تسمر الجميع مكانهم بصدمة مما استمعوا إليه، ونظروا تجاه سيد الذي كان الأكثر صدمة. ظل يتطلع على باسم بعدم تصديق. أما داغر، فاحتدمت ملامحه وسيطر الغضب عليه. فتحرك من مكانه يريد أن يصل لباسم ويلقنه درسًا مرة أخرى. فقام رجلان بإمساكه ومنعه من الوصول لباسم. فظلت ضحكات باسم تصدح بسعادة وهو يرى غضبه ذاك. "سيبوني أوعوا بقولكم أوعوا، وربنا يا باسم لو مسكت ما هخلي فيك حتة سليمة."
ثم جز على أسنانه، رامقًا شقيقه بنظرة سريعة فهمها عدي. فاقترب مهرولًا، لاكمًا أحد الرجال ليحرر داغر أثر تلك اللكمة التي تلقاها. فالتفت داغر للآخر وظل يلكمه تحت صراخ سعاد خوفًا على أولادها. اتسعت عين باسم ونهش الخوف قلبه وهو يراهم يسقطون أرضًا. فابتلع ريقه وأخرج سلاحه من ملابسه حتى يتحامى به. وما كاد أن يقترب منه داغر، الذي انتهى هو وعدي من ذلك الرجلين، حتى وجده يشهر بذلك السلاح بوجههم قائلًا:
"مكانك يا حلو، أنت وهو. إلا وربى أصفيلكم العيلة." فتبادل كل من عدي وداغر النظرات، وصدرهم يعلو ويهبط بغضب. وكان سيد لا يزال على صدمته يتطلع عليه بصمت ولا يتحدث. فالتفت باسم إليه قائلًا: "مالك يا جدي؟ الصدمة شديدة عليك مش كده؟ صاح به سلامة قائلًا: "انت عايز ايه مننا يا باسم؟! تجاهله باسم وظل يرمق سيد بنظرات متحدية شامته وقال: "ايه رايك فيا بقى؟ عجبتك مش كدة؟
ظل سيد لازمًا الصمت. فرفع باسم يديه واضعًا إياها على فمه بطريقة مسرحية قائلًا بصدمة مصطنعة: "لا متقولش إنك زعلان، ده أنا تربيتك يا... جدي." وأخيرًا خرج صوت سيد من حلقه، يشوبه بعض من الغضب: "طلعت واطى يا باسم وحقيقي صدمتني فيك. أنا كنت بعتبرك واحد من أحفادي، عمري ما فرقت بينكم، عاملتك زي ما بعاملهم بالظبط. عمري ما حسستك إنك مش من العيلة، صرفنا عليك وعلمناك وفي الآخر ده جزاتنا." ارتسمت
السخرية على وجهه وقال: "معلش بقى، أصل خيرًا تعمل شرًا تلقى يا سيد يا هلالي. وبعدين ما انت عارف إن بعشق الفلوس. المهم خلوني أدخل في الموضوع علطول. أنا مستعد أديكم مبلغ حلو يسندكم شوية بدل ما انتوا على الحديدة كدة، بس ده طبعًا هيبقى ليه مقابل، وهو إنكم تقنعوا وجد تتنازل عن القضية." صاح داغر به بغضب: "مستحيل! انت سامع؟ مستحيل. والفلوس اللي بتكلم عنها دي متلزمناش في حاجة، خليهالك." استدار باسم ينظر
إليه بغضب من رفضه وقال: "وأنا مبكلمكش، أنا كلامي مع جدك." وما لبث أن يكمل: " -وجدك مش موافق؟! لم يتوقع باسم ذلك الرد من سيد، فهو يعلم جيدًا عشقه وحبه للأموال. فابتلع ريقه وابتسم بتصنع، مغمغمًا: "طيب، أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة وهسيبك تفكر تاني يا جدي العزيز." ثم نهض من مكانه، يرمق رجاله الذين بدأوا ينهضون من على الأرضية، قائلًا بسخرية: "قوم يا خويا أنت وهو، قوموا. ما أنا مش مشغل رجالة بدفع لكم على الفاضي. يلا قدامي."
وغادر المنزل، ولم يخفض سلاحه إلا بعد خروجه، خوفًا من قدوم أي غدر من ناحية داغر أو عدي. رن هاتفه فأخرجه مجيبًا إياه، لتتسع ابتسامته مهرولًا للخارج. *** كانت جالسة على تلك الأريكة تشاهد التلفاز، والحزن بادٍ على وجهها. ومن الحين والآخر تنظر بهاتفها منتظرة أن يحدثها، فهي قد أصبحت متعلقة به، فلا يمر يومها دون أن تستمع إلى صوته المحب الحنون.
وأثناء تفكيرها ذلك، سمعت رنين منزلها. فنهضت من مكانها واتجهت تجاه الباب، وقام بفتحه. وسريعًا ما تملكها الذعر والخوف، وأرادت إغلاق الباب مرة أخرى، ولكن لم يسمح لها، دافعًا الباب بقوة جعلتها تترنح بوقفتها، دالفًا إلى المنزل مغلقًا الباب من خلفه، وابتسامة تعتلي وجهه قائلًا: "ايه يا إنجي؟ كنتي فاكرة إني مش هعرف أوصلك لما تغيري عنوانك ولا إيه؟ ده أنا باسم السيوفي يا بت." ابتلعت ريقها وظلت تعود للخلف بظهرها وهي تقول بغضب:
"انت عايز مني ايه؟ أجابها وهو سعيد بخوفها ذلك، يتلذذ به، مغمغمًا وهو يقترب منها: "مالك خايفة كده ليه؟ هما كادت تخطي خطوة أخرى حتى وجدته يجذبها من ذراعها، جاعلًا إياه خلف ظهرها، مما جعلها تتأوه. "ومكنتيش خايفة ليه يوم ما فكرتي تفضحيني قدام أهل مراتى ها؟ كنتي عملالى فيها البت الشجاعة واللي هتقف بظهر صاحبتها بعد ما بعتيها؟ ولا انتي نسيتي يا إنجي إنك انتي اللي ساعدتيني؟ صرخت به إنجي متمتمة بوجع:
"لا منستش ومستحيل أنسى، ومستعدة أعمل أي حاجة عشان وجد تسامحني." اتسعت ابتسامته تدريجيًا وقال: "حلو أوي الجو ده، و خلينا نشوف صاحبتك بقى ممكن تعمل إيه عشان تنقذك من بين إيديا." فدفعها بعيدًا عنه، وانتشل ذلك الهاتف الموضوع على الطاولة وقام بالاتصال عليها. فقالت إنجي: "مش هتسمع منك وجد، مستحيل تعمل حاجة عشاني." ابتسم باسم بتهكم وأردف: "مش عشانك بس، عشان حسام العاشق الولهان." ***
كانت بغرفتها، واضعة قلم بفمها تحاول تذكير دروسها وما فاتها. فامتحاناتها على الأبواب وعليها أن تعوض كل ما فاتها. طاردة الجميع من أفكارها، ولكنها لا تريد الخروج من رأسها. فكلما نظرت بالكتاب ترى صورته. فزفرت بضيق، ممسكة بالقلم الذي بين فمها بغضب، تلقيها أمامها بنفاذ صبر، شاغرة بالغضب من نفسها. فرغم ما فعله، لا يزال يقتحم عقلها. فكيف لا يقتحمه وهو لا يزال بقلبها.
أغمضت عينيها بألم لتجد صورته تقتحم مخيلتها مرة أخرى. ففتحت عينيها ناهضة بعنف من خلف طاولتها، متجهة ناحية الشرفة. فوقفت بها وأخذت شهيقًا طويلًا، زفرته على مهلٍ. فحتى النفس بات يرفض الخروج بسهولة. رن هاتفها الموضوع على الطاولة، فاستدارت متجهة ناحية الهاتف، فوجدت رقمًا غير مسجل لديها. فانتشلته من على الطاولة ووضعته على أذنيها: "أيوة، مين؟ "حزري فزري، أنا مين؟ عضت على شفتيها وابتسمت بغيظ: "هتكون مين يعني؟
واحد حيوان وقريب أوي هخلص منه وحقي هيرجعلي." اغتاظ واشتعل صدره من كلماتها الساخرة والتي تقلل من شأنه: "بتحلمي يا وجد. مش هتخلصي مني بالسهولة دي. قولتهالك وهقولهالك تاني، مش باسم السيوفي اللي تخلصي منه بسهولة." رمق إنجي الواقفة أمامه بنظرة جانبية وابتسامة كبيرة على وجهه، مغمغمًا: "وبعدين ده أنا عاملك مفاجأة هتعجبك أوي."
تشنجت عضلات وجهها وارتعش صدغها بقوة عندما جزت على أسنانها بغضب. فحتى صوته أصبحت لا تتحمله. فهي تكرهه كما لم تكره من قبل. "ومفاجآتك متلزمنيش. وحذاري تتصل برقمي تاني، وإلا والله أقتلك وأخلص الناس من شرك." صدحت صوت ضحكاته بالمنزل ووصلت لمسامع وجد التي اشتعلت أكثر وأكثر، وكأنه يتعمد استفزازها. فأوقف ضحكاته وهو يقترب من إنجي التي تراقب ما يحدث بعيون خائفة على صديقتها.
انحنى أمام وجهها مباشرة، فسارت رجفة خوف بجسدها، لا تعلم ماذا يريد وما الذي سيفعله. فقال بفحيح الأفاعي أمام وجهها: "أنا دلوقتي في شقة صاحبتك إنجي، اللي كانت فاكرة نفسها ناصحة وإنها لو غيرت عنوانها مش هعرف أوصلها، بس على مين؟ اديني وصلتها. ودلوقتي زي الشاطرة تعالي البيت ومعاكي الفيديو والصور اللي تخصني واللي سرقتيها من شقتي." رفعت وجد حاجبيها بسخرية قائلة: "ده إيه الثقة اللي انت فيها دي؟
وبعدين ميهمنيش إذا كنت في شقتها ولا لا، أنا معرفش واحدة اسمها إنجي." صدم باسم من ردها، ولكن سرعان ما سيطر على صدمته وابتعد عن وجه إنجي وقال بتهديد: "هقتلها يا وجد لو مجتيش ومعاكي الفيديو. هقتلها وهخلي حسام يتحسر عليها." عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت بدهشة: "وحسام دخله إيه بالموضوع؟ مش فاهمة." حرك باسم رأسه وقال بخبث: "صحيح، أنا مقولتلكيش. أنا صاحبتك وابن عمك بيحبوا بعض."
تيبست ساقاها من هول ما سمعت واحتلتها صدمة شديدة. فحسام لم يسبق له أن أخبرها عن علاقته ب إنجي، رغم حديثها عنها عدة مرات ومدى تألمها منها وكيف قامت بإيذائها. فأكمل باسم حديثه قائلًا بانتصار: "يلا يا وجد، يلا يا حبيبتي. زي الشاطرة كده هاتي حاجتي وتعاليلي. هقولك العنوان." وما كاد يكمل حتى وجدها تصرخ به بغضب شديد وصوت عالٍ:
"اسمع يا حيوان أنت، لو فاكر إنك هتقدر تهددني تبقى بتحلم. وإنجي اللي بتهددني بيها دي متلزمنيش، ولا حسام كمان. مفيش حاجة ممكن تخليني اتنازل عن حقي. وبصراحة انت طلعت غبي بطريقة مش طبيعية." ثم أغلقت الهاتف بوجهه، ليشتعل من غضبه. فلم يجد أمامه سوى تلك الواقفة أمامه. فاقترب منها يجذبها من خصلاتها وهو يغمغم بغل: "مش مشكلة يا بنت الهلالي، أنا هوريكي. أما انتي بقى فهتتعاقبي دلوقتي على خيانتك ليا."
ثم دفعها أمامه منتشلًا ذلك الحزام من حول خصره. فاتسعت عيناها وهي تقول بنبرة مرتجفة وحروف متقطعة من ذعرها: "ا... انت هتع... هتعمل ايه؟ تبدلت ملامحه وكأنه شيطان بهيئة إنسان وهو يجيبها قائلًا: "حالًا هتعرفي." فرفع يديه التي تحمل ذلك الحزام لينزل به على جسدها.
مرات متتالية سريعة، متغاضيًا عن صراخها الذي دوى بجميع أركان المنزل وآلامها، متلذذًا بتعذيبها. لا يرى أمامه من شدة غضبه، فها قد وجد الطريقة التي ينفث بها عن ذلك الغضب. وليته لم يفعل. *** تحركت وجد تجاه فراشها، وأنفاسها عالية من شدة غضبها من حسام وخداعه لها. فهو على الرغم من معرفته ب إنجي وحبه لها، لم يخبرها. ولكن مهلًا، لما عليها تصديق ذلك الذئب؟ فل تسمع أولًا من ابن عمها، فماذا لو كان باسم كاذبًا وقاطعت حسام دون سبب؟
جذبت هاتفها وقامت بالاتصال عليه. فأجابها سريعًا، ولم تلاحظ ذلك الحزن الذي يشوب صوته، والذي كان سببه ما حدث مع ابن عمه الكبرى وفقدانها جنينها. "حسام، هسألك سؤال وعايزة إجابة صريحة. اتفقنا؟ عقد ما بين حاجبيه بدهشة وقال بهدوء: "وأنا من إمتى مش صريح معاكي يا وجد؟ ما انتي عارفاني." قاطعته وجد قائلة بهدوء ما يسبق العاصفة: "انت تعرف إنجي يا حسام؟
أغمض عينيه، لا يعلم كيف يخبرها بذلك على الهاتف. كان ينتظر فرصته لإخبارها، لم يكن سيخفي عليها ذلك الأمر. "تعرفها يا حسام وبتحبها ولا لا؟ أنا عايزة أسمع جوابك." قالتها وجد بنفس النبرة والهدوء الذي تحدثت به، فأجابها حسام وهو يومئ برأسه: "أيوة يا وجد، عارفها وبحبها. أنا كنت مستني أي فرصة وكنت هحك... -وكنت هتحكيلي مش كده؟
عبيطة أنا المفروض لما تقول لي إنك تعرف وتحب البنت اللي كانت سبب رئيسي في دمارى، إني المفروض أقولك آه وماله يا حبيبي عيش حياتك وحبها، مش كده يا حسام؟ خرج حسام من منزله يريد أن يصل إليها، يقص عليها ما حدث وكيف حدث. لا يتحمل سوء ظنها به. "وجد، ممكن تديني فرصة؟ متحكميش قبل ما تسمعيني." "اسمعك!! بجد عايزينى أسمعك؟ لا يا حسام مش هسمعك. انت كمان خيبت ظني فيك وطلعت زيك زي كل اللي آذوني. ملقتش غير البني آدمة دي عشان تحبها؟
ليه يا حسام؟ ليه بتعملوا فيا كده؟ انتوا متفقين؟ عايزين تجننوني؟ قالتها بصراخ جعل والدتها تدلف غرفتها والدهشة تعتريها من صراخها غير المبرر ذلك. فظلت تتطلع عليها بتفحص، تحاول أن تعلم سبب ذاك الغضب. هبط حسام درجات الدرجات، هاتفه بلهفة: "وجد، اسمعيني أنا جايالك وهفهمك كل حاجة."
استمع داغر إلى اسمها الذي تردد وخرج من فوه ابن عمه عندما كان يخرج من المنزل يريد فتح الورشة الخاصة به، حتى ينغمس بالعمل، يشغل عقله قليلًا عنها. فقال بلهفة وهو يقترب من حسام: "مالها وجد يا حسام؟ أشار له حسام بيديه وخرج من البناية، فلحقه داغر الذي تأكله الخوف والقلق عليها. "وتفتكر هيتغير حاجة؟
اسمع يا حسام، أنت من النهاردة ملكش بنت عم. اعتبر نفسك معرفتنيش. وشكراً يا سيدي على خدماتك اللي قدمتها لي. ومقابل ده وعشان مبقاش مديونة ليك، باسم في شقتها واتصل بيا بيهددني بيها. ياريت تلحقه." تسمر حسام مكانه، وكذلك داغر الذي وقف بجواره يريد أن يعلم ما الذي يحدث معهم. فتحدث حسام بتلعثم خوفًا عليها: "يعني إيه باسم عندها في البيت؟ وجد، كلمي البوليس وروحي ليها البيت، أرجوكي، ده ممكن يأذيها."
"مستحيل أروحلها، انت سامع. وبعدين متخافش أوي كدة، باسم ده واطي وجبان. مستحيل يعملها حاجة، آخره معاها قلمين." حرك حسام رأسه وهو يهرول قائلًا بترجّي: "وجد، اسمعي الكلام، أرجوكي. هي قاعدة في بيتها القديم دلوقتي، أرجوكي روحي لها." "مستحيل." قالتها وجد وأغلقت الهاتف بوجهه. صعد حسام بإحدى سيارة الأجرة، متجاهلًا حديث داغر المتسائل. كل ما يهمه الآن أن يصل إلى محبوبته التي قد تتأذى على يد ذلك الوغد. فأخرج هاتفه، فانتشله
داغر الذي صعد بجواره: "انت بتعمل ايه يا حسام؟ "إنجي يا داغر، إنجي. باسم عندها في البيت، هيأذيها يا داغر، هيأذيها." قالها ودموعه تهبط من عينيه، جاذبًا الهاتف من بين يد داغر ليتصل بالبوليس، معطيًا إياهم عنوانها. *** "في إيه وجد؟ بتزعقي كده في مين؟
قالتها سحر بفضول. فأولتها وجد ظهرها، تفكر بحديث حسام، وبدأ القلق يتسلل قلبها. فعلى الرغم من اللامبالاة التي أظهرتها، إلا أن قلبها يتآكلها على تلك الصديقة الغادرة. لا تريد تحمل ذنبها إذا حدث لها، فهي... هرولت ناحية هاتفها مبلغة عن تواجد باسم بمنزل إنجي، وعن احتمال حدوث شيء لها. وبعدها اتجهت تجاه الخزانة تخرج بنطلون قماشًا وإحدى الكنزات، وارتدت على عجلة من أمرهم أمام والدتها التي رفعت حاجبيها قائلة:
"انتي رايحة فين يا وجد؟ إيه اللي بيحصل بالظبط؟! تجاهلتها وجد وجذبت ذلك الحجاب الصغير ووضعته على خصلاتها، وجذبت حقيبتها وهاتفها وهي تقول: "مفاتيح عربيتك فين؟ "عندك بره على السفرة." خرجت من الغرفة وانتشلت مفاتيح السيارة، وتحركت مغادرة المنزل بسرعة فائقة. *** وصلت أمام تلك البناية، فترجلت من سيارتها مهرولة، صاعدة ذلك الدور القاطنة به إنجي، وأنفاسها ثائرة من شدة قلقها.
وصلت أمام باب المنزل، وما كادت أن تطرقه بعنف حتى ازدادت خفقاتها بذعر عندما وجدت باب منزلها مفتوحًا. فابتلعت ريقها ودلفت إلى الداخل بخطوات سريعة. وما كادت أن تخطى خطوات أخرى حتى شهقت بصوت عالٍ، واضعة يديها على فمها عندما وجدتها متسطحة على الأرضية، والدماء يغطي جسدها وملابسها ممزقة. فاقتربت منها بهدوء، وعيناها تلتمع بالدموع من هول ذلك المنظر. فجلست بجوارها على ركبتيها. فمن الواضح بأنه كان يعذبها. فأرتجف شفتاها ورددت
اسمها بهمس وصوت خافت: "إنجي... إنجي." لم تجد رد، وكأنها جثة هامدة أمامها. فأخرجت حقيبتها واتصلت بسيارة الإسعاف. فظلت تبكي بجوارها، ممسكة بيديها تحاول أن تجعلها تستيقظ وتفتح جفونها: "إنجي، انتي سمعاني؟ إنجي ردي عليا." وبعد مرور بعض الوقت، جاءت عناصر الشرطة والإسعاف ونقلوها إلى أحد المشافي. ووجد قد قدمت إفادتها ولحقت بها إلى المستشفى. ***
وصل داغر وحسام أمام بنايتها ليجدوا عناصر الشرطة لا تزال موجودة. فاقترب حسام مهرولًا باتجاههم متسائلًا عنها: "لو سمحت، لو سمحت، إيه اللي حصل؟ أنا اللي مقدم بلاغ، ممكن أعرف إيه اللي حصل وإنجي فين؟ قالها حسام بخوف شديد وداغر بجواره يحاول تهدئته. فأجابه الشرطي: "مع الأسف، الآنسة إنجي نقلوها المستشفى، ودلوقتي بنرفع البصمات من البيت. والآنسة اللي كانت معاها قدمت إفادتها وراحت معاها المستشفى." "فين المستشفى؟
استمع حسام إلى عنوان المستشفى، وداغر لا يزال بجواره. ولاول مرة يرى حسام بتلك الحالة، فهو مشتت، يتملكه الخوف، عينيه تلمع بالدموع. *** وصلا إلى المستشفى، فوصل أمام تلك الغرفة التي أخبروه بتواجدها به. فوجد وجد جالسة أمام الغرفة، واضعة رأسها بين يديها. فنادى عليها: "وجد... نظرت وجد باتجاه الصوت بلهفة. فاقترب حسام وداغر منها، فقال حسام بخوف مميت: "طمنيني يا وجد، إنجي فين؟ إيه اللي حصلها؟ تحررت دموعها من مقلتيها،
متمتمة وهي لا تنظر بعينيه: "الدكاترة لسه بيفحصوها يا حسام." رفع حسام ووضع يديه على يدها، متمتمًا بقسوة: "إيه اللي حصل يا وجد؟ نظر داغر تجاه يده التي تحاوط ذراع وجد بقسوة، فرفع يده وحرر يدها من بين يديه، قائلًا: "حسام اهدأ، مينفعش اللي بتعمله ده." ابتلع حسام ريقه، وما كاد يتحدث مرة أخرى حتى خرج الطبيب من تلك الغرفة. فهرولت وجد نحوه متسائلة عن حالة صديقتها: "طمني يا دكتور، هي كويسة صح؟
"مع الأسف، إحنا عملنا اللي علينا، بس هي جت خلصانة. لأن جسمها ضعيف مستحملش اللي حصلها. غير أنها نزفت كتير وخسرت دم كتير. الضرب اللي على جسمها غير طبيعي بالمرة، ده أكيد واحد مريض. جسمها متشوه من كتر الضرب." صدم كل من وجد وداغر وحسام. فابتسم حسام ابتسامة عدم تصديق وهو ينظر تجاه وجد بمرارة: "انت بتقول إيه يا دكتور؟ لا إنجي مستحيل تسبني، انت أكيد بتهزر."
أما وجد، فجلست مكانها بعدما شعرت بأن قدميها لا تحملانها، بعدما استمعت إلى خبر وفاة صديقتها. لا تصدق بأنها قد فارقت الحياة. فهي لا تزال صغيرة، كيف له أن يفعل بها ذلك ويقتلها بدون رحمة؟ كيف طاوعه قلبه ليفعل بها تلك الفعلة؟ رفعت عينيها تنظر لحسام الذي كان يهديه داغر: "اهدأ يا حسام، ده قضاء ربنا. ادعيلها بالرحمة."
جلس حسام على الأرضية ودموعه تنهمر من مقلتيه، يشعر باحتراق داخل صدره وقلبه. كان يريد أن يخبرها بمشاعره تجاهها، يريد إخبارها بأنه يتقبلها مثلما هي، سيتغاضى عن أفعالها السابقة، يكفي أن تحبه فقط مثلما أحبها وتعلق بها. رفع عينيه شديدة الاحمرار، وهو ينظر تجاه وجد بنظرات قاتلة، فهي السبب في موتها، لولا عندها وإصرارها، ما كاد حدث ما حدث. فنهض من على الأرض و...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!