعان ما تحولت لشبَح ابتسامة. ***
تجاهل الجميع، وصعد باتجاه غرفته، راغبًا في أخذها سجنًا له ولوحدته، ولكن منعه من استكمال الدرج الرخامي هو صوتها الذي ظل يردد اسمه: -رائف، رائف. توقف عن الصعود، واستدار، رامقًا إياها بنظرة خالية من الحياة، قائلًا بجمود: -نعم! أقتربت، وجد منه، ووقفت أمامه قائلة بأسف: -رائف، أنا عارفة إن اللي حصل مش سهل، وإنك أكيد شايل من داغر، بس أنت لازم تحكم عقلك، وتبص للموضوع من زاوية تانية.
ظهرت بسمة جانبية ساخرة على محياه، وقال مضيقًا عينيه، عاقدًا يديه أمام صدره: -وإيه هي الزاوية التانية اللي المفروض أبص منها يا بنت عمي؟ وضحي أكتر. تنهدت بضيق، وقالت: -بص، أنا هتغاضى عن نبرة السخرية دي، بس أنت المفروض متبقاش زعلان من داغر، لأنه ملوش أي ذنب، كمان بص لها من حتة إن ربنا كشفها قدامك، مش أحسن ما تفضل مخدوع فيها. بذات الوقت، رآهم كلًا من هدى وسعاد، الذين كانوا يتحركون باتجاه المطبخ لتحضير العشاء،
فقالت هدى بخفوت: -هي وجد عايزة إيه من رائف؟ مش كفاية اللي هو فيه. حركت سعاد رأسها بضيق، ونادت باسم آلاء التي كانت تدلف من الباب للتو، والتي سرعان ما استجابت لها: -آلاء، روحي شوفي أختك، وخليها متقفش كده مع رائف، داغر لو شافها مش هيحصل طيب. أومأت لها آلاء، وتحركت باتجاه وجد ورائف، أما هدى وسعاد فاستكملوا سيرهم.
ولكن لم تستطع آلاء فعل ذلك، فقد رآهم داغر وهم يقفون سويًا أعلى الدرج، وحدث ما حدث، وتجمدت الدماء بعروقه، والغيرة تتأجج بداخله مثل النيران. قاطعت آلاء حديثهم، وقالت بنبرة عادية: -وجد، بلاش الوقفة دي و... ابتلعت باقي حديثها بتوتر عندما رأت داغر بجوارها، يتحدث بنبرة غاضبة يشوبها بعض من الغيرة: -إيه اللي موقفك كده يا وجد؟ تنهدت وجد، واقتربت منه: -داغر، كويس إنك جيت دلوقتي، أنا كنت بتكلم مع رائف و...
كزّ على أسنانه، واقترب منها، وقبض على ذراعها بقبضته الفولاذية التي آلمتها، فقبّت جبينها وهي تنظر ليداه التي تؤلمها، كادت أن تتحدث لكنها لم تستطع لجذبه إياها من ذراعيها ومغادرتهم أمام كل من آلاء ورائف، الذي اعتلت شفتاه ابتسامة ماكرة ونظرة ذات مغزى، متناسيًا وجود آلاء، ولكنه سرعان ما أخفاها. لاحظت آلاء نظراته وابتسامته التي تبشر عن نواياه الخبيثة وسعادته بما حدث. ضيقت عيناها قائلة باستفهام: -أنت بتضحك على إيه؟
أنا عايزة أفهم! رفع إصبعه مشيرًا تجاه شفتاه، قائلًا باستنكار: -هو أنا كده بضحك! عضت على شفتيها، وصعدت تلك الخطوة، مغمغمة: -رائف، بلاش استعباط، أنا شوفتك، وبلاش الحركات دي، أنت وداغر أقرب اتنين لبعض. حرك كتفيه، ووضع يده بجيوبه، مغمغمًا: -حركات إيه يا آلاء؟ أظاهر كده إن حبستك في الأوضة أثرت عليكي. أجابته بغضب: -لا يا رائف، أنت عارف إنها ماثرتش، بس أنا مش عبيطة، وعارفة إنك قاصد تضايق داغر عن طريق وجد، و...
صمتت عن إكمال حديثها، واتسعت عيناها، ووضعتها على فمها، وهمهمت بعدم تصديق: -أنت اللي بعت الورد لوجد، مش كده؟ أنت المجهول يا رائف، صح! زمّ شفتيه، وقلب عينيه، وغادر من أمامها دون أن يتفوه بحرف واحد، تاركًا إياها واقفة بمكانها، متجهًا لغرفته. دلف إلى الغرفة، مغلقًا الباب من خلفه، وبدأ بخلع ملابسه، ولكن أوقفه ذلك الباب الذي فتح على مصراعيه.
فالتفت ينظر تجاه الباب، فوجدها آلاء، وتقترب منه بخطوات سريعة، والشرار يتطاير من عينيها. وقفت في مواجهته، قائلة بخفوت، وبنبرة يشوبها التهديد: -اسمع بقى، أنا مش هسمحلك إنك تأذيهم، وتأذي نفسك، وجد وداغر بيحبوا بعض، وداغر صاحبك قبل ما يبقى ابن عمك، فحرام تعمل كده في لحظة شيطان. تنهد مطولًا، رافعًا رأسه للأعلى، محاولًا تهدئة روعه، فقالت: -قولي إنك هتبطل اللي بتعمله ده، ده ممكن يخرب اللي بينهم.
كزّ على أسنانه، وانحنى برأسه تجاه رأسها، وتمتم من بين أسنانه: -لا يا آلاء، مش هبطل، أنا متأكد من إن وجد بتحبه، بس مفيش مانع إني أضايقه شوية وأشفي غليلي، أنا جوايا نار، فاهمة يعني إيه نار؟ نار مش هيطفيها غير وأنا شايفة هيجنن ويعرف مين اللي بيعمل كده، ويحس إن وجد ممكن تضيع منه، ويحس بنار الغيرة اللي حسيت بيها لما عرفت إن مراتي بتحبه ومحبتش غيره.
أولته ظهرها، وهي تحرك رأسها بنفاذ صبر، وسرعان ما توجهت ناحية الباب، مغادرة الغرفة، رامقة إياه بنظرة سريعة، قائلة بخفوت: -هتندم يا رائف، اللي بتعمله بتعمله عشان واحدة متستاهلش، وكلامي معاك مخلصش. نفى برأسه، مصححًا لها: -لا، بعمله عشان نفسي وعشان كرامتي، مش عشان حد تاني، والكلام خلص بالنسبالي. خرجت من غرفته، مخرجة هاتفها، تريد أن تنفض تفكيرها عنه، مهاتفة شقيقها الذي لا يجيب عن هاتفه، ليبدأ القلق ينهش قلبها. ***
بالطرف الآخر. كانت جالسة على الفراش، ترمقه بدهشة، وهو يأتي ذهابًا وإيابًا كالثور الهائج، لا تعلم ما به، وما سبب تلك العصبية المفرطة التي تراها الآن. -مالك يا داغر؟ فيه إيه؟ وشدتني كده ليه؟ مسح على وجهه، وبسرعة الفهد كان ينحني لمستواها، ويداه تحاوطها من الجانبين، وهتف بغيرة واضحة: -انتي كمان بتسألي؟ أول وآخر مرة يا وجد أشوفك واقفة بتكلمي مع رائف، ومش رائف بس، لا ده رائف وحسام، وحتى عدي أخويا.
لاحت شبح ابتسامة على وجهها، وقالت وهي تنظر بعينيه بتوهان: -أنت بتغير يا داغر! أقترب أكثر بوجهه، وقال وهو يتكئ على حروف كلماته: -أكيد، وعشان كده بحذرك يا وجد، أنا مبحبش حد يتكلم معاكي، ولا يشوف ضحكتك، ولا أي حاجة، انتي مراتي وملكي، والأهم من ده كله حبيبتي يا وجد. أغمضت عيناها، مستمعة بلذة كلماته، ورفعت يديها محاوطة عنقه، قائلة بهيام:
-وانت كمان حبيبي يا داغر، بس ده ميمنعش شوية اختلاط مع كل اللي قلت عليهم دول، ولاد عمي برضو، وكمان عايشين في بيت واحد. اسودت عيناه، وزجر بشراسة: -قولتلك لا يا وجد، مفيش اختلاط، عايزة تختلطي يبقى تختلطي مع ستات البيت وبيا، غير كده ممنوع، انتي سامعة. تنهدت براحة، سعيدة بكلماته وتحكمه ورجولته الطاغية، وقالت بهدوء: -ماشي يا داغر، اللي تشوفه. ***
وقفت السيارة أمام البناية التي تقطن بها، بعدما انتهى اجتماعهم الذي لم يخلو من نظراتهم المتبادلة، والتي لم يفهمها سواهم، فتنهدت هديل، وما كادت أن تترجل من السيارة، فأوقفتها يد عدى التي منعتها من النزول. فالتفتت ترمقه بنظرات متسائلة، فقال بابتسامة ذات مغزى: -مش هتعزميني على فنجان قهوة، أو حتى كوباية عصير؟ مكنتش أعرف إنك بخيلة يا هديل. ابتسمت له، وهي تنظر لساعة معصمها، هاتفة بهدوء:
-مش بخيلة ولا حاجة يا مستر عدى، بس أنت مش شايف إن الوقت اتأخر شوية، وكده المدام ممكن تقلق. صدحت صوت ضحكاته، وقال من بين ضحكاته: -لا، المدام زمانها في سابع نومة، عشان بكرة ورانا مشوار، وأكيد نامت دلوقتي، وحتى لو منمتش، ميهمنيش، أنا مبحبش حد يسألني بروح فين وبآجي منين. ابتسمت له بإعجاب، مغمغمة، وهي تترجل من السيارة: -إذا كان كده، يبقى معنديش مانع أعزمك على حاجة، يلا بينا.
شعر بسعادة تعتريه، وترجل من سيارته، وسار برفقتها، دالفًا إلى البناية، مقسمًا بينه وبين نفسه بأن يجعلها ملكه اليوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!